الإصلاح والإصلاح الأدبي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي

بقلم: د.المصطفى تاج الدين-

ما ساكن الثرى ومستبدل الغربة بالأهل، هذه [الأمة] تناجيك بلسان طائفة من أبنائها البارين بك وبها وتقول: عرفك الغرب والشرق ولم تعرفك [الأمة]حق المعرفة في حياتك، فهي تبكي عليك حق البكاء بعد وفاتك، وهذه الألفاظ هي دموع المقصر بعد العتب، والتائب بعد الذنب" الإبراهيمي، عن الأعمال الكاملة : ج1، ص49 .

تجمعني بالإمام الإبراهيمي صلة موصولة، ورابط أعتز به فقد سافر الإمام إلى باكستان في زيارة رسمية فالتقى به الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري وكان ساعتها سفيرا لسوريا بباكستان. فقدم الأميري من شعره لإمام البيان الإبراهيمي حتى يقومه ويحكم عليه فتنبأ الإبراهيمي للشاعر الشاب بمستقبل واعد في الشعر وتمضي الأيام وياتي شاعر مغربي شاب إلى الأميري بشعره ويفرح به الأميري ويقبل بكتابة مقدمة لديوانه بداية للعشق والرفض. ولم يكن ذلك الشاب المغربي غير كاتب هذه السطور فيتصل بذلك سند الفضل وسند الشعر وسند المحبة ولقد رثى الأميري أستاذه ورثيت أستاذي الأميري فعسى أن يتصل المفضول بالفاضل.

مقدمة:

من الصعب على يد التاريخ أن تمتد إلى تيارات الإصلاح فتحكم عليها بالموت، أو تقضي عليها بفاعل النسيان؛ إذ يبدو أن في هذه التيارات قوى خفية تمدها بمناعة داخلية تجعلها بمنأى عن سهام التاريخ ونصاله. والسبب أن فيها من الوعي التاريخي ما يجعلها تتجاوز التاريخ؛ ليس في كونها حركة داخل الزمن أي بوصفها فعلا من الأفعال، بل بوصفها مضمون الحركة الزمنية وفلسفتها، أي بوصفها إسما للفعل التاريخي ومصدره بتعبير أهل اللغة.

فما دام الاسم مستقلا عن الزمان ويدل على المسمى دلالة جوهرية ذاتية، وما دام المصدر موئل تقاطع الفعل مع الاسم فإن حركات الاصلاح بما هي أفعال في التاريخ تجبر الفعل على أن يتحول إلى مصدر وأحيانا إلى اسم يرفع الحركة التاريخية من إسار الزمن باتجاهاته الثلاث إلى رحاب الوجود المطلق، فتبقى فلسفة الإصلاح صالحة لكل زمان ومكان مع تغير الأحوال وفناء الأجساد وتصرم التاريخ.

هكذا فإن لكل حركة إصلاحية نصيبا من الوجود الدائم والعدم المستمر، فأما العدم فيتطرق إلى كل فعل ظرفي وحدث تاريخي مشروط بالزمان والمكان والشخوص، وأما الوجود الدائم فيتسرب إلى النواحي المتعالية عن اللحظة الزمنية.

ولقد أثبتت كل الفلسفات التي عرفها الانسان بل كل الأديان المنزلة هذا القانون الإلهي في البقاء الوجودي للأفكار التاريخية. فالحنفية الإبراهيمية لم تزل موجودة ليس بشريعتها أي بما له تعلق بالزمان والمكان بل بدعوتها المتعالية إلى التوحيد المطلق لله سبحانه. والرسالة الموسوية استمرت ليس في رسوم حلالها وحرامها بل في تأكيدها على مواجهة الاستبداد، ورسالة عيسى باقية ليس في تثليتها ورهبانيتها بل في إلحاحها على المحبة وطلب الكمال الروحي، والإسلام باق ما بقي الدهر بدعوته إلى العدل وإقامة الحق والأمر بما تعرفه الفطرة والنهي عما تنكره. بل إن من الأفكار الدهرية ما هو باق لسبب من الأسباب فالماركسية وإن ماتت في دعوتها إلى إلغاء النظم الوقتية ومحاربة الفطرة الكسبية، وإعلان الحرب على الدين، فإنها باقية لا محالة في دعوتها إلى تنظيم العمل ومواجهة الاستغلال والطبقية البغيضة، وهذا الذي يبقى من أرواح الأفكار بعد أن تموت أشباحها سماه علماء الاجتماع بأشباح الفكر التي تتنقل من نسق إلى آخر لما تكتنزه من قدرة على الدوام والاستمرار. قال تعالى:

"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"

ولعل حركة الإحياء الإسلامي من هذا القبيل، وخصوصا تلك التي حملها علماء مجددون تعمقوا في فهم الحركة التاريخية فأنتجوا فكرا تجاوزوا به التاريخ نفسه، فاستطاعوا أن يقدموا لنا ذخائر لا تفنى وأعلاقا لا تبيد.

والواقع أن الإمام الإبراهيمي من هذه الطينة، ولقد عجبت لسعة اطلاعه وخفة روحه وقوة عارضته في البيان، غير أن ما يثير قاريء الإبراهيمي أكثر هو برنامجه الإصلاحي المتكامل وقدرته على ملامسة هموم الأمة ومشاكلها ولهذا سيتخذ جديثنا عن الإمام مسارين:

- الأول: الحديث عن مفاهيم الإصلاح ومجالاته

- الثاني: الحديث عن آرائه في الإصلاح اللغوي والأدبي

1- فلسفة الإصلاح عند الإبراهيمي:

أقصد بفلسفة الإصلاح الإطار الفكري المرجعي الذي يحدد طبيعة الفعل وأدواته في واقع الحياة. فالأفعال الحركية ما هي إلا تمظهرات للفكر الواعي بعملية التغيير، وليس العكس، إذ لا يمكن عقلا تصور فعل حركي منتج للوعي والسبب هو أن كل فعل يحتاج إلى فاعل موجد ولا يتصور وجود فاعل غير واع بما يفعله، أي لا يمكن تصور فاعل يأتي بأفعاله على جهة العبث وبدون وعي بالقصد من الفعل ولو كان القصد العبث ذاته. ويبدو أن الإبراهيمي على وعي نظري مسبق بفلسفة الإصلاح واتجاهه والهدف منه، وهذا لا يعني أننا ننقص من قيمة أثر الفعل في وعي فاعله لأن كل الأفعال الزمنية مجسدات لحالة الوعي الفاعل.

ولو أردنا أن نحدد الإطار المرجعي لحركة الإصلاح عند الإبراهيمي لأجملناها في ثلاث: القرآن والسنة والتاريخ، ولأننا ستتحدث عن القرآن والسنة في أصول نظره الإصلاحي، فإننا سنفرد للتاريخ حيزا يليق به بوصفه من نوادر الأفكار عند الإبراهيمي.

- التاريخ والقراءة الخلدونية:

من الواضح أن الإبراهيمي رحمه الله قد تأثر ابن خلدون في تأكيده على أثر العمران في قيام الدول وسقوطها، فقد أفرد لابن خلدون مقالاً من مقالاته في الشهاب صدر بدون إمضاء عام 1938م،(1) ويبدو أن نسخة من كتاب المقدمة مطبوعة قد وجدت طريقها إلى القراء في شمال إفريقيا خصوصا بعد أن تفطن الشيخ محمد عبده إلى أهميتها في العمل على إصلاح المناهج الأزهرية، فحاول إقناع شيخ الأزهر الإمام الأنبابي بعد رجوع عبده من المنفى عام 1888م، بتدريس المقدمة على طلاب الأزهر ونظرا للروابط المحكمة التي كان تربط الإمام محمد عبده برجالات الإصلاح في شمال إفريقيا فقد تنبه هؤلاء إلى أهمية المقدمة وجدواها في خلق وعي بطبائع العمران وأثرها في الاجتماع الإنساني .

ويصرح الإبراهيمي بإهتمامه بابن خلدون حين خصص له مقالاً في مجلة الشهاب، والمقال وإن نشر بدون إمضاء فإنه ظهر في أعمال الإبراهيمي الكاملة التي جمعها وحققها ابنه أحمد طالب الإبراهيمي(2). وتشي العبارات التي استخدمها الإبراهيمي في حق ابن خلدون بتلك المكانة العظيمة التي يحتلها الرجل في فكره فهو الرجل الفذ(3)، وهو المؤرخ العظيم(4).

غير أن ما يهمنا هو الأثر الخلدوني في فكر الإبراهيمي، وإذا كان من المعلوم أن ابن خلدون قد بحث في أثر القوانين الاجتماعية في الفعل الإنساني فإن الإبراهيمي قد تلقف هذه الفكرة الرائدة وحولها إلى مشروع إصلاحي يتجاوز الفهم الإرادوي في التغيير إلى تصور سنني يعي دور الاجتماع وعلاقاته في تحويل مسار المجتمع وتغيير وجهته.

يقول في رثاء أخذ رفاقه في العمل الإصلاحي(5) : "الرجل كان محافظاً حقاً ولكنه محافظ بالمعنى المعقول. محافظة البصير الناقد الذي يرى أن مشخصات الأمم منها جوهر ومنها عرض، وأن الجوهر منها هو الصالح للبقاء وأنه لا يد للفرد ولا للجماعة في تكيفه كما يشاء أو كما تشاء وأن تطوره موكول إلى تدبير الاجتماع لا إلى تدبير الجماعات"(6).

لقد أقام الإبراهيمي صلة بين جوهر الحضارة وعرضها. وإذا كان العرض متغيراً بطبعه، فإن الجوهر هو ما يبقى من الحضارة حين تذهب أعراضها، والإبقاء على هذا الجوهر ليس عملاً مباشراً لأننا لا نملك الإبقاء عليه أو محوه بمحض الإرادة المباشرة، ولكن المحافظة عليه تستدعي الوعي بأثر الاجتماع أو العمران في الإبقاء عليه، وبدل أن نتجه مباشرة إلى الجوهر ينبغي الاهتمام بالعوامل الاجتماعية الخارجية التي تخدم هذا الجوهر، ومن هنا فإن التدبير الجماعي أو قل الحركة الإصلاحية ينبغي أن تنطلق من الوعي بأهمية العلاقات الاجتماعية الخارجية في إنجاح عملية التغيير، وكان الإبراهيمي يعطي الأهمية للتغيير الحضاري الرمزي عوض التغيير السياسي المباشر. ولعل هذا الإطار المرجعي الخلدوني هو ما جعل الإبراهيمي رحمه الله يهتم بالأدب وخصوصاً بعض صنوفه وسيلة من وسائل التغيير وعاملاً من عوامل تغيير وجهة الاجتماع ومساره.

والإبراهيمي وإن بدا متأثراً بابن خلدون في هذه الناحية فإنه على عادته في التأكيد على ضرورةالاجتهاد والاستقلال في الرأي سك مصطلحاً يعود له الفضل في إبرازه وهو الاجتماع المنتج(7). والذي يقوم على استثمار الأدوات الفاعلة في الإصلاح وهي: عند الإبراهيمي، الدين والأخلاق والعلم والمال، فـ" نحن محتاجون إلى تكوين اجتماع خاص تنتج عنه نهضة منظمة في جميع لوازم حياتنا القومية الخاصة، وألزم هذه اللوازم أربعة: الدين والأخلاق والعلم والمال"(8)

صلة الاجتماع المنتج بالأدب:

إذا كانت عملية الإصلاح عند الإبراهيمي عملية غير مباشرة، تتحكم فيها عوائد الاجتماع الراسخة في المكان والزمان. فإن تغيير هذه العوائد أو على الأقل تقريبها من جوهر الحضارة وعقيدتها لا بد أن يعتمد على أدوات أربع كما قلنا. أولها الدين، وثانيها، الأخلاق، وثالثها العلم، ورابعها المال. فأين إذن يقع دور الأدب؟ وما هي رسالته في تحقيق الاجتماع المنتج؟

يرى الإبراهيمي أن الرفع من المستوى الأخلاقي ينبغي أن يتأسس على عملية إحيائية لمصدري الأخلاق الفاضلة في المجتمع، وهما القرآن الكريم بوصفه الدستور الأخلاقي للمسلمين ثم الأدب الذي يمد الشخصية المسلمة برصيد هائل من الأخلاق الجديرة بتوجيه المجتمع والقضاء على أمراضه. يقول:

"فالواجب على اجتماعنا الذي ننشد تكوينه أن يبذل مجهودات قوية لرفع درجة الأخلاق عندنا، ومن فكري الخاص أن هذه الناحية من أمراضنا هي أيسر معالجة من جميع النواحي إذا أحسنا تسيير الجهود الفردية في الترية المنزلية، لأن لنا أساساً تبنى عليه ولا يعسر جد العسر إحياؤه وهو الأخلاق الإسلامية المتوارثة في الجملة والتي تجد معظمها في القرآن الكريم في أو ضح عبارة، وأوضح بيان، ثم الأخلاق العربية المأخوذة من آدابهم التي هي أنفس ما خلفوه لنا من التراث"(9)

فالأدب إذن سجل أخلاقي، أو قل هو الفاعل الرمزي في الحركة الإصلاحية ولتأكيد هذا المعنى نسوق هذه القصة الظريفة على لسان الإبراهيمي والتي ساقها في خضم نقده المعتدل للشيخ محمد بن الطاهر ابن عاشور شيخ الإسلام في الديار التونسية آنذاك. قال:

 

" كنت قرأت وأنا بالمدينة المنورة تفسير المرزوقي لديوان الحماسة، وهو تفسير أي تفسير؟
ولما دخلت الشام بحثت عن نسخة منه فلم أظفر بها فذكرته في مجالس الأدباء، ونوهت بمكانته وشوقتهم إليه وتعاهدنا على أن ننسخه إذا ظفرنا به ، ونروجه حتى يقيّض الله له من يطبعه.
ولما قدمت إلى تونس مصرّا على ذلك العهد، يألت عن الكتاب فقيل لي إنه موجود. وإنه مستعار عند "الشيخ الطاهر بن عاشور"، وأنه يكاد يحنكره إحتكاراً. فكان هذا الخبر "بمجرده" مزيداً في قيمة الرجل الأدبية عندي لأن حسن اختيار الكتب أول عوامل الإصلاح في نفس العالم(10).

فهذا عالم مصلح تكالبت عليه مشاغل الجهاد المستمر، فمن تأسيس جمعية إلى بناء جامع، ومن تأبين صديق إلى رد على طاعن، ومن سفر يريده إلى منفى لا يريده، ومع ذلك فإنه يبحث بكل هذه الشغف عن شرح ديوان الحماسة والسبب ليس مجرد عشق للأدب ووله به، بل هو إحساس بالقيمة العملية لهذا الأدب في إصلاح النفس وتهذيبها وتثقيفها بالجمال اللازم لإقامة العمران. ولهذا تراه يدعو إلى نسخ كتاب الحماسة كدعوته إلى إقامة الشعائر، وهذا درس لحركات الإصلاح اليوم. إن قلوباً لم تقرأ الشعر العربي، وتتذوقه قلوب عاجزة عن قيادة المجتمع لما تفتقر إليه من حس أخلاقي يمجد الجمال ويحترم الكلمة، ولهذا فهي قلوب باردة متجهمة، ميالة إلى الحكم على الناس ومقاضاتهم وربما تكفيرهم وتفسيقهم بما تربت عليه من الابتعاد عن تذوق الكلمة الجميلة، والعاطفة المرفرفة.

صلة الإصلاح بالأدب:

لعل الإبراهيمي من القلائل الذين يؤمنون بالدور العملي والفعلي للأدب في عملية الإصلاح، ومعنى ذلك أنه كان على وعي أكيد بأثر الرمز الجمالي في إحداث التغيير الاجتماعي، ولهذا ألفيناه يتحدث عما يمكن تسميته بالاستدلال الأدبي في مجال البحث الاجتماعي، يقول:

" استغاثت الإنسانية قديماً بأبنائها الصادقين على أبنائها المارقين. استغاثت من المفسدين لنظام الفطرة، والعاملين على تفريق هذه الأسرة فأغاثها الأنبياء والمرسلون والعباد الصالحون. واستغاثت من عباد المادة الحائدين عن الجادة، فأغاثها اتصار الروح، والمقدسون للروح، والقائلون بخلود الروح. واستغاثت من أعداء العقل المفكّر، وعبّاد الحس والمحسوس، فأغاثها الحكماء الربانيون والفلاسفة الإشراقيون، واشتغاثت من طواغيت الاستبداد وقياصرة الاستبعاد، فأغاثها الدعاة الديمقراطيون وأنصار المساواة والإنصاف فما كاد المتبني واضع شريعة التمايز بين السادة والعبيد يجف ثراه، حتى قيض الله لها فيلسوف المعرة ناسخاً لتلك الشريعة الجائرة، ومبشراً بشريعة الأخوة السمحة. واستغاثت من المشعوذين المحتالين، والمحرفين المبتدعين والصضالين المضلين، الذين يستغلون جهل الجهلاء، ويمتصّون دماء البسطاء البائعين للشفاعة، العابدين للوهم، المغترين بالأسماء والألقاب، وشهرة الأنساب. الوارثين لما لا يورث من التسلط على العباد. بعظمة الأباء والأجداد – فأغاثها العلماء المصلحون، وحزب الله المفلحون.(11)

مجالات العمل الأدبي الإصلاحي:

من الممكن القول إن الإبراهيمي كان مؤمنا أشد الإيمان بوظيفة الأدب في الإصلاح، ولم يتوقف هذا الإيمان عند حدود النظرية أو التبشير بل تعداه إلى وضع خطة عملية يمكن تسميتها باستراتيجية العمل الأدبي في مجال الإصلاح. وإذا كان لكل جنس أدبي دور ما في إنهاض الأمم، فإن هناك أجناسا بعينها يكون لها من التأثير الواسع في فترات زمنية محددة ما يجعل التركيز عليها آكد والعمل من خلالها أثمر وأفضل. ولهذا نرى الإبراهيمي يعطي قيمة كبيرة لإنشاء الجمعيات الأدبية ذات النفس الإصلاحي العام. يقول : "أسست الجمعيات الأدبية، وهي نصيرة الحقائق وعدوّة الأوهام والخرافات، هذه الجمعيات التي ذكرتها لكم وهي قليل من كثير، كانت من أكبر العوامل في تآخي البشر وتقرّب الشعوب من بعضها وهي أقوى الأسباب في غلبة الانفصال، والتعارف على التناكر والوفاق على الخلاف والاجتماع على الافتراق، بل تغلّب العلم على الجهل والحق على الباطل والفضيلة على الرذيلة.(12) وأما مجالات القول التي تم التركيز عليها في العمل الأدبي الإصلاحي فهما:

1- مجال الخطابة والتمثيل (المسرح)

يقول الإبراهيمي: "والخطابة عند الأمم الحية توأمان، وإخوان شقيقان، وأن منزلتهما من دواعي التهذيب والتربية الفاضلة لأرفع منزلة، وأن مكانتهما من بين مقومات الأخلاق لمنزلة الطعام والشراب من بين المقومات الجسدية. وما بنيت نهضة من بين النهضات الأخلاقية في الأمم الجديدة إلا وللتمثيل والخطابة في بنائها القسط الأوفر والحظ الأولى. وليس موقف الممثلين دون موقف الخطيب ولا موقع الرواية من نفوسهم دون موقع الخطبة. فإنما الخطيب والممثل شيء واحد – الممثل خطيب إذا أحسّ تصوير المغزي، وشخص الحقائق الغائية للمشاهدين كالحاضر المشاهد، وألبس الخيالات لباس الواقع المحسوس، والخطيب ممثل إذا عرف كيف يقصّ الخبر وكيف يستخرج العبر، وكيف يسوق المؤثرات يترك في نفوس سامعية أعمق الأثر.(13)

2- مجال شعر الملحون:

يرى الإبراهيمي ضرورة الإيعاز إلى شعراء الملحون لأن ينظموا قصائد ومقاطع تتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، لكي تنشرها جمعية العلماء بين العامة وترغبهم في حفظها.(14)

ويحاول رحمه الله أن يزيل إي سوء فهم حول أهمية هذا النوع من التعبير الشعري الذي ارتبط عند الكثيرين بإضاعة الوقت والكسل وربما المنكرات غيرها مما ينفر منه فقال:

"أنا أحكم بأن في الشعر الملحون ما هو شعر على الحقيقة، فقد سمعت من شعر القرن الماضي ما يفيض حكمة وحثاً على الفضائل والكمالات، وتخويفاً من الله والآخرة، وسمعنا منه ما يتضمن المغازي والسير وإن كان معظمه كذباً، ولكننا لم نجد لشعر إخوانه العلماء أثراً في هذه المواضيع.(15)

دور تعلم اللغة العربية واللغات الحية:

لا شك أن اللغة العربية كانت ولا تزال عنوان أمة بكاملها بل وضمير حضارة يراد لها أن تبيد، وإن دور العربية في حفظ الإسلام وحضارته كدور الإسلام في حفظ اللغة وثقافتها. وهذا التماثل في الأهمية الوظيفية للعربية مع الدين أمر غير مستغرب، فالقرآن عربي والشريعة في نصوصها التشريعية عربية بلا خلاف. ولهذا السبب فإن إهمال إتقان العربية كما هو سائد الآن حتى لدى الحركات الدينية في العالم الإسلامي دليل على عدم الإحساس بقيمة العربية في تشكيل الوجدان الحضاري وهو العنصر اللازم لبناء العمران المنتج بتعبير الإبراهيمي. ولقد أكد رحمه الله ومعه حواريوه من جمعية العلماء على دور اللغة في الحفاظ على الهوية. إذ لولا العربية لما كانت بلاد الجزائر على ما هي عليه الآن من الوفاء للقيم الثقافية الإسلامية. لقد تنبه الإبراهيمي إلى أن الإنسان العربي مهما ابتعد عن اللغة العربية فإن تذوقها لم يزل ممكنا وضروريا ولهذا أخذ على نفسه أن يتكلم ويكتب بعربية جميلة راقية دون أن يحول ذلك بينه وبين جمهوره الذي خضع لفرنسة نسقية لمدة تزيد على المائة سنة، ولعل هذا هو ما يضع أطروحة مالك بن نبي رحمه الله على نقيض من تصور الإبراهيمي، إذ ذهب مالك في الظاهرة القرآنية إلى الزعم بأن الأجيال الحاضرة قد فقدت الإحساس اللغوي بعربية القرآن ولهذا فإن تأكيد إعجاز الرسالة الإلهية لن يتم إلا بالبحث عن مجالات جديدة وهي المجالات العلمية التي ستكون بمثابة الحجة على إعجاز القرآن(16). ولقد نسي رحمه الله أن الأمرين لا يتناقضان لأن اللهجات العربية المستعملة حاليا لا تزال تحتفظ بأغلب البنى النحوية والبلاغية للغة العربية ومتى أكثرنا من استعمال الفصحى الأنيقة فإن الجمهور سيألفها وسيتفاعل مع تعبيراتها تفاعلا يؤدي إلى تفعيل قيمة الإنهاض الموجودة في العربية الفصحى، وسيتجلى هذا الإنهاض في عملية تحويلية مركزها الوجدان والإدراك. بحيث سيتحول المستمع إلى شخص يمجد تاريخة ويتباهى به ويفخر بهويته ويتحصن بها. ولعل هذا هو ما فطن إليه الإبراهيمي إذن فظل مؤمنا بإمكانية تطوير الذوق اللغوي السليم لدى العامة دون أن يعني ذلك تلقينهم دروسا جافة في الأنحاء والاستعارات، بل الأمر أبسط من ذلك إذ يحتاج إلى تحديث العامة بالأسلوب العربي وهم بعد ذلك مرتقون إليه متفاعلون به بما تكتنزه مداركهم اللغوية من أنساق لغوية عربية تتخلل كل مناحي التواصل باللهجات العربية المختلفة. يقول:

"ولقد بدأت دروسي ومحاضراتي في تلمسان بالعربية الفصحى وأخذت نفسي بذلك أخذاً أصل فيه إلى درجة الإغراب أحياناً، وكان لي من وراء ذلك الالتزام غرضان:

أحدهما : إقامة الدليل للمتعلمين باللغات الأجنبية على أن الفصحى لا تعيا بحمل المعاني مهما تنوعت وعلت، وأنها تبذّ اللغات في ميدان التعبير عن الحقائق والخيالات والخواطر والتصورات، وقد بلغت من هذا الغرض ما أريد.

والغرض الثاني: أن أحدث في نفوس العامة المحبين للعلم والدين أسفاً يقضّ مضاجعهم فيدعهم إلى تدارك ما فاتهم منها في ابنائهم.

وما زلنا على هذا حتى فعل المرات فعله وأصبحوا يفهمون ويذوقون ويخرجون وهم يتدارسون".(17)

وهذا الاهتمام بتربية الذوق اللغوي مرده إلى مركزية التعريب في فلسفة الإبراهيمي الإصلاحية، حيث إن للغة مدخلا في تقريب المعاني الدينية، وجعلها أيسر في التطبيق والفهم:

"فمن المفيد في اجتماعنا أن نعير هذه المسألة جانب الإهتمام ونسعى في تقريب حقائق الدين من أذهان الأمة على السنّة الأولى في نشره وهي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونسعى في إقناع الأمة بأن هذا الدين دين عملي لا تستغرق معرفة أحكتمه هذه العشرات من السنين التي يبدّدها طلّاب العلم الديني منّا، وأمه يجب الرجوع في طرق الإستدلال على العقيدة إلى طريقة القرآن وهي إلفات النفس وتوجيهها إلى الإستدلال بالمخلوقات على الخالق، وأن هناك فرقاً عظيماً بين العقيدة والعبادة والمعاملة وأنه لا مدخل لغير المعصوم في إثبات ماهو عقيدة أو ماهو عبادة، وأن المعاملة مبنية على مراعات مصالح البشر ونظام اجتماعهم العمراني، ولذلك كانت أغلب أحكام المعاملات المأخوذة من القرآن كلية قل أن نعثر فيها على التفصيل، وأن الأنسب لسماحة الدين وبقائه وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يكون للزمان والمكان والعرف والعادة والبيئة مدخل في تكييف أحكام المعاملات وتطبيقها على الحوادث الجارية. وأن التاريخ شهد بأن أسلافنا كانو يراعون هذا المعنى في إدارتهم الإسلامية وفي سياساتهم للشعوب الأخرى. يصحب هذا السعي سعي آخر ملازم له وهو السعي في نشر اللغة العربية التي هي لغة الدين ولغة الآداب القومية ولغة التاريخ القويم.(18)

ويقول في موضع آخر: "وكلكم يعلم أن هذا اللسان ضاع من بيننا فأضعنا بضياعه كل ذلك التراث الغالي النفيس من دين وتاريخ، وأن اللغة هي المقوّم الأكبر من مقوّمات الاجتماع البشري، وما من أمة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها، واستتبع ضياع اللغة ضياع المقومات الأخرى. ويأبى لكم الله والإسلام أن تضيعوا لغة كتاب الله ولغة الإسلام. يأبى لكم الله إلا أن ترجعوا منكم، فجمعيتكم – بعون الله وبفضل هممكم – تركب لهاتين الغايتين من الوسائل كل ممكن، فمن محاضرات ودروس عامة إلى دروس خاصة إلى تنشيط ودروس لهذين، وهي تعتمد في الإعانة على القيام بهذا العهد الذي قطعته على نفسها – بعد الله- على كل من يصله صوتها من أبناء هذه الأمة، وهي تعتقد أنها لا تستغني عن الإعانة من أنصارها مهما قلت، وانها لا تستغني عن حنكة الشيب وتجاريبهم، ولا عن إعتدال الكهول وحكمتهم ولا عن نشاط الشبّان وفتوتهم، وإن تكافل هذه القوى الثلاث سيخرج للأمة الجزائرية جيلاً مزوداً بالإسلام الصحيح وهدايته والبيان العربي وبلاغته، عارفاً بقيمة الحياة سبّاقاً في ميادينها متحلياً بالفضائل عزوفاً عن الرذائل، عارفاً بما له وما عليه واقفاً في مستقر الحقيقة الواقع، لا في ملعب الخيال الطائر.(19)

وهذا لا يعني التعصب لبعد واحد من الهوية وهو اللغة العربية، فالإبراهيمي يدرك أنه يعيش في عصر تقوت فيه لغات أجنبية بفعل التراكم الحضاري المكتسب من قبل الغرب، ولهذا فمن الواجب تعلم لغات جديدة تعيننا على التعلم من الآخرين، ولهذا يبدو الإبراهيمي متحمسا لمعرفة اللغات، يقول عن أحد خلصائه من المصلحين: " الرجل صبور والصبر مطية النجاح وقوام الحياة كلها. الرجل معتمد على على نفسه، يظهر ذلك في جميع أطوار تعلّمه وأن الهمّة التي سمت به إلى تعلم عدة لغات حيّة أجنبية وإتقانها هي عنوان هذا الخلق العظيم، خلق الإعتماد على النفس، والإعتماد خير ما حمل الآباء عليه أبناءهم فهو الرائد إلى السعادة وهو أساس الحياة الاستقلالية".(20)

بين النقد الحضاري والنقد الأدبي:

أود أن أتناول النقد هنا من زاوية عامة يتداخل فيها النقد الحضاري والفكري مع النقد الأدبي، وهما في الواقع أمر واحد لأنهما يرتدان إلى وظيفة واحدة وهي التمييز بين الصالح والطالح والجيد والرديء، وإذا كان النقد الأدبي ضروريا لتقوية الأدب وتوجيهه وترشيده، فإنه بلا شك جزء من عملية ثقافية أوسع تتغيى نقد الأنساق والأفكار والأعراف في محاولة لتجاوز العوائق، وبناء فكر للمستقبل، والظاهر أن الإبراهيمي لا يميز بين العمليتين أقصد النقد الفكري للأنساق والنقد الأدبي للإبداع.

لقد أكد رحمه الله على البعد النقدي في التعامل مع التراث، بل إنه جعل النقد والاستقلال في الرأي مطية النجاح وطريق الكسب المعرفي، ولعمري إن هذا ليبرز بجلاء كيف انقلب المركب الإصلاحي من الدعوة إلى تنمية الحاسة النقدية في المرحلة المبكرة من عمر الحركة الإصلاحية إلى ضرورة إقبارها والاحتفاء بعقلية الجمع والتصنيف والمدح، ومن التأكيد على الاستقلال في الرأي إلى التنديد به لحساب الاتباع والتقليد، يقول عن تأببين المؤرخ محمد بن شنب:

"نشأت العلوم الإسلامية في ظروف متفاوتة وفي أمم متفاوتة يجمعها الإسلام، فكان للظروف أثر في تكوين تلك العلوم ولا ختلاف الجنس أثر في تكوينها أيضاً، وكانت منذ نشأتها خاضعة للدين، فكان للدين أثره الأقوى ثم تطورت تلك العلوم تبعاً لتطور الحياة العامة، فكان للآداب الجنسية الخاصة وللآداب الدينية العامة أثر في ذلك التطور وأصبح تاريخ العلوم الإسلامية يتناول تاريخ رجالها وتاريخ انتقالها في ظل الإسلام من الشرق إلى الغرب وتاريخ أطوارها قوة وضعفاً، فلا عجب إذا أعجب بهذا الفقيد وهو الذي إذا بحث في هذه المواضيع الشائكة أرضى الحق وأرضى التاريخ، وإن ناشئتنا لفي شديد الحاجة إلى تلقين هذا النوع من العلم في مبدإ نهضتنا العلمية وإلى الإنطباع بهذا الطابع طابع الإستقلال والنقد.(21)

ويمضي رحمه الله أبعد من ذلك في التأكيد على أهمية النقد الذاتي، حيث يشير إلى التلازم بين الإصلاح ونقد الذات فـ " من كتم داءه قتله، وما دمنا ونحن بمعزل عن الحقائق وفي صمم عن استماع النصائح فنحن بعداء عن الحق، وما الحق إلا أن نتّحد ونسعى بلا فتور. ما الحق إلا أن نتعاون، ما الحق إلا أن ندع التخاذل جانباً ونتصافح على الإستمالة في سبيل الحق، ما الحق إلا أن نزن الأشياء بموازينها فلا ندع المجال للوهم ينقض ويبرم لنا السفاسف في صورة الجبال ويظهر لنا الجلائل بمظهر التافه الحقير، فهذا نوع غريب من أمراض النفوس ما فشا في أمة إلا وكان عاقبة أمرها خسراً.(22)

النقد الأدبي العام:

أقصد بالنقد الأدبي العام تلك الآراء المتعلقة بالخطاب الأدبي على جهة العموم، بحيث تصلح لأن تحشر في إطار أوسع هو نظرية الأدب، والواقع أن آراء الإبراهيمي في الأدب على أهميتها لا تسعف في بناء نظرية لأنه لم يكن مهتما بالأدب خاصة، ولهذا أدرجناها في أطلقنا عليه النقد الأدبي العام. وسأتناول فيه موقف الإبراهيمي من التحديث أو التجريب الأدبي، وكذا موقفه من مشكلة الإبداع الأدبي بصفة عامة.

الإبراهيمي والتجريب:

يرى الإبراهيمي أن الحرية لازمة للأدب، وأن القيود الإيديولوجية تصطدم مع الطبيعة الثائرة للإبداع، ولهذا فمن الواجب إعطاء الحرية الكاملة للأديب من أجل التجريب وإبداع أشكال جديدة للتعبير دون خوف على تقاليد الكتابة ورسومها، فالزمن عامل فاعل في تحديد قيمة الجديد وأهميته. وكأن البشير هنا ينعي على أولئك الذين يئدون الإبداع في مهده حتى قبل أن يكتمل نضجه ويقوم هيكله فـ" من حق الأديب أن نترك له الفرصة الملائمة ليجرب ويجرب، فالتجربة إن أثمرت كانت فتحا جديدا، وإلا فهي خبرة تصقل الموهبة، وتكشف حقائق الحياة"(23)

مشكلة الأديب:

يرى الإبراهيمي أن حل مشكلة الأدب تكمن في حل مشكلة الأديب نفسه، يقول بعد أن ذكر وظائف الأدب في بناء المجتمع وتشكيل حضارته وحاجة الأديب للرعاية من أجل ضمان سيولة إبداعية مستمرة

" ولقد أدرك هذه الحقيقة السابقون من قومنا فحاطوا الأديب بالحماية والرعاية ومهدوا للأديب أن يخلص لفنه ويخلص فنه له... عرفنا ذلك أيام دمشق عاصمة الأمويين، وبغداد عاصمة الرشيد والمأمون، والقاهرة عاصمة المعز وصلاح الدين، وفي المغرب على عهد حكوماته العربية الخالصة... وأول ما يجب أن نحمي منه الأديب والأدب هو تلك العواصف التي تطفيء جذوته وتمسح نوره ورونقه، وتمسه بالعوز والكدية والصعلكة فلا بد أن نبذل للأديب من رحابة الحياة ويسر العيش ما يجعله معتدل الحس راضي النفس صادق التعبير غير ضجر بضيقه وعسره.

إلى متى تظل تلك الأسطورة المشهورة ملصقة بالأديب والأدباء؟... أعني الأسطورة التي تحكي أن الفقر أول سمات الأديب؟ إلىمتى نظل نؤمن بالفقر الملهم والجوع العبقري والبؤس الموحي؟... ولست أريد أن نقطع للأدباء الإقطاعيات أو نقيم لهم التكايا، فقد درست تلك الأساليب وبارت، وإنما يدور حديثي حول تقدير الأثر الأدبي في حياته، وتقييم الأدب تقييما عمليا لا نظريا ولا عاطفيا فقط، فلن يقتات الأديب عاطفة مهما سمت ولا مدحا مهما اتسع"(24)

النقد الأدبي الخاص:

لا أزعم أن للإبراهيمي آراء خاصة في النقد بما هو جنس إبداعي مستقل، فهذا لم يكن بالقطع مراد الإبراهيمي، وإن كنا نرى أن له تذوقا رفيعا للكلام يعطيه القدرة على إصدار حكم نقدي فيه تكون له القيمة بوصفه رأيا في النقد. وإذا كان الناس قد شهدوا للإبراهيمي برسوخ القدم في البيان، فإن عشقه للشعر سيمكنه من تقييم درجة الإبداع في القصيدة على نحو من السجية والانقداح التلقائي والذي يعطي لرأيه مكانا معتبرا في النقد التذوقي.

المفاضلة بين المتنبي وشوقي:

معلوم أن الإبراهيمي كان راوية لشعر شوقي فقد حفظ الشوقيات عن ظهر قلب، وابتلي بحب شعر شوقي إلى درجة التعصب أحيانا، يقول عن رحلته المشرقية: " فمررت على القاهرة وأقمت بها ثلاثة أشهر طفت فيها بحلق الدروس في الأزهر، وزرت شوقي الذي كنت راوية لشعره"(25)

ولقد بلغ به عشقه لشعر شوقي أن ظاهر به على جميع شعراء العربية، وغالى به عليهم، يقول: " ورأيي في شوقي معروف في المشرق والمغرب بين خلصائي من الأدباء وخلطائي من المتأدبين، فلم أزل منذ كان لي رأي في الأدب أغالي بقيمة شوقي في الشعراء السابقين واللاحقين وربما شاب هذا الرأي مني شيء من الغلو في مقامات الجدل والمفاضلة بين شعراء العربية وما كنت أتهم نفسي بالعصبية لشوقي ولا كان الناس يتهمونني بتحيز لأنني كنت قواما على شعر شوقي أستحضره كله أو جله حتى ليصدق علي أنني راوية شوقي بالمعنى الذي كان يعرفه أسلافنا في الرواية"(26)

ولا يتركنا الإبراهيمي مع رأي غير معلل بل يعمد إلى إبراز أسباب تفضيله شوقي على المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في عصره، يقول: " ولقد دأب شوقي بتقليد المتنبي في أول أمره فجاراه، وما كبا وما قصر ثم شآه في التشبيب الصادق والغزل الرقيق، ثم طاوله فطال عليه في وصف الآثار الباقية عن الحضارات الداثرة وفي التغني بالأمجاد الغابرة لبني جنسه أو بني وطنه أو بني دينه على حين كانت عبقرية المتنبي لا تتجاوز به مدح شخص يجود أو شجاعة وانتصارات قد يكون الغناء فيها للممدوح" (27)

الأدب والسلوك الشخصي:

يرى الإبراهيمي أن تدين الأديب وسلوكه ينبغي ألا يكون معيارا حاسما لتحديد إسلامية إبداعه، ولقد أثار هذا الموضوع في معرض حديثه عن شوقي والذي كان يشاع عنه التساهل في إقامة الشعائر والعبادات، فالإبداع هو محصلة التفاعل الوجداني للأديب مع الدين، أما السلوك فلا يمكن أن يكون مقياسا للحكم على الإبداع فـ " التدين أثر الدين في النفس أو ممارسة شعائره بالجوارح وليس من موضوعنا المحدد البحث عن تدين شوقي بمعنى إقامته لرسوم الدين وشعائره لأننا في شغل شاغل عن ذلك بهذا الفيض المدرار الذي يفيض به شعر شوقي في التغالي بالإسلام وتاريخه وأمجاده وبهذا الإيمان القوي بالله وقضائه، وبهذا التصوير لبدائع مصنوعاته، وبهذا الترديد اللذيذ للقرآن والحض على التمسك به"(28)

خاتمة:

يتضح مما قلناه أن مناهج الإصلاح عند الإبراهيمي وغيره، على اختلاف ظروفها وفعاليتها، انتظمها نسق موحد في النظر إلى أسباب تخلف الأمة وسبل النهوض بها، ويمكن تلخيص هذا النسق في شكل ضروريات خمس كما يلي:

- ضرورة التجديد ونبذ التقليد

- ضرورة الحوار الداخلي يبن المسلمين على اختلاف طوائفهم واتجهاتهم

- ضرورة الحوار الخارجي مع "الآخر" دون تحرج من الاستفادة منه

- ضرورة إعمال العقل من جديد ونبذ الحرفية النقلية

- ضرورة المعرفة في العمل الإصلاحي

غير أننا لاحظنا أن العمل الإسلامي المنظم في ثوبه الذي أعقب جهود الإصلاح تلك، قطع عموما مع هذا الإرث الإصلاحي الثر، وقلب مركب الإصلاح نحو وجهة جديدة يمكن تلخيص نسقها في ضرورات خمس مقابلة للضرورات السابقة وهي :

- ضرورة اتباع السلف وهو ما يفيد خلاف ظاهره، إذ يعني ضرورة التقليد والتمسك بالقديم

- ضرورة التميز والمفاصلة بدل الحوار

- ضرورة التمسك بالنص (السنة خصوصا) بدل التمسك بالكليات العقلية المنصوص عليها

- ضرورة التسيس بدل المعرفة

- ضرورة إقامة الدولة بدلا من ضرورة الإصلاح

لقد مثلت الصحوة الدينية المعاصرة – مع استثناءات معتبرة- تراجعا واضحا عن مكتسبات الخطاب الإصلاحي النهضوي، حيث شجعت التقليد، وأوغلت في العمل السياسي اليومي، فأضحت موئلا لاستقطابات حركية لا تنتهي إلا بتفتت يقود إلى آخر، وجماعة تنسل من أخرى. وكانت النتيجة أن ضعف الرصيد الأخلاقي والجمالي الذي يمثل الرأسمال الرمزي للجماعات الإسلامية حتى أضحت في عمومها لاتختلف عن الأحزاب القائمة بل إتها هي نفسها تحولت إما إلى أحزاب سياسية، أو دعمت أحزابا قائمة من أجل تيسير عملها داخل مؤسسات الدولة.

ملحق:

شهادة محمد الغزالي في أدبه: واذكر من أولئك الزعماء اللاجئين إلى القاهرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عرفته، أو تعرفت غليه، في أعقاب محاضرة بالمركز العام للإخوان المسلمين... كان لكلماته دوّي بعيد المدى، وكان تمكّنه من الأدب العربي بارزاً في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء والحق أن الرجل ساحراً، وتأنقاً في العبارة، يذكرنا بأدباء العربية في أزهى عصورها، لكن هذا ليس ما ربطنا به أو شدنا غليه – على قيمته المعنوية- إنما جذبنا الرجل بإيمانه العميق وحزنه الظاهر على حاضر المسلمين وغيظة المتفجّر ضد الإستعمار، ورغبته الشديدة في إيقاظ المسلمين ليحموا أوطانهم، ويستنفذوا مجادهم، وخيل لي أنه يحمل في فؤاده آلام الجزائريين كلهم وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي، ويقدمون المغارم سيلاً لا ينقطع حتى يحرروا أرضهم من الغاصبين الطغاة، وكان في خطبته يزأر كأنه أسد جريح، فكان ينتزع الوجل من أفئدة الهيّابين، ويهيّج في نفوسهم الحميمة لله ورسوله، فعرفت قيمة الاثر الذي يقول: "إن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهيد"(29)

وهناك قصيدة نفيسة للأميري في رثائه رحمهما الله سأبحث عنها وانشرها بحول الله

وجزاكم الله كل خير

 

الهوامش :

* الأستاذ المساعد في اللسانيات والترجمة جامعة ظفار/سلطنة عمان

(1) مقدمة ابن خلدون، تح: علي بن عبد الواحد وافي، طث، دار نهضة مصر القاهرة. د.ت 0ج1، 266).

(2) أثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، أحمد طالب بن إبراهيمي (ج1، 370) دار الغرب الإسلامي، 1997، ط1 بيروت.

(3) ج3/372.

(4) ج1/ 372.

(5) هو الفقيه محمد ثسنب ، راجع: (ج1/ 45)

(6) ج1/46

(7) ج1/52

(8) ج1/51

(9) ج1/52-53.

(10) ج1/ 224

(11) ج1، ص62-63.

(12) ج1، ص61، ف5.

(13) ج1، ص67.

(14) ج1، ص85، خامساً.

(15) ج1، ص146.

(16)راجع مقالنا: Someaspects of Bennabi’s Hermeneutics in the “Qur‛ānicphenpmenon: a linguistic analysis شارك به الباحث في الملتقى الدولي حول القرآن والعولمة بكولالمبور ماليزيا، وهو ملتقى تم تخصيصه للمفكر الإسلامي مالك بن نبي

(17) ج1، ص149.

(18) ج1، ص52، ف1.

(19) ج1، ص134-135.

(20) ج1/ 466.

(21) ج1، ص47-48.

(22) ج1، ص56، ف4.

(23) ج5/213

(24) ج5/213

(25) ج5/165

(26) ج5/227-228

(27) ج5/227

(28) ج5/204

(29) ج2، ص10-11.

 

آخر التغريدات: