المرجعية الفقهية المالكية عند الشيخ عبد الحميد بن باديس بين التعصب المذهبي والتحرر الفكري 1/2

بقلم: د.محمد الدراجي –

يعتبر ظهور شخصية الإمام المصلح، الشيخ الرئيس عبد الحميد بن باديس، على مسرح الأحداث في بداية القرن الماضي منذ عام 1913 إثر عودته من رحلته إلى المشرق العربي لأداء مناسك الحج، والتواصل مع أعلام الفكر والثقافة، وأقطاب الوطنية والسياسة، ومعاينة الوضع المزري للأمة الإسلامية وانتدابه للتدريس، وتخريج أجيال من الجزائريين مشبعة بالعلم الصحيح والخلق القويم، والوطنية الصادقة، وكذا تصديه لمقاومة الانحرافات في العقائد والسلوك، والبدع التي كانت شائعة ومنتشرة في عقول الناس، ترعاها وتعمل على ديمومتها طرائق صوفية، كانت تتحرك وتتوقّف وفق إملاءات الاستعمار ومصالحه.

يعتبر ذلك كله نقطة فاصلة في تاريخ الجزائر الحديث السياسي والثقافي والذي يهمنا نحن في دراستنا هذه الجانب الثقافي، وإن كان لا يمكن فصل الفعل الثقافي عن الحركة السياسية إذ العلاقة بينهما تكاملية وقائمة على كل المستويات، إذ الثقافة في إبعادها النهائية هي مواقف سياسية، والسياسة في حقيقتها خدمة لمقوّمات الأمة الثقافية، ورسم لخطط المحافظة عليها، وعليه فإنّنا سنسلط الضوء على جزئية معينة في المشروع الثقافي الكبير للإمام المصلح عبد الحميد بن باديس رحمه الله وهي المرجعية الفقهية، ذلك أنّ خصوم الشيخ عبد الحميد بن باديس، رفعوا في وجهه تهما مشينة وعديدة، على رأسها أنه صاحب فكر وافد، مناقض للمرجعية الدينية التي كان عليها الشعب الجزائري

خلال تاريخه الطويل، ومنذ أن وطأت أقدام الفاتحين الميامين ربوع هذه الدّيار المباركة، وهي الأشعرية في العقائد والتمذهب بالمذهب المالكي في الفروع، ولزوم طريقة أبي القاسم الجنيد في التصوف، ولسان حال هؤلاء

الخصوم، ترديد البيت الشهير للإمام عبد الواحد بن عاشر وهو في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك، وفي هذه الدراسة سنركز على المرجعية الفقهية فقط، ولا نتعرض إلى موقف ابن باديس من الأشاعرة، كما لا نتعرض إلى موقفه من التصوف والطرقية حتى لا يتشعب بنا الحديث ونخرج عن المراد.

فما موقف الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله من المرجعية الفقهية المالكية السائدة في الجزائر، بل في شمال إفريقيا كلّها؟ هل تجاوز ابن باديس هذه المرجعية الفقهية إلى مرجعيات أخرى بديلة؟ أم هل كان مذهبيا منغلقا على مذهبه المالكي، لا ينظر إلى المستجدات، ولا يواكب التطورات إلا من خلاله، لا يخرج عنه قيد أنملة؟ ما موقف الشيخ عبد الحميد بن باديس من الدعوة إلى الاجتهاد، وتقديم إجابات معاصرة للمشكلات التي تطرح نفسها بإلحاح على الفقيه المعاصر؟ وما موقفه من المذاهب والمدارس الفقهية الأخرى التي تعج بها أقطار المسلمين مشرقا ومغربا؟ نعتقد جازمين بأن الإجابة عن هذه الأسئلة تقودنا حتما إلى تحديد موقف الشيخ عبد الحميد بن باديس من المرجعية الفقهية المالكية؟وللوصول إلى الإجابة على كل الأسئلة المطروحة آنفا، فإننا نحدد مجالين اثنين للبحث أمّا المجال الأول فهو ذلك المنهج التربوي الذي طرحه الشيخ عبد الحميد بن باديس لتدريس الفقه، وتنشئة المتفقه، وصنع الفقيه المجتهد وأما المجال الثاني فهو مجموعة الفتاوى الشرعية، والإجابات الفقهية التي كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يجيب بها عن أسئلة الناس التي كانت تصله، يضاف إليها جملة المناقشات والردود التي جرت بين الشيخ وبين معاصريه من أهل العلم، إن على سبيل التأييد أو على سبيل النقد والتفنيد.

المجال الأول: المنهج التربوي التفقيهي عند الإمام عبد الحميد بن باديس

شكلت مادة الفقه الإسلامي أحد المواد الأساسية والرئيسية، في البرنامج التعليمي، والمقرر الدراسي، اللذين سطّرهما الشيخ عبد الحميد بن باديس لتلاميذه الذين كانوا يتوافدون عليه من شتى أنحاء القطر الجزائري ففي البرنامج الذي أعلنت عنه "الصراط السوي" لسان حال جمعية العلماء والذي يتضمن برنامج الدروس العلمية، جاء ما يلي: تشتمل الدروس العلمية على التفسير للكتاب الحكيم وتجويده، وعلى الحديث الشريف وعلى الفقه في المختصر وغيره، وعلى العقائد الدينية، وعلى الآداب والأخلاق الإسلامية، وعلى العربية بفنونها كالمنطق والحساب وغيرهما(1).

وفي التقرير الذي نشرته جريدة البصائر الغرّاء، لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن التعليم المسجدي، والحركة العلمية بالجامع الأخضر، والذي تعرّض إلى العلوم التي تدرّس، فذكر ((التفسير، الحديث، الفقه، الفرائض العقائد، المواعظ، التجويد، الأصول، المنطق، النحو، الصرف، البلاغة، الأدب محفوظات، ومطالعات، ودراسة الإنشاء، الحساب، الجغرافية، التاريخ))(2).

وهكذا نرى أن الشيخ عبد الحميد بن باديس قد جعل من مادة الفقه، مادة أساسية في دروسه العلمية، ولكن لكي نتعرّف على المرجعية الفقهية عنده، فلا بدّ من إلقاء نظرة على الكتب التي كان يدرّسها الشيخ عبد الحميد بن باديس لطلاّبه، ويستقي منها مادّته الفقهية في التدريس لقد نشر الشيخ عبد الحميد بن باديس في التقرير السالف الذكر عناوين الكتب المدروسة، فذكر ((الموطأ، أقرب المسالك، الرسالة، ابن عاشر، البزدوي، المفتاح، التنقيح، السّلم، المكودي، القطر، الأجرومية)(3).

وبالإضافة إلى هذه الكتب، ذكر الشيخ عبد الحميد بن باديس كتابا آخر مهما وهو كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد للفقيه المالكي الكبير أبي الوليد ابن رشد(595هـ)، وذلك في التقرير الذي وافى به علماء الزيتونة الكرام، وأعضاء لجنتها الموقرين الذين انتدبوا للقيام بإصلاح التّعليم في الجامع المعمور،(4) والذي نلاحظه أنّ الكتب المعتمدة في الدراسة الفقهية كلّها كتب مالكية، وعليه فيمكننا القول بأن منهج التفقيه الذي اعتمده الشيخ عبد الحميد بن باديس في تكوين طلاب الدراسات الشرعية، هو التمذهب بالمذهب المالكي السائد في شتى أقطار الشمال الإفريقي، وهذه المدونات الفقهية هي الموطأ، مختصر خليل، أقرب المسالك، الرّسالة، متن ابن عاشر، وغيرها، وسنعرف بهذه الكتب.

1- الموطأ للإمام مالك بن أنس الأصبحي توفي عام (179هـ):

وهو كتاب جليل، حافل بالأحاديث الصحيحة، المرفوعة والموقوفة والمقطوعة، وكذا المراسيل والبلاغات، وفيه عدد هائل من فتاوى الصحابة والتابعين، وما صح عند مالك من عمل أهل المدينة، وكذا اجتهادات مالك رحمه الله واختياراته الفقهية، فهو كتاب جامع بين الفقه والحديث، وهذا الكتاب عمدة المالكية الأوّل، لذا كثر اهتمامهم به، وأفردوا له عدة شروح، وفي هذا الإطار، اهتم الشيخ عبد الحميد بن باديس بالموطأ، فقرر على طلاّبه دراسة هذا الكتاب والتفقه فيه، لأنه في نظره، يمثل المنهج الأمثل في صنع الملكة الفقهية، وهو التفقه في نصوص الكتاب والسنة، والتعرف على ملاحظ الأئمة في الاستنباط من النصوص، وحسن الاستدلال، فقال –رحمه الله- «وإذا رجعت إلى موطأ مالك سيّد اتباع التابعين، فإنك تجده في بيان الدّين قد بنى أمره على الآيات القرآنية، وما صح عنده من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله، وما كان من عمل أصحابه الذي يأخذ منه ما استقر عليه الحال آخر حياته، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره، وكذلك إذا رجعت إلى كتاب الأم لتلميذ مالك الإمام الشافعي فإنّك تجده قد بنى فقهه على الكتاب وما ثبت عنده من السّنة (5).

ومعروف أن الشيخ عبد الحميد بن باديس، قد انتدب لتدريس موطأ الإمام مالك، رحمه الله وختمه كلّه تدريسا على الطريقة السلفية، لطلاّبه في الجامع الأخضر، وأقيم بهذه المناسبة حفل مشهود .

2-مختصر خليل وشروحه: وثاني الكتب التي قرّرها الشيخ عبد الحميد بن باديس مصادر لطلابه، ينهلون منها مادتهم الفقهية، فهو كتاب مختصر خليل لصاحبه خليل بن إسحاق المتوفى(776هـ) وهو كتاب طبقت شهرته الآفاق، وأقبل عليه العلماء وطلبة العلم حفظا وفهما ومدارسة، وشرحا وتعليقا، إقبالا منقطع النّظير، لأن صاحبه قد اجتهد فيه في جمع أمهات مسائل الفقه المالكي، بل خلاصة الفقه المالكي وما عليه المعوّل في الفتوى في المذهب، ولذلك قال رحمه الله في مقدمة المختصر (وبعد، فقد سألني جماعة أبانَ الله لي ولهم معالم التحقيق، وسلك بنا وبهم أنفع طريق مختصرا على مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى مبينا لما به الفتوى، فأجبت سؤالهم بعد الاستخارة، مشيرا بفيها للمدوّنة وبأوّل إلى اختلاف شارحيها في فهمها، وبالاختيار للخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وبالاسم فذلك لاختياره من الخلاف، وبالترجيح لابن يونس كذلك، وبالظهور لابن رشد كذلك، وبالقول للمازري، كذلك وحيث قلت خلاف فذلك الاختلاف في التشهير وحيث ذكرت قولين أو أقوالا فذلك لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة) (6) ولما كان لخليل شروح متعددة، فإن الشيخ قد اختار شرحا مختصرا هو "أقرب المسالك".

3- رسالة ابن أبي زيد القيرواني (386هـ):

وأما الكتاب الثالث الذي قرره الشيخ عبد الحميد بن باديس على طلاّبه، ينهلون منه مادّتهم الفقهية، فهو كتاب الرّسالة لابن أبي زيد القيرواني المتوفي (386هـ) وهو كتاب جليل الفائدة الفقهية، كثير النفع، تميز بمكانة خاصة بين كتب المذهب إذ أقبل عليه الجمع الغفير من العلماء بالشرح، والتدريس، ما لم يعرف لكتاب آخر، قال الشيخ أحمد زرّوق في مقدمة شرحه على الرّسالة (إن رسالة ابن أبي زيد شهيرة المناقب والفضائل، عزيزة النفع في الفقه والمسائل، من حيث أنها مدخل جامع للأبواب، قريبة المرام في الكتب والحفظ والاكتساب، وقد اعتنى بها الأوائل والأواخر، وانتفع بها أهل الباطن والظاهر، وحتى صارت بحيث يهتدي بها الطالب المبتدئ ولا يستغني عنها الراغب المقتدي، ولم تزل الناس يشرحونها على مرّ السنين والدهور، والعلماء يتداولونها ويتناولون ما فيها من الأمور، نحو من خمسمائة سنة، ولم تنقص لها حرمة، ولا طعن فيها عالم معتبر في الأمة، مع ما فيها من عظيم الأشكال، ودواعي الإنكار من الحساد والأشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب) (7).

متن ابن عاشر وشروحه:

ومن الكتب الهامة التي برمجها ابن باديس رحمه الله وقررها على طلاّبه، متن ابن عاشر، وهو نظم للعلامة عبد الواحد بن عاشر، كثير الفوائد والتحقيقات، قال عن قيمته العلمية العلاّمة محمد بن أحمد ميارة المالكي في مقدمة شرحه لهذا النّظم «هذه المنظومة العديمة المثال في الاختصار وكثرة الفوائد والتحقيق، ومحاذاة مختصر خليل، والجمع بين أصول الدين وفروعه، بحيث أنّ من قرأها وفهم مسائلها خرج قطعا من ربقة التقليد المختلف في صحة إيمان صاحبه، وأدى ما أوجب الله عليه تعلمه من العلم الواجب على الأعيان»(8) .

وجوب التفقه في الكتاب والسنة:

من العلامات البارزة في منهج التفقيه عند العلامة ابن باديس، وتكوين الملكة الفقهية عند الطلاب، توجيه عنايتهم إلى وجوب التفقه في الكتاب والسنة، وخصوصا كتب أحكام القرآن الكريم، وأحاديث الأحكام، لأن الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع وهما عماد كل اجتهاد فقهي، ومن المعلوم أن كل إمام من أئمة الفقه والاجتهاد إنما كان ينطلق من نصوص الكتاب والسنة، في استنباط الأحكام الفروعية ولكن الذي وجد عليه ابن باديس الدرس الفقهي في شتى المدارس، وحتّى الجامعات هو الاحتفاء بالفروع الفقهية، وحفظها مفصولة عن أدلتها من الكتاب والسنة، فأعلن عن تبرمه ورفضه لهذا الواقع التعليمي المشين فقال :« هذا هو التعليم الديني السلفي، وأين منه تعليمنا».

نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه، ولا منزلة السنة النبوية من ذلك، هذا في جامع الزيتونة فدع عنك الحديث، عمّا دونه بعديد المراحل)(9) .

وانتهى الشيخ ابن باديس وهو يشخص هذا الداء الوبيل على عقل طالب الفقه، إلى أنّ هذا الداء ليس وليد البارحة، وإنّما هو قديم متجذر في الدّيار المغربية، وفي الأندلس، فنقل عن إمامين عظيمين من أئمة المالكية في العصور المتقدمة، كلاهما انتفض ضد هذا الوضع البئيس، أوّلهما الإمام أبو عمر بن عبد البرّ المتوفى سنة(493هـ)، الذي قال في كتابه جامع بيان العلم وفضله ما يلي (واعلم أنّه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلاّ لتفهم وجه الصواب فيصار إليه، ويعرف أصل القول وعلّته فيجري عليه أمثلته ونظرائه، وعلى هذا الناس في كل بلد إلاّ عندنا كما شاء الله ربنا وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب فإنهم لا يقيمون علّة ولا يعرفون للقول وجها، وحسب أحدهم أن يقول فيهما رواية لفلان، ورواية لفلان، ومن خالف عندهم الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها فكأنه خالف نص الكتاب وثابت السنة ويجيزون حمل الروايات المتضادة في الحلال وذلك خلاف أصل مالك، وكم وكم لهم من خلاف في أصول مذهبه مما لو ذكرناه لطال الكتاب بذكره ولتقصيرهم في علم أصول مذهبهم صار أحدهم إذا لقي مخالفا بمن يقول بقول أبي حنيفة أو الشافعي أو داود بن علي أو غيرهم من الفقهاء وخالفه في أصل قوله بقي متحيرا ولم يكن عنده أكثر من حكاية قول صاحبه فقال هكذا قال فلان وهكذا روينا ولجأ إلى أن يذكر فضل مالك ومنزلته، فإن عارضه الآخر بذكر فضل.إمامه أيضا صار في المثل كما قال الأول:

شكونا إليهم خراب العراق *** فعابوا علينا شحوم البقر

فكانوا كما قيل فيما مضى *** أريها السهى وتريني القمر

وفي مثل ذلك يقول منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة(355هـ) عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلا.

هكذا قال مالك فإذا عدت قالوا هكذا قال أشهب:

وقد كان لا تخفى عليه المسالك *** فإن زدت قالوا سحنون مثله

ومن لم يقل ما قاله فهو آفك *** فإن قلت قال الله ضجوا أو أكثروا

وقالوا جميعا أنت قرن مماحك *** وإن قلت قال الرسول فقولهم

أنت مالك في ترك ذاك المسالك)(10)

والقاضي عياض يؤكد من خلال هذا النص أن المرتبة العليا في الفقه هي معرفة الأقوال بأدلتها، وكيفية استدلال كل فقيه، ومنشأ الخلاف وأن الهدف من الجدال الفقهي أو المناظرات الفقهية هو الوصول إلى معرفة وجه الصواب، والرأي الفقهي الأرجح الذي تشهد له الأدلة، ويسلم عن الاعتراضات ولكن شيئا من هذا لم يكن سائدا في بلاد المغرب والأندلس، في وقته وبالإضافة إلى القاضي عيّاض رحمه الله فقد نقل الإمام عبد الحميد بن باديس عن إمام آخر من أكابر علماء المالكية، صاحب التصانيف العديدة، والمؤلفات المفيدة، وهو العلامة أبو بكر بن العربي المعافري الأندلسي(543هـ) المتوفى عام543هـ، نصا مفيدا من كتابه القيّم العواصم من العواصم تحدث فيه عن فقهاء عصره جاء فيه (ثم حدثت حوادث لم يلقوها في منصوصات المالكية فنظروا فيها بغير علم فتاهوا، وجعل الخلف منهم يتبع السلف حتى آلت المآل أن لا ينظر إلى قول مالك وكبراء أصحابه، ويقال قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طلمنكة وأهل طلبيرة وأهل طليطلة فانتقلوا من المدينة وفقهائها إلى طلبيرة وطريقها)(11).

أجل لقد أحسن الإمام أبو بكر بن العربي في تصوير المتاهات الضيقة التي آل إليها الفقه عند فقهاء المغرب والأندلس حين ابتعدوا به عن الكتاب والسنة، وربط الفروع بالأصول، وبيان طريقة الاستنباط، واكتفوا بترديد أقوال المتقدمين، منهم حتّى ولو كانت مخالفة لأقوال مالك رحمه الله مؤسس المذهب أو أقوال كبار تلامذته وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس مدركا لصعوبة التغيير، بل ومقدرا لمخاطره، ولكنّه مع ذلك اقتحم هذا الميدان وكله إصرار وعزم على العودة في دراسة الفقه إلى طريقة السلف المتقدمين الذين كانوا يربطون الأقوال بأدلّتها فقال رحمه الله «فإذا كان الحال هكذا من تلك الأيام في تلك الدّيار وقد مضت عليه القرون في هذه البلاد وغيرها، فإن قلعه عسير والرجوع بالتعليم إلى التفقه في الكتاب والسنة وربط الفروع بالمآخذ والأدلة أعسر وأعسر، غير أن ذلك لا يمنعنا من السعي والعمل بصدق الرّجاء، وقوة الأمل وسننفذه في دروسنا هذا العام والله المستعان» (12)

وكلام ابن باديس هنا (غير أن ذلك لا يمنعنا من السعي والعمل بصدق الرّجاء وقوّة الأمل وسننفذه في دروسنا هذا العام والله المستعان) مهم جدّا، ذلك أنه كان عصارة تجربة طويلة امتدت على أزيد من عشرين سنة من التعليم والتفقيه، أدرك خلالها الحاجة الماسة إلى وجوب إصلاح طرائق التفقيه وتكوين الملكة الفقهية، بالابتعاد عن الطرق السائدة يومها وهي الاحتفاء بالفروع الفقهية مفصولة عن أدلتها من الكتاب والسنة، ولكن هذا الإصلاح لم يكن ليجد القبول والترحيب في بيئة استحكم فيها التقليد، وهجر الكتاب والسنة، وكتب الأوائل التي كانت مزدانة بالأدلة حافلة بالتأصيل والتقعيد، وردّ الفروع إلى أصولها، أين (كان التعلم والتعليم في القرون الفضلى، مبناها على التفقه في القرآن والسنة، روى ابن عبد البر في الجامع عن الضحاك في قوله تعالى: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ قال الضحاك حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها وروى عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أما بعد فتفقهوا في السّنة وتفقهوا في العربية، وقال الإمام ابن حزم في كتاب الأحكام وهو يتحدث عن السلف الصالح كيف كانوا يتعلمون الدّين إن أهل هذه القرون الفاضلة المحمودة، يعني القرون الثلاثة يطلبون حديث النبي -صلّى الله عليه وسلم والفقه في القرآن ويرحلون في ذلك إلى البلاد، فإن وجدوا حديثا عنه -عليه السلام- عملوا به واعتقدوه ومن راجع كتاب العلم من صحيح البخاري، ووقف على كتاب جامع العلم للإمام ابن عبد البر-عصري ابن حزم وبلديه وصديقه- عرف من الشواهد على سيرتهم تلك شيئا كثير)(13)

مراعاة المستوى والدعوة إلى التخصص:

من المسائل اللافتة للانتباه في منهج التفقيه عند الأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس، مسألة مراعاة المستوى عند المتلقي فالطالب المبتدئ غير العالم الذي سيتخصص في الفقه في مجاليه الفتوى والقضاء، وعليه فقد قسّم ابن باديس -رحمه الله- طلبته إلى أربع طبقات(14)، ونحن وإن كنا نفتقد إلى البرنامج التفصيلي لكل مستوى من هذه المستويات، لكن يمكن الاستئناس بالكتب الفقهية المقرّرة لتميز كل مستوى عن الآخر، فرسالة ابن عاشر، يناسب الطلبة المبتدئين، إذ يقول عنه ناظمه في نظم أبيات للأمي تفيد ثم رسالة ابن أبي زيد القيرواني أرفع مستوى إذ اجتهد صاحبها في تقديم ملخّص واف عن المذهب المالكي وأرجح الأقوال فيه مركّزا على البعد العملي، أما مختصر خليل بشروحه المتعددة فهو خلاصة الفقه المالكي وما هو عليه المعوّل في الفتوى في المذهب، وهكذا نجد العلامة ابن باديس يؤمن بمبدأ التّدرج في التعليم، والبدء بالسهل واستيعابه للوصول إلى الصّعب الغامض وفهمه، وهو أمر كان قد تنبّه إليه العلامة عبد الرحمن بن خلدون فقال في مقدّمته مبينا أهمية التدّرج في تلقي المعارف (فاعلم أنّ تلقين العلوم للمتعلّمين يكون مفيدا لو تمّ ذلك بالتدّرج شيئا فشيئا، قليلا قليلا، فيلقي على المتعلّم مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب) (15).

وفي المقترح الذي تقدّم به الشيخ عبد الحميد بن باديس لإصلاح التعليم في جامع الزيتونة المعمور، راعى كثيرا مسألة التدرج في التعليم، حين قسم الدراسة في الكلية إلى مرحلتين أساسيتين، مرحلة المشاركة ومرحلة التخصص، فدعا في مرحلة المشاركة إلى وجوب الاقتصار في تدريس الفقه (على تقرير المسائل دون تشعباتها، ثم يترقى إلى تطبيقها على المسائل الفقهية ليتحصل من هذا ومن ذكر أدلة المسائل الفقهية كما تقدم ملكة النّظر والاستدلال) أما في مرحلة التخصص، فالطلبة الذين يتخصّصون في القضاء والفتوى (فيتوسع لهم في فقه المذهب، ثم في الفقه العام، ويكون بداية المجتهد من الكتب التي يدرسونها، ويدرسون آيات وأحاديث الأحكام، ويدرسون علم التوثيق، ويتوسعون في علم الفرائض والحساب، ويطلعون على مدارك المذاهب حتى يكونوا فقهاء إسلاميين ينظرون إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة لا من عين المذهب الضيقة)(16).

الاهتمام بعلم أصول الفقه:

وممّا يشحذ الملكة الفقهية، وينمي قوة الاستيعاب لأقوال الفقهاء، ومعرفة كيفية استدلالهم لها من الكتاب والسنة وغيرها من الأدلة الإجمالية، علم أصول الفقه، ولذا اهتم الشيخ عبد الحميد بن باديس بهذا العلم وقرّره على طلاّبه واختار كتاب أبي عبد الله الشريف التلمساني المتوفى(771هـ) المسمّى "مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول" وهو كتاب بعيد عن تقرير القواعد الأصولية نظرية مجرّدة، بل هو كتاب عملي عمد صاحبه إلى تخريج الفروع على الأصول، فيتمكن الدّارس للكتاب، المستوعب له من الإطلاع الواسع على أقوال أئمة المذاهب وكيفية استدلالهم لأقوالهم الفقهية، فيأخذ حظّا وفرا من اختلافات الفقهاء، ويعرف أسباب اختلافهم ويدرك الراجح من أقوالهم فينشأ بعيدا عن التعصب المذهبي الضيق لأن القول الراجح لا يكون بالضرورة إلى جانب مذهبه بالضرورة.

 

الهوامش:

[1] - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4/ص68.

2 - نفسه ج4/ص100.

3 - نفسه ج4/ ص100

4 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4/ص75.

5 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4/ص75.

6 -التسهيل المعاني وأدلة خليل ج1/ص 16.

7 - شرح زروق على الرسالة ج1/ص2, ط. دار الفكر , 1982.

8 - الدر الثمين والمورد المعين, شرح ابن عاشر, لميارة , ص4.

9 - آثار ابن باديس ج4/ ص76.

10 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4/ص76.

11 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4/ص 79. 70.

12 - آثار الإمام عبد الحميد بت باديس ج4/ ص 70.

13 - نفسه ج4/ص81.

14 - آثار الإمام ابن باديس ج4/ص76..

15 - نفسه ج4/ص100.

16 - آثار ابن باديس ج4/ ص100.

آخر التغريدات: