جهود الإمام عبد الحميد بن باديس في الإصلاح الديني والاجتماعي من خلال تفسيره للقرآن الكريم 1/2

بقلم: د. ياسر عطية عطية الصعيدي

لعل أهم ما يشغل بال المصلحين والمجددين في العالم الإسلامي في العصر الحديث هو كيفية فهم القرآن وتناول تفسيره من منظور يفرضه المستوى الحضاري والتقدم العلمي الذي بلغه الإنسان المعاصر وتأثر به المسلمون كغيرهم من الأمم؛ ففي ظل هذا النظام الجديد الذي يسمى بالعولمة سيجد المسلمون أنفسهم محاصرين بثقافات وأفكار كثيرة وافدة قد يكون بعضها مفيدا وأغلبها لا يتناسب مع ما تفرضه الشريعة الإسلامية على أهلها، ولذا وجب على المسلمين أن لا يظلوا معزولين عن التأثر بهذا التقدم العلمي والحضاري، وألا يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يفد إلى مجتمعهم من أفكار وثقافات، فعليهم أن ينظروا فيها فيأخذوا ما يصلح منها لحياتهم ولا يتعارض مع معتقداتهم ويطرحوا غير ذلك.

وهنا يأتي دور المفسرين للقرآن الكريم؛ فقد رأينا في العصر الحديث اتجاه كثير من المفسرين - وخاصة من تزعموا أو شاركوا في حركات الإصلاح والتجديد - اتجاهات جديدة فضلا عن الاحتفاظ بالمنهج الذي يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير الاستدلالي الذي يتوسع في المناحي البيانية واللغوية والفقهية والحكمية، متخذين من القرآن منطلقا لهم.

هذه الاتجاهات الجديدة تمثلت في: إعادة بناء الفكر الإسلامي في ضوء ما استجد من مفاهيم وقضايا، ومعالجة تفسير القرآن بقدر ما تسمح به طاقة المسلمين الفكرية في العصر الحديث، مع العمل على توسيع أفق الفكر لدى المسلمين، وإيقافهم على سنن الكون وسنن التاريخ البشري، وبيان أن القرآن الكريم لا يناقض الفكر العلمي، والاتجاه إلى بيان أوجه الإعجاز العلمي في كثير من الآيات القرآنية.

وكان من هؤلاء المجددين الإمام عبد الحميد بن باديس (ت:1940م)، الذي اهتم في تفسيره بتصحيح علاقة الإنسان المسلم بالقرآن الكريم وخاصة الأجيال الإسلامية الجديدة التي تشبعت بالثقافة الأوربية وبالفهم العصري للحياة الاجتماعية، ولذلك فهو يخاطب بتفسيره عامة القراء من المسلمين محاولا توعيتهم وتبصيرهم بما ينفعهم وينفع مجتمعهم.

وقد أراد بتفسيره للقرآن أن يتلاءم القرآن مع روح العصر ولغته وقضاياه، ويعالج همومه ومشكلاته، وتنزيل النص القرآني إلى التطبيق على أرض الواقع؛ فتدبر القرآن في نظره يعني فهمه والعمل به.

والبحث الذي بين أيدينا الآن هو محاولة لفهم هذا الجهد الذي بذله الإمام ابن باديس على مدار ما يقرب من خمسة وعشرين عاما لتفسير آيات القرآن الكريم تفسيرا عصريا، مازجا فيه بين الأصالة والمعاصرة، وداعيا فيه إلى الإصلاح الديني والاجتماعي، ومحاولة توعية الفرد المسلم بذاته وبحياته.

( تمهيــد )

أ ـ شخصيته :

هو عبد الحميد بن محمد مصطفى بن مكي بن باديس، ولد سنة: (1308هـ / 1889م ) بقسنطينة بالجزائر، وهو الولد البكر لوالديه، وأسرته أسرة مشهورة بالعلم، ذات نفوذ وجاه وسلطان، وتاريخها معروف منذ أيام المعز بن باديس (ت: 373هـ) جده الأكبر الذي تولى الحكم بالمغرب من سنة 362هـ حتى 373هـ، وقد انتمت أسرته إلى الطريقة القادرية.(1)

نشـأ عبد الحميد بن باديس نشأة علمية، فأتم حفظ القرآن وهو في الثالثة عشرة من عمره، ثم تعلم مبادئ العربية والمعارف الإسلامية، ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره زوجه أبوه، ثم سافر إلى تونس سنة 1908م طالبا العلم، وانتسب إلى جامع الزيتونة، وعرف بالجد والنشاط، وأخذ العلم من أكابر علمائها، وكان من أهم هؤلاء العلماء الشيخ محمد الطاهر بن عاشور المفسر المعروف وزعيم النهضة الفكرية والعلمية والإصلاحية بتونس، الذي كان له تأثير كبير في تكوين شخصية عبد الحميد بن باديس العلمية والثقافية، وخاصة حبه للأدب العربي.(2)

ولما تخرج في جامع الزيتونة سنة 1912م عمل به سنة على عادة المتخرجين في ذلك الوقت، ثم عاد إلى الجزائر واخذ يلقي الدروس في الجامع الكبير، وعلى عادة العلماء النابهين المدافعين عن الحق حيكت له المكائد وواصل أعداؤه أعداء الحق إقلاقه فقرر السفر إلى بيت الله الحرام لأداء الحج، وهناك تقابل مع عدد كبير من العلماء والمفكرين من كافة بقاع العالم الإسلامي، ومرّ على الشام ودمشق ومصر ينهل من العلم ويأخذه على أيدي أكابر العلماء في هذه البلاد، وعاد بعد ذلك إلى الجزائر واتجه إلى العمل في المجال التربوي، فأخذ يعلم الصغار القرآن الكريم، وحوالي سنة 1922م أسس عبد الحميد ابن باديس جريدة " المنتقد " التي وقف بها -هو وجماعة من الشبان الثوار الراغبين في الإصلاح- في وجه الاحتلال، وحاربوا بها البدع والاستبداد.(3)

وكان ابن باديس شديد الحملات على الاستعمار فحاولت الحكومة الفرنسية في الجزائر إغراءه بتوليته رئاسة الأمور الدينية فامتنع فاضطُهِد وأوذي.(4)

ولم تلبث الحملة الفرنسية أن منعت صدور " المنتقد " ، ولم يهدأ للشيخ عبد الحميد بن باديس بال حتى أصدر بعدها مجلة " الشهاب" ، وعلاوة على ذلك فقد ترأس الشيخ ابن باديس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست برئاسته سنة 1932م، وأحدثت حركة نشاط ثقافي وعلمي وديني كبير، بل قامت بنشاط صحفي واسع؛ فأصدرت عدة جرائد أسبوعية مثل: " السنة " ، " الشريعة " ، " الصراط "، ولكن الاحتلال الفرنسي كان يقف لهم بالمرصاد فأغلق الجرائد الثلاث، وأصدرت الجمعية بعدها جريدة " البصائر " لكنها توقفت مع اقتراب الحرب العالمية الثانية.(5)

من هنا يمكننا القول إن الشيخ عبد الحميد بن باديس اتخذ من النشاط الصحفي وسيلة للنهضة السياسية والإصلاح الاجتماعي، وبث الوعي الديني والفكري والثقافي.

وكان ابن باديس كغيره من المصلحين المُحْدَثين أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده يرى أن التدهور الاجتماعي راجع إلى عدم تطبيق الإسلام وانفصال المسلم عن القرآن، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا}(6) فيقول: ( ومن فوائد الآية الكريمة: … إنبناء الأعمال على العقائد والأخلاق؛ فإن الآية وإن كانت بالخطاب الأول للمشركين ثم لأمثالهم من الكافرين فإنها تفيد أن كل واحد تبنى أعماله على مذهبه وطريقته التي هي خلقه وطبيعته، ونأخذ من هذا أن الذي نوجه إليه الاهتمام الأعظم في تربية أنفسنا وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق؛ فالباطن أساس الظاهر.)(7)

من هنا يتضح جليا أن دعوة ابن باديس إلى الإصلاح الاجتماعي كانت عن طريق تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق وخاصة إذا عرفنا أن ابن باديس جاء في فترة تجددت فيها النزعة الصوفية المرابطية، ولكن هذه المرة لم تكن نزعة صوفية فقهية كما كانت أيام المرابطين، لكنها صارت أيام ابن باديس نزعة صوفية تعتمد على التمائم والخرافات والجهل والتزام الزوايا، لا يفقه كثير من أتباعها في الدين شيئا، ولهذا كان ابن باديس يبذل مجهودا مضاعفا في دعوته للإصلاح؛ فهناك كثيرون يقفون في طريق الإصلاح والتجديد، سواء كانوا من جهال المتصوفة أو من أعوان الاحتلال، أو من المحتلين أنفسهم الذين يرون أن في هذه الدعوة مجال لاستيقاظ روح التحرر عند الشعب الجزائري؛ فكما يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي في مقدمته لآثار ابن باديس: ( كانت الظروف تقتضي الرجوع في الإصلاح إلى السلف أدراجا؛ إذ لم يكن القيام بأي عمل في النظام السياسي أو الاجتماعي ممكنا قبل تحرير الضمائر.)(8)

لقد انشغل ابن باديس بتكوين مدرسة فكرية وطنية لنشر الوعي الديني وتحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي، وهذا ما جعله ينصرف عن الكتابة والتأليف في التفسير وغيره من العلوم التي برع فيها إلى العمل الجماعي الوطني؛ فقد رأى أن في تفسيره للقرآن وتدريسه له طريقة عملية لتكوين ذلك النفر من الوطنيين المفكرين، فانقطع لذلك العمل العلمي إلى جانب العمل الصحفي.(9)

وظل ابن باديس يواصل نضاله حتى لقي ربه وهو في قمة نشاطه الفكري والعلمي والوطني سنة 1940م، ودفن بمقابر أسرته بقسنطينة.(10)

ب ـ تفســيره :

تفسير ابن باديس هو مجموعة من الدراسات التفسيرية لبعض الآيات من بعض السور، كان يكتبها ابن باديس في افتتاحيات مجلة الشهاب.

وقد نشر أكثر من مرة، ففي عام 1964م نشر محمد الصالح رمضان: أمالي ابن باديس في العقائد الإسلامية من القرآن الكريم والسنة النبوية.

وصدرت الطبعة الأولى من ( مجالس التذكير ) سنة ( 1964م) بالقاهرة، تحقيق الأستاذان : محمد الصالح رمضان وتوفيق محمد شاهين، وفي مقدمتها يقول المحققان: ( وأسفنا مع الآسفين على أن التفسير لم يأتنا كاملا وإنما أفرغنا جهدنا ـ علم الله ـ حتى وصلنا بعد جهد جهيد على ما نشر في مجلة الشهاب من تفسير الشيخ في الافتتاحيات، وما وصل إلينا من تفسير الشيخ، ولولا افتتاحيات الشهاب لضاع تفسير الشيخ تماما. )(11)

وصدرت الطبعة الثانية عن دار الفكر سنة ( 1971م)، طبع دار الفكر سنة 1971م.

( وهو في طبعته الثانية يقع في (724) صفحة وفي مجلد واحد وينتهي بفهرس تفصيلي لموضوعات الكتاب، وأول الكتاب حديث عن التذكير وأفضل الأذكار … وبعد ذلك بدأ التفسير وأوله تفسير آيات من سورة الإسراء … وبعد الإسراء آيات من سورة الفرقان، فآيات من سورة النمل، وأخرى من سورة يس~، ثم مجموعة خواطر وأفكار وتوجيهات مستوحاة من آيات ـ غير كثيرة ـ من سورة يوسف وسورة النحل والمائدة والنور ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والذاريات، ثم تفسير مطول لسورتي المعوذتين.)(12)

كما طبع تفسير ابن بايس مع آثاره التي جمعها الدكتور: عمار الطالبي باسم: " ابن باديس حياته وآثاره "، ظهرت الطبعة الأولى منها سنة 1968م بالجزائر في أربعة أجزاء، نال التفسير ما يقرب من 500 صفحة، وقد قابلت المحقق صعوبات عدة في تجميعه لآثار ابن باديس ومنها التفسير؛ حيث يقول: ( وبعد: فإني قضيت ما يزيد على ثلاث سنوات في جمع وترتيب آثار ابن باديس مما جعلني أسافر إلى بعض البلاد العربية للعثور على ما لا يوجد في الجزائر مما أتي عليه تخريب القوات الاستعمارية وإحراقها لكنوز الفكر الإنساني . حاولت أن أصنف هذه الآثار إلى أقسام حسب موضوعاتها وأغراضها، وإن كان هذا التصنيف غير دقيق لتداخل الموضوعات والأغراض، ومن ثم جاء تصنيفا تقريبيا. كما أني لا أزعم أنه قد أتيح لي أن أعثر على جميع آثار ابن باديس لأنه قد أملى إملاءات كثيرة على طلابه، وما تزال مخطوطة أو مبعثرة أو مفقودة، وحتى المطبوع من آثاره لم أجمعه كله … والظاهرة التي ينبغي التنبيه إليها هي أن الشيخ لا يمضي جميع ما يكتب ، ولهذا فإن الباحث يضطر للاجتهاد اعتمادا على أسلوب المؤلف وروحه.)(13)

وتفسير ابن باديس الذي وصل إلينا على الرغم من أنه مختارات لبعض آيات القرآن وليس تفسيرا كاملا للقرآن الكريم إلا أنه غني بمادة علمية يستطيع الباحث فيه أن يستخرج آراءه التفسيرية وجهوده في الإصلاح والتحرر، وخاصة إذا تنبه الباحث إلى الدقة في اختيار ابن باديس للآيات التي يفسرها، فهو ليس اختيارا عشوائيا.

وقد أثنى الكثير من العلماء على تفسير ابن باديس، منهم صديقه العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي الذي قال في صدر كتاب تفسير ابن باديس: (ثم كان الركود والجمود حتى ظهر أعلام ثلاثة جددوا في التفسير هم: الشوكاني والألوسي وصديق حسن خان، ثم من بعدهم محمد عبده ورشيد رضا، ثم انتهت إمامة التفسير إلى ابن باديس.)(14)

وقال أيضا: (وكان للأخ الصديق عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ ذوق خاص في فهم القرآن كأنه حاسة زائدة خص بها، يرفده بعد الذكاء المشرق والقريحة الوقادة والبصيرة النافذة بيانٌ ناصع واطلاع واسع وذوق فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الاجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه، يمد ذلك كله شجاعة في الرأي وشجاعة في القول لم يرزقهما إلا الأفذاذ المعدودون من البشر، وله في القرآن رأي يَبنى عليه كل أعماله في العلم والإصلاح والتربية والتعليم : وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هدايته والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله.)(15)

 

المبحث الأول: مقاصد التفسير عند ابن باديس

إن أهم قضية تشغل بال الباحث في حياة المصلح أو المجدد هي دراسة فكره ومعرفة منهجه الذي سلكه في التعامل مع القرآن الكريم تفسيرا وتأويلا، وتوظيفه للآية القرآنية توظيفا واقعيا لإصلاح المجتمع وتجديد الفكر الديني ومحاربة البدع.

فابن باديس تعامل مع القرآن على أساس أنه كتاب هداية وإعجاز وتطوير، ولهذا نراه يفسر القرآن تفسيرا سلفيا معتمدا على بيان القرآن للقرآن وبيان السنة له، وعلى أصول البيان العربي، والنفاذ إلى لغة العرب وآدابها. ونراه كذلك يفسر القرآن تفسيرا معاصرا يراعي فيه مقتضيات العصر الذي يحياه، فينظر في قوانين النفس البشرية وسنن المجتمع الإنساني، وتطور التاريخ والأمم، والدعوة إلى النهضة ومحاربة التقليد والبدع.

وقد حدثنا ابن باديس نفسه عن منهجه في التفسير مبينا معـالمه ومصادره؛ ذلك أنه جرت عادته أن يفتتح الدرس الأول من كل سنة من دروسه التفسيرية بخطبة مسجوعة يحدد فيها منهجه في التفسير، وفي تفسيره المطبوع نص خطبة حول المنهج جاء فيها: (… أما بعد؛ فقد عدنا ـ والحمد لله تعالى ـ إلى مجالس التذكير من دروس التفسير، نقتطف أزهارها، نجتني ثمارها، يسر من الله تعالى وتيسير. على عادتنا من تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية، وربط الآيات بوجوه المناسبات، معتمدين في ذلك على صحيح المنقول وسديد المعقول مما جلاه أئمة السلف المتقدمون أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون ـ رحمة اله عليهم أجمعين ـ ، وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة: تفسير ابن جرير الطبري، الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيان معنى الآيات القرآنية، وبترجيحاته لأوْلى الأقوال عنده بالصواب. وتفسير الكشاف الذي يمتاز بذوقه في الأسلوب القرآني وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب والتنظير لها بكلام العرب واستعمالها في أفانين الكلام. وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية وتوجيهه للقراءات. وتفسير الرازي الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العلوم الكلامية ومقالات الفرق والمناظرة في ذلك والحجاج. إلى غير هذا مما لابد من مراجعته من كتب التفسير والحديث والأحكام وغيرها مما يقتضيه المقام.)(16)

وقد اتبَّع ابن باديس أسسا مهمة في فهم القرآن وتفسيره، وتوجيه ذلك لتحقيق نهضة إسلامية شاملة، وتمثلت تلك الأسس في الآتي:

أولا - توجيه التفسير لإصلاح علاقة المسلم بربه:

إن بناء العقيدة السليمة لدى الإنسان المسلم هي أهم ما يُعْنى به المصلحون والمجددون، ولذلك عُني ابن باديس بتفسير بعض الآيات التي تدعوا إلى إصلاح علاقة المسلم بربه وتذكيره به، فهو يرى أن العباد بحاجة دائما إلى من يذكرهم بالخالق سبحانه، ولا يقوم بهذا إلا عباد الله الصالحين، لا بأقوالهم فحسب بل بأفعالهم وسمتهم كما كان يفعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن هذا التذكير هو أعظم ما يحتاج إليه العباد؛ فعلى الرغم من أن دلائل وجود الله ووحدانيته وآثار فضله ورحمته وإحسانه ماثلة في الكون إلا أن العقول كثيرا مما تكون مغلولة بقيود أهوائها فتعمى عن تلك الدلائل والآثار فتكفر كفر جحود وعناد أو كفر عصيان وطغيان.(17)

فإذا ما تذكر الناس كانوا في حاجة ماسة إلى شيء أهم من التذكر يربطهم دائما بخالقهم هو الذكر، وهو كما يقول ابن باديس أصل من أصول الدين العظيمة، بل هو في رأيه الدين كله.

ويعدد ابن باديس معاني الذكر، فيرى أن معناه حضور الشيء في القلب بعد زواله منه، وقد يطلق إطلاقا شائعا على ما يجري على اللسان مما يخبر به عما في القلب ويعبر عنه، بل سُمِّيَ القرآن نفسه ذكرا لأن آياته متلوّة باللسان ومعانيه حاضرة في القلب، بل يقال في كل عمل من أعمال الطاعة ذكر؛ لأنها مرتبطة بذكر القلب ومن ثمراته.

ويوضح ابن باديس أقسام الذكر فيقول: ( قد كثر ورود لفظ الذكر في آيات القرآن وأحاديث السنة، وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام، مراده من تلك النصوص: ذكر القلب فكرا واعتقادا واستحضارا، وذكر اللسان قولا، وذكر الجوارح عملا.)(18)

فالذكر كما يرى ابن باديس ليس كلاما يتلى بالألسن ولا اعتقادا بالقلب اعتقادا ، وإنما هو ذكر باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح، وهذا المعنى الأخير يهتم به ابن باديس جدا، فغايته أن يفهم الناس معنى الذكر فيطبقوه عمليا، ولهذا يقول: (فالمؤمن الذي يحافظ على قلبه ويعتني به حتى يكون صحيح العقد دائم الفكر والاستحضار، ويأتي مع ذلك من الأذكار المأثورة، المطلقة بما تيسر منها، وبالمرتبة في الأحوال والأوقات التي رتبت عليها، ولا يخلي مقامه ومقعده من شيء من ذكر الله وإن قل، يكون متبعا للنبي T في سنته في الذكر، ويكون بهذا في بيته وفي سوقه وفي مصنعه وفي مسجده معدودا من الذاكرين المكثرين، بالقلب واللسان والجوارح.)(19)

وينبهنا ابن باديس أن هذه الجوانب الثلاثة من الذكر لا يجوز أن يطغى جانب منها على الآخر، فربما ينشغل الإنسان بالتعلم والعلم وينسى الأذكار المأثورة فيكون من الغافلين، وربما بالغ البعض في أذكار اللسان فأتوا منها بالآلاف والقلب في غفلة عما ينطق اللسان فأهملوا جانب التفكير، فشغلوا بالوسيلة عن الغاية؛ فالغاية من نطق اللسان بالذكر حضور عظمة الله في القلب وهي أعظم الأذكار.

ويشغلُ ابنَ باديس موضوعٌ في غاية الخطورة، ذلك أن أكثر العامة كانوا يميلون إلى تبجيل بعض الصالحين، لدرجة أن بعض الناس ـ بجهلهم ـ كانوا يدعونهم من دون الله لقضاء حوائجهم، فيوجه ابن باديس نظرهم إلى أن ذلك دعاء لغير الله ومن دعا غير الله فقد عبد من دعاه وهو في عبادته من الخاسرين، فيختار ابن باديس عند قول الله تعالى: {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلا}(20)، ليبين الأحكام فيها قائلا: (تدل الآية على أن دعاء غير الله تعالى لدفع الضرر ومثله جلب النفع عبادة للمدعو … فالداعي لغير الله تعالى يطلب منه قضاء حوائجه قد عبد من دعاه وإن لم يعتبر دعاءه عبادة؛ لأن الله قد سماه عبادة، وإذا استمر على فعله ذلك مستحلا له بعد تعليمه وإرشاده يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة، وهو أن العبادة والدعاء منها لا تكون إلا لله فيحكم بردته نظير مستحل الصلاة بلا وضوء بلا فارق.)(21)

والغاية التي ينشدها ابن باديس من ذلك هو تنزيل هذه الآية بأحكامها على أرض الواقع فيعمل بها الناس، ووصف العلاج لا يكون إلا بعد تشخيص الداء، فنجده يصف ما وصل إليه حال المسلمين وخاصة الجزائريين بقوله: (إذا علمت هذه الأحكام فانظر إلى حالتنا معشر المسلمين الجزائريين وغير الجزائريين، تجد السواد الأعظم من عامتنا غارقا في هذا الضلال، فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات يسألونهم حوائجهم من دفع الضر وجلب النفع وتيسير الرزق وإعطاء النسل وإنزال الغيث، وغير ذلك مما يسألون، ويذهبون إلى الأضرحة التي شيدت عليها القباب، أو ظلمت بها المساجد، فيدعون من فيها ويدقون قبورهم وينذرون لهم، ويستثيرون حميتهم بأنهم خدامهم وأتباعهم، فكيف يتركونهم وقد يهددونهم بقطع الزيارة وحبس النذور، وتراهم هنالك في ذل وخشوع وتوجه قد لا يكون في صلاة من يصلي منهم، فأعمالهم هذه من دعائهم وتوجههم كلها عبادة لأولئك المدعوين، وإن لم يعتقدوها عبادة؛ إذ العبارة باعتبار الشرع لا باعتبارهم، فيا حسرتنا على أنفسنا كيف لبَّسنا الدِّين لباسا مقلوبا حتى أصبحنا في هذه الحالة السيئة من الضلال.)(22)

وبعد أن وصف ابن باديس الداء ووضع يده عليه وصف له العلاج في صورة تحذير ونصيحة فيقول: (فليحذر قراؤنا من أن يتوجهوا بشيء من دعائهم لغير الله، وليحذِّروا غيرهم منه، ولينشروا هذه الحقائق بين إخوانهم المسلمين بما استطاعوا، عسى أن يتنبه الغافل ويتعلم الجاهل، ويقلع الضالون عن ضلالهم ولو بطريق التدريج، وبذلك يكون قراؤنا قد أدوا أمانة العلم وقاموا بفريضة النُّصْح، وخدموا الإسلام والمسلمين.)(23)

ويبين أن هؤلاء الصالحين الذين يُشَيِّد الناس عليهم القباب ويدعونهم من دون الله برءاء من هذا الفعل وممن يدعونهم يوم القيامة، فيقول: (نعرف كثيرا من الصالحين ـ رحمهم الله تعالى ـ قد شيدت عليهم القباب، ونذرت لهم النذور، وقُصدوا لقضاء الحاجات، ودعوا في المهمات، وكان ذلك كله مما أحدثه المحدثون بعدهم، وبالغ فيه المستغلون له ممن ينتمون إليهم فهم - إن شاء الله تعالى - برءاء من إثم ذلك كله وإنما إثمه على فاعليه … فحذار يا إخواننا من هذه العاقبة السيئة وهذا الموقف المخزي، فبادروا إلى توحيد الله بالدعاء الذي هو مخ العبادة، واقتصروا في جانب الصالحين على محبتهم والترضية عليهم، وسؤال الرحمة لهم، والاقتداء بهم فيما كان منهم من طاعة وخير، ولا تعظموهم بما لا يكون إلا لله رب العالمين.)(24)

وعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْـسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}(25)، يؤكد المعاني السابقة، فيقول: (لما ثبت أن الدعاء عبادة فالداعي عابد والمدعو معبود والمعبود إله؛ فمن دعا شيئا فقد اتخذه إلهه لأنه فعل له ما لا يُفعل إلا للإله، فهو وإن لم يسمه إلها بقوله فقد سماه بفعله.)(26)

ثانيا - توجيه التفسير لإصلاح علاقة المسلم بالقرآن الكريم :

اهتم ابن باديس اهتماما خاصا بإصلاح علاقة المسلم بالقرآن الكريم، فهو أفضل الذكر، وهو الشفاء لما في الصدور، وهو الطريق الموصل إلى الله عز وجل، (فالتالي للقرآن المتدبر لآياته يكون متفكرا في مخلوقات الله وما فيها من حكم ومن نعم، وفي معاني أسمائه وصفاته، وفي مظاهر رحمته وإحسانه وبطشه وانتقامه، وفي أسباب ثوابه وعقابه، وفي مواقع رضاه وسخطه، كما يكون التالي أيضا متبصرا في عقائده خبيرا بأدلتها ورد الشبه عنها، كما يكون مستحضرا لربه في قلبه باستحضار حقوقه ونعمه وآلائه، إن هذا كله مما تضمنته آي القرآن على أكمل بيان وأوضح برهان.)(27)

إن تلاوة القرآن في رأي ابن باديس تعني تدبره وفهمه، وتلاوة القرآن بالتدبر - كما يقول - تثمر التوبة والإنابة والرجاء والخوف، وذلك خير داع للاستقامة في السلوك العملي. وفهم القرآن يعني عنده السعي إلى تحقيق مقاصده الكلية، وتحويل الآيات إلى واقع عملي، فيكون هذا سببا في عزة الأمة وقوتها، ولهذا نراه يشكوا حال المسلمين مع القرآن عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(28)، فيقول: (ونحن معشر المسلمين قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها وقلنا تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة مما يصعب أمره على الطلبة فضلا عن العامة. وبيَّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه النظر والاعتبار مع بيان حِكَم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تَفْني الأعمارُ قبل الوصول إليها. وبين القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوئ الأخلاق ومضارها، وبيَّن السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بقدسيتها، فهجرنا ذلك كله ووضعنا أوضاعا من عند أنفسنا واصطلاحات من اختراعاتنا خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع.)(29)

إذا كان تدبر القرآن وفهمه يعني عند ابن باديس السعي إلى تحقيق مقاصده الكلية، فإن هذا الفهم والتدبر في نظره لا يتأتى إلا بتفسير القرآن وتبيينه تفسيرا يوصل إلى فهم الشرائع والأحكام الإلهية، لذلك نراه يعيب على هؤلاء الذين لا يمتلكون أدوات التفسير، ولا يبغون التوصل إلى حقيقة التفسير وإنما يقضون السنين في مماحكات يدعون أنها تطبيقات للقواعد على الآيات، فنراه يقول: (ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته، ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه، فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلا، بل ويصير مدرسا متصدرا ولم يفعل ذلك. وفي جامع الزيتونة - عمَّره الله تعالى - إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير فإنه - ويا للمصيبة - يقع في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أياما أو شهورا، فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلا، دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير، وإنما قضي سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات، كأن التفسير إنما يُقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن.)(30)

إن ابن باديس يدعوا إلى فهم وتدبر للقرآن حتى تكون معانيه نصب الأعين وتطبيق آياته على أحوالنا، فأزمة المسلمين في عصره تتمثل في رأيه في طريقة فهمهم للقرآن وتطبيقهم لأحكامه ومواعظه، فنراه يعقب على تفسيره لقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}(31) قائلا: (حظنا من العمل بهذه الحكمة أن نقرأ القرآن ونتفهمه حتى تكون آياته على طرف ألسنتنا ومعانيه نصب أعيننا لنطبق آياته على أحوالنا وننزلها عليها كما كانت تنزل على الأحوال والوقائع، فإذا حدث مرض قلبي أو اجتماعي طلبنا دواءه في القرآن وطبقناه عليه، وإذا عرضت شبهة أو ورد اعتراض طلبنا فيه الرد والإبطال، وإذا نزلت نازلة طلبنا فيه حكمها، وهكذا نذهب في تطبيقه وتنزيله على الشؤون والأحوال إلى أقصى حد يمكننا.)(32)

وينظر ابن باديس نظرة المجدد إلى حكمة تنزيل القرآن مفرقا حسب الوقائع والأحوال فينبه الأئمة في عصره وخطباء المساجد إلى ذلك طالبا منهم أن يهتموا في خطبهم بتطبيقها على مقتضى الحال، والتأسي بالخطب النبوية والسلفية، فنراه يقول لهم : (انظر إلى هذه الحكمة في هذا التنزيل كيف تنزل على حسب الوقائع ، في هذا قدوة صالحة لأئمة المجتمع وخطبائها في توخيهم بخطبهم الوقائع، وتطبيقهم خطبهم على مقتضى الحال. بلى والله، ولقد كانت الخطب النبوية والخطب السلفية كلها على هذا المنوال تشتمل مع الوعظ والتذكير على ما يقتضيه الحال، وأما هذه الخطب المحفوظة المتلوة على الأحقاب والأجيال فما هي إلا مظهر من مظاهر قصورنا وجمودنا.)(33)

ثالثا - توجيه التفسير لإصلاح المجتمع :

1ـ العلم والأخلاق هما أساس النهضة بالمجتمع:

كرَّس ابن باديس جهده للعمل على تغيير المجتمع الجزائري، وإدخال الجزائر في حركة النهضة الإسلامية العامة، فهو من مدرسة المصلحين الذين يرون أن الإصلاح الاجتماعي يقوم على أساس أن الأخلاق تنبع من الداخل، وهو يعتبر أن العناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس، ولذلك فهو يرى أننا ينبغي أن نبدأ بإصلاح الإنسان، وصلاح الإنسان لن يكون إلا بتربيته وتهذيبه بالأخلاق الحميدة وتعليمه؛ فالتعليم في نظره هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من عمله لنفسه، ولن يصلح التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه؛ فلم ينجح المسلمون الأولون في تغيير العالم إلا بسلوكهم وتطبيقهم الإسلام على أنفسهم وعلى غيرهم.

ولهذا نراه يبجل العلم القائم على الأخلاق والتفكير المطور لحياة الإنسان للأفضل عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا}(34) قائلا: (العلم الصحيح والخلق المتين هما الأصلان اللذان ينبني عليهما كمال الإنسان … وبقدر ما تكثر معلومات الإنسان ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها ويستقيم تنظيمه لها تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس والمعقول وقسمي العلوم والآداب. وهذا كما كان العرب والمسلمون أيام قرون مدنيتهم؛ عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم، ونظروا وصححوا واستدركوا واكتشفوا، فأحيوا عصور علم من كانوا قبلهم، وأناروا بالعلم عصرهم، ومهدوا الطريق ووضعوا الأسس لمن جاء بعدهم، فأدوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها أمة في حالها وماضيها ومستقبلها.)(35)

ويرى أبن باديس أن العلم واجب على أفراد المجتمع ككل ولا يقتصر على فئة بعينها وخاصة العلوم الشرعية المبينة للتكاليف، فالمسلم ينبغي أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم، وينبغي على أهل العلم أن يبسطوا للعامي طريق العلم بالقرآن والتكاليف الدينية، فنراه يقول: (فحق على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدها الدينية وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم؛ إذ يجب على كل مكلف أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم. ولن يجد العامي الأدلة لعقائده سهلة قريبة إلا في كتاب الله، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد للمسلمين إليه … ومما ينبغي لأهل العلم أيضا إذا أفتوا أو أرشدوا أن يذكروا أدلة القرآن والسنة لفتاواهم ومواعظهم ليقربوا المسلمين إلى أصل دينهم، ويذيقوهم حلاوته، ويعرفوهم منزلته، ويجعلوه منهم دائما على ذكر، وينيلوهم العلم والحكمة من قريب، ويكون لفتاواهم ومواعظهم رسوخ في القلوب وأثر في النفوس، فإلى القرآن والسنة أيها العلماء إن كنتم للخير تريدون.)(36)

2- القول الحسـن أساس الترابط بين أفراد المجتمع:

يتوقف ابن باديس عند قول الله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(37) فيبين المغزى من هذا الأمر الإلهي وحاجة المجتمع الإسلامي إليه فيقول: (القول هو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره وأممه، وبريد عقله وواسطة تفاهمه، فإذا حسن قويت روابط الألفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم، وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي على التعاون والتآزر، وجني العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران، وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك؛ فالكلام السيئ قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستمداد والتعاون بين القلوب، فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة، وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل، وفي ذلك كل الشر لأبناء البشر.)(38)

ويرى ابن باديس أن هذه الصفة يجب أن يتحلى بها المسلم مع المسلمين ومع غير المسلمين، فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته إنك من أهل النار ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر وسوء عاقبته، ولا يقال للمبتدع يا ضال وإنما تبين البدعة وقبحها، ولا يقال لمرتكب الكبيرة يا فاسق ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها، فتقبح القبائح والرذائل في نفسها، وتجتنب أشخاص مرتكبيها.

3ـ حفظ حقوق الآخرين وإرساء مبدأ التكافل الاجتماعي:

إن كل فرد من أفراد المجتمع له حقوق وعليه واجبات تجاه بقية أفراد مجتمعه الذي يعيش فيه، ولهذا فابن باديس يرى أن الإصلاح الاجتماعي يتوافر عندما يعرف كل فرد من أفراد المجتمع ما له وما عليه، فالناس كما يقول: (كلهم في حاجة مشتركة إلى بعضهم ، وما من أحد إلا وله حقوق على غيره ولغيره حقوق عليه، ولهذه الحاجة المشتركة والحقوق الممتزجة كان الاجتماع والتعاون ضرورين لحياة المجتمع البشري واطراد نظامه، وقيام كل واحد من أفراد المجتمع بما عليه من حقوق نحو غيره هو الذي يسد تلك الحاجة المشتركة بين الناس. وعندما يؤدي كل واحد حق غيره فليست خدمته له وحده بل هي خدمة للمجتمع كله، وبالآخرة هي خدمة له هو في نفسه لأنه جزء من المجتمع وما يصيب الكل يعود على جزئه، فإذا تواردت أفراد المجتمع على هذه التأدية سعدت وسعد مجتمعنا بنيله حاجيات الحياة ولوازم البقاء والتقدم في العمران. أما إذا توانى الأفراد في القيام بالحقوق وقصَّروا في تأديتها إلى بعضهم فإن الحاجة المشتركة من العلم والثقافة وحفظ الصحة والأخلاق وأنواع الصناعة تتعطل، وبتعطلها يختل نظام الاجتماع ويعود إلى الانحلال والتقهقر، وينحط بأفراده إلى أسفل الدركات.)(39)

ويشير ابن باديس عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا }(40) إلى بعض الواجبات المفروضة على المسلم تجاه أفراد مجتمعه، القريب منهم والبعيد، لتعم الرحمة والمحبة والمودة بين أفراد المجتمع، فيقول: (ابتدأ بحق القريب لوجوه: الأول أنه هو مقتضى طبيعة الترتيب، الثاني: تأكيد حق القريب، الثالث أن من حكمة التربية أن يبدأ من الأوامر يما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله ببداهة الفكرة أو بشعور العاطفة، وكلتا هاتين يحبب للنفس إيتاء حق القريب يحبب للنفس إيتاء حق القريب فابتدئ به في الأمر ليكون تقبلها له أسهل ومبادرتها للامتثال أسرع، فإذا سخت القلوب بإيتاء حق القريب ومرنت عليه اعتادت الإيتاء وصار من ملكاتها؛ فسهل عليها إيتاء كل حق ولو كان لأبعد الناس، وشيء آخر، وهو أن الأقارب قد تكون بينهم المنافسات والمنازعات لقرب المنازل، أو تصادم المنافع، أو التشاح على المواريث ما لا يكون بين الأباعد، فيقطعوا حق القرابة ويهدموا بناء الأسرة، ويعود ذلك عليهم أولا بالوبال، ويرجع ثانيا على مجتمعهم ـ والمجتمع مؤلف من الأسر ـ بالتضعضع، فكان هذا من جملة مما يقتضي الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة الأخرى.)(41)

ويدعوا ابن باديس إلي تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة لما في ذلك من رفعة للمجتمع الإسلامي ورفعة للأمة عند تفسيره لقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(42) فيقول: (هنالك المصلحة العامة وهنالك المصلحة الخاصة، ومحال أن تساوي هذه بتلك، انظر إلى الذكر الحكيم كيف عبر عن الأولى بالأمر الجامع، وفي هذا ما فيه من تفخيم، وعبر عن الثانية ببعض الشأن وفي هذا ما فيه من التحقير والتقليل. وفي قرنها بالاستغفار تنبيه على ترجيح الأولى على الثانية وأنها ما كانت تعتبر إلا على وجه الرخصة والاستغراق في الاهتمام والتدبير للمصلحة العامة أحق وأولى. لنجعل المصلحة العامة غايتنا والمقدمة عندنا حتى لا يكون - إن شاء الله - في مصالحنا الخاصة ما يصرفنا أو يشغلنا عنها، راجين من الله تعالى أن يعيننا على ما قصدنا وأن وفقنا إلى استعمال كل مصلحة خاصة لنا في مصلحة عامة لنا ولإخواننا. )(43)

ويرى ابن باديس أن النهضة الإسلامية لا تكون إلا بالقوة، ولا تتأتى القوة إلا في وجود جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر، وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة، متساندة في العمل عن فكر وعزيمة، ونراه ينبه إلى أهمية ذلك فيقول : (ما أصيب به المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلا بإهمالهم لأمر الاجتماع ونظامه، إمَّا باستبداد أئمتهم وقادتهم وإما بانتشار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم وجهلهم بما يفرضه عليهم، وما ذلك إلا من سكوت علمائهم وقعودهم عن القيام بواجبهم في مقاومة المستبدين وتعليم الجاهلين، وبث روح الإسلام الإنساني السامي في المسلمين. فعلى أهل العلم - وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إرث النبوة فيهم - أن يقوموا بما أرشدت إليه هذه الآية الكريمة، فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع والشورى في كل ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم.)(44)


الحــواشي

(1) ابن باديس حياته وآثاره : عمار الطالبي، طبع دار ومكتبة الشركة الجزائرية، الطبعة الأولى 1968م، 1/72. ( بتصرف).

(2) نفسه : 1/ 74 ، 75 . ( بتصرف )

(3) نفسه : 1/ 77 ـ 82 . ( بتصرف )

(4) الأعلام : خير الدين الزركلي، بيروت، الطبعة الثالثة 1969م، 3 / 289 .

(5) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 87 . ( بتصرف )

(6) سورة الإسراء : الآية 84.

(7) ابن باديس حياته وآثاره : 1 / 339.

(8) نفسه : 1 / 11.

(9) معجم تفاسير القرآن الكريم : محمد الكتاني وآخرين، نشر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكوا ، 1997م، ص72 (بتصرف).

(10) وللمزيد عن حياة ابن باديس وعصره يمكن الرجوع للمقدمة الثرية التي في أول كتاب : (ابن باديس حياته وآثاره ).

(11) معجم تفاسير القرآن : ص 72.

(12) نفسه : ص 73.

(13) ابن باديس حياته وآثاره : 1/96، 97.

(14) ، (15) معجم تفاسير القرآن : ص 73.

(16) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 162، 163.

(17) نفسه : 1/ 125. (بتصرف)

(18) نفسه : 1/131.

(19) نفسه : 1/ 136.

(20) سورة الإسراء : الآية 56.

(21) ابن باديس حياته وآثاره : 1/288،289.

(22) و (23) نفسه : 1/290.

(24) نفسه : 1/292، 293.

(25) سورة الفرقان : الآية 68.

(26) ابن باديس حياته وآثاره : 1/471.

(27) نفسه : 1/142.

(28) سورة الفرقان : الآية 30.

(29) ابن باديس حياته وآثاره : 1/408.

(30) نفسه : 1/409.

(31) سورة الفرقان : الآية 32.

(32) و (33) ابن باديس حياته وآثاره : 1/418.

(34) سورة الإسراء : الآية 36.

(35) ابن باديس حياته وآثاره : 1/267.

(36) نفسه : 1/272.

(37) سورة الإسراء : الآية 53.

(38) ابن باديس حياته وآثاره : 1/282.

(39) نفسه : 1/239.

(40) سورة الإسراء : الآية 26.

(41) ابن باديس حياته وآثاره : 1/240.

(42) سورة النور : الآية 62.

(43) و (44) ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 371.

آخر التغريدات: