إعجاز القرآن عند عبد الحميد بن باديس -جمعاً ودراسة- 2/2

بقلم: نبيل بن أحمد بَلْهِي -

المبحث الثاني: أوجه الإعجاز القرآني عند ابن باديس.

المطلب الأول: الإعجاز البلاغي للقرآن.

إنَّ أعظم وجهٍ من وجوه الإعجاز القرآني وأظهره، هو الإعجاز البلاغي (البياني)؛ لأنَّه يشمل القرآن كلَّه بجميع آياته، وهو الذي وقع التحدِّي به في جميع سور القرآن، فما من آية إلا وفيها من البلاغة وحسن البيان ما يعجز فصحاء العرب عن الإتيان بمثله نظماً وأسلوباً ومعناً، فدلَّ ذلك على صدق نبوَّته عليه الصلاة والسلام لما جاء بهذا القرآن(20)، لذلك جعله الشيخ ابن باديس أقوى وأظهر وجوه الإعجاز القرآني فقال: "القرآن أعجز العرب ببلاغته، حتَّى عرفوا- وعرف العلماء بلسانهم المرتاضين ببيانهم- أنَّه ليس مثله من طوق البشر، هذه هي الناحية الظاهرة في إعجاز القرآن والاستدلال به له ولمن أتي به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ".(21)

والإعجاز البلاغي يرجع في لبِّهِ وأصله إلى النظم المتضمِّن للألفاظ والمعاني، والربط بينها وترتيبها وطريقة تصويرها، وغير ذلك من البيان والبديع، على نحوٍ عجز العرب أن يأتوا بمثله، وهم أقدر الناس على الفصاحة والبلاغة، فوقع التحدِّي في تلك العملية العقلية التي أتقنوها في التأليف بين الكلمات والتأثير في السامع، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، يقول ابن باديس مبيناً ذلك :"وآية النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وهي القرآن العظيم معجزة علمية عقلية يخضع لسلطانها كلُّ من يسمعها ويفهمها ولا يستطيع معارضتها، لا في لفظها وأسلوبها وبيانها الذي عجزت عن معارضة أقصر سوره العرب، على ما كان من حميَّتها وأنَفَتها وشدَّة رغبتها في إبطالها لو وَجَدَتْ سبيلا إليها فقط".(22)

ووجه الإعجاز في بلاغة القرآن وبيانِهِ، أنَّ العرب على فصاحتها وقوَّة بلاغتها عجزت أن تُأَلِّفَ كلاماً يضاهي القرآن، فلا هو يشبه أشعارهم ولا أرجازهم، وقد كانوا حريصين على محاكاته حفظاً لشرفهم، فهم يأنفون الانهزام عند التحدي، ولكنهم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، فظهر يقيناً بعد ذلك أن كلاما بهذه القوة في التأثير، والفصاحة في التعبير، لا يمكن أن يكون إلا من اللطيف الخبير، الذي أحاط بالكلام كلِّه، لفظه ومعناه، فوجب بعد العجز أن يؤمن العاجزون وغيرهم أنه كلام الله الذي لا يُجَارَى، وقامت الحجة على وجوب إتباع ما جاء في هذا القرآن، والإيمان بالرسول الذي بلغ كلام الرحمن. فليس القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعرفون محمداً - عليه السلام- وأنه أُمِّيٌ لا يقرأ ولا يكتب، فلقد نشأ بينهم وترعرع في أكنافهم، ويعرفون كلامه من مخالطته لهم، فالقرآن لا يشبه كلامه البشري ولا كلامهم، والأدهى من ذلك أنه مؤلَّف من الكلمات والألفاظ التي يعرفونها ويتكلمون بها، ومع ذلك عجزوا أن ينظموا نظما متناسقا في اللفظ والمعنى والأسلوب كما هو عليه القرآن الكريم، فلما بُهِرُوا ادعوا زورا أن هناك من يُعِينُهُ على تأليف هذا الكلام، ولقد علموا أنهم لن يستطيعوا الإتيان بهذا الكلام ولو اجتمعوا على ذلك، كما قال الله تعالى في حقهم متحديا لهم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨ ]، يقول ابن باديس في بيان هذا المعنى:

"ومن كلامه مثل كلامهم في ألفاظه وفي تراكيبه، ثم هم يعجزون عن معارضته بمثل أقصر سورة منه، ثم يشهدون الفرق بينه وبين كلام محمد نفسه؛ فهو إذا حدَّثهم بما اعتادوا من حديثه معهم، حتَّى إذا تلى عليهم القرآن جاءهم بما هو فوق كلامه وكلامهم، وما تقصر عن معارضته ألسنتهم، بهرهم هذا، وهذا، وأخذ العناد بعقولهم، واستحوذت عليهم شياطينهم فحاروا فيما يقذفون به هذا الرسول وهذا الكتاب، فأخذوا يقولون عن الكتاب: إنَّه إفكٌ مفترى!! ورأوه أكبر مما كانوا يسمعون من كلام محمد فلم يكن ليأتي به وحده وهو فوق المعتاد من كلامه، فإذا هنالك أقوام يعينونه، ومن هم الأقوام؟ وهو- بعد- في نفر قليل ممن آمن به، وهم هم في كثرتهم وتساندهم، وقد عجزوا عن الإتيان بشيء مثله، فالقليل أحرى بالعجز من الكثير".(23)

وبالرغم من أن الإعجاز البياني للقرآن له ضروب يصعب حصرها، إلا أن ابن باديس اعتنى في تفسيره ببيان بعض تلك النواحي الإعجازية في التعبير القرآني، خاصَّة أنَّه معروف بنزعته البلاغية، وتذوقه لفنون الكلام، فكان يتعرض في بعض المواضع في تفسيره لبيان هذا اللون من الإعجاز، ولا بأس أن أذكر بعض الأمثلة التي وقفت عليها:

أولا: إعجاز الألفاظ القرآنية.

إن المتأمل في الألفاظ القرآنية يدرك إعجازا بلاغيا في اختيارها واستعمالها وتركيبها، وقد نَبَّهَ ابن باديس على هذا الوجه فقال في تفسير سورة الفلق، مبيناً الإعجاز في استعمال لفظة (الفلق) ما يلي: "وممَّا وصف به ربُّنا نفسه في القرآن "فَالِقُ الْإِصْبَاحِ" [الأنعام: 96]، و" فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ" [الأنعام: 95]، فهما من أسمائه تعالى، ومواقع هذه الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب في القرآن، كمواقع أسماء المخلوقات التي أقسم بها الله؛ كلاهما عجيب معجز، فكلُّ لفظة تستعمل في المقام الذي يناسبها وتناسبه، وكل لفظة تبعث في الأسلوب الذي وقعت فيه متانة وقوة، وفي معناها وضوحاً وجلاء".(24)

ومن العجيب أن نجد الفكرة نفسها عند غيره ممن اعتني بالإعجاز في هذه الآية، يقول محمد شيخون: "وابحث عن أيِّ كلمة أخرى تقوم مقام ﴿فالق﴾ تؤدِّي معناها وتقوم مقامها في تصوير المراد وتجسيم الفكرة، وابحث عن أي كلمة أخرى تضعها موضع ﴿الاصباح﴾ في دلالتها على الحركة والانبثاق، وفي بثِّ حقيقة المعنى المطلوب، ثم فتِّش في اللغة كلِّها عن كلمة تضعها في مكان ﴿سكنًا﴾ فيها هدوءها، ولينها المنبعث من فتحاتها المتتابعة وفيها ما تبثُّهُ من الصورة في الخيال والنفس، ثم ابحث ما شئت عن كلمة أخضر وأدل وأجمع من هذه الكلمة العجيبة: ﴿حسبانًا﴾. ابحث عن كل ذلك، وقلِّب الآية على ما تختاره من الوجوه، فستجد أن اللغة كلها أعجز من أن تأتي لها بألفاظ مثلها أو خير منها، ومهما غيرت في الآية أفسدت من بهائها، ونقصت من روعتها واشراقها، والقرآن كلُّه مثال على ذلك".(25)

ثانيا: الإعجاز في قصص القرآن.

اعتنى ابن باديس ببيان وجه الإعجاز في التعبير والتصوير القرآني، عند كلامه عن الإعجاز في القصة القرآنية، وكيف أن القرآن الكريم كان يختصر الكلام على مراحل تاريخية مديدة بأسلوب متين وتصوير بياني عجيب حتَّى أن القارئ يعيش تلك المرحلة نفسياً من قوَّة التعبير، كل ذلك في كلمات معدودات، وجمل قليلة، مما لا يستطيعه أي بشرٍ مهما أوتى من بلاغة وفصاحة، ولقد مثَّل لذلك ابن باديس بقصَّة سبأ في القرآن الكريم وهي قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)} [سبأ: ١٥ - ١٩].

قال -رحمه الله- مبينا ذلك: "ليس المقامُ مقامَ تَبَسُّط في وجوه البلاغة المعجزة التي تنطوي عليها هذه الآيات: فقد استوعبت تاريخ أمة في سطور، وصورت لنا أطواراً اجتماعية كاملة في جمل قليلة أبدع تصوير، ووصفت لنا بعض خصائص الحضارة والبداوة في جمل جامعة، لا أظن غير اللسان العربي يَتَّسِعْ لحملها: كقوله ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾، وكقوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾، وكقوله: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ حتى إذا وصل القارئ إلى مصير الأمة التي سمع ما هاله من وصفها، واجهه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. وأدركه الغرق في لجج البلاغة الزاخرة".(26)

ثالثا: الإعجاز في ترتيب كلمات القرآن.

ومن وجوه الإعجاز البلاغي التي أظهرها ابن باديس البلاغة في ترتيب كلمات القرآن، على نسق معجز، فقال عند تفسيره لسورة الفلق: "وبعد أن يوجِّه الاضطرارُ نفوسَنا هذا التوجيه الصحيح، تندفع ألسنتنا وتقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾، وبهذا تظهر المناسبة الدقيقة بين ﴿ربّ﴾ و﴿الفلق﴾.

1- فإنَّ ربَّ الناس ومربيهم وسائقهم إلى ما يكمل وجودهم، هو الذي تنكشف لعلمه سرائرهم، والفلق نور يكشف للعيان كل المبصرات فترى على حقائقها ومقاديرها، لا يزيغ البصر في شيء منها ولا يطغى، والإنسان مهما يكن عالما فقد تخفى عليه حقائق من المعقولات فيزيغ فكره ويطغى.

2- ومناسبة أخرى، وهي أنَّ الشرَّ ظلام، وقد أجرى الله في فطر البشر تصور الشرِّ كالظلام، وأجرى على ألسنتهم تشبيه الشرِّ بالظلام: ذلك أن ما يلابس إحساسهم من الأنس بالنور والبشاشة له، هو عين ما يلابسه من الأنس والبشاشة للخير، وأنَّ ما يضايقهم من وحشة الظلام وتوقع الهلاك فيه، هو عين ما يضايقهم من ذلك الشر.

هذا كلُّه في الشر على عمومه، ثم خصَّص تعالى من هذا العموم ثلاثة أنواع من الشر، لشدة تعلُّقها بحياة الإنسان وكثرة عروضها له، ويجيء أكثرها من أخيه الإنسان، ورتبها ترتيباً بديعاً لا يستغرب في جنب بلاغة القرآن، ودقَّته في رعاية المراتب وتنسيقها في عرض الأذهان".(27)

رابعا: الإعجاز في القراءات القرآنية.

ومما أبرزه الشيخ ابن باديس من بلاغة القرآن المعجزة، ذلك السرُّ العظيم في استعمال القرآن لألفاظ ذات معاني متنوعة، ويكون معنى الآية صحيحاً في استعماله على جميع تلك المعاني للفظ الواحد، وهذا لا يدركه إلا من أحاط بالكلام كلِّه لفظه ومعناه، ولا يستطيعه البشر القاصر. يقول الإمام السيوطي: "ومن المبالغة في إعجازه بإيجازه، إذ تنوع القراءات بمنزل الآيات، ولو جعلت دلالة كل لفظة آية على حجة لم يَخْفَ ما كان من التطويل، ولهذا كان قوله: (وأرجلكم) مُنَزَّلًا لغسل الرجل، والمسح على الخفِّ، واللفظ واحد، لكن باختلاف إعرابه".(28)

ولقد نبَّه ابن باديس على هذا الوجه من الاعجاز فقال: "على أنَّه من بلاغة القرآن أن تأتي مثل هذه الآيات بوجوه من الاحتمالات متناسبات غير متناقضات؛ فتكون الآية الواحدة بتلك الاحتمالات كأنها آيات: نظير مجيء الآية بقراءتين، فتكون كآيتين مثل قوله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6]. وقوله تعالى في آية الوضوء: وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: 5]. بالنصب عطفاً على الوجه فيفيد غسل الأرجل، وتلك هي الحالة الأصيلة العامة، وبالخفض عطفاً على الرؤوس فيفيد مسح الأرجل وتلك هي حالة الرخصة عند لبس الخفاف، فتكون هذه الآية باحتمالها مفيدة تنزههم عن شهود الباطل، وعن شهادته".(29)

المطلب الثاني: الإعجاز الغيبي.

من وجوه الإعجاز الذي ذكرها ابن باديس، واستنبطها في تفسيره للقرآن، الإعجاز الغيبي: وهو تلك الأخبار التي جاءت في القرآن الكريم الذي جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، التي تتحدث عن وقائع وأحداث غاب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحضر مجرياتها ولا علم بتفصيلاتها، ثم هو يخبر عنها خبر من حضر وعلم.

والمراد بالغيب هنا، هو كل ما غيب عنه صلى الله عليه وسلم من أخبار الماضي، كقصص الأنبياء السابقين، و قضية نشأة الكون وغيرها، كما يدخل في الغيب الأحداث التي عاصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يحضرها، كإخبار القرآن عن كيد الكافرين والمنافقين في عهده، وكذلك أخبار المستقبل التي جاء بها القرآن ثم وقعت كما أخبر في حياته صلى الله عليه وسلم أو بعد موته، كأشراط الساعة، ومصير الأمم والأفراد.(30)

ووجه الإعجاز في أخبار الغيب، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان أُمِّيًّا لم يقرأ ولم يكتب، وأمته كذلك أُمِّية، ثم هو يخبر- بما أوحى إليه من القرآن- عن مغيبات في الماضي والحاضر والمستقبل، خبراً صادقا مطابقا للواقع، بوصف دقيق لا يتقنه إلا من حضر تلك الأحداث ورآها رأي العين، فدلَّ ذلك أن القرآن الكريم وحيٌ من عند الله، الذي أحاط علمه بجميع الغيوب، ولا يمكن أن يكون من اصطناع البشر، لضعف مداركهم على الإحاطة بمثل هذه الأمور، يقول ابن باديس مبيناً ذلك: "فقد استدلَّ على أن القرآن لا يمكن أن يكون أتى به محمد من عنده، ولا يمكن أن يستعين عليه بغيره، ولا أن يكون من أوضاع الأوائل، بأنه ينطوي على أشياء من أسرار هذا الكون لا يعلمها إلّا خالقه، فمن ذلك: ما أنبأ به من أسرار الأمم الخالية، وبيّن من أسرار الكتب الماضية، وما أنبأ من أحداث مستقبلة ".(31)

ولقد اعتنى ابن باديس باستنباط هذا اللون من الإعجاز في تفسيره للقرآن الكريم، من ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا [مريم: ٩٦] . حين تكلَّم عن سبب نزول الآية فقال: "كان السابقون الأوَّلون من المؤمنين في أوَّل الإسلام بمكة مبغوضين من أهل مكة المشركين، مهجورين منهم، مزهوداً فيهم. ومن أشدِّ الآلام على النفس وأشقها أن يعيش الإنسان بين قومه مبغوضاً مهجوراً، مزهوداً فيه، خصوصاً مثل تلك النفوس الحيَّة الأبية، فأنزل الله هذه الآية تأنيساً لأولئك السادة، ووعداً لهم بأن تلك الحالة لا تدوم، وأنه سيجعل لهم وداً، فيصيرون محبوبين مرغوباً فيهم. وقد حقَّقَ الله وعده: فكان أولئك النفر بعدُ، السادة المقدَّمين من أقوامهم وعشائرهم، لسبقهم وفضلهم. وكانوا-وهم قادة الجيوش في الفتوحات الإسلامية- المحبوبين هم وجيوشهم، المرغوب فيهم من الأمم التي فتحوها؛ لعدلهم ورحمتهم، ورفعهم لنير الاستعباد الديني والدنيوي، الذي كانت تَئِنُّ تحته تلك الأمم، وأثبت التاريخ أن بعض الأمم الأجنبية دعتهم إلى إنقاذها من أيدي رؤسائها، فكانتْ هذه الآية من آيات الإعجاز بالإعلام بما يتحقق في الاستقبال مما هو كالمحال في الحال، فكان على وِفْق ِما قال".(32)

وهكذا عند تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، بَيَّنَ إعجاز القرآن بصدق وعد الله فيه، أنَّه سيمكن لعباده الصالحين، فوقع ما وعد به، فظهر الإعجاز الغيبي للقرآن بتصديق الواقع له، وتصديق الأحاديث النبوية الأخرى له كذلك، قال - رحمه الله- : "مثل هذه الآية فيما تضمنته من الوعد الذي يقوّي به قلوبهم، ويثبت إيمانهم، ويظهر به صدق نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، بما أعلمه به من غيب، أحاديث صحيحة...وقد امتدَّتْ به الحياة حتَّى رأى ذلك. ومثل هذا أحاديث أخرى في الصحيح، فقد تطابقت الآيات والأحاديث في هذا الوعد".(33)

المطلب الثالث: الإعجاز في ترتيب نزول القرآن.

لم يكتف الشيخ ابن باديس باستنباط الوجوه المعتادة لإعجاز القرآن التي أفاض في ذكرها العلماء، بل أطلق العنان لقريحته ليستنبط أوجها أخرى من الإعجاز القرآني، التي لا تظهر إلا لمن تذوَّق أسلوب القرآن وغاص في معانيه، فتكلم عن الإعجاز في ترتيب نزول القرآن وتفريقه ففي تفسيره لسورة الفرقان، وعند كلامه عن قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]، تجلى له الوجه العظيم من وجوه عظمة القرآن وإعجازه، المتمثل في كونه نزل مفرقاً على حسب الوقائع، مرتبا ترتيبا عجيبا، بحيث يعالج القضايا المستجدة، فيؤثِّر في النفوس، ويزيل الشُّبَه(34)، يقول – رحمه الله- شارحا ذلك: "وكانت الوقائع تقع، والحوادث تحدث، والشبه تَعْرِضُ، والاعتراضات ترد...فكانت الآيات تنزل بما تتطلَّبُهُ تلك الوقائع من بيان، وما تقتضيه تلك الحوادث من أحكام، وما تستدعيه تلك الشبه من رد، وتلك الاعتراضات من إبطال، إلى غير ما ذكرنا من: مقتضيات نزول الآيات المعروفة بأسباب النزول.

وفي بيان الواقعة عند وقوعها، وذكر حكم الحادثة عند حدوثها، ورد الشبهة عند عروضها، وإبطال الاعتراض عند وروده- ما فيه من تأثير في النفوس، ووقع في القلوب، ورسوخ في العقول، وجلاء في البيان، وبلاغة في التطبيق، واستيلاء على السامعين، وما كان هذا كله ليأتي لولا تفريق الآيات في التنزيل، وترتيلها وتنضيدها هذا الترتيل العجيب، وهذا التنضيد الغريب، الذي بلغ الغاية من الحسن والمنفعة، حتَّى أنَّه لَيَصِحُّ أن يعد وحده وجهاً من وجوه الإعجاز".(35)

وقال في موضع آخر: "وهم لما عجزوا عن معارضة أقصر سورة منه، أخذوا يباهتون بالباطل، ويعترضون بمثل هذا الاعتراض، وأما الجواب، فكان ببيان حكمتين في إنزاله مفرقاً: الحكمة الأولى: تثبيت قلبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. والحكمة الثانية: تفريقه مرتبا على الواقع، وكان في تينك الحكمتين مزيتان عظيمتان للقرآن العظيم على غيره من كتب الله تعالى؟ فكان ما اعترضوا به على أنه نقص فيه عنها هو كمال له عليها".(36)

وهذه الإشارة إلى عظمة القرآن في تفريق نزوله، وترتيب ذلك، قضية قَلَّ من نَبَّهَ عليها من المفسرين، ولعلَّ ابن باديس استقاها من كلام الزمخشري في تفسيره، فقد صرَّح أن كتاب الكشاف هو أحد مصادره في التفسير، يقول الزمخشري منبها على عظمة ترتيب نزول القرآن: "يعني: أن تنزيله مفرقاً وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كما نزل شيء منها: أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ويقال لهم جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه ، كأنه قيل لهم : إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شرّ من مكانه وسبيلكم أضلّ من سبيله".(37)

كما سبق الطاهر بن عاشور وهو شيخ ابن باديس، إلى التنبيه على هذا النوع من الإعجاز، فقال: "وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النزول وهي أن في نزول القرآن عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال، وهي إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم، فنزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين".(38)

المطلب الرابع: الإعجاز التشريعي.

يعد إعجاز القرآن في جانبه التشريعي من أعظم وجوه الإعجاز التي يستدلُّ بها على مصدره الرباني، والمقصود بالإعجاز التشريعي: هو تلك التشريعات والأحكام القرآنية الشاملة الكاملة المتقنة، التي جاءت لإصلاح العلاقة بين العبد وربه، وبين الأفراد والجماعات، على وجه متكامل لا نقص فيه من جميع الجواب، بما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة.(39)

هذه التشريعات التي عجز البشر على مر القرون على الإتيان بمثلها أو ما يدانيها، رغم اجتهادهم في سنِّ القوانين وتعديلها، إلا أن تلك الأنظمة والتشريعات أثبتت فشلها، وبان عوزها، وقصورها عن تحقيق المصلحة والسعادة للبشرية، وهذا يدلُّ أن تشريعات القرآن تشريعات ربانية لا يمكن أن تكون من وضع البشر، بل هي من وضع خالق البشر الذي يعلم مصلحتهم، في الدنيا والآخرة.

والإعجاز التشريعي ينطلق من تلك الهدايات القرآنية للتي هي أقوم في جميع مجالات الحياة، بما يحقق مصلحة العباد في الحال والمآل، المضمَّن في قوله تعالى: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]. وهذا يشمل جانب العقيدة الذي يمثل علاقة العبد بربه، وجانب الشريعة وجانب الأخلاق الذي يمثل علاقة العبد بالفرد والمجتمع. يقول ابن باديس: "العقيدة الثانية القرآن كلام الله ووحيه، ودليلها: أنه حكيم، فما فيه من العلم وأصول العمل، لا يمكن أن يكون إلاّ من عند الله، في عقائده ودلائلها وأحكامه وحكمها وآدابه وفوائدها".(40)

ووجه الإعجاز في هذه الهدايات والتشريعات القرآنية يكمن في كون النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ثم هو يأتي بقرآن مضمن لتشريعات متقنة وسياسات محكمة، متكاملة فيما بينها، تنظم شتى مناحي الحياة الدينية العقدية، الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، على وجه الكمال لا نقص فيه ولا خلل. ما لو اجتمع عقلاء البشر بمختلف تخصُّصاتهم على الإتيان بمثل هذا النظام التشريعي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فقد حاول البشر على مَرِّ الأزمان وضع القوانين والتشريعات ولكنهم عجوزا أن يأتوا بمثل ما جاء به القرآن من الكمال والشمول. فدلَّ هذا كله على أنَّ هذا القرآن هو كلام ربِّ العالمين، وأن تشريعاته هي أحكام العليم الحكيم، وليست من صنع البشر.

يقول ابن باديس: "وقد وضع عقلاء الأمم شرائع في بعض نواحي أعمال الإنسان، ولكنها بإجماع المتشرعين لا تخلو من نقص واعوجاج واضطراب، فهم ما يفتئون يتعبونها بالتكميل والتقويم والتعديل على مر الأيام. ولو عرضت كل حكم من أحكامه على الأصل العام الذي ذكرناه، لوجدته منطبقاً عليه ظاهراً فيه، حتَّى ما خفي وجهه على الأمم الأجنبية من الإسلام أيام تأخرها قد ظهر لها فضله ونفعه أيام تقدمها فجاء كبراء عقلائها يعترفون فيها بصواب ما شرعه فيها الإسلام. ثم هم يعجزون عن تطبيقها على أممهم، للعادة الغالبة والوراثة القديمة، منها: مسألة الطلاق، وتعدد الزوجات، وتحريم الربا تحريماً باتاً. فكم من عالم غير مسلم، صرَّح بأن الحق والعدل والخير للإنسانية في هذه المسائل، هو ما شرعه الإسلام، على الوجه الذي شرعه الإسلام. بهذه الاستقامة التامة العامة المضطردة، في شرع ما جاء به رجل أُمِّي، من أمَّة أمِّيَة جاهلية، يجزم كلُّ عاقل بأنه ليس من وضع العباد، وإنما هو من وضع خالق العباد".(41)

وقد اعتنى ابن باديس بإبراز هذا الوجه العظيم لإعجاز القرآن الكريم في معرض كلامه على أصول الهداية التي جاء بها القرآن، عند تفسيره لسورة الإسراء، فقال: "قد أوتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ جوامع الكلم واختُصر له الكلام اختصاراً؛ فالآية من كتاب الله، والأثر من حديث رسول الله، تجد فيه من أصول الهداية، ودقيق العلم، ولطيف الإشارة في لفظ بيِّن وكلام بيِّن- ما فيه الكفاية وفوق الكفاية لمن أوتي العلم ومُنح التوفيق.

فهذه ثمان عشرة آية من سورة الإسراء قد أتت في إيجاز ووضوح على أصول الهداية الإسلامية كلِّها. وأحاطت بأسباب السعادة في الدارين من جميع وجوهها. وهي- فوق بلاغتها التي عرف العرب إعجازها بسليقتهم وأدركه علماء البيان بعلمهم ومرانهم- قد جاءت معجزة للخلق من أي جنس كانوا، أو بأيِّ لغة نطقوا، بما جمعت من أصول الهداية التي تدركها الفِطَر وتسلمها العقول. وإنَّك لست واجداً مثلها في مقدارها وأضعاف مقدارها من كلام الخلق بجمع ما جمعت من هدى وبيان وهذا أحد وجوه إعجاز القرآن العامة التي تقوم بها حجته على الناس أجمعين".(42)

وهكذا عند تفسيره لقوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: ٨٢]. بَيَّنَ ابن باديس أن تشريعات القرآن هي شفاء المجتمعات، وأنها كاملة معجزة فقال: "...وجاء أيضاً مبيناً للأخلاق الفاسدة، وذاكراً سوء أثرها وقبح مغبتها، مبيناً كذلك الأخلاق الصحيحة وعظيم نفعها، وحسن عاقبتها. فهذا شفاؤه للنفوس والعقول، وهو راجع إلى تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق وبهما سلامة الأرواح وكمالها وعليهما قوام الهيئة الاجتماعية وانتظامها. على أن القرآن هو شفاء للاجتماع البشري، كما هو شفاء لأفراده: فقد شرع من أصول العدل، وقواعد العمران، ونظم التعامل، وسياسة الناس، ما فيه العلاج الكافي، والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني من جميع أمراضه وعلله..فهذه الأمم الغربية بسجونها، ومشانقها، ومحاكمها، وقوتها، قد امتلأت بالجنايات والفظائع المنكرة التي تقشعِرُّ منها الأبدان. وهذه الممالك الإسلامية التي تقيم الحدود القرآنية كالمملكة الحجازية، والمملكة اليمانية، قد ضرب الأمن رواقه عليهما، واستقرت السكينة فيهما دون سجون ولا مشانق، مثل أولئك؛ وما ذلك إلاّ لأنهم داووا الملك بدواء القرآن فكان الشفاء التام".(43)

وفي موضع آخر يبيِّنُ ابن باديس أن تشريعات القرآن جاءت لتحقيق السعادتين الدنيوية والأخروية، فيقول: "﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. فكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق، وأخلاق الصدق، وأحكام العدل، ووجوه الإحسان...كل هذا فصل في القرآن تفصيلا: كل فصل على غاية البيان والأحكام. وهذا دعاء وترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كله من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل، ويأخذوا منه ويهتدوا به؛ فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان".(44)

ثم يبين ابن باديس أن أصول العلوم والتشريعات التي جاء بها القرآن، قد أعجز البشر عن معارضته، أو الإتيان بما يدانيه، فقال: "...القرآن العظيم معجزة علمية عقلية يخضع لسلطانها كل من يسمعها ويفهمها ولا يستطيع معارضتها، لا في لفظها وأسلوبها وبيانها الذي عجزت عن معارضة أقصر سوره العرب على ما كان من حميتها وأنفتها وشدة رغبتها في إبطالها لو وجدت سبيلا إليها فقط- بل لا تستطاع معارضتها فيما اشتملت عليه من أصول العلوم التي يحتاج إليها البشر في كمالهم وسعادتهم أفرادا وجماعات، وأمما...".(45)

المطلب الخامس: الإعجاز العلمي.

يعدُّ الشيخ ابن باديس من المؤيدين لفكرة الإعجاز العلمي في القرآن، بل ومن المتحمسين لها، على اعتبار أنَّه وجه عظيم وشامل من وجوه إعجاز القرآن، وأنه سلاح قويٌّ في هذا العصر الذي تميز بالتطور العلمي الهائل، وذلك لبيان عظمة القرآن ومصدره الرباني، والمقصود بالإعجاز العلمي: هو موافقة الحقائق العلمية التي أشار إليها القرآن الكريم، لما توصل إليه العلم الحديث من اكتشافات علمية، كانت مجهولة منذ قرون.(46)

وهذا اللون من الإعجاز أغفله جُلُّ من تكلم في الإعجاز من المتقدمين سوى بعض الإشارات المتناثرة في كلام بعض السلف، وأما ابن باديس فقد جعله أهم وأعظم ناحية من نواحي الإعجاز؛ لأنه في نظره يدخل في إدراكه كل الناس مؤمنهم وكافرهم، فهو يرى أن كتاب الله قد حوى أسراراً للكون والفرد والمجتمع، مما لا يستطيع الإطلاع عليه إلا مع مرور الزمن، يقول -رحمه الله- مبينا ذلك: "إنَّ القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة، فلا يستقل بتفسيره إلاّ الزمن، وكذلك كلام نبينا- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع، لم تفهم أسرارها ومغازيها إلاّ بتعاقب الأزمنة، وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون. وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن، ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في وصف القرآن: «لا تنقضي عجائبه».(47)

والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونها بالفكر الخامد والفهم الجامد، إنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم. وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات: لم يأت مصداقها أو تأويلها بعد يعنون أنه آت، وأن الآتي به حوادث الزمان، ووقائع الأكوان، وكل عالم بعدهم فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه".(48)

والذي يظهر أن ابن باديس قد تأثر في هذا بما كتبه قبله محمد رشيد رضا(49)، وشيخه الطاهر بن عاشور(50)، ومما يميِّز طرح ابن باديس في هذا الاتجاه تقيده بالضوابط العلمية، فهو لا يتكلَّف في تنزيل آيات القرآن على الحقائق العلمية كما وقع لغيره، فنظرته للإعجاز العلمي نظرة متوازنة منضبطة، يقول حسن سلوادي: " أما عبد الحميد بن باديس فله وجهة نظر خاصة في هذا الموضوع، تتلخَّص في أن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أمر لا يجرؤ أيُّ مكابر أو ملحد أن يجد موضعا للتشكيك فيه...إن من يطالع رأي ابن باديس السابق في الإعجاز العلمي في القرآن، يتوقع أن يجد في تفسيره محاولات تدلُّ على نزعته العلمية في التفسير، ولكننا مع ذلك لا نجد له من هذا القبيل، أي محاولات يتعسَّف بها الربط والتوفيق بين آيات القرآن الكريم ونظريات العلم الحديث، بل إن أكثر ما أورده من مسائل العلوم، لا يعدوا كونه إشارات مجملة لبعض الحقائق العلمية التي ثبتت صحتها على وجه اليقين في هذا العصر".(51)

ووجه دلالة الإعجاز العلمي على مصدرية القرآن(52)، هو: أنَّ تلك الإشارات العلمية التي جاء ذكرها في ثنايا الذكر الحكيم، فيما يتعلق بالكون الذي يعيش فيه الإنسان من نجوم، وكواكب، وجبال، وبحار، وفي جسم الإنسان وتكوينه كذلك، بلغتْ مبلغاً عظيما في السعة والشمولية والدقَّة في التعبير، شهدت بصدقه التجارب العلمية الحديثة، وأكدتها الاكتشافات العلمية التي كانت غائبة عنَّا منذ قرون، وأعظم من ذلك أنَّه لم تأت أبحاث العلم التجريبي على سعتها وتطورها بشيء يخالف ما جاء في القرآن الكريم، بل القرآن الكريم أخبر في وقت نزوله قبل قرون، عن أشياء يعجز عن الإتيان بها جماعة من العلماء مهما تكاملوا فيما بينهم، ومهما أوتوا من وسائل ضخمة ودقيقة، فلا يمكن أن يكون هذا القرآن الذي حوى هذه الإشارات العلمية الدقيقة، إلا من عند الله عزَّ وجلَّ الذي أحاط بكل شيء علما، فوجب الإيمان بأنَّ القرآن كلام الله، وأنَّ النبيِّ الأميِّ الذي بلَّغ هذا القرآن رسول الله بعثه ربَّه بالحق ليكون للعالمين نذيرا. كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣ ]، وقال سبحانه: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (6) [الفرقان: ٥ – ٦].

يقول ابن باديس وهو يعدِّد نواحي الإعجاز: "وهنالك ناحية أخرى هي أعظم وأعمُّ: وهي ناحيتُهُ العلمية التي يذعنُ لها كل ذي فهمٍ من جميع الأمم، في كلِّ قطر وفي كل زمن. وهذه الناحية هي التي احتج بها في هذا الموطن: فقد استدلَّ على أنَّ القرآن لا يمكن أن يكون أتى به محمد من عنده، ولا يمكن أن يستعين عليه بغيره، ولا أن يكون من أوضاع الأوائل، بأنَّه ينطوي على أشياء من أسرار هذا الكون لا يعلمها إلّا خالقه، فمن ذلك: ما أنبأ به من أسرار الأمم الخالية، وبيّن من أسرار الكتب الماضية. وما أنبأ من أحداث مستقبلة، وما ذكر من حقائق كونية، كانت لذلك العهد عند جميع البشر مجهولة؛ كالزوجية في كل شيء، وسبح الكواكب في الفضاء، وسير الشمس إلى مستقر مجهول معين عند الله لها، وغير ذلك من أسرار العمران والاجتماع، وما تصلح عليه حياة الإنسان، مما تتوالى على تصديقه تجارب العلماء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم، فكتاب اشتمل على كل هذه الأسرار لا يمكن أن يأتي به مخلوق".(53)

وهكذا يبرز ابن باديس جهة أخرى تظهر فيها الحجة العلمية لمصدرية هذا القرآن الرباني، وهي أن القرآن دعا إلى العلم والتعلم، والتفكر والتدبر في النفس وفي الكون، والمخلوقات التي برأها، ثم بيَّن بعض هذه الحقائق الكونية في آيات القرآن الكريم، ليعلم الخلق أجمعين أن الذي أنزل هذه الآيات القرآنية، هو الذي أودع هذه الأسرار الكونية، فيرتبط العلم التجريبي بالوحي المنزل.

يقول ابن باديس: "قد دعانا الله إلى العلم ورغبنا فيه في غير ما آية، وأعلمنا أنه خلق لنا ما في السموات وما في الأرض جميعاً، وأمرنا بالنظر فيما خلقه لنا وأعلمنا هنا أن هذه المخلوقات أسرار بيَّنَها القرآن واشتمل عليها، وكان ذلك من حجَّته العلمية على الخلق فكان في هذا ترغيب لنا في التقصِّي في العلم، والتعمُّق في البحث، لنطَّلِع على كل ما نستطيع الإطلاع عليه من تلك الأسرار: أسرار آيات الأكوان والعمران، وآيات القرآن؛ فنزداد علماً وعرفاناً، ونزيد الدين حجة وبرهاناً، ونجني من هذا الكون جلائل ودقائق النعم، فيعظم شكرنا للربِّ الكريم المنعم...".(54)

ولقد ضرب ابن باديس في تفسيره مثالا عمليا بآيات أشارت إلى دقائق علمية في الكون، تبين إعجاز هذا القرآن، وأنه كلام الحكيم الخبير الذي خلق هذا الكون فهو يعلم أدقَّ تفاصيله، كما قال سبحان: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِيكِتَابٍ مُبِينٍ [يونس: ٦١].

فلقد استنبط إعجازا علميا في جرم القمر الذي تحدثت عنه آية الإسراء بأدقِّ تعبير وأدقِّ تفصيل، وهي قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء: ١٢]، ثم خلص إلى أن هذه الإشارة العلمية في هذه الآية التي ما تبين أمرها إلا بعد قرون من تطور العلم، لدليل قاطع على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث من قبل ربه بوحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقول ابن باديس في تفسير هذه الآية: "المحو هو الإزالة: إزالة الكتابة من اللوح، وإزالة الآثار من الديار. فمحو «آيَةَ اللَّيْلِ» إزالة الضوء منها، وهذا يقتضي أنَّه كان فيها ضوء ثم أزيل؛ فتفيد الآية أن القمر كان مضيئاً، ثم أزيل ضوؤه فصار مظلماً، وقد تقرَّر في علم الهيئة أن القمر جرم مظلم يأتيه نوره من الشمس، واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الاكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر- كالأرض- كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحموِّ والحرارة ثم برد، فكانت إضاءته في أزمان حموِّه وزالت لما برد. لنقف خاشعين متذكرين أمام معجزة القرآن العلمية: ذلك الكتاب الذي جعله الله حجة لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وبرهاناً لدينه على البشر مهما ترقوا في العلم، وتقدموا في العرفان؛ فإنَّ ظلام جرم القمر لم يكن معروفاً أيام نزول الآية عند الأمم إلاّ أفراداً قليلين من علماء الفلك. وإن حمو جرمه أولاً، وزواله بالبرودة ثانياً، ما عرف إلاّ في هذا العهد الأخير، والذي تلا هذه الآية وأعلن هذه الحقائق العلمية منذ نحو أربعة عشر قرناً نبيٍّ أميٍّ، من أمة أمية، كانت في ذلك العهد أبعد الأمم عن العلم؛ فلم يكن ليعلم هذا إلاّ بوحي من الله الذي خلق الخلائق وعلم حقائقها ".(55)

وهكذا بيَّنَ ابن باديس أنَّه من العقائد المتقررة عند المسلمين أن القرآن وحي من الله، وجعل الدليل على ذلك الحقائق الكونية التي جاء ذكرها في كثير من الآيات التي ما اكتشفها العلماء إلا بعد زمن طويل من تطور العلم والبحث، قال رحمه الله مبينا ذلك: "العقيدة الثانية: القرآن كلام الله ووحيه: ودليلها أنه حكيم، فما فيه من العلم وأصول العمل، لا يمكن أن يكون إلاّ عند الله، في عقائده ودلائلها وأحكامه وحكمها وآدابه وفوائدها إلى ما فيه من حقائق كونية، كانت مجهولة عند جميع البشر، وما عرفت لهم إلاّ في هذا العصر الأخير.

ومن أشهرها: مسألة الزوجية الموجودة في جميع هذا الكون حتى أصغر جزء منه، وهو الجوهر الفرد المركب من قوتين: موجبة وسالبة، جاءت هذه المسألة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: 49].

ومنها مسألة حياة النبات، التي جاءت في مثل قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30].

ومنها مسألة تلاقح النباتات بواسطة الرياح التي تنقل مادة التكوين من الذكر إلى الأنثى، جاءت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر: 22]. فهذه حقائق علمية كونية، أجمع عليها علماء العصر أنها من المكتشفات الحديثة، ولم تكن معلومة عند أحد من الخلق قبل اكتشافها، ولا كانت عندهم الآلات الموصلة إلى معرفتها، وكفى بهذا القلّ من الكثر دليلاً على أن هذا القرآن ما كان إلاّ من عند الله الذي خلق الأشياء، ويعلم حقائقها".(56)

فهذه باختصار وجوه إعجاز القرآن التي ذكرها ابن باديس في تفسيره، وفي كلامه على بعض الآيات في مقالاته، تظهر لنا مدى عنايته وتأثره بالقرآن الكريم تدبرا وعملا، وتظهر لنا أنه على خطى مشايخه في إثراء هذا الميدان وتربية الأمة بالقرآن، ورفع مكانته في قلوبهم، فرحم الله الجميع.

الخاتمة ونتائج البحث:

الحمد لله أولا وآخرا، أما بعد: فبعد هذه الإطلالة على وجوه إعجاز القرآن التي أبرزها عبد الحميد بن باديس في تفسيره، يمكننا أن نلخص نتائج هذا البحث في ما يلي:

1- أن عبد الحميد بن باديس قد اعتنى عناية فائقة باستنباط وجوه إعجاز القرآن الكريم من خلال تفسيره، الذي على صغر حجمه أبان فيه عن نظرة شاملة متميزة في هذا الموضوع المهم من مواضيع علوم القرآن.

2- أن ابن باديس قد أتى على بيان معظم وجوه إعجاز القرآن، ونثرها في تفسيره وهي: (الإعجاز البلاغي، الإعجاز الغيبي، الإعجاز التشريعي، الإعجاز العلمي) بل أكثر من ذلك استنبط وجها آخر للإعجاز وهو: (الإعجاز في ترتيب نزول القرآن) وجعله قسما منفردا.

3- أن ابن باديس له عناية خاصة بالإعجاز البلاغي اللغوي، لكونه ذا نزعة بيانية، متذوقة لفنون البلاغة والكلام، لذلك أكثر من أمثلته في تفسيره، ومما خصَّهُ ابن باديس كذلك بالعناية (الإعجاز العلمي) حيث أولاه عناية كبيرة، حتى أننا نستطيع أن نقول أنه من فرسان هذا الميدان في عصره، حيث كان يشرح ما بدى له من نكات بلاغية في الآيات التي يعرض لتفسيرها، كما كان يصنع شيخه من قبله الطاهر بن عاشور.

4- أن عبد الحميد بن باديس تأثر تأثرا واضحا بما كتبه (محمد رشيد رضا) في مقدمة تفسيره عن إعجاز القرآن، كما تأثر بكتابات شيخه (الطاهر بن عاشور) في تفسيره عن إعجاز القرآن، كما نجد أنه قد تأثر بالقاضي عياض وما كتبه عن إعجاز القرآن في كتابه الشفا في أحوال المصطفى.

5- أن ابن باديس كان موضوعيا إلى حد كبير، في طرحه وبيانه لوجوه إعجاز القرآن الكريم، بعيدا عن التكلف وتحميل الآيات ما لا تحتمل، متقيدا بأصول وقواعد التفسير، لذلك نراه في طرحه للإعجاز العلمي متوازنا من غير إفراط ولا تفريط.

وأما عن توصيات البحث:

- يوصي الباحث بتتبع واستقراء كامل لمؤلفات ومقالات ابن باديس، واستخراج ما يتعلق بإعجاز القرآن، في رسالة علمية أكاديمية، فإن له جهودا في هذا الميدان تستحق الجمع والدراسة.

- كما يوصي الباحث بإجراء دراسات مقارنة بين تفسير ابن باديس وتفسير الطاهر بن عاشور، وتفسير محمد رشيد رضا، لمعرفة مدى التأثر والتأثير بين علماء المدرسة الإصلاحية المعاصرة.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


الهوامش:

20 انظر عن الإعجاز البياني للقرآن: إعجاز القرآن، الباقلاني: ص 51- 71. بيان إعجاز القرآن، الخطابي: 24- 28. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض: ص 174- 180. الإعجاز البياني للقرآن، عائشة بنت الشاطئ: ص 70- 120. إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي: ص 103 فما بعدها.

21 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 19.

22 مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ابن باديس: ص 32- 33.

23 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 17- 18.

24 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 350 .

25 الإعجاز في نظم القرآن، محمود السيد شيخون : ص 65.

26 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 412.

27 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 352- 353.

28 معترك الأقران في إعجاز القرآن، السيوطي: 1/ 127.

29 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 154- 155.

30 انظر عن الإعجاز الغيبي: إعجاز القرآن، للباقلاني ص 33- 34. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض: ص 180- 184. معترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي 1/ 180- 182. مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم ص 235 – 261.

31 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 19- 20.

32 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 1/ 373.

33 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 1/ 396- 398.

34 انظر: عن هذا الوجه من الإعجاز، نزول القرآن الكريم، د. محمد بن عبد الرحمن الشايع. ص 45- 46.

35 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 57- 58.

36 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 53- 54.

37 الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري: 3/ 284.

38 التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور: 1/ 50. و 19/ 20. وانظر، إعجاز القرآن عند ابن عاشور، محمود علي أحمد: ص 341.

39 انظر، اعجاز القرآن، فضل حسن عباس و د. سناء فضل عباس: ص 281- 313. مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم. ص 205- 231.

40 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 270.

41 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 272.

42 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 1/ 182- 183.

43 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 1/ 356- 357.

44 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 1/ 159.

45 مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ابن باديس: ص 32- 33.

46 انظر عن الإعجاز العلمي: دراسات في علوم القرآن، فهد الرومي: ص 316. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، عبد السلام حمدان اللوح: ص 115. مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم: ص 131- 134.

47 قطعة من حديث أخرجه الترمذي/ أبواب فضائل القرآن/ باب: ماجاء في فضل القرآن. برقم (2906).

48 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 359- 361.

49 جعل محمد رشيد رضا في تفسيره الإعجاز العلمي الوجه السابع، فقال: "(الوجه السابع) : اشتمال القرآن على تحقيق كثير من المسائل العلمية والتاريخية التي لم تكن معروفة في عصر نزوله ، ثم عرفت بعد ذلك بما انكشف للباحثين والمحققين من طبيعة الكون وتاريخ البشر وسنن الله في الخلق ، وهذه مرتبة فوق ما ذكره في الوجه السادس من عدم نقض العلوم لشيء مما فيه". انظر تفسير المنار: 1/ 175.

50 عده الطاهر بن عاشور من وجه الإعجاز فقال في تفسيره (1/ 140): "الجهة الثالثة: ما أودع فيه من المعاني الحكمية والإشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية مما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده متفاوتة، وهذه الجهة أغفلها المتكلمون في إعجاز القرآن من علمائنا مثل أبي بكر الباقلاني والقاضي عياض".

51 عبد الحميد بن باديس مفسرا، حسن عبد الرحمن سلوادي: ص 122- 123. وانظر: اتجاهات التفسير في العصر الراهن، د. عبد المجيد المحتسب. ص: 277- 279.

52 انظر، مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم: ص 246- 247.

53 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 19- 20.

54 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 20.

55 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 1/ 155- 156. وانظر: عن هذا الإعجاز العلمي في ضوء القمر في: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، يوسف الحاج أحمد: ص 307- 308. ومباحث إعجاز القرآن الكريم، مصطفى مسلم: ص 196- 197.

56 مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ابن باديس: 2/ 270- 271. ولقد ذكر هذه الأمثلة محمد رشيد رضا كذلك في كلامه عن الإعجاز العلمي في تفسيره، انظر: 1/ 175- 176.

آخر التغريدات: