جهود الشيخ ابن باديس في خدمة السنة النبوية الشريفة

جهود الشيخ ابن باديس في خدمة السنة النبوية الشريفة

بقلم: د.محمد الدراجي -

الدين: منطلق الإصلاح

لقد أقام الشيخ عبد الحميد بن باديس مشروعه الإصلاحي التغييري على الدين، إيمانا منه بأنه « لا يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها» فجعله شعارا لمجلته الشهاب.

فالدين هو منطلق الإصلاح والتغيير، ولذا فقد آثر– رحمه الله الخطة الدينية، على الخطة السياسية للنهوض بالأمة.

فقال رحمه الله « وبعد فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها، عن علم وبصيرة وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد، وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير في خط مستقيم.

وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له، من خدمة العلم والدين، وفي خدمتها أعظم خدمة وانفعها للإنسانية عامة.

ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا، ولضربنا فيه المثل بما عرف عّنا، من ثباتنا وتضحيتنا، ولقدمنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها، ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها، وأن نبلغ من نفوسها إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن بما نعلمه ولا يخفى على غيرنا أن القائد الذي يقول للأمة «إنك مظلومة في حقوقك، وإنني أريد إيصالك إليها» يجد منها ما لا يجده من يقول لها«إنك ضالة عن أصول دينك، وإنني أريد هدايتك» فذلك تلبية كلها، وهذا يقاومه معظمها أو شطرها، وهذا كله نعلمه، ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا وبيّنا وإننا – فيما اخترناه – بإذن الله لماضون، وعليه متوكلون(1)

ومن هنا أولى الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، الكتاب والسنة – عناية فائقة، واهتمّ بهما اهتماما متزايدا، باعتبارهما أصلا هذا الدين، لا يمكن للإنسان أن يكون عالما في الدين، داعية إليه، قائما بواجبه نحو ربه وأمته ونفسه، ما لم يأخذ من العلم بهما حظا كبيرا.

يقول رحمه الله « لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم، فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب، إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام وعملهم به، وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون، فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم»(2).

احتفاء الشيخ ابن باديس بالسنة النبوية:

لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس شديد الاحتفاء بالسنة النبوية الشريفة، يرى بأن الاحتفاء بالسنة، والاشتغال بعلوم الحديث من العلامات البارزة، للحركة الإصلاحية التي أقام دعائمها، ووطد بنيانها، ووصل ليله بنهاره، وبياضه:سواده، من أجل التمكين لها، والذود عنها، تقربا إلى الله، وخدمة للأمة.

ولذلك كان كثير الدعوة إلى الاقتصار على الصحيح من المرويات، ومحاربة الضعيف، وعدم روايته إلا مع بيان رتبته، لتحذير الأمة منه، ومحاربة الآثار السيئة التي يتركها الحديث الضعيف – عند رواجه في عموم الناس، على مستوى الفكر والاعتقاد، والعلوم والسلوك.

يقول رحمه الله تعالى « تقوم الدعوة الإصلاحية على أساس من الكتاب والسنة، فلا جرم كان رجالها من المعتنين بالسنة، القائمين عليها رواية ودراية، الناشرين لها بين الناس، ومن عنايتهم تحريهم فيما يستدلون به ويستندون إليه منها، فلا يجوز عليهم إلا ما يصلح للاستدلال والاستناد ولا يذكرون منها شيئا إلا مع بيان مخرجه ورتبته حتى يكون الواقف على بينة مما لو إلتزمه كل عالم – كما هو الواجب – لما راجت الموضوعات والواهيات بين الناس فأفسدت عليهم كثيرا من العقائد والأعمال(3).

فمن خلال هذا النص:

-فالدعوة الإصلاحية تقوم على الكتات والسنة.

- الواجب في حق رجال الحركة الإصلاحية، الاعتناء بالسنة النبوية رواية ودارية، ونشرها بين الناس.

- من مظاهر الاعتناء بالسنة التحري في المرويات فلا يروون إلا الصحيح الذي استكمل مواصفات القبول.

- ومن مظاهر الاعتناء بالسنة كذلك محاربة المرويات الضعيفة والواهية التي أدى انتشارها الواسع بين عموم الناس إلى تحقيق جملة من الآثار السيئة في سلوكهم وأفكارهم، ففسدت عقائد الناس، وانحطت أخلاقهم.

وإيمانا من الشيخ عبد الحميد بن باديس بمكانة السنة النبوية الشريفة في العملية التربوية، فقد جعلها مادة رئيسية وأساسية في البرنامج الدراسي والمقرر التعليمي لتلاميذه وطلابه، ففي البرنامج التعليمي الذي أعلنت عنه «الصراط السوّي» لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والذي تضمن برنامج الدروس العلمية جاء ما يلي « تشتمل الدروس العلمية على التفسير للكتاب الحكيم وتجويده، وعلى الحديث الشريف…»(4).

وفي التقرير الذي نشرته جريدة البصائر الغراء، عن التعليم المسجدى، والحركة التعليمية بالجامع الأخضر، والذي تعرض إلى العلوم التي تدرس فذكر « التفسير الحديث…»(5).

وهكذا نرى بأن ابن باديس يرى بأن الطالب الذي يعده للتغيير الإسلامي المنشود لا بد وأن يكون قد أخذ حظه من الثقافة الحديثية، إيمانا منه بأن السنة النبوية الشريفة مصدر أساس لفهم الإسلام الفهم الصحيح، وبالتالي الوصول إلى تطبيقه التطبيق السليم، وطالب العلم الشرعي ما لم يأخذ حظه الكبير من السنة، وما لم يتضلع في علوم الحديث، فإن فهمه للإسلام سيكون فهما قاصرا أو منحرفا، قائما على النقص من هذا الدين أو الزيادة فيه، وكلاهما فهم يجر إلى أوخم العواقب، وأسوأ النتائج.

-ولما كان علم « مصطلح الحديث» – بمثابة المدخل الطبيعي لعلوم السنة ذلك «أنه مجموعة من المباحث والمسائل يعرف بها حال الرواي والمروي من حيث القبول والرّد»(6).فقد قرره على تلاميذته.

وإلى جانب اهتمامه بالمصطلح، فإنه – أي الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله، قد اهتم بعلم الرواية الذي يقوم على النقل المحرر الدقيق لكل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أوصفة، ولكل ما أضيف من ذلك إلى الصحابة والتابعين على الرأي المختار(7).

ولما كانت دواوين السنة كثيرة ومراجعها متعددة، فهناك الصحيحان، وهناك الجوامع والمسانيد، والمعاجم والمستدركات، والمستخرجات والأجزاء.

ولكن تبقى الكتب السُّنة وهي البخاري ومسلم، وسُنن أبي داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه على قول أو موطأ الإمام مالك على قول ثان، في المحل الأرفع، والمكان الأول، ولكل كتاب من هذه الكتب ميزة خاصة، فالبخاري بالفقه ومسلم بإيراد كل الروايات والطرق للحديث، والترمذي يُعنيِ بالتحديث، وأبو داوود حصر أحاديث الأحكام، وابن ماجه حسن التبويب في الفقه، وأما النسائي، فقد توافرت له أكثر هذه المزايا.

ولكن السيد عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – اختار من بين هذه المدونات والمصنفات موطأ الإمام مالك بن أنس وذلك لجملة من الاعتبارات، والأسباب –أهمها اثنان:

1-نفي التهمة التي كان أعداء الإصلاح، وخصوم ابن باديس – رحمه الله – يرفعونها في وجهه وهي أنه صاحب فكر دخيل، لم يحترم فيه المرجعية التي كانت سائدة في هذه الديار، ويحدثنا الشيخ ابن باديس رحمه الله عن ذلك بقوله في مقاله بعنوان «عبداويون» ثم « وهابيون» ثم ماذا لا ندري والله !

…«وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي والفرنسي، ونحبب الناس في فهم القرآن، وندعو الطلبة إلى الفكر والنّظر في الفروع الفقهية والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية، ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين، ومؤلفات المعاصرين، لما قمنا بهذا وأعلناه قامت علينا وعلى من وافقنا قيامة أهل الجمود والركود وصاروا يدعوننا للتنفير والحط منّا «عبدا ويين »– دون أن أكون – والله- يوم جئت قسنطينة قرأت كتب الشيخ محمد عبده إلا القليل، فلم نلتفت إلى قولهم، ولم نكترث لإنكارهم، على كثرة سوادهم، وشدة مكرهم وعظيم كيدهم….-

فلما كملت العشر سنوات وظهرت – بحمد الله – نتيجتها، رأينا واجبا علينا أن نقوم بالدعوة العامة إلى الإسلام الخالص، والعلم الصحيح إلى الكتاب والسنة وهدي صالح سلف الأمة، وطرح البدع والضلالات ومفاسد العادات، فكان لزاما أن نؤسس لدعوتنا صحافة تبلغها للناس، فكان المنتقد، وكان الشهاب، ونهض كُتاب القطر ومفكروه في تلك الصحف بالدعوة خير قيام، وفتحوا بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – أعينا عميا، وآذانا صّما، وقلوبا غلفا، وكانت هذه المرة غضبة الباطل أشد، ونطاق فتنته أوسع، وسواد اتباعه أكثر، وتما لأعلى دعاة الحق الجمود والبدعة، وعليها بنيت صروح من الجاه، ومنها جرت انهار من المال، وأصبحت الجماعة الداعية إلى الله يدعون من الداعين إلى أنفسهم « الوهابيين» ولا والله ما كنت أملك يومئذ كتابا واحدا لابن عبد الوهاب، ولا أعرف من ترجمة حياته إلا القليل، ووالله ما اشتريت كتابا واحدا من كتبه إلى اليوم وإنما هي أفيكات قوم يهرفون بما لا يعرفون، يحاولون من إطفاء نور الله مالا يستطيعون، وسنعرض عنهم اليوم وهو يدعوننا «وهابيين» كما أعرضنا عنهم بالأمس وهم يدعوننا «عبداويين» ولنا أسوة بمواقف أمثالنا مع أمثالهم من الماضيين».(8)

2-أما السبب الثاني فهو القيمة العلمية للموطأ، فهو كتاب حديث ورواية، وهو كتاب فقه ودراية، فقد اعتنى فيه صاحبه بالمرويات، ووضع لتحقيق ذلك منهجا دقيقا متقنا، يدل على إمامته في هذا الفن، وهو أمر أطبقت عليه شهادات المحدثين، قال الإمام الذهبي « اتفاق الأمة على أنه حجة الرواية» (9) - كما اعتبر الإمام البخاري – صاحب الصحيح – أن أصح الأسانيذ على الإطلاق هو: مالك عن نافع عن ابن عمر، ويذهب أبو داود صاحب السنن إلى «أصح السانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه، ثم مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة».

روى الترمذي في آخر سننه عن يحي بن سعيد القطان أنه قال «ما في القوم أحد أصح حديثا من مالك بن أنس. كان مالك إماما في الحديث»، وهو إلى جانب إمامته في الحديث، كان إماما في الفقه والاجتهاد، ولذلك لم يقتصر في كتابه الموطأ على جمع الأحاديث التي صحت عنده فقط، كما فعل أصحاب السنن بعده، وإنما أضاف إلى جمع الفقه المدني – والأساس الذي قام عليه ذلك الفقه من السنن والآثار، واجتهادات الصحابة وفتاواهم وما جرى به العمل عندهم، وآراء التابعين ثم اجتهاداته هو، وهو الفقيه الذي شهد له كبار الأئمة، بلعوّ كعبه في الفقه، وأنّه من أئمة الشأن في الاجتهاد، فهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول « إذا ذكر العلماء فمالك النجم» – ويقول كذلك « مالك أستاذي، ولا أحد أمن علي في العلم من مالك، وما لك حجة بيني وبين الله».

ومن هنا كان الموطأ كتابا في الفقه والحديث معا، وكان له مكانة لم تتوفر لأي كتاب آخر ، قال الشافعي « ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك».

وقال أبو بكر بن العربي في شرحه للترمذي«الموطأ هو الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب وعليهما بنى الجميع…».

ولذا أقبلت الأمة عليه، واعتنى العلماء به حتى قال القاضي عياض في المدارك « لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ».

3-وهناك سبب ثالث في نظري، لاهتمام الشيخ عبد الحميد بن باديس بالموطأ للإمام مالك، وهو تأثر هذا الأخير بعلمين جليلين من علماء الأندلس وهما ابن عبد البر المتوفى، 493 هـ وأبو بكر بن العربي 543 هـ، وكلاهما له اعتناء بالموطأ واحتفاء به، إذ شرحه الأول بشرح مستفيض، حافل بالفوائد وسماه بـ « التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد».

وشرحه الثاني شرحا وافيا وعنوانه بـ«القبس شرح موطأ مالك بن أنس». وكان الشيخ ابن باديس يملك نسخة من القبس، وآخبر أنها كاملة، وقد بذل جهدا لكي يخرجها لكن المنية عاجلته، فقال في ترجمته لابن العربي « وصنف في غير فن تصانيف مليحة كثيرة مفيدة منها….، وكتاب المسالك في شرح موطأ مالك «منه نسخة في مكتبه الجزائر بها نقص وعندنا منه جزء فيه ما يكمل ذاك النقص» وكتاب القبس « سنمثله للطبع إن شاء الله».(10)

تلك هي أهم العوامل التي كانت وراء اهتمام الشيخ ابن باديس بالموطأ والتي يمكن ردها إلى سبب رئيسي وهو أن الشيخ ابن باديس وجد في الطريقة التي اتبعها الإمام مالك رحمه الله المنهجية المثلى في تكوين العالم الجامع بين الفقه والحديث، بين الرواية والدراية، فعبر عن ذلك بقوله « وإذا رجعت إلى موطأ مالك سيد اتباع التابعين، فإنك تجده في بيان الدين قد بني أمره على الآيات القرآنية، وما صح عنده من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله، وما كان من عمل أصحابه الذي يأخذ منه ما استقر عليه الحال آخر حياته، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث ما أمره....«(11).

لذا اهتم الشيخ عبد الحميد ابن باديس بالموطأ للإمام مالك وانبرى لتدريسه على الطريقة السلفية، لطلابه في الجامع الأخضر، وختمه كله في فترة ناهزت على خمس عشرة سنة، وأقيم بالمناسبة حفل مشهود (12).

ولكن الذي يؤسف له أنه لم يدون شيء من تلك الدروس التي كانت تأخذ الألباب، وتهز النفوس، وتشبع الوجدان، عدا ما دبحه يراع الأستاذ الإمام كافتتاحيات لجريدته « الشهاب» تحت عنوان «مجالس التذكير من حديث البشير النّذير» – وهذه المقالات على قتلها تعكس جيدا منهج الأستاذ الإمام في فهم السنة وطريقته في عرضها على عموم الناس للانتفاع منها، والعمل بها وسيكون تعويلنا عليها كاملا لرصد جهود شيخنا المفضال في خدمة السنة النبوية الشريفة.

السنة النبوية مصدر للدعوة

من المعلوم بالبداهة أن الأمة الإسلامية لن تكون دائما في مستوى الوحي الذي تمثله، إذ تلحقها مظاهر الاختلال والضعف إما في فهم الوحي وإما في تطبيقه، وهنا يتطلب الأمر، جهودا تصحيحية لرد الأمور إلى نصابها، فيقوم أهل العلم فيها لمحاربة الأفهام الدخيلة على الإسلام، المشوهة لصفائه ونقائه، ويقوم أهل الصلاح فيها بجهود مضنية لتصحيح كل مظاهر التطبيق السيئ للإسلام، التي تزهد الناس في الدين وتنفرهم منه.

فهذه الجهود العملاقة على المستويين الفكري والعملي ( العلمي النظري والتطبيقي) وعلى المستويين الفكري والعملي ( العلمي النظري والتطبيقي) وعلى المستويين الداخلي والخارجي هي الدعوة إلى الله عزوجل، وهي كما ترى عمل ضخم، وجهد ثقيل، لا يقوى عليه إلا أولو العزم من الرجال ممن آثروا ما عند الله على ما عند الناس، فشمروا على ساق الجد، وتسلحوا بكل ما يؤهلهم للقيام بهذا الواجب الثقيل.

فالدعاة إلى الله عز وجل، ليسوا قوما أغرارا، ولا هم انتفاعيون ولا انتهازيون، وإنما هم رجال كبار النفوس، عالو الهمة، يتحسسون مظاهر القوة في أمتهم فيمتنونها ، ومظاهر الضعف فيعملون جاهدين على إصلاحها دونما قذف أو تشهير، يمدون أيديهم لكل ساع إلى الخير، ويفرحون بكل خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكل بناء مهما كان الباني، يقيلون عثرات الضعفاء في أمتهم، ويفرحون بالتائب، يعينون المحسن، وينصحون المذنب، إذ هم ورثة النبي صلى الله عليه سلم.

ولقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يحمل هذه الرؤية الشمولية عن الدعوة إلى الله عزوجل، فكتب عند تفسيره لقوله تعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (13) .

كلاما نفيسا عن الدعوة إلى الله كيف تكون، وعن ماهية الدعوة فقال رحمه الله « ماهية الدعوة فمن الدعوة إلى الله دروس العلوم مما يفقه في دين الله ويعرف بعظمة الله وآثار قدرته ويدل على رحمة الله، وأنواع نعمته، فالفقيه الذي يبين حكم الله وحكمته داع إلى الله، والطبيب المشرح الذي يبين دقائق العضو ومنفعته داع إلى الله، ومثلهما كل مبين في كل علم وعمل.

ومن الدعوة إلى الله بيان حجج الإسلام ودفع الشبه عنه ونشر محاسنه بين الأجانب ليدخلوا فيه وبين مزعزعي العقيدة من أبنائه ليثبتوا عليه.

ومن الدعوة إلى الله مجالس الوعظ والإرشاد والتذكير لتعريف المسلمين بدينهم وتربيتهم في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم على ما جاء به، وتحبيبهم فيه ببيان ما فيه من خير وسعادة لهم وتحذيرهم مما أدخل من محدثات عليه وهي سبب كل شقاوة وشر لحقهم، وبيان أنه ما من سبب تسعد البشرية أفرادها وأممها – إلا بينه لهم ودعاهم إليه وما من سبب مما تشقى به البشرية أفرادها وأممها – إلا بينه لهم ونهاهم عنه، وبيان أنه لولا عقيدته المتأصلة فيهم وبقاياه الباقية لديهم ومظاهره القائمة بهم لما بقيت لهم – وهم المجردون من كل قوة – بقية، ولتلاشت أشلاؤهم – وهم أموات – في الأمم الحية.

ومن الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء وإنما يتنوع الواجب بحسب، رتبة الاستطاعة فيجب باليد وإن لم يستطع فباللسان فإن لم يستطع فبالقلب وهو أضعف الإيمان وأقل الأعمال في هذا المقام.

ومن الدعوة إلى الله ظهور المسلمين – أفرادا وجماعات – بما في دينهم من عفة وفضيلة، وإحسان ورحمة، وعلم وعمل، وصدق وأمانة، فذلك أعظم مرغب للأجانب في الإسلام، كما كان ضده أعظم منفر لهم منه، وما انتشر الإسلام أول أمره بين الأمم إلا لأن الداعين إليه كانوا يدعون بالأعمال كما يدعون بالقول وما زالت الأعمال عيارا على الأقوال. ومن الدعوة إلى الله بعث البعثات إلى الأمم غير المسلمة ونشر الكتب بألسنتها، وبعث المرشدين إلى عوام الأمم المسلمة لهدايتهم وتفقيههم.

كل هذا من الدعوة إلى الله ثابتة أصوله في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنه السلف الصالح من بعده...»(14).

وقد وجد الشيخ ابن باديس -رحمه الله– في السنة النبوية الشريفة القولية والفعلية والتقريرية، مصدرا متميزا، ومادة حيوية في عمله الدعوى، فكان كثير العودة إلى السنة النبوية إذا أراد أن يحارب فكرة خاطئة، أو يصحح وضعا شاذا، أو يدعو المسلمين إلى أمر جديد نافع، لأنه بهذا العمل كان يقوم بدور التأسيس والتأصيل لما يدعو إليه، وأنه من الدين، ولأنه كان يعلم علم اليقين بأنّ عموم المسلمين ، لما يؤصل لهم ما يدعوهم إليه، فإنه يكون أدعى للقبول عندهم، وسنورد بعض النماذج للتدليل بها على ما نقول.

1-حق النساء في التعلم:

لقد أدرك ابن باديس رحمه الله أنه لا يمكن إحداث تغيير إيجابي في المجتمع، والمرأة محرومة من حق التعلم لأن الأعراف والعادات الجاهلية أرادت ذلك، وهي أعراف نافذة، وعادات متحكمة، ليس من اليسير تجاوزها، أو العمل بخلافها، لأن أعداء الفكرة يهيجون العوام ضد الرجل وفكره، فلم يجد الشيخ ابن باديس فرصة مواتية للدعوة إلى تغيير هذا الواقع البئيس أحسن من الاستناد إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

فأورد حديث البخاري، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال « قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال اجعل لنا يوما من نفسك، فوعد هن يوما لقيهم فيه، فوعظن وأمرهن، فكان مما قال لهن، ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار، فقالت امرأة، واثنيين، قال واثينين» (15).

ودعا صراحة إلى تعليم المرأة، لأن المجتمع لا ينهض إلا بالجنسين معا، مثل الطائر لا يطير إلا بجناحيه معا، فقال « النساء شقائق الرجال في التكليف، فمن الواجب تعليمهن، وتعلمهن، وقد علمهن صلى الله عليه وسلم واقرهن على طلب التعلم»(16).

وقال في موضع آخر داعيا إلى تعليم المرآة «فاستنادا إلى هذه الأدلة وسيرا على ما استفاض في تاريخ الأمة، من العالمات الكاتبات الكثيرات، وعلينا أن ننشر العلم بالقلم في أبنائنا وبناتنا، في رجالنا ونسائنا، على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن نصل إليه من العلم الذي هو تراث البشرية جمعاء، وثمار جهادها في أحقاب التاريخ المتطاولة وبذلك نستحق أن نتبوأ منزلتنا اللائقة بنا والتي كانت لنا بين الأمم» (17).

ولم يكتف رحمه الله بالدعوة إلى تعليم المرآة، بل دعا صراحة إلى خروجها إلى المساجد، لتشهد الخير وتتفقه في الدين، وتكون معولاً للبناء، وأداة للإصلاح في المجتمع، فأورد حديث مسلم في صحيحه بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تمنعوا نساء كم المساجد إذا استأذنكم إليها، قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال فأقبل عليه عبد الله فسّبه سّبا سيّئا ما سمعته سبّه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقول: والله لنمنعهن»(18).

ثم كتب يؤكد بأن خروج النساء إلى المساجد، أمر ثابت بالسنة العملية، والقولية، لكن بجملة من الشروط والضوابط التي وضحها أهل العلم في مواضعها من البحث، وأن الواجب في حق المسلم ألا يعارض أمرا ثبت أنه من الدين، وشهدت له الأدلة الشرعية « هذا الذي وقع من بلال كثيرا ما يقع مثله أو نحوه من أهل الجهل أو البدعة الذين شبوا عليها وشاخوا حتى صارت البدعة عندهم سنة والسنة بدعة، فإذا ذكرت لهم الحكم الشرعي بد ليله من الكتاب والسنة صدوا ونفروا وأبوا واستكبروا وصارحوا بالمخالفة أو سكتوا وأضمروا الخلاف وما هذا شأن المؤمنين.

فحذار إذا سمعت حكما شرعيا أو نصا قرآنيا أو حديثا صحيحا نبويا أن تقابل بالخلاف أو تضمر الخلاف، بل انشرح بذلك صدرا، ولا يكن في صدرك من حرج مما قضى الله ورسوله وسلم تسليما» (19).

2- تصحيح العقائد:

لقد وجد الشيخ ابن باديس – رحمه الله – وهو يشرح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية، المجال أمامه واسعا، والفرصة مواتية، لتصحيح الكثير من العقائد التي خالطها الدّخن، والعودة بها إلى حالة النقاء والصفاء، والبساطة، والتي كانت عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فكانت له جهود مشكورة في محاربة البدع، وترسيخ السنن، - وهي جهود سنفرد، لها بحثا مستقلا – وإنما سنورد هنا بعض النماذج فقط،

عند شرحه لحديث البخاري الذي جاء فيه «...فقال النبي صلى الله عليه وسلم وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال عليه السلام. أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، قالت: فو الله لا أزكي أحدا بعده..»، تعرض إلى موضوع خطير للغاية، وهو أن كثيرين كانوا يعتقدون الصلاح في مشايخهم، فراحوا يزعمون لهم النجاة بيقين، وأنهم يشفعون لأتباعهم ويدخلونهم الجنة، وهكذا...وهذا الاعتقاد الفاسد إضافة إلى مخالفته للنصوص الشرعية القطعية التي تنهى عن أن يجزم أحد بأنه من أهل الجنة، إلا بنص من الشارع، فإنه قد أنتج أسوأ الآثار، إذ يؤدى إلى تهوين شأن العمل والتعويل عليه، إلى التعويل على الشيخ والقرب منه والعمل على خدمته فقط، فكتب رحمه الله تحت عنوان "تحذير وإرشاد" ما يلى « لقد ابتلي كثير من الناس بالغوا فيمن يعتقدون فيهم الصلاح فيجزمون لهم بما لا يعمله إلا الله ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا مات في رتبة كذا ، وحصل عند الله على منزلة كذا، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا يشفع لا تباعه ويعديهم على الصراط أو يجعلهم في بطنه ويمر بهم، وأنه يحضر لهم عند الموت، ويحضر لهم عند السؤال ويكون معهم في مواقف يوم القيامة، وكل هذه الدعاوى انبنت على الجزم بأنه ممن أكرمه الله أنه من أهل الجنة ذلك الجزم الذي سمعت النهي والإنكار صريحين فيه من النبي صلى الله عليه وسلم على أم العلاء في رجل من السابقين الأولين البدريين، وليست هذه الدعاوى المبنية على المخالفة لهذا النهي النبوي الصريح قاصرة على العوّام، بل تجدها عند غيرهم وتسمعها ممن يرفعون أنفسهم على طبقتهم، وتقرأها في الكتب التي عدلت عن الأحاديث النبوية الصحيحة، والطريقة النبوية الواضحة، وذهب في بنيات الطريق فكانت بلاء على العامة وأشباهم ووبالا، فاحذر أيها الأخ المسلم من عقيدة الجزم بالكرامة والجنة لغير من نص عليه المعصوم عليه وآله الصلاة والسلام، ومن تلك الدعاوى الباطلة التي انبنت عليها، ولا تجزم بالكرامة، على الله لأحد غير منصوص عليه وإن كان عظيما، فإن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق وأعظم، وأنف من لا يقول هذا ولا يقبله مرغم، وكل من استعظمته ممن هو على جانب من الصلاح والخير فإنه لا يداني مقام عثمان بن مظعون البدري في الصلاح والخير وقد سمعت من النهي النبوي عن القطع له بالكرامة.

ومهما أعدنا القول في هذا وأكدنا فإننا لا نفيه حقه من الإنكار والاستئصال لما نعلمه من رسوخ هذه الضلالة وقدمها والتهاون فيها وعظيم التجرى على الله بها. وهذا الحديث النبوي هو دواؤها والقاطع لها، فليتأمله قراؤنا ولينشروه في المسلمين بالتلاوة والتفسير والتأكيد والتقرير...» (20).

وظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها، وهي تفشي كثير من مظاهر الشرك في أوساط فئات كثيرة من المسلمين، وعليه فقد لحق هؤلاء بالمشركين الأوائل، فأغتنم الشيخ عبد الحميد بن باديس، فرصة شرحه لحديث الترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى يعبد والأوثان وأنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين، لا بني بعدي» (21) فكتب كلاما نفيسا حذّر فيه المسلمين من اللحوق بالمشركين، فقال « وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تتوجه لبعض الأموات وتتضرع لهم، وتناديهم أمام قبورهم بخضوع وخشوع تامين وتتضرع وتفاديهم على اعتقاد أنهم يقربونها إلى الله ويتوسطون لها إليه ويزيدون أنهم فيصرفون لها بقضاء الحوائج وجلب الرغائب ودفع المصائب.

ومن أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها.

وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة وباقامات تنحرها عندها إرضاء لها وطلبا لمعونتها أو جزاء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر، ومن أقوال المشركين الجاهلية حلفهم بطواغيتهم تعظيما لها.

وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمونه من الأحياء أو الأموات فلا يكذبون.

فهذه الطوائف الكثيرة كلها قد لحقت بالمشركين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين»(22).

ومن مظاهر تصحيح العقائد التي تتبعها الإمام ابن باديس – رحمه الله محاربًا جملة من العقائد الفاسدة، والضلالات السائدة، موقفه من التحديد الشرعي لمعنى الذكر، ومن هو الذاكر، وهو يعلق على حديث رواه الإمام البيهقى في شعب الايمان، وهو « من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوة القرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن» .

ذلك أن فئات كثيرة من المغرضين جعلوا الذكر أقرب إن اللهو واللعب منه إلى شيء آخر، حين ركزوا على الجانب الشكلي مشترطين في ذلك ما لم يشترطه الشرع، وحين باعدوا بينه وبين الطاعة، فقال رحمه الله « وبهذا الحديث وذلك الأثر تعلم أن المراد من الآيات الآمرة بالذكر كقوله تعالى: فأذكُرُوني أذكُركُم وقوله: أذكروا الله ذِكرًا كَثيرًا.

فليس المراد من الذكر في أمثال هاتين الآيتين خصوصا الذكر اللساني، بل المراد الطاعة لجميع أنواعها من صلاة وصيام وصدقة ونصيحة وتلاوة القرآن وتسبيح وتحميد وتهليل وغير ذلك، فإن المطيع إنما أطاع الله لكونه ذكره بقلبه أو لسانه.

وغرضنا من تقديم هذين الحديث والأثر إلى القراء أن يعلموا أولا: أن معنى الذكر أوسع مما يتخيلون، وأن بعض من يعدونهم من العباد في غير الذاكرين هم في عرف الشرع من الذاكرين.

وأن يعلموا ثانيا: أن ما عليه كثير من العوام من الاعتماد على السبح دون الطاعة هو غرور في غرور، وأن كثيرًا ممن يعد نفسه ويعده الناس من الذاكرين هو في عرف الشرع من الغافلين.

فيا أيها المسلمون تثبتوا في الحقائق الشرعية واطلبوا تفسيرها من صاحب الشريعة أو ممن قرب زمنه من زمنه، ولا تعتمدوا في فهم حقائق دينكم على عرفكم وعادتكم، فإن الجهل بالسنة وخروج أمر العامة من يد العاملين بها مما ابتليت به الأمة الإسلامية قديما».(23)

السنة النبوية مصدر للفقه والتشريع والعمل على وصل الفقه بالحديث

لقد كان الإمام عبد الحميد ابن باديس – رحمه الله – كثير الدعوة إلى وجوب التفقه في الكتاب والسنة، وكان من العلامات البارزة في منهج التفقيه عنده، وتكوين الملكة الفقهية عند الطلاب في نظره، توجيه عنايتهم إلى وجوب التفقه في الكتاب والسنة، وخصوصا كتب أحكام القرآن، وكذا أحاديث الأحكام، لأن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، هما المصدران الأساسيان للتشريع، وهما عماد كل اجتهاد فقهي، ومن المعلوم أنه ما من إمام من أئمة الفقه والاجتهاد إلا وكان ينطلق من نصوص الكتاب والسنة في استنباط الأحكام الفرعية.

ولما وجد الشيخ ابن باديس الدرس الفقهي في شتى المدارس الفقهية وكذا الزوايا التعليمية، بل وحتى الجامعات العليا، هو الاحتفاء بالفروع الفقهية، وحفظها مفصولة عن أدلتها من الكتاب والسنة، أعلن تبرمه ورفضه لهذا الواقع التعليمي المشين، فكتب يقول « وإذا رجعت إلى موطا مالك سيد أتباع التابعين، فإنك تجده في بيان الدين قد بنى أمره على الآيات القرآنية، وما صح عنده من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وما كان من عمل أصحابه الذي يأخذ منه ما استقر عليه الحال آخر حياته، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره، وكذلك إذا رجعت إلى كتاب الأم لتلميذ مالك، الإمام الشافعي، فإنك تجده قد بنى فقهه على الكتاب وما ثبت عنده من السنة.

وهكذا كان التعلم والتعليم في القرون الفضلى مبناهما على التفقه في القرآن والسنة...

هذا هو التعليم الديني السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك.

هذا في جامع الزيتونة فدع عنك الحديث عن غيره مما هو دونه بعد يد المراحل....».(24)

وعليه فلقد كان من الطبيعي أن يغتنم الشيخ عبد الحميد بن باديس فرصة شرحه للسنة النبوية الشريفة، لمد جسور التواصل بين علمي الحديث والفقه، والرجوع بالتعليم إلى ما كان عليه في عهوده الزاهرة، منطلقا من التفقه في الكتاب والسنة، وربط الفروع بالأصول، وبالتالي التحرر من ربقة التقليد والتعصب.

وها هي بعض الأمثلة:

1- روى مسلم واللفظ له وأبو داوود والطبراني في الكبير « قال ربيعة بن كعب الأسلمي كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي سل، فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود» (25) وبعد أن شرح هذا الحديث من حيث الألفاظ والتراكيب، والمعنى المستفاد منه راح يعد الأحكام التي يتضمنها فذكر(26).

-جواز قبول التبرع بالخدمة وخصوصا لأهل المقامات العامة في مصالح الناس.

- فضل القيام من جوف الليل.

- سنة مكافأة المحسن على إحسانه.

- فيه مشروعية سؤال الدعاء وخصوصا ممن ترجى له الاستجابة.

- وفيه عدم الاكتفاء بالدعاء وحده عن التوسل بالطاعات ونوافل الخيرات.

- وفيه فضل السجود والحث عليه.

- وفيه دليل لمن يقول بأفضلية كثرة السجود على طول القيام.

2- وعند شرحه لحديث الصحيحين « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» – قسم الأعمال إلى طاعات ومخالفات:

والطاعات بقسميها ( الوجوب والاستحباب) تؤثر فيها النية بالقبول والرد وكذلك المباحات فإنما تؤثر فيها النيات فتقلبها طاعة أو معصية، أما المخالفات وهي كل ما نهى الله عنه فحرمه أو كرهه فهذه لا تؤثر فيها النيات ولا تقلبها إلى طاعات لأنها في نفسها عمل غير صالح، فقصد الشارع إلى تركها وعدم وجودها، فإذا أوجده المكلف يكون قد عمل بنقيض مقصود الشارع.

ثم وظف هذا الضابط الفقهي الدقيق، في الحكم على جملة من الأعمال والتصرفات التي كانت شائعة وقتها في المجتمع، وكان أصحابها يزعمون أن نيتهم صالحة وإنما الأعمال بالنيات، فكتب يقول «وقد غفل عن هذه الحقيقة أقوام – عفا الله عنهم – فتراهم يستدلون على أعمالهم بقوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" – قاصدين إلى تبريرها غير ملتفتين إلى كونها من قسم الطاعات أو المخالفات أو المباحات. وكثيرا ما يرتكبون البدع كدعاء المخلوقات وكالحج إلى الأضرحة وإيقاد الشموع عليها والنذور لها، وكالرقص وضرب الدف في بيوت الله وغير هذا من أنواع البدع والمنكرات، ويتوكأون في ذلك كله على "إنما الأعمال بالنيات" كلا. ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب فإن البدع كلها من قسم المخالفات وأن المخالفات لا تتقلب طاعات بالنيات». (27)

3- عند شرحه لحديث أبي ايوب الأنصاري – رضي الله عنه – قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر» – رواه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم –(28).

تعرض إلى مسألة صوم ستة أيام من شوال، أبان فيها عن عقلية علمية كبيرة، وأنه لم يكن يتوقف عند حدود إيراد الأقوال فقط، إنما كان يتجاوزها إلى بسط المسالة حيدا.

فالمعروف أن المشهور في مذهب مالك رحمه الله تعالى هو القول بكراهة صيام ستة ايام من شوال، مع صحة الأحاديث في استحباب صيامها، إذ روى الإمام مالك رحمه الله في الموطأ كراهة صيامها فقال «قال يحي سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان، أني لم ار أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وإن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك»(29).

ولذلك درجت الكتب العامة في أحاديث الأحكام على نسبة الكراهة لمذهب مالك في صيام ستة أيام من شوال. (30)

ولكن الشيخ عبد الحميد بن باديس، رأى في هذا التعميم وإلا طلاق كلاما غير دقيق، وأن الأمر يحتاج إلى ضبط أكبر وتدقيق أكثر، لتحديد رأي مالك رحمه الله فقال «والذي يظهر لي من عبارات مالك أن المكروه هو صوم ستة أيام متوالية متصلة بيوم الفطر كما يفهم من قوله « في صيام ستة أيام بعد الفطر» ومن قوله«وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء» وإنما يخشى هذا الإلحاق إذا كانت متوالية متصلة بيوم الفطر، فالكراهة عنده منصبة على صومها بهذه الصفة من التوالي والاتصال، لا على أصل صومها، وهذا هو التحقيق من مذهبه»(31).

ولم يكتف الإمام عبد الحميد بن باديس بهذا، بل راح يكتب شرحا مستفيضا، لرأي مالك في المسألة تحت عنوان " فقه مالك واحتياطه" أوضح فيه أن فقه مالك انبنى على أصلين عظيمين هما:

- الأصل الأول: أن العبادة المقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، وهو أصل عام في جميع العبادات.

- الأصل الثاني: أن ما ورد من العبادة مقيدا بقيد يلتزم قيده وما ورد منها مطلقا يلتزم إطلاقه.

وبعد شرحه المفصل لهذين الأصلين، كتب تحت عنوان: اقتداء وتحذير «هذان الأصلان اللذان قدرنا بهما فقه مالك، هما أصلان مجمع عليهما، كثيرة في الشريعة المطهرة أدلتهما، وفي الفروع التي تنبني عليهما، فلنا في مالك وغيره من أئمة الهدى القدوة الحسنة في التمسك بهما، فنحتاط لعبادتنا حتى لا نخلط بين فرضها ونفلها، ونتقبل ما جاء من العبادات مقيدا أو محددا بقيده وحده، ونتقبل ما جاء مطلقا على إطلاقه، فلا نلتزم فيه ما يخرجه عن الإطلاق، ولنحذر كل الحذر من الإخلال بقيود الشارع أو التقييد لمطلقاته، ففي ذلك استظهار عليه وقلة أدب معه. وتبديل لوضعه، واختيار عليه.

وإنما الخيرة لله ولرسوله، لا لأحد من الناس، وإن الغالب على الناس أنهم لا يتعمدون الإخلال بالقيود، وإنما يتعمدون التقييد للمطلقات بأنواع الالتزامات، مع أنهما في المخالفة سواء فلنحذر من الوقوع في مثل هذا على الخصوص.

امتثال: نصوم هذه الستة كما رغبنا نبينا، طمعا في فضل ربنا، غير ملتزمين وصلها ولا موالاتها، والله يلهمنا والمسلمين أجمعين أنواع المبرات، وإقامتها بمنه وكرمه آمين».(32)

منهجه في شرح الحديث النبوي الشريف

لقد اتبع الشيخ عبد الحميد بن باديس في عرض الأحاديث طريقة اتسمت بالوضوح، وقوة الاقناع، تقود في النهاية إلى اقناع العقل، وإشباع الوجدان، ذلك أنه اتبع جملة من الخطوات، كل خطوة منها يبنى عليها اللاحق، وتوضح السابق، بعناوين فرعية، تساعد القارئ على حسن الاتباع، وسلامة الاستنتاج، فلا يسعه في خاتمة القراءة إلا أن يكوّن فكرة صحيحة عن الموضوع المراد بحثه.

فكان – رحمه الله – يذكر نص الحديث الشريف، ومصدره وروايه، ثم يشرح الألفاظ ويحلل التراكيب ويبين المعاني، ثم يتعرض للروايات الأخرى التي ورد بها الحديث ويجتهد في الجمع بينها. ثم يجتهد الإمام رحمه الله في استخلاص دروس حية، وعبر مفيدة، وعظات بالغة، وحكم وأحكام، يوجهها توجيها اجتماعيا لصالح أفراد المسلمين وجماعاتهم.

وسنتوقف مع هذه الخطوات المنهجية بشيء من التفصيل والتمثيل:

1-المباحث الاسنادية: لقد اهتم الشيخ ابن باديس – رحمه الله بالإسناد ومباحثه، عند تعرضه لشرح الحديث النبوي، اهتماما كبيرا، ولعله كان يهدف من وراء ذلك إلى تحقيق هدفين:

- أولها: طمأنة القارئ بأن الحديث الذي يشرحه الشيخ، ويستنبط منه الأحكام والحكم حديث صحيح، ومتوفر على مواصفات القبول.

-ثانيهما: تدريب الطلاب، والدارسين على دراسة الأسانيد، ومعرفة الرجال، وكيفية التصحيح والتضعيف.

هذا ولم يلتزم الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – طريقة واحدة في ايراد الحديث وسنده.

-فهو في الغالب الأعم يقتصر من رجال السند على ذكر الصحابي الجليل الذي روى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه لم يلتزم طريقة واحدة، فهو أحيانا يذكر الصحابي قبل متن الحديث، وأحيانا يذكر متن الحديث أولا ومن رواه من الأئمة ثم يذكر الصحابي(33) وكان يترجم للصحابي ترجمة موجزة قبل شرح الحديث وأما من خرّج الحديث، فإن القارئ لمقالات الشيخ عبد الحميد بن باديس يلاحظ بأنه لم يكن يذكر جميع من خرج الحديث، وإنما يكتفى بذكر البخاري أو مسلم إذا كان الحديث من تخريجها مع بيان اللفظ لمن هل هو للبخاري أو مسلم، وقلما يذكر معهما غيرهما من أئمة السنة أما إذا كان الحديث من تخريج غيرهما فإنه إما أن يقول رواه الأئمة، أو أصحاب السنن، أو رواه مالك في الموطأ ويورد السند كاملا.

أما إذا كان من رواية أصحاب السنن، فإنه يذكر من خرّجه فهو مثلا « يقول رواه الترمذي وغيره وقال حسن صحيح» (34) أو( رواه أبو داوود،) ثم يعلق: رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي فلم يخرج له فيهما لكنه ثقة، وثقه أبو حاتم وابن نافع وابن حبان وقد تابعه غيره.

وخرّج الحديث أيضا النسائي والبيهقي في السنن الكبرى والإمام أحمد» (35).

أو« رواه النسائي وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، المنذري» (36).

لكن أحيانا نجد العلامة ابن باديس يستفيض في الدراسة الاسنادية ويذكر كل من خرج الحديث، ويحكم على الحديث ببيان رتبته من الصحة، وسأذكر نموذجين اثنين لهذا الذي نقول.

1) – قال أبو عيسى الترمذي «حدثنا محمود بن غيلان نا عثمان ابن عمرنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم فقال ادع الله أن يعافيني، قال إن شئت: دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال: فادعه.

قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك واتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة.

أنى توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في،» هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي.

السند: محمود بن غيلان ثقة من رجال البخاري ومسلم، عثمان بن عمر هو ابن فارس العبدي المتوفى 209 هـ ثقة روى عنه الستة، وهو الراوي عن شعبة ولهم عثمان بن عمر ابن موسى التيمي متقدم غير هذا.

أبو جعفر هكذا عند الترمذي غير منسوب وقال فيه هو غير الخطمي يعني أبا جعفر يزيد بن عمير الأنصاري الخطمي.

لكن ابن ماجه قال: حدثنا أحمد بن منصور بن يسارثنا عثمان بن عمرثنا شعبة عن أبي جعفر المدني إلى آخر السند والمتن.

فصرح بأن أبا جعفر هو المدني. وهذا هو أبو جعفر القارى يزيد بن القعقاع. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان إمام أهل المدينة في القراءة فسمي القارئ لذلك.

عمارة بن خزيمة بن ثابث الأنصارى روى له أصحاب السنن الأربعة، وثقه النسائي وابن حبان وابن سعد.

عثمان بن حنيف هو الأنصاري الأوسي الصحابي المشهور.

مخرجو الحديث:

رواه ابن ماجه في باب ما جاء في صلاة الحاجة من سننه، والنسائي والحاكم والبيهقي وابن خزيمة والطبراني، رتبه الحديث العلميه والعملية: قال فيه الترمذي كما تقدم، حسن صحيح غريب.

فالصحيح ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى آخر سنده سالما من العلة والشذوذ. فإذا خف الضبط في بعض رواته فهو الحسن.

وما يقول فيه أبو عيسى الترمذي حسن صحيح أقوى مما يقول فيه حسن فقط لأن وصفه بالصحة مع وصفه بالحسن يفيدان خفة الضبط في بعض رجاله تكاد لا تؤثر عليه حتى كأنها لم تحطه عن رتبة الصحيح التام.

وأما الغريب فهو ما انفرد بروايته راو فقط.وإذا كان ذلك المنفرد ثقة فذلك الانفراد لا يضر. فالغرابة لا تنافي الصحة والحسن، وغرابته جاءته من انفراد أبي جعفر به كما تقدم.

وصححه أيضا ابن ماجه والحاكم والبيهقي والطبراني.

فبعدما عرفنا من حال سنده وتصحيح هؤلاء الأئمة له حصل لنا العلم الكافي – وهو الظن الغالب – ثبوته- وحيث كان بهذه المنزلة من الثبوت فإنه صالح لإستنباط الأحكام الشرعية العملية منه، فمن خلال هذا النص: نرى بأن الشيخ عبد الحميد ابن باديس قد درس الاسناد دراسة مستفيضة.

- فترجم لرجال السند واحدا واحدا، مبينا درجة كل واحد منهم وآراء علماء الرجال، وأهل الجرح والتعديل في كل واحد.

- استفاض في تخريج الحديث، وبيان من رواه من أهل السنة، ورجال الحديث.

- بيان رتبة الحديث ومكانته من حيث الصحة...وذكر من صححه من أئمة الحديث.

- تعريف الحديث الصحيح وبيان شروط الصحة الخمسة.

- شرح بعض مصطلحات أهل الحديث، كقول أبي عيسى الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب» وأنه لا تنافي بين الصحة والغرابة، وبين الحسن والغرابة، وأن الحديث الحسن الصحيح، هو فوق الحديث الحسن ودون الحديث الصحيح، لأن درجة الضبط عند رجاله خفيفة وإن كانت لا تكاد لا تؤثر عليه حتى كأنها لم تحطه عن رتبة الصحيح التام.

- الحديث الصحيح يفيدُ الظن الغالب بثبوته...

- الحديث الصحيح الذي استوفى شروط القبول كاملة صالح لاستنباط الأحكام الشرعية العملية منه.

والذي دعا الإمام ابن باديس إلى هذه الدراسة المستفيضة للإسناد، ورجاله والحكم على الحديث بالصحة، هوأنه أراد أن يناقش قضية خطيرة، هي مسألة التوسل، والجائز فيها والممنوع والذي عنونها بـ «التوجه إلى الله، برسول الله»(37).

النموذج الثاني:

أما النموذج الثاني(38) قال الإمام ابن ماجه في سننه: « حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حديفة بن اليمان أن رجلا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلا من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون بالله تقولون ما شاء الله وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أما ولله إن كنت لأعرفها، قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد).

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ثنا أبو عوانة عن عبد الملك عن ربعي بن حراش عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه).

السند الأول: هشام ثقة اخرج له البخاري والأربعة، وابن عيينة أحد أئمة الاسلام المشهورين، وابن عمير روى له الستة وابن حراش مثله، وحديفة الصحابي المشهور.

السند الثاني: ابن أبي الشوارب ثقة روى عنه مسلم والترمذي وأبو عوانة أحد الأعلام روى له الستة. وعبد الملك وربعي تقدما والطفيل صحابي.

- رتبة الحديث: الحديث صحيح بسنديه مرفوع بهما، ولا يضر ابهام الرجل الرائي لأن حديفة قال من المسلمين، والمسلمون يومئذ هم الصحابة وكلهم عدول ولأن حديفة نقل بلوغ الرؤيا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونقل قوله عند سماعها.

مزيد بيان: ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب ( إن سفيان وشعبة وزائدة) يعني ابن قدامة ثقة روى له البخاري وجماعة رووا عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل حديثه هذا.

وقال أبو عمر: وفي حديث زائدة عن الطفيل أنه رأى في المنام أن قائل يقول له من اليهود نعم القوم أنتم لولا قولكم ما شاء الله وما شاء محمد، ثم رأى ليلة أخرى رجلا من النصارى فقال له مثل ذلك فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، وقولوا ما شاء الله وحده، وزاد بعضهم فيه ثم ما شاء محمد.

فأفادنا كلام ابن عبد البر تعدد الرواة عن عبد الملك، وبينت لنا رواية زائدة بن قدامة أن الرائي هو الطفيل ابن سخبرة.

وأن الرؤيا تكررت وأن النبي صلى الله عليه وسلم، قام خطيبا في الناس لمزيد العناية والاهتمام بالأمر، وأنه قال ما شاء الله وحده» (39).

فمن خلال هذا النموذج نلاحظ كذلك، أن الشيخ عبد الحميد بن باديس قد استفاض في الدراسة الاسنادية.

- فأورد السندين الذين ورد بهما الحديث كاملين.

- ترجم لكل راو من رواة الحديث في السندين، وذكر من أخرج له من أصحاب الحديث، ومن وثقه من رجال الجرح والتعديل.

- الحكم على الحديث بالصحة بالسندين.

- إبهام الرجل الذي رءا الرؤيا ( أي عدم ذكر اسمه وما يعرف به) لا يضر، لأنه في كل الحالات صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول والجهالة بهم غير قادحة.

- ثم نقل عن العالم الجليل أبي عمر بن عبد البر من كتابه القيم " الاستيعاب في معرفة الأصحاب" – مجموعة روايات، وطرق، أزالت الكثير من الإبهام الذي كان في سندي الحديث، إذ لم يعرف اسم الشخص الذي رأى الرؤيا، وحددته بأنه ( الطفيل بن سخبرة) وهو صحابي جليل.

والخلاصة أن الإمام عبد الحميد بن باديس، لم يكن في الغالب الأعم يتوسع في المباحث الاسنادية، بل يكتفي بالترجمة للصحابي راوي الحديث ترجمة موجزة، ولا يتعرض إلى غيره من رجال السند.

ولا يتوسع في تخريج الحديث، وذكر من خرجه من رجال الحديث، لكن أحيانا خصوصا إذا كان الحديث من رواية غير الصحيحين وكان يتعلق بموضوع خطير، يريد الشيخ ابن باديس من خلاله أن يحارب عقيدة فاسدة، أو يصحح وضعا شاذا، أو يقرر حكما شرعيا غير مألوف، ويعلم الشيخ ابن باديس بأن الموضوع سيثير جدلا كبيرا، ونقاشا طويلا، فإنه كان يتوسع في الدراسة الاسنادية، فيترجم لكل راو من رواة الحديث، ويبين مرتبته من حيث الجرح والتعديل من خلال النقول عن أئمة الشأن، ويتوسع في تخريج الحديث، ويستوعب من خرجه من الأئمة، ويبين رتبته من حيث الصحة، وفي ثنايا ذلك كله يتعرض إلى بعض القضايا الحديثية التي يرد عليها.

الألفاظ والتراكيب

لقد كان من منهج الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – في شرح الحديث النبوي الشريف، أنه بعد الدراسة الاسنادية، يشرع في شرح ألفاظ الحديث شرحا لغويا بسيطا، يبرز معانيها في عبارات واضحة، تساعد على تقريب معانيها من الأذهان، واستقرارها في الوجدان، وكأنه كان يراعي أنه يكتب مقالات علمية هي افتتاحيات لجريدته " الشهاب". فلم يكن ينقل عن دواوين اللغة، وقلما يتعرض إلى المباحث الاشتقاقية والصرفية، بل، وقلما يستشهد لذلك بالشواهد.

مثال ذلك: «الأعمال: هي الأفعال التي تصدر عن الجوارح، فتدخل فيها الأقوال، والغالب أن الأعمال أخص من الأفعال، فهذه فيما كان قصد وغيره وتلك فيما كان عن قصد.

(النية) هي القصد إلى الفعل، ( الهجرة) الترك والمراد هنا مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة على الدين بالمنع من إقامته. ( يصيبها) يحصل عليها، ينكحها ( يتزوجها)،»(40).

وبعد شرحه للألفاظ وتبسيطها، كان يتعدى ذلك إلى التراكيب، فيتعرض إلى قواعد اللغة ومباحث الإعراب، آثار الإمام ابن باديس ج2/ص60.تعرض إلى قواعد اللغة ومباحث الاعراب، الكفر إلى دار الاسلام خوف الفتنة على الدين بالمنع من اقامته. ويتوقف مع نكات البلاغة، ودقائق البيان، يستعين بهما على توضيح المعاني، وبسط الأفكار، لكن لا يتوسع في ذلك ولا يغرق في تلك المباحث، وإنما بقدر ما يتوضح المعنى وتبرز جماليات النص.

وفي النموذج الآتي ما يوضح ذلك ففي شرحه لحديث مسلم واللفظ له، وأبي داود، والطبراني في الكبير، عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال، أو غير ذلك؟ - قلت: هو ذاك، قال فأعني على نفسك بكثرة السجود».

تعرض إلى التراكيب فقال: « حذف مفعول سل للتعميم وهو المناسب لمقام الأفضال في النوال.

غير: معطوف على مرافقتك من عطف لفظ في كلام على لفظ في كلام آخر عند ما يقصد المتكلم ربط كلامه بكلام المتكلم قبله لنحو تلقينه فيكون مجموع الكلام هكذا: أسألك مرافقتك في الجنة أو غير ذلك.

والكلام وإن كان كاف خبرا فهو في قوة الطلب ولذلك كانت أو للتخيير هذا كله على وجه أو التي للتخيير.

وأما إذا كانت للاضراب فتقدير الكلام: بل أسأل غير ذلك وأما إذا كانت الهمزة للاستفهام فإن الواو عطفت جملة على جملة وتقدير الكلام ، تترك ما سألت وتسال غير ذلك، والاستفهام هنا المراد به الطلب يطلب منه أن يترك سؤال المرافقة ويسأل غيره.

هو ذاك: تفيد الحصر، أي مسؤولي هو المرافقة لا غير»(41).

فلقد تعرض الشيخ رحمه الله إلى جملة من القواعد النحوية والبلاغية، واستعان بها في حسن فهم النص النبوي، وأهمها:

1- قاعدة حذف المعمول للدلالة على العموم.

2- قاعدة عطف اللفظ في كلام على لفظ في كلام آخر يقصد من خلال ذلك المتكلم ربط كلامه بالكلام المتقدم قبله لغرض صحيح كالتلقين.

3- ورود الكلام على صيغة الخبر لكن المقصود منه الإنشاء والطلب.

4- المعاني المختلفة للحرف " أو " فهو يأتي للتخير وللإضراب، وهكذا...

5- ورود الاستفهام بمعنى الطلب ...

6-تعريف الطرفين يفيد الحصر....

المعنى الإجمالي للحديث

بعد كل الخطوات التي تقدم ذكرها، تأتي مرحلة تحديد المعنى الإجمالي للنص النبوي الشريف، فكان رحمه الله، يعمد. إلى تبسيط أفكاره، وشرح معانيه، بجمل بسيطة، وأسلوب واضح مركز، بحيث يجعل القارئ يستوعب أهم المعاني والأفكار التي تضمنها النص.

انظر إليه مثلا وهو يشرح الحديث الذي رواه الأئمة(42)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، « تحاج آدم وموسى، فحج آدم موسى، قال له موسى، أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال له آدم، أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته؟ قال نعم، قال أفتلو مني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق».

فقال: « المعنى: التقى هذان البنّيان الكريمان التقاء روحيا في العالم العلوي، فوجه موسى إلى آدم لومه على ما كان منه من الأكل من الشجرة والمخالفة مما أدى إلى إخراجه من الجنة، فنسل ذريته بالأرض فكان سببا في خروجهم إليها، وتمكنت منهم الشياطين في دار التكليف فأغوت وأضلت من أغوت وأضلت منهم وكان ذلك كله بسببه.

فدفع آدم هذا اللوم بأن ما كان منه كان مقدرا عليه قبل أن يخلق، فلا لوم عليه فيه إذ لا دخل له في التقدير، وعرض آدم لموسى بأنه ما كان ينبغي له أن يكون منه هذا اللوم على المقدر مع علو مقامه بالعلم والاصطفاء ، فغلب آدم موسى وقامت حجته عليه».(43)

الأحكام والفوائد والاستنباط

ولقد كان الامام عبد الحميد بن باديس – رحمه الله - يتمتع بقدرة فائقة مكنته من استخلاص دروس حية، وعبر مفيدة، وحكم بالغة من النصوص النبوية التي تعرض لها بالشرح والتفسير...لذا كان يغوص في أعماق النص النبوي ويستنبط منه حقائق وقيم نفسية، وأخلاقية، واجتماعية، وتاريخية وتشريعية وكونية، ويوجه ذلك كله لخدمة الإنسان والمجتمع، ويطبق ذلك كله على المجتمع الجزائري، والأمة الإسلامية....وللوصول إلى هذه الأغراض كلها كان يختار لذلك عناوين فرعية ذات ايحادات ذكية، وإشارات لطيفة، مثل، توجيه، تبصرة، اعتبار، تنبيه، تحذير، تطبيق، تفقه....وهكذا.....

والملاحظ أن الأستاذ لم يوجه عنايته، ويقصر اهتمامه على الجوانب الفقهية والتشريعية، بل تجاوز ذلك إلى القضايا النفسية الإجتماعيا، بل والسياسية، والحضارية، ذلك أن الهدف من وراء شرح السنة عنده هو علاج مشكلات الأمة على جميع المستويات، من خلال رصد مواطن الخلل، ومظاهر القصور،ووصف الحلول الناجعة لذلك كله من السنة النبوية الشريفة.

فخلال شرحه لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (44).

أشار إلى أن الحديث يتضمن معنى عظيما وهو ارتباط كل فرد بأمته ارتباط الجزء بالكل، وعليه فالفرد ينظر إليه في النظر لاجتماعي العام من خلال ما ينظر به إلى أمته، سواء أساواها في المستوى الذي هو فيه من رقي أو انحطاط أم كان أسمى منها أو أدني فقيمته في النظر الاجتماعي العام هي قيمتها(45).

وكأني بالشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – يريد أن يقطع الطريق على الاستعمار الذي كان يراهن على ايجاد نخبة متغربة يقطع كل صلة لها بتاريخها ودينها وقوميتها، تسعى جاهدة للاندماج في حضارة الغرب، والانصهار في ثقافته، ويعطيها بعض الحقوق الشكلية ، فتكون هذه النخبة جسر الاستعمار الذي يحقق من خلاله سياسة الاندماج والذوبان في الحضارة الغربية.

هذا من جهة ومن جهة أخرى كان يريد الشيخ ابن باديس رحمه الله أن يستنهض همم بعض النخب التي تثقفت بالثقافة الغربية، وتخرجت في الجامعات الفرنسية، أن تقوم بواجبها تجاه أمتها كاملا، فوجه إليها الكلام فقال «واليوم – وقد تجلت لكم الحقيقة علميا وعمليا – عليكم أن تلتفتوا إلى أمتكم فتنشلوها مما هي فيه بما عندكم من خبرة محافظين لها على مقوماتها سائرين بها في موكب المدنية الحقة بين الأمم، وبهذا تخدمون أنفسكم وتخدمون الإنسانية بإنهاض أمة عظيمة تاريخية من أممها، ثم لا يمنع هذا من أخذ العلم عن كل أمة وبأي لسان واقتباس كل ما هو حسن مما عند غيرنا ومد اليد إلى كل من يريد التعاون على الخير والسعادة والسلام»(46).

ولما كان الاستعمار حامل لواء سياسة التفريق بين الشعوب الإسلامية، بل وبين فئات المجتمع الواحد من خلال بث النعرات الطائفية، والعرقية والجهوية المقيتة، راح الإمام ابن باديس، يستوحي من الحديث السابق الذكر، أنه لا عزة للمسلمين إلا باتحادهم وتعاونهم، وأن الاتحاد عمل يبدأ بالأفراد، لينتهي بين الحكومات ورجال السياسية، وأن يعمل الكل جاهدا على تفقد البناء وتمتينه حالا بعد حال، ومحاربة كل مظاهر الاختلال التي تعتوره، والفساد التي تطرأ عليه، فكتب« تبصرة:- ألا ترى، البنيان كيف يتركب من الحجارة الكبيرة، والحجارة الصغيرة، والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتكسى، وكل ذلك محتاج إليه في تشييد البنيان، فكذلك بنيان المؤمنين فإنه متكون من جميع أفراد هم، على اختلاف طبقاتهم، فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كل واحد أن يسد الثغرة التي من ناحيته، مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه، كما أنه لا غناء له عن كل واحد منها فكل واحد من المؤمنين عليه تبعته، فبمقدار المركز الذي هو فيه، والقدرة التي عنده، ولا يجوز لأحد وإن كان أحقر حقير أن يخل بواجبه من ناحيته، فإنه إذا أزيل حجر صغير من بنيان كبير، دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرق للكبير.

ثم ألا ترى أصابعك، وفيها القوى وفيها الضعيف، حتى إذا شبكتها، صارت كشيء واحد له قوة ومتانة زائدة، وكل أصبع منها يمكن أن يلوى ما دام وحده، فإذا شبكتها عسر ليها، وقوى أمرها، فكذلك المؤمنون باتحادهم وفيهم القوى وفيهم الضعيف تكون لهم قوة عامة زائدة، وكل واحد منهم بمفرده يمكن قهره فأما إذا اتحدوا فإنهم يكونون قوة اتحادهم في مأمن من كل قهر»(47).

وهكذا فمن خلال هذه الأمثلة وغيرها كثير، نجد الإمام عبد الحميد بن باديس، يغوص في أعماق النص النبوي، ليستنبط منه جملة من الأحكام التشريعية، والسنن الكونية التي تحكم سير الحضارات، وقيام المدنيات، ثم يعرض واقع الأمة الإسلامية على ذلك كله، ليحدد مدى قرب أو بعد واقع الأمة من النموذج الذي حدده لها القرآن والسنة. ذلك أن الهدف الأسمى من وراء دراسة السنة عند ابن باديس هو بناء الأمة الإسلامية، وبذل الجهود للعودة بها إلى المكانة التي حددتها لها السنة.

بعض الضوابط لفهم سليم للحديث النبوي الشريف

إذا كانت السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع بل هي المصدر المفسر والشارح للقرآن الكريم، فلا يمكن للإنسان أن يفهم الإسلام فهما صحيحا، ولا أن يطبقه تطبيقا حسنا، إلا إذا كان متضلعا من علوم السنة ، آخذا بالقسط الأوفر من ذلك...

لكن لا بد من الأخذ بعين الاعتبار جملة من الضوابط، التي قعدها أهل العلم للوصول إلى الفهم السليم للسنة النبوية الشريفة، والتطبيق الحسن لها.

وهذه الضوابط كان أهل العلم والتحقيق من العلماء دائمي التذكير بها، حتى لا يقع الإنسان في جملة من المطبات الفكرية والعلمية.

والمتتبع لتراث الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – يجده في كثير من المواضع يذكر بهذه الضوابط، ويدعو إلى الأخذ بها، وعدم الغفلة عنها عند التعامل مع نصوص السنة النبوة الشريفة، وسنكفي هنا بالإشارة إلى:

1- فهم السنة النوية في ضوء القرآن:

إن الشيخ ابن باديس رحمه الله، كان من العلماء الذين يرون بأن السنة كلها شرح وبيان للقرآن الكريم، وعليه فلا يمكن أن يفهم شيء منها، إلا في ضوء القرآن الكريم، ولذا قال « كان صلى الله عليه وسلم يذكر بقوله وعمله وهديه وسمته، وكان ذلك كله منه على وفق هداية القرآن وحكمه»(48).

وعند تفسير قوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (49).

عاود التذكير بهذه القاعدة الجليلة، وأن السنة تفهم في دائرة القرآن الكريم، وفي ضوء توجيهاته، فقال«محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، نور وبيان: في هذه الآية وصف محمد صلى الله عليه وسلم أنه نور، ووصف القرآن بأنه مبين، وفي آيات أخرى وصف القرآن بأنه نور، بقوله « فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا» ووصف الرسول بأنه مبين « وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم، يتفكرون، وهذا ليبين لنا الله تعالى أن إظهار النبي صلى الله عليه وسلم – وبيانه، وإظهار القرآن وبيانه واحد، ولقد صدقت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن».

استفادة: نستفيد من هذا أولا – أن السنة النبوية والقرآن الكريم لا يتعارضان ولهذا يرد خبر الواحد إذا خالف القطعي من القرآن.

ثانيا: إن فقه القرآن يتوقف على فقه حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفقه حياته صلى الله عليه وسلم يتوقف على فقه القرآن، وفقه الإسلام يتوقف على فقههما»(50) وتطبيقات منه لهذه القاعدة، فإنه عند تفسير قوله تعالى: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (51).

توقف مليا مع حديث مسلم الذي جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم « إن أبي وأباك في النار» – ورأى بأنه يتعارض مع قواطع الأدلة التي أفادت نجاة أهل الفترة، بله عن أنه قابل للتأويل بحمل الأب على العم فقال: « استطرد واستنباط: لما كان العرب لم يأتهم نذير قبل النبي صلى الله عليه وسلم بنص هذه الآية وغيرها فهم في فترتهم ناجون لقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا و أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ .

وغيرها وكلها آيات قواطع في نجاة أهل الفترة ولا يستثني من ذلك إلا من جاء فيهم نص ثابت خاص كعمرو بن لُحي أو ل من سيب السوائب وبدل في شريعة إبراهيم وغير وحلل للعرب وحرم، فأبوا النبي صلى الله عليه وسلم ناجيان بعموم هذه الأدلة ولا يعارض تلك القواطع حديث مسلم عن انس رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أين أبي؟ فقال: في النار،فلما قفا الرجل دعاه فقال إن أبي وأباك في النار» لأنه خبر آحاد فلا يعارض القواطع وهو قابل للتأويل بحمل الأب على العم مجازا يحسنه المشاكلة اللفظية ومناسبته لجبر خاطر الرجل، وذلك من رحمته صلى الله عليه وسلم وكريم أخلاقه»(52).

2- التناول الموضوعي للأحاديث والابتعاد عن القراءة الجزئية للنص:

ومن أهم القواعد التي كان الشيخ ابن باديس يراعيها في التعامل مع السنة النبوية الشريفة، ويدعو كل قارئ للسنة إلى الأخذ بها، هو التناول الموضوعي للأحاديث، أي جمع كل الأحاديث التي وردت في موضوع ما، والإجتهاد في فهم ذلك الموضوع على ضوئها جميعا، وفهم الحديث الجزئي على ضوء الكليات الواردة، وإلاّ يقع في مطبة القراءة الجزئية للنصوص، الأمر الذي جرّ الكثير من الويلات والمصائب على الفكر الإسلامي، وشوه الثقافة الإسلامية، وكمثال على إعماله لهذه القاعدة توجيهه لحديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه البخاري ومسلم وقالت فيه « لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل » الذي عول عليه كثير من الفقهاء في منع النساء من الخروج إلى المساجد، كما كان شائعا في العصور المتأخرة، حيث حيل بين النساء وبين بيوت الله عز وجل، فحرمن الفقه في الدين، والخير الكثير، ودفعت الأمة الإسلامية الثمن غاليا من جراء ذلك المنع، فأوضح الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- بأن مراد عائشة رضي الله عنها هو: « لأن الذي أحدثنه هو الطيب والزينة، وهو نهي عن منعهن، ونهاهن عن مس الطيب

عند إرادة الخروج، فلو رأى ما أحدثن لمنعهن لإخلالهن بالشرط حتى يلتزمنه ولا يمنعهن منعا يكون إبطالا لنهيه الأول من منعهن »(53).

وهكذا جمع ابن باديس بين حديث المنع الذي روته عائشة، وحديث ابن عمر الذي نهى عن منع النساء من الخروج إلى المساجد، والذي جاء فيه ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها ( قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لمنعهن، قال فأقبل عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لمنعهن »(54).

إذ جاء في بعض رواياته منع النساء عن مس الطيب إذ أردن الخروج، أو يخرجن تفلات » أي غير متطيبات.

3- مراعات الملابسات الزمانية والمكانية:

ومن القواعد الأساسية في الفهم السليم للسنة النبوية الشريفة، التي أولاها عناية فائقة الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله – مراعاة الملابسات الزمانية والمكانية، فبمنعزل عن معرفة سبب ورو د الحديث، وبعيدا عن الأعراف القولية، لا يمكن أن تفهم السنة فهما سليما، وبالتالي فأي تنزيل للسنة على واقع معين دون الأخذ بعين الإعتبار لهذا الأمر فإنه يؤدي إلى الوقوع في الحرج.

ومثال ذلك، بعض الألفاظ التي اكتسبت من خلال التطور معنًى جديدا فإن تنزيل تلك الألفاظ على المعاني الجديدة المكتسبة، أو فهم الأحاديث الواردة فيها تلك الألفاظ على ضوء المعاني المستجدة، فإنه مسلك معيب يحول دون الوصول إلى الفهم الصحيح للسنة.

وكمثال على هذا الذي نقول لفظ " المكس " الوارد في بعض الأحاديث، كحديث أبي داوود وغيره « لا يدخل الجنة صاحب مكس »(55)، فإنه في أصل الوضع اللغوي هو النقص، ثم أطلق على ما يؤخذ من بائع السلعة ظلما، والمكاس هو آخذ ذلك، حتى قال صاحب المصباح المنير «وقد غلب استعمال المكس على ما يأخذه السلطان ظلما عند البيع والشراء »(56) .

ولكن هذا مع تطور الزمن أصبح هذا اللفظ يفيد معنى جديدا وهو ما يأخذه صاحب السوق من أجرة من رواد السوق الذين يعرضون بضائعهم للبيع، وهذا عقد إجازة تتوفر فيه كل عناصر الإجازة الجائزة، وهذا لا علاقة له بالمكس المنهي عنه شرعا، وفي هذا يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- « من هذا البيان يعلم أننا لا نريد تحليل المكس ( عياذا بالله ) وإنما نريد أنه غير منطبق على كراء الأسواق واكتراء الإنتفاع بالوقوف فيها يوم السوق، وأن العقد الأول ما بين صاحب السوق ونواب العامّة، والثاني بين صاحب السوق مريد الوقوف فيه بسلعة، من عقود الإجارة الصحيحة الجائزة »(57)


الهوامش:

[1] - الصراط السوي، س1 – العدد 15، ديسمبر 1933م.

2 - أثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4/ ص74.

3 - أثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج2/ ص388.

4 - أثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4/ ص68.

5 - نفسه ج4/ص100.

6 - تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، ص 3-4.

7 -علومه الحديث ومصطلحه، صبحى الصالح، ص 107.

8 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج5 / ص 102 – 103.

9 - انظر هذه الأقوال في مقدمة شرح الزرقاوي على الموطأ، ج1/ ص 3-4

10 - آثار الإمام ج3/ ص 131.

11 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4 / ص 75.

12 - انظر وصف الحفل ج4/ ص 329، من آثار ابن باديس.

13 - سورة يوسف، الآية 108.

14 - مجالس التذكير، ج1 / ص 61 و62.

15 - صحيح البخاري، باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم،

16 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج2/ ص 158.

17 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج2/ ص 161.

18 - صحيح مسلم، أنظر نيل الأوطار ج4/ ص11.

19 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج2 / ص 177..

20 - آثار الأستاذ الإمام ابن باديس ج2/ص86 وما بعدها

21 - رواه الترمذي و وأبو داود.

22 - مجالس التذكير من كلام البشير النذير، ص 96..

23 - آثار الإمام ابن باديس، ج2/ص 201.

24 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4/ص 76.

25 - رواه مسلم و أبو داود والطبراني.

26 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج2/ص 51.

27 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج2/ص 65.

28 - صحيح مسلم، باب استحباب ستة أيام من شوّال، ورواه كذلك أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

29 - موطأ مالك بشرح الزرقاني ج2/ص 76.

30 -أعلام الأنام بشرح بلوغ المرام نور الدين عتر، ج2/ص 435.

31 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج2/ص 56.

32 - آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج2/ص 58 و59..

33 - وأحيانا كان يذكر من خرج الحديث ثم يذكر الصحابي ثم يذكر متنا للحديث...وهكذا

34 - آثار الإمام ابن باديس ج2 / ص 141.

35 - آثار الإمام ابن باديس ج2 / ص 159.

36 - آثار الإمام ابن باديس ج2 / ص 129.

37 -آثار الإمام ابن باديس، ج1/ص 38 – 39.

38 - آثار الإمام ابن باديس ج1/ ص 108 – 110.

39 - آثار الإمام ابن باديس ج2/ ص 108 – 110.

40 - آثار الإمام ابن باديس ج2/ص60.

41 - آثار الإمام ابن باديس ج2/ص 49.

42- صحيح البخاري، كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله عز وجّل.

43 - آثار الإمام ابن باديس ج2/ص 75.

44-رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير.

45- آثار الأستاذ الامام ج2/ص 103.

46 - آثار الامام ابن باديس، ج2/ص 104.

47 - آثار الامام ابن باديس، ج2/ ص 101.

48- الشهاب ج1،مجلد5، فيفري 1929م.

49 - سورة المائدة، الآية 15.

50 - مجالس التذكير،ص 54.

51 - سورة يس، الآية 6.

52- مجالس التذكير، ص 373.

53 - آثار الأستاذ الشيخ ابن باديس ج 2/ ص 176.

54 - صحيح مسلم.

55 - سنن أبي داوود.

56 - المصباح المنير، ص 343.

57 - آثار الأستاذ الإمام ابن باديس ج 3/ ص 261.

 

آخر التغريدات: