الشيخ طاهر الجزائري في المجتمع

بقلم: د.نزار أباظة -

لاشك أن الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله أحد الشخصيات الكبيرة على مستوى الوطن العربي إذا نحن عددنا الرجال المصلحين في عصر النهضة الحديثة..‏

لن يتناول هذا المقال مكانة الشيخ طاهر العلمية ولا سيرته الذاتية عموماً إلا ما يتصل منها بما أحدثه في المجتمع.‏

كان الرجل مدرسة كبرى في التحديث والتطوير وإصلاح حال الأمة بما يحمل من فكر مستنير، وما يتطلع إليه من آفاق واسعة، لم يعهد مثلها في البلاد العربية إلا عند قلة قليلة من الرجال الذين نثرتهم يد القدرة الإلهية في حالك الظلمات نجوماً تتلألأ في المشرق والمغرب، من أمثال آل الآلوسي في العراق والسيد رشيد رضا في مصر وجمال الدين القاسمي في الشام.

انصرف الشيخ طاهر إلى العلم بأنواعه انصرافاً كاملاً منذ شب ووعى على الدنيا، واتصل من أجله بعلماء مستنيرين، ولا يخفى ما للشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني من أثر فيه، ذلك الشيخ الذي لازمه حتى آخر عمره، وعنه أخذ كراهيته للبدع والأوهام والخرافات.. وفيه زرع الشوق إلى العلم وشدة محبته له.‏

كان الشائع بين الشيوخ آنذاك الاقتصار على علوم الشريعة والعربية، لا يكادون يجاوزونها إلى علوم أخرى ولا يفكرون بها. كما أنهم اقتصروا على كتب بعينها يعنون بعباراتها لا يزيدون عليها حرفاً ولا ينقصون جملة.. ولا يبدلون.‏

وكان إلى جانب العلماء طائفة من الصوفية أخذت حظاً يسيراً من العلم جمدت عليه، سماهم الشيخ طاهر (الحشوية) اهتمت بقشور التصوف بعيداً عن لُبابه، ومزجت ما عندها من العلم بكثير من الأوهام والخرافات وتقديس الأموات ونسبة الكرامات لهم.. وطلب الحاجات إليهم.‏

تألم الشيخ طاهر لهذا الوضع الاجتماعي المزري الذي تتردى به الأمة، وآمن إيماناً جازماً بأن الخلاص لا يكون إلا بالعلم المتكامل الجوانب، فبدأ الرجل بنفسه.‏

أكب على العلوم المختلفة وفتش عن مصادرها المطبوعة والمخطوطة وتلقف بشغف ما كان يسمعه من أحاديث العلماء الذين تلقوا العلم في المدارس العالية أو الأجنبية.. فإذا به يدخر حصيلة كبيرة قيمة من علوم الطبيعة والرياضيات، وأتقن إلى جانب العربية لغة الفرس ونظم بها الشعر كما ينظم بالعربية، وتمكن من اللغة التركية، وتكلم الفرنسية، وألم بمبادئ السريانية والعبرانية والحبشية.. وكان يعرف البربرية لغة مواطنيه في الجزائر التي هاجر منها أبوه مفتي المالكية بدمشق.‏

ومن أجل أن يتسنى له دراسة الآثار تعلم كثيراً من الخطوط القديمة كالخط الكوفي والمشجر والعبراني وغيرها..‏

ولما استوت شخصية الشيخ طاهر واكتمل علمه وحصف عقله فكر بالأسباب التي يستطيع بها أن ينهض بالمجتمع فوجدها في جملة أمور، منها الاهتمام بالشباب الذين هم عدة التطور وعماده، ومنها إنشاء المدارس، ومنها الاهتمام بالثقافة ونشر العلم الصحيح.‏

كانت هذه خطة الشيخ في إصلاح المجتمع.. وهي خطة كانت تخشاها الحكومة التي لم تشأ أن تحرك ساكناً آنذاك.. ويخشاها الحشويون الذين ناصبوا الرجل العداء الواضح الفاضح.‏

وسعى الشيخ فجمع حوله ثلة من الشباب آمنت به من أمثال سعيد الباني، ومحمد كرد علي ورفيق العظم، وشكري العسلي، وعبد الوهاب المليحي (الإنكليزي)، وعبد الحميد الزهراوي، وسليم الجزائري، ومحمد علي مسلّم، وعبد الرحمن الشهبندر، وفارس الخوري، ومحيي الدين الخطيب وآخرين..‏

وكل هؤلاء صار له شأن فيما بعد..ولم يكن أحد منهم خامل الذكر ولا منحرف التفكير ولا من أصحاب الأسماء النكرة.‏

ألَّف طاهر الجزائري من هؤلاء الشباب حلقات متعددة، تجتمع إحداها به بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، ويلقى الثانية في يوم آخر، ويحدد للثالثة موعداً مختلفاً..‏

وكان له معهم سهرات ليلية متواصلة، ينتقل من أجلها في مختلف أحياء دمشق، ويتخير المنازل التي يكثر زائروها من النبهاء والمثقفين، فيعرض عليهم كل ما يقدِّر أنه يهمهم الاستماع إليه عن الحركات العلمية والفكرية والسياسية خلال الأسبوع الذي اجتمعوا في نهايته.. إلا أن مركزه الأساسي كان في مدرسة عبد الله باشا العظم الذي يأوي إليها هو والشباب.‏

وكان يربي هؤلاء الشباب تربية مختلفة عما أُلف في زمانه، ولم ينهج في تعليمه لهم منهج الحلقات، بل يلقنهم مبادئه بلا كلفة ومن غير تعقيد، لأنه يريد تقصير طريق التعليم على المتعلم وإعطاءه لباب العلم دون التعمق بما لا يفيد.‏

قال الأمير مصطفى الشهابي: «في تلك المدة التي قضاها الشيخ طاهر الجزائري بالشام كان يتحلق حوله في دمشق صفوة المتعلمين والنبهاء والمفكرين العرب.. فتألفت من جمعهم أكبر حلقة أدبية وثقافية كانت تدعو إلى العلوم العصرية ومدارسة تاريخ العرب وتراثهم العلمي وآداب اللغة العربية، والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية والأخذ بالصالح من المدنية الغربية».‏

وكان يقوِّي في طلابه روح العزيمة، ويحب لهم أن يكونوا شجعاناً بعيدين عن الأوهام، وأن يصبروا على الجهد.‏

وينصح لمن حوله من الشباب أن يعتمدوا على أنفسهم في اكتساب لقمة العيش، لا أن يتسكعوا في البحث عن أعمال، فيقول لهم: «تعلموا العلم، وتعلموا معه صناعة تعيشون منها، حتى لا تقفوا على أبواب السلطان، تستجدون الوظائف والجرايات».‏

وكان من أسباب النهضة لديه تأسيس المدارس ونشر التعليم..‏

وقد وجد في الوالي مدحت باشا حين قدم دمشق عوناً له على الوصول إلى ما يريد من السعاية للإصلاح.. وأقنعه بضرورة فتح المدارس.‏

وكان الشيخ عضواً في «الجمعية الخيرية» العلمية الاجتماعية التي أسسها علماء ووجهاء متنورون، فقام من خلالها وبأمر الحكومة بالاستيلاء على المدارس الموقوفة على طلب العلم وكانت معطلة لا يستفاد منها، وكذلك الأماكن الملحقة بالجوامع، وكان يحتلها متنفذون فاسدون يستغلونها لمصالحهم الشخصية.. فعمل الشيخ طاهر على تجهيزها وترميمها.. وافتتح في دمشق نحو تسع مدارس، اثنتان منها للإناث..‏

ولما رأى الوالي هذا الجهد المتميز، وهذه الخطوة الحصيفة عين الشيخ طاهر الجزائري مفتشاً عاماً للمعارف في سورية، فبدأ يبذل جهوداً إضافية جبارة في سبيل إصلاح أساليب التعليم، وكان يتعهد المعلمين بالنصح والإرشاد والتوجيه.. ويسهر الليالي الطويلة عاكفاً على تأليف الكتب في مختلف العلوم الدينية والعربية والرياضية مبسطاً أساليبها، وكان يشرف بنفسه على طبعها في مطبعة الجمعية الخيرية.‏

وكان من أسباب النهضة لديه الأخذ بالثقافة عموماً، وحث الناس على الإطلاع والمطالعة ونشر المخطوطات، ومن هنا رأى ضرورة أن يكون في البلدة مكتبة عامة يأوي إليها القراء، يطلعون على العلوم، ويبحثون، ويوسعون آفاقهم.. فعمل على تأسيس دار الكتب الوطنية..‏

كانت الكتب يومذاك عزيزة قليلة، وكذلك المخطوطات.. وتفكر الشيخ في الأمر فوجد مخطوطات نفيسة نادرة في المساجد والمدارس القديمة تتعرض للسرقة والتلف والإفساد، وهي بين أيدي ناس يستحلون الحرام..‏

وبقوة القانون استطاع طاهر الجزائري أن يستنقذ ما استطاع من تلك المخطوطات، ويجمعها تحت قبة المدرسة الظاهرية، وأن يعين لها محافظاً يتسلمها، ويستقبل القراء في أوقات محددة.‏

وقد تعرض الرجل من أجل ذلك إلى إزعاجات فظيعة، وتلقى تهديداً بالقتل من الفاسدين الذي كانوا ينتفعون بالأوقاف لأنه عطّل مصالحهم.‏

وبقيت الظاهرية حتى اليوم تشهد له بأنه وضع الحجر الأساسي لها، وحوّلها من تربة ومدرسة بسيطة إلى دار وطنية للكتب.. في بلد ذي تاريخ مجيد، من العار ألا يكون فيه مكتبة عامة(1).‏

هذه هي فضائل الشيخ طاهر الجزائري على دمشق، يجب أن يذكر فيها الرجل بكل حب وتقدير.. قدم من نفسه لأجلها الكثير..‏

قدّم فكراً حراً، وقف ضد التحجر والرجعية والاستبداد والجمود..‏

فحارب كل ذلك من خلال المجتمع، بما أتيح له من قدرة ومن طاقة فردية.‏

على أنّ للشيخ طاهر الجزائري وجهاً آخر في حياته الاجتماعية، أمر لنقل في حياته الشخصية..‏

كانت له طبيعة خاصّة جداً، ومزاج يتفرد به.. وكان لا يحب للشباب من حوله أن يكونوا على مثل طبيعته، ولا على ما يشبه مزاجه..‏

وكان يقول لهم: «أنا شاذّ في عاداتي، وأحب ألا يقتدي بي أحد منكم».‏

كره الزواج لأنه قيد، وابتعد منذ صغره عن التصوف وطرقه، مع أنه من بيئة أكثر أفرادها متصوفون، أو من شيوخ الطرق؛ لأنه وجد فيها قيوداً لا بد من التزامها.‏

وكان له شغف وإسراف في تعاطي القهوة والشاي إلى جانب التدخين، لا يترك ذلك كله حتى نقلت عنه في ذلك نوادر.‏

حدثني الشيخ أحمد القاسمي رحمه الله قال: حضرت في دار عمي الشيخ جمال الدين القاسمي مجلساً ضمّ الشيخ طاهر الجزائري ونفراً لا يزيدون عن الخمسة، كانوا يتحاججون ويتحاورون في قضية عويصة، وكان علي تقديم الشاي للضيوف، واستمر المجلس حتى قدمتُ لهم كؤوساً بلغت 40 ليتراً، شرب الشيخ منها مقداراً عظيماً. وانتهى المجلس بانتصار الشيخ طاهر في حجته على محاوريه.. وانتشى نشوة بدت عليه بعدما غادرنا الضيوف، وبقي هو مع عمي.. فالتفت إلـيَّ الشيخ طاهر، وقال لي: يا ولدي، نريد الآن كأس شاي نشربه (على الرواق).‏

ومن عجائب الشيخ في حياته أنه كان يحمل معه دوماً (زاده) في جيبه(1) بأعلى قفطانه الذي يضمه إلى جسمه في شال عريض فيضع في ذلك الجيب طعاماً جافاً، خبزاً وجبناً وزيتوناً ومشمشاً مجففاً أو ما يسمى في الشام قمر الدين، ويضع كذلك كتاباً أو أكثر، كما يضع خيوطاً وإبرة ومقصاً، وتبغاً وعود ثقاب.. وأشياء أُخر. ذلك لأنه لا يرتبط ببيت ولا بنظام أسرة، يأكل متى جاع، وينام حيثما كان.. ويسافر متى يريد.. يقرر السفر في الحال عند اللزوم، فلا يربطه ببيته شيء.‏

ومن عجائبه كذلك أنه كان إذا أراد أن يسافر لبس ثياباً داخلية طبقات بعضها فوق بعض، فكلما اتسخ ما يلاصق جسمه خلعه ورماه في القمامة حتى تتسخ الطبقة التي تليها، لا يجد وقتاً لغسيله.. وهكذا حتى تنتهي الطبقات.‏

نام مرة عند بعض معارفه في قيلولة، وخلال نومه وجدت ربة البيت أن جبته بحاجة إلى خياطة، فتناولتها لتصلحها، وما إن أعملت فيها الإبرة حتى استيقظ الشيخ، واستأذن بسرعة للخروج، وطلب جبته،فلما أخبره المضيف أنها عند المرأة ترفوها انزعج وأعجل صاحب الدار على إعطائه إياها، واستعجل الرجل زوجته، فدفعت إليه الجبة قبل تمام إصلاحها ونسيت الإبرة والخيط لم تقصه، فلبسها الشيخ وخرج والإبرة تتدلى منها.‏

ولئن كانت هذه عجائبه في الشام إن عجائبه في مصر أكبر..‏

رحل الرجل من دمشق بعد مضايقة الدولة له، وخاف من بطش الولاة.. حمل معه مخطوطات نادرة نفيسة إلى القاهرة، وسكن في بيت زهيد الأجرة، وكان يتجر بالكتب يحصل منها على ما يقوم بقوت نفسه. ولما ذاع صيته لم يقبل عرض أحمد تيمور باشا الذي سعى له بوظيفة في دار الكتب، فاعتذر بأن شيخوخته لم تعد تساعده. وانزعج من صاحب جريدة المؤيد حين أراد أن يتوسط له لدى الخديوي لإجراء راتب مناسب.‏

وعجب الكبار لهذا الشيخ كيف يعيش.. حتى قال بعضهم: لو كنت أومن بالعجائب لقلت إن الشيخ يكسب مصروفه من مال يأتيه من تحت وسادته.‏

وبعد‏

فهذه بعض فضائل الشيخ طاهر وغرائبه الاجتماعية، أما عن صورته، فكان حسن الطلعة، معتدل القامة، حنطي اللون، أسود الشعر، غائر العيش، يضع على أنفه نظارة صغيرة من الزجاج الأبيض، كث اللحية تحف بوجه نيّر وضاء، يتخذ عمامة من قماش الأغباني وهي زي التجار يلفها بدون نظام خاص ولا قاعدة.. يبدو وكأنه من عامة الناس.. ولم يكن يعتني بثيابه ولا مظهره..‏

وكان نشيطاً، سريع الحركة، واسع الخطوات، يحبُّ السباحة والمشي والتجوال ومعرفة الناس، ويؤثر الخمول على الظهور وشهرته تتبعه على غير رضاه.‏

وكان الشيخ طاهر زاهداً شديد الزهد، يتأبط الكتاب أو الكتابين مما قرأ يبيعهما في السوق إن أعوزه ثمنهما.. وكثيراً ما كان يوزع بعض المال على المعوزين، ويكثر التردد على الفقراء، ويسأل عن أحوالهم، ويبتعد عن كبار الأغنياء وذوي الجاه إلا إذا ربطته بأحدهم وشيجة من علم أو أدب.‏

هذا هو العَلَم الكبير الذي قال بحقه تلميذه محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي ومؤسسه: «سعى الشيخ طول حياته لنشل المسلمين من سقطتهم.. ونشر العلوم القديمة والحديثة بين أبنائهم.. ولولا ما قام به من التذرع بجميع الذرائع لتأخرت نهضة المسلمين في الشام أكثر من نصف قرن».‏

وعاد هذا الشيخ الجليل من مصر بعد انسحاب الأتراك.. عاد مهدماً مريضاً بالربو، فلم تطل به الحياة حتى لقي وجه ربه راضياً مرضياً، بعد أن شارك بتأسيس المجمع وبحضور بعض جلساته.

وأهم المراجع والمصادر‏

ـ الشيخ طاهر الجزائري رائد النهضة العلمية في بلاد الشام‏

د. عدنان الخطيب القاهرة، 1971م‏

ـ تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر‏

محمد سعيد الباني دمشق، 1339هـ /1920م‏

ـ المذكرات (1-4)‏

محمد كرد علي دمشق، 1980‏

ـ المعاصرون‏

محمد كرد علي دمشق، مطبوعات المجمع، 1980م‏

ـ مقابلات شفوية‏

دمشق 18/8/2007‏

الهوامش:

(1) وكذلك أسس الشيخ طاهر في القدس مكتبة وطنية بمساعدة آل الخالدي جمع فيها نفائس الكتب والمخطوطات، سميت المكتبة الخالدية.‏

(2) الجبيب هو الشق في أعلى الثوب‏

آخر التغريدات: