الفكر الحركي عند الشيخ ابن باديس

بقلم: د. محمد الدراجي –

يقول العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله، معرّفا الحركة كمصطلح معاصر، متداول في الأوساط العلمية و الدعوية بالقول «لا يطلق في هذا المقام- لفظ حركة في العرف العصري العام إلا على كل مبدأ تعتنقه جماعة و تتساند لنصرته، و نشره و الدعاية و العمل له عن عقيدة، و تهيء له نظاما محددا و خطة مرسومة و غاية مقصودة»(1)...

ونلاحظ أن هذا التعريف ركَّز على جملة من العناصر الأساسية لابّد من توفرها في النشاط أو العمل حتى يحوز وصف الحركة، فالتنظيم والقيادة، و المشروع، والاتصال بالجماهير بالإقناع و التثقيف، والاستقطاب والاستيعاب، و وضع البرامج، وإعداد الخطط، وتحديد المراحل، و بيان متطلبات كل مرحلة، كلها عناصر أساسية، وصفات ضرورية، عبر عنها الإمام الإبراهيمي بأسلوبه البليغ في تعريفه للحركة.

و يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، في كتابه «أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة» مجيبا على السؤال الذي طرحه و هو ماذا نعني بالحركة الإسلامية؟- ما يلي : أريد بالحركة الإسلامية: ذلك العمل الشعبي الجماعي المُنظم للعودة بالإسلام إلى قيادة المجتمع و توجيه الحياة...كُلَّ الحياة»(2)

وهذا التعريف يحتوي على العناصر الآتية:

أ.الحركة عمل شعبي محتسب:

فأساس الحركة الإسلامية هي ذلك الاقتناع الذي تؤمن به الجماهير العريضة من خلال التناقض الصارخ بين أحكام الإسلام و توجيهاته وبين واقع الأمة المتَّردي، فيتعمق لديها الوعي و يترسخ لديها اليقين بضرورة العمل من أجل لَمَّ الفجوة بين الإسلام و واقع المسلمين و إزالة التعارض القائم بينهما و التناقض المفروض.

وهذا العمل الشعبي هو أساس الحركة الإسلامية و رصيدها الكبير، الذي يجب أن تحافظ عليه، لأن العمل الرسمي على ما فيه من فوائد يبقى قاصرا و محدودا.

ب - الحركة عمل جماعي منظم:

- أما العنصر الثاني من عناصر تعريف الحركة الإسلامية، فهو الجماعة و التنظيم، إذ لا تكفي الجهود الفردية المعزولة، المتناثرة، لتحقيق الآمال المرجوة وإنما لابد من العمل الجماعي المنظم، و العمل الجماعي المنظم أمر يوجبه الدين و يُحتمه الواقع.

ج- مهمة الحركة الإسلامية تجديد الإسلام:

- و أما العنصر الثالث من عناصر التعريف فهو تحديد مهمة الحركة الإسلامية، هذه المهمة تتمثل في تجديد الإسلام، و العودة به إلى قيادة الحياة بتحقيق الشروط و إزالة الموانع.

و الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس كان رجلا حركيا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان و دلالات، و كانت هذه الخاصية فيه أحد المقومات الأساسية في حركته التجديدية، و دعوته التغيرية، فهو و إن كان باحثا مدققا يغوص في البحث إلى أبعد مدى ممكن، يحرر القضايا العلمية، ويبسط أدلتها، ويحرر المسائل، مقارنا، ناقدًا ممّا يُحقق له مكانة متميزة بين العلماء الباحثين، والمفكرين المستنيرين إلاّ أنه لم يكن يكتف بذلك كله- على أهميته القصوى بل وأسبقيته في العمل الدعوى- وإنما كان ينطلق بهذه التحقيقات العلمية، إلى الجماهير العريضة فيعمل جاهدا على تثقيفها و توعيتها، و تنوير عقولها، و تهذيب طباعها، و توجيهها.

يقول الدكتور محمد فتحي عثمان:« أما ابن باديس فكان بحق رجل الجماهير الصابر عليها، العامل معها و وسطها، مهما كانت المكانة الرفيعة له و لأسرته بينها، وقد جاء نشاطه في جماعته صورة لطاقته الحركية الجماهيرية النشطة و كفايته التنظيمية البنَّاءة، إلى جانب عقليته الحكيمة المدبرة وبديهيته السريعة الثاقبة في الوقت نفسه....

بل إنَّ دروس ابن باديس في تفسيره للقرآن أو في غير ذلك من الموضوعات و محاضراته و مقالاته فضلا عن جهوده العملية- لتمثل حركيته و حرارته خير تمثيل، فهو يطلق من الكلمات إلى قلوب المسلمين و عقولهم تيارا دافقا متوهجا من النور و الحياة و يصوغ للإسلام صورة متكاملة للفكر و العمل، ويتواصى مع المؤمنين على أن ينفث بعضهم في بعض روح العمل الاجتماعي الحركي.

وهكذا جاب أنحاء الجزائر على اتساعها طولا و عرضا، وأنشأ فروعا لجمعيته أو لمدارسه، وجمع على دعوته الأمازيغ والقبائليين والعرب والموّلدين من سلالات تركية، وجمع المالكية و الإباضية ومن صلح من الطرقيين»(3)

وضوح الهدف العام و إدراك أبعاد المشروع:

إن من أهم ما يعين الداعية المستنير، على تحقيق أهدافه و بلوغ مراميه، أن يكون الهدف العام الذي نذر حياته لتحقيقه واضحا لديه كلَّ الوضوح، وأن تكون أبعاد المشروع الذي يريد إنجازه و تحقيقه في الواقع واضحة كذلك.

و الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- كان قد رسم معالم المشروع، وحدَّد الهدف العام جيدا، وهو مُعاكسته المشروع الاستعماري الذي استهدف القضاء على مقومات الشخصية الجزائرية، المتمثلة في الدين الإسلامي و اللغة العربية، ومن ثم فإنّ كلّ جهوده التربوية و التعليمية و الدعوية والإصلاحية، وكل مواقفه السياسية، كانت تهدف إلى تحقيق هدفه العام وهو معاكسته المشروع الاستعماري، و إبطاله، من خلال إحياء تعاليم الإسلام في هذا البلد (الجزائر)- وبعث الأمة الإسلامية من سباتها العميق، لتعود إلى مرحلة الشهود الحضاري، ومرحلة القوة و العطاء، و السبيل لذلك كله هو تجديد الدين، وتجديد النفوس به.

يقول رحمه الله «... أعداء الأمة الجزائرية يجمعون أمرهم، و يدبرون كيدهم فيستصدرون من الحكومة قرارا وزاريا بعقوبات صارمة على التعليم ليهدموا الشخصية الإسلامية من أصلها ليقضوا عليها بالقضاء على مادة حياتها، علموا أن لابقاء للإسلام إلا بتعليم عقائده و أخلاقه و آدابه وأحكامه، و أن لا تعليم له إلا بتعليم لغته، فناصبوا تعليمها العداء و تعرضوا لمن يتعاطى تعليمها بالمكروه و البلاء، فمضت سنوات في غلق المكاتب القرآنية ومكاتب التعليم الديني العربي و الضن بالرخص و استرجاع بعضها حتى لم يبقوا منها إلا على أقل القليل. ولما رأوا تصميم الأمة على تعلم قرآنها و دينها و لغتها و استبسال كثير من المعلمين في القيام بواجبه و استمرارهم على التعليم رغم التهديد و الوعيد ورغم الزجر و التغريم لما رأوا هذا كله سعوا سعيهم حتى استصدروا قانون العقاب الرهيب- لقد فهمت الأمة من المعلمون المقصودون فهم معلمو القرآن و الإسلام ولغة القرآن والإسلام...بينما غيرهم من معلمي اللغات و الأديان و المروجين للنصرانية في السهول و الصحاري و الجبال بين أبناء و بنات الإسلام في أمن و أمان بل في تأييد بالقوة والمال... فهمت الأمة هذا السر والكيد المدبر لدينها و قرآنها ولغة قرآنها و دينها و الناطقة في الدفاع عنها في هذه الناحية بلسانها و المعاهدة لله و للأمة على ذلك الدفاع إلى آخر رمق من حياتها... وسنمضي بعون الله في تعليم ديننا و لغتنا رغم كل ما يصيبنا...وإننا على يقين من أن العاقبة و إن طال البلاء لنا و إن النصر سيكون حليفنا لأننا قد عرفنا إيمانا و شاهدنا عيانا أن الإسلام و العربية قضى الله بخلودهما و لو اجتمع الخصوم كلهم على محاربتهما»(4).

ففي هذا النص يؤكد الشيخ عبد الحميد بن باديس الهدف العام لحركته و دعوته، وهو العمل بكل ما أوتي من قوة من أجل التمكين لدين الله عز وجل- الإسلام- في هذه الأرض- الجزائر- باعتباره مادة الحياة، وإكسير الوجود لهذه الأمة الجزائرية، إذ توجد بوجوده،وتفنى بفنائه، فالعمل لخدمة هذا الدين بتعليم عقائده و أخلاقه و أحكامه و آدابه، و تعليم لغته و التفقه في أدبها، هو حفظ للأمة الجزائرية من الزوال، و للقومية والوطنية من الاندثار.

فهذا الوضوح في الهدف هو الذي جعله يقول :«....نحن قوم مسلمون جزائريون، في نطاق مستعمرات الجمهورية الفرنسية، فلأننا نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كل كمال إنساني و نحرص على الأخوة و السلام بين الشعوب البشرية، وفي المحافظة على هذه التقاليد المحافظة على أهم مقومات قوميتنا و أعظم أسباب سعادتنا و هنائنا لأننا نعلم أنه لا يقدر الناس أن يعيشوا بلا دين، و أن الدين قوة عظيمة لا يستهان بها، و أنّ الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته و تجلب عليها و عليه الأضرار و الأتعاب بل ربما حصلت لها هزاهز و فتن...... لا نعني أننا نخلط بين الدين و السياسة في جميع شؤوننا، و لا أن يتدخل رجال الدين في سياستنا، وإنما نعني اعتبار الدين قواما لنا و مهيمنا شرعيا على سلوكنا و نظاما نعمل عليه في حياتنا...

فلهذا لا نأولو جهدا في خدمته بنشر مبادئه الحقة العالية، و الدفاع عنه من أن يُمَسّ بسوء من أهله أو من غير أهله و لأننا جزائريون، نعمل لِلَمَّ شعث الأمة الجزائرية وإحياء روح القومية في أبنائها وترغيبهم في العمل النافع و العمل المفيد حتى ينهضوا كأمة لها حق الحياة والانتفاع في العالم وعليها واجب الخدمة والنفع للإنسانية.

وإننا نحب الإنسانية و نعتبرها كلا، ونحب وطننا و نعتبره منها جزءا، ونحب من يحب الإنسانية و يخدمها و نبغض من يبغضها و يظلمها، و بالأحرى نحب من يحب وطننا و يخدمه، و نبغض من يبغضه و يظلمه، فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا الجزائري...ونخلص لكل من يخلص له و نناوئ من يناوئه من بنيه ومن غير بنيه»(5)

فالدين الإسلامي الذي يدعو إلى كل كمال إنساني، ويحرص على الأخوة بين الشعوب و السلام للبشرية، مقوم من أهم مقوّمات القومية والوطنية وعليه فهو لا يدخر وسعا، في خدمة هذا الدين من خلال نشر مبادئه، و تعاليمه السمحة، و الدفاع عنه من أن يراد بسوء، أو كيد، و في الوقت ذاته فهو يعمل جاهدا على لمّ شعت الأمة الجزائرية و إحياء روح القومية في

أبنائها، حتى ينهضوا كأمة، فهو بهذا يوائم بين الوطن و بين الأمة، و يجعلهما دائرتين متكاملتين، لا تناقض بينهما.وقد زاد هذا المعنى إيضاحا في مقاله الشهير، الذي عنونه بـ: لمن أعيش أنا أعيش للإسلام وللجزائر، ويقول بأن هذا ليس قصرا في النظر، و انكفاء على الذات، أو تعصبا للنفس، بل على العكس من ذلك تماما، ذلك أن الإسلام الذي يعيش له قد تضمن من المبادئ و القيم، والأحكام و التوجيهات، ما يكفل للإنسانية السعادة و الخير، و التعاون و السلام، فبمقدار ما يخدم هذا الدين يخدم الإنسانية و ينفعها و الوطن (الجزائر) الذي يؤثر خدمته على سائر الأوطان فهو الحلقة الأولى في دائرة الإنسانية العامة، ولذا لابد أن تكون له الأولوية في الخدمة، وإيصال النفع، فقال رحمه الله: «... علمنا أنه دين الإنسانية الذي لا نجاة لها و لا سعادة إلا به و أن خدمتها لا تكون إلا على أصوله، و أن إيصال النفع إليها لا يكون إلا عن طريقه، فعاهدنا الله على أن ننفق حياتنا على خدمته و نشر هدايته، فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية: لخيرها و سعادتها في جميع أجناسها و أوطانها، وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها، وما كّنا لنكون هكذا إلاّ بالإسلام الذي ندين به و نعيش له و نعمل من أجله...

أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي و الحاضر و المستقبل بوجه خاص، وتفرض علي تلك الروابط لأجله –كجزء منه- فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوّماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة، فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة...

وما مثلنا في وطننا الخاص- وكل ذي وطن خاص- إلا كمثل ذوي بيوت من قرية واحدة، فبخدمة كل واحد لبيته تتكون مجموع البيوت قرية سعيدة راقية... فنحن إذا كنا نخدم الجزائر فلسنا نخدمها على حساب غيرها و لا للإضرار بسواها معاذ الله...و الآن أيها الإخوان، وقد فهمتموني و عرفتم سمو فكرة العيش للإسلام و الجزائر، فهل تعيشون مثلي للإسلام و الجزائر، فلنقل كلنا، ليحيا الإسلام، لتحيا الجزائر»(6)

وظل الشيخ ابن باديس و فيا لهاته المبادئ التي نذر حياته لها، يضحي بكل شيء في سبيلها، وها هو يؤكد هذه المعاني مرة أخرى، آخذا على ذلك العهود و المواثيق من إخوانه وطلبته وعموم الشعب الجزائري، قائلا:« إنني أعاهدكم على أنني أقضي بياضي على العربية و الإسلام كما قضيت سوادي عليهما، و إنّها لواجبات... و إني سأقصر حياتي على الإسلام و القرآن و لغة الإسلام والقرآن هذا عهدي لكم، وأطلب منكم شيئا واحدا و هو أن تموتوا على الإسلام و القرآن ولغة الإسلام والقرآن»(7)

العمل الفردي المؤسس للعمل الجماعي:

أما وقد اتضحت الصورة في ذهن الشيخ عبد الحميد ابن باديس و اتضحت حلقات المشروع الاستعماري المدمَّر، الذي استهدف اجتثاث الإسلام من هذه الديار، و القضاء على لغته، وبالتالي القضاء على مقومات الشخصية الجزائرية.

فبادر الشيخ منذ عودته من جامع الزيتونة المعمور إلى مواجهة هذا المخطط الاستعماري الجهنّمي، وكانت أمامه عدة خيارات للمواجهة، فهناك المجال السياسي، إذ كان بإمكانه أن يؤسس حزبا سياسيا و يجمع من حوله المناضلين و الأنصار، و يُجيَّشُهم للمطالبة بالحقوق من الاستعمار.

يقول الشيخ عبد الحميد ابن باديس « ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا، و لضربنا فيه المثل بما عرف عنا، من ثباتنا و تضحياتنا، و لقامت الأمة كلّها للمطالبة بحقوقها، ولكان أسهل شيئ علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها، و أن نبلغ من نفوسها إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن بما نعلمه ولا يخفى على غيرنا أن القائد الذي يقول لأمة:" إنك مظلومة في حقوقك، و أنني أريد إيصالك إليها" يجد منها ما لا يجده من يقول لها " إنك ضالة عن أصول دينك، و إنني أريد هدايتك فذلك تلبيةِ كلّها وهذا يقاومه معظمها أو شطرها، وهذا كله نعلمه، ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا و بيّنا و إننا- فيما اخترنا بإذن الله- لماضون و عليه متوكلون»(8)

إذا فالشيخ رحمه الله قد اختار- عن وعي وإدراك- مواجهة الأمة بأمراضها الاجتماعية، وعللها النفسية، وذلك نتيجة لابتعادها عن أصول دينها، فآثر الخطة الدينية القائمة على العلم و التربية، رغم الصعوبات التي تكتنفها والتحديات التي تواجهها، فقال « و بعد فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها، عن علم و بصيرة، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا و تربيتنا من النصح و الإرشاد و بث الخير، و الثبات على وجه واحد و السير في خطًّ مستقيم، و ما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم و الدين، و في خدمتهما أعظم خدمة و أنفعها للإنسانية عامة...»(9) فاتجه الشيخ ابن باديس رحمه الله إلى مجال التربية و التعليم، بنية إصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، وتنوير العقول، وشحذ الهمم، وتقوية الإرادة و بذل في هذا المجال جهودا جبارة، إذ كان يصل رحمه الله ليله بنهاره، يدرس للكبار في المسجد بعد صلاة العشاء، و يعلم الصغار من الجنسين من قبل صلاة الفجر إلى صلاة العشاء، فوفَّقه الله لإيجاد النواة الصلبة لحركة الإصلاح فيما بعد.يقول الشيخ مبارك الميلي وهو من الطبقة الأولى من تلاميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، إنّهُ كان يدرس في اليوم الواحد خمس عشرة ساعة كاملة (10)

و غني عن البيان أن الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه لما ألقى بكل ثقله في ميدان التربية والتعليم، كان الهدف أن يعدّ كتائب من طلاّب العلم، وجحافل من المستنيرين، سيشكلون قاعدة الإصلاح وجمهورها الواسع، ولحمتها وسداها، ولقد اعترف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بأن التلاميذ الذين كوَّنَهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، خلال عقدين من الزمان كانوا الكتيبة الأولى في جيش الإصلاح فقال في البحث القيم، والدراسة العميقة التي تقدم بها إلى المؤتمر الذي دعت إليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والذي انعقد بنادي الترقي بعاصمة الجزائر، في سبتمبر 1935م، و قد اختار الشيخ الإبراهيمي لبحثه عنوانا موحيا و هو « فلسفة جمعية العلماء» – ضمّنه جملة من آرائه في الإصلاح الديني، و العلمي، و أَرَّخَ فيه للحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي و في الجزائر على وجه الخصوص، فقال محددا أسباب نشوء الحركة الإصلاحية في الجزائر «... الثورة التعليمية التي أحدثها الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس بدروسه الحية و التربية الصحيحة التي كان يأخذ بها تلاميذه، والتعاليم الحقة التي كان يبثها في نفوسهم الطاهرة النقية، و الإعداد البعيد المدى الذي كان يغذى به أرواحهم الوثابة الفتية، فما كادت تنقضي مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذ ابن باديس مستكمل الأدوات من فكر صحيحة، و عقول نيّرة و نفوس طامحة، و غرائم صادقة، و ألسن صَقيلة و أقلام كاتبة.وتلك الكتائب من تلاميذ ابن باديس هي طلائع العهد الجديد الزاهر، وقد سمع الناس لأول مرة في الجزائر من بعض تلك البلابل شعرا يؤدي معنى الشعر كاملا و قرأوا كتابة تؤدي معنى الكتابة. ثم زحف من أولئك التلاميذ في ذلك العهد أيضا كتيبة جرّّارة سلاحها الفكرة الحية الصحيحة، إلى جامع الزيتونة لتكتمل معلوماتها و لتبني على تلك الفكرة الحية و على ذلك الأساس العلمي الصحيح، بناء علميا محكما، ورجعت تلك الطائفة إلى الجزائر، فكان من مجموعها ومِمّن تخرج بعدها من تلاميذ الأستاذ، ومن تلاميذ جامع الزيتونة، جنود الإصلاح اليوم وقادته و ألويته المرفوفة، وأسلحته النافذة»(11)

العمل الجماعي:

إن العمل الفردي في الإصلاح على أهميته- و أحيانا أسبقيته يبقى محدود التأثير- متواضع النتائج، ذلك أن المشكلات النفسية و الاجتماعية التي هي علّة العلل و السبب الحقيقي للتخلف وكذا المعوقات الداخلية، و التحدَّيات الخارجية، هي أكبر من أن يتغلب عليها جهد فرد مهما أوتي من

العبقرية و الذكاء، وسعة العلم و المعرفة، و التفرغ. و لذا بات العمل الجماعي أكثر من ضرورة- بله عن أنَّهُ فريضة شرعية يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس « إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله إذا كانت لهم قوّة وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منَّظمة تفَّكر و تدبِّر، و تتشاور و تتآزر، و تنهض لجلب المصلحة و دفع المضرة متساندة في العمل عن فكر و عزيمة، ولهذا قرن الله تعالى في هذه الآية بين الإيمان بالله، ورسوله و الحديث عن الجماعة و ما يتعلق بالاجتماع فيرشدنا هذا إلى خطر أمر الاجتماع، ونظامه و لزوم الحرص و المحافظة عليه كأصل لازم للقيام بمقتضيات الإيمان و حفظ عمود الإسلام. »(12)

فالسبيل إلى طريق القوة، و التمكين في الأرض، و الوصول بالأمة الإسلامية إلى مرحلة الشهود الحضاري، هو الجماعة المنَظّمة التي تفكر و تدبر، والتي يتعاون كل أفرادها على خدمة المصالح العامة للأمة، كل بحسب قدرته و طاقته، ومن موقع مسؤوليته فالكل راع، والكل راع مسؤول عن رعيته.و التفكير في العمل الجماعي قديم عند الشيخ ابن باديس- رحمه الله- وصل إليه نتيجة فقهه للدَّين الذي توجب نصوصه التعاون على الخير، وتلزم عموم المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، من جهة. ومن جهة أخرى استقراؤه للتاريخ، وكيف أن كل أمة سادت الفرقة بين أبنائها، وتوزعتهم الأهواء، وسيطرت عليهم الأنانية و الفردية، إلا و تبددت قواها و محي اسمها من الوجود، فجعل من أكبر همومه، وفي مقدمة أعماله، السعي الحثيث لبث: « روح الاجتماع الشوري في كل ما يهمهم- المسلمين- من أمر دينهم و دنياهم حتى لا يستبد بهم مستبد ولا يتخلف منهم متوان، وحتى يظهر الخاذل لهم مِمَّن ينتسب إليهم فينبذ و يطرح ويُستغنى عنه بالله، و بالمؤمنين»(13).

ومِمّا يؤكد أن التفكير في العمل الجماعي، قديم عند الشيخ ابن باديس، أنّ الرجل كان لا يفَّوت أي فرصة تتاح له مع رجال الفكر، وقادة الرأي، وحاملي لواء الإصلاح إلا و تحادث معهم حول الموضوع، وما هي الوسائل الكفيلة لتجسيده في الميدان، وما هي الخطوات الواجب إتباعها لبلوغ هذه الأهداف.

ويحدثنا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عن تلك اللقاءات الحميمية، و الجلسات الأخوية، التي جمعته بالشيخ ابن باديس، في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين ذهاب هذا الأخير لأداء فريضة الحج من عام 1913م، وكيف أنَّ التفكير الجدّي في عمل جماعي هو المحور الذي كانت تدور حوله المناقشات، وكان يأخذ حِصَّة الأسد في الاهتمام، فيقول : « كان من تدابير الأقدار الإلهية، ومن مخبآت الغيوب لها أن يرد علي بعد استقراري في المدينة المنورة سنة و بضعة أشهر أخي و رفيقي في الجهاد بعد ذلك، الشيخ عبد الحميد بن باديس، أعلم علماء الشمال الإفريقي، ولا أغالي، وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر.

كنا نؤدي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي، فنسمر مع الشيخ ابن باديس، منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنورة. كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، و وضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورا ذهنية تتراءى في مخيلتنا، و صحبها من حسن النية و توفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، و أشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913 ميلادية هي التي وُضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931»(14)

فالتفكير إذا كان متوجها إلى إيجاد حركة أصلا حية، تهدف إلى تحقيق النهضة للأمة.

وظل هذا الهاجس ملازما للشيخ عبد الحميد بن باديس، مسيطرا على فكره، مستوليا على مشاعره، فكان يتحين الفرصة المناسبة لتحقيقه، لما فيه من فوائد جّمة وخدمة جليلة للإصلاح وحزبه فهو إذا تحقق فإنه من شأنه توحيد الجهود وتوجيهها للصب في بوتقة واحدة، بحيث تتكامل و لا تتعاكس فلا أضرَّ على أي عمل من تنافر الجهود و تعاكسها.

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي «زارني الأخ الأستاذ عبد الحميد بن باديس، و أنا بمدينة سطيف أقوم بعمل علمي- زيارة مستعجلة في سنة أربع و عشرين ميلادية، (1924) فيما أذكر، و أخبرني بموجب الزيارة في أول جلسة، وهو أنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم (الإخاء العلمي) يكون مركزها العام بمدينة قسنطينة العاصمة العلمية، وتكون خاصة بعمالتها، تجمع شمل العلماء و الطلبة و توحد جهودهم، وتقارب بين مناهجهم في التعليم و التفكير، وتكون صلة تعارف بينهم و مزيلة لأسباب التناكر و الجفاء...»(15)

ومما يؤكد أن الشيخ عبد الحميد بن باديس، كان شغوفا بالعمل الجماعي، دائم التطلع إليه، أنه لم يكن يفوت أي فرصة تتاح لتطوير عمل فردي و الارتقاء به إلى عمل جماعي، إلا اغتنمها، وسعى حثيثا إلى تجسيدها ميدانيا، من ذلك أن التعليم المسجدي كان حكرا على الكبار، أما الصغار فكانوا محرومين منه، فخصص لهم الشيخ ابن باديس درسين في اليوم، ثم تعاون مع بعض الفضلاء ومحبي الإصلاح و أسس معهم مكتبا ليكون أساسا للتعليم الابتدائي العربي، و في سنة 1930م طور هذا المكتب إلى جمعية التربية والتعليم، فقال رحمه الله « وفي سنة 1349هـ، 1930م رأيت أن أخطو بالمكتب مكتب التعليم العربي- خطوة جديدة، وأخرجه من مكتب جماعة إلى مدرسة جمعية، فحررت القانون الأساسي لجمعية التربية و التعليم الإسلامية، وقدمته باسم الجماعة ، المؤسسة إلى الحكومة، فوقع التصديق عليه»(16).

لكن العمل الجماعي الأكبر، هو " جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" التي تأسست في 5 ماي 1931م و التي ضمت في صفوفها، خيرة علماء الجزائر العاملين، الذين كانوا يقومون بواجب الدعوة و الإصلاح، لكن بطريقة فردية، محدودة الجدوى، قليلة النفع، فقال الشيخ ابن باديس في مقال بعنوان " جمعية العلماء: كيف يجب أن تكون وما ينتظر منها" :« من المسلم به أنّ أهل العلم في كل قطر هم مصدر الهداية و الإرشاد، ومبعث التثقيف و التهذيب، وكل واحد في ناحيته هو نبراسها في ظلمة الجهل و مرجعها في مشكلات الأمور، فإذا كان هذا منهم وهم متفرقون قد يجهل بعضهم بعضا فكيف يكون هذا منهم إذا اجتمعوا و تعارفوا و تعاونوا؟

فمما لاشك فيه أن نفعهم يكون أكثر و أسرع، وخيرهم يكون أهم و أنجع، لهذا كنا من المبتهجين بالفكرة التي دعا إليها بعض إخواننا بالعاصمة، فكرة "جمعية العلماء" وكنا من الملَّبين لدعوة الهيئة المهيئة للاجتماع بالحضور عندما يحين وقته ويدعوننا إليه»(17).

إذا فالانتقال من الفردية إلى الجماعية، هو الهدف الأساسي من تأسيس الجمعية، فلابد من تسطير برنامج محدد، ولابد من تحديد الوسائل الكفيلة بتحقيقه، ولابد من تحديد مهمة كل عضو بدقة في البرنامج المسطر فيلزم بالعمل الجاد من أجل إنجاز ما كلف به، وهذا البرنامج يكون ملزما للجميع لا يجوز العدول عنه.

و الدليل على هذا الذي نقرره هنا هو ما ورد في القانون الداخلي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في المادة الثامنة عشرة (18) إذ نصت « يُحضَّر المجلس الإداري في الجلسة الأولى من كل سنة برنامجا إجماليا بالأعمال التي يتناولها في تلك السنة على الترتيب، ويكتبه الكاتب في " ديوان الأعمال"- ويبدأ بالمفاوضة ثم التقرير ثم التنفيذ، وتسمى الأعمال- مادامت في دور المفاوضة- أعمالا محضرة، فإذا أقرها المجلس الإداري سميت أعمالا مقررة، فإذا نفذها سميت أعمالا منفذة، ولا يجوز للمجلس أن يخالف ترتيب البرنامج»(18) إن العالم الذي ينفع بعلمه حقيقة إنما هو العالم الرباني الذي يسعى جاهدا من أجل تحصيل العلم الشرعي من مصادره الأصلية، ثم يعمل جاهدا كذلك من أجل العمل بذلك العلم في خاصة نفسه فيكون صورة صادقة، و ترجمة حيّة في مواقفه و سلوكه للعلم الذي حصله، ثم لا يكتفي بذلك بل يبذل قصارى جهده ولا يألو جهدا، أو يدخر وسعا في نشر ذلك العلم بين قومه و نفعهم به، بتهذيب سلوكهم، وترقية معارفهم.

والشيخ عبد الحميد بن باديس أراد من أعضاء جمعية العلماء مرتبة فوق هذه المرتبة، مرتبة من أصبح العلم له صفة روحية و حياة قلبية، فتبعث صاحبها على نسيان الذكر الخاص، و المجد الشخصي.

فالعمل الجماعي لكي ينجح لابد من تقديم بعض التنازلات، ولابد من التضحية بكثير من حظوظ النفس، بل لابد من الكثير من الصبر والتضحية وكل هذه الأفكار كانت واضحة جدا في ذهن الشيخ عبد الحميد بن باديس وهو يؤسس لهذا العمل الجماعي تأسيس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" فقال مخاطبا الأعضاء :« أيها السادة قد أنجزتم أمرا عظيما، و أسستم مستقبلا عظيما، و لقد جئتم من أنحاء القطر ملّبين داعي الاجتماع ناسين كل أسباب الافتراق فبرهنتم على أن علماء الجزائر متصفون بما يجب أن يتصف به العالم الحقيقي الذي صار العلم له صفة روحية وحياة قلبية من سعة الصدر و التسامح ونسيان الفكر الخاص أمام الصالح العام، إن ما أسسناه لا يكفي فيه اجتماعنا هذا، فعلينا أن نوالي الاجتماع مهما دعينا إليه، وعلى كل واحد منا أن يكون داعية للجمعية بقوله وعمله، وأن يكون مثلا لفكرتها في الاتفاق و التآخي و نشر الخير، وأن يطرح كل واحد منا فكره الخاص، عندما تجيئ مصلحة الجمعية، حسبنا ما مضى، كفى ما تقاتلنا على الكلمات فكلمة (فرق) ماتت من بيننا، و ما بقي إلا العمل على الوفاق و الوئام لتبلغ غاية المرام»(19).

و إيمانا من الشيخ عبد الحميد بن باديس بالعمل الجماعي، أنه كان يسند النجاح الذي كان يُحققُه في شتى المجالات إلى الدعم الذي كان يجده من إخوانه العلماء معه في الجمعية، و احتضان الأمة جمعاء للمشروع، فقال « إذا كنت استمد القوة و الحياة فإنما استمدهما ممن أولوني شرف الثقة والإخلاص لديني و لأمتي و أخص منهم الأسود الكبار و هم إخواني الأقوياء من رجال العلم الذين أجدني مهما وقفت موقفا إلا وجدتهم معي كالأسود، وأما الأشبال الصغار فهؤلاء الأبناء الذين تشاهدونهم يحتفلون بكم الليلة ولقد جاءت قسنطينة تحييكم بكبارها و صغارها، فذكراكم يا ضيوف القرآن خالدة، وهي منقوشة في قلبي و لا تمنحي»(20).

إن جمعية العلماء كانت تمثل لابن باديس طوق النجاة للمشروع الاصلاحي، فكان شديد المحافظة عليها، كثير التضحية من أجلها، لا يرضى أن يعترض طريقها أو أن يصيبها أذى، بل وصل به الأمر- من باب المحافظة على هذه الجمعية، أنه كان يرضى أن يتحمل هو شخصيا تبعات بعض المواقف و لا يحملها لها، حتى يجنبها نقمات السلطات الفرنسية الاستعمارية، فقال رحمه الله « إن ميدان العمل في هذه الجمعية لميدان واسع و هناك للعمل ميادين أخرى أدخلها باسمها و لكن- إن كان فيها منفعة أدخلها باسمي- إن كان عند قومي قيمة لاسمي- و أرجو أن يعنيني الله عليها»(21).

و إنه لموقف رائع يقدمه لنا ابن باديس وهو التضحية من أجل المحافظة على مكتسبات الدعوة، وإنجازاتها في الواقع، ولو على حسابه الشخصي فيدفع هو الثمن و تحافظ الدعوة على منجزاتها، عكس أولئك الأدعياء الذين يجعلون من الدعوة و مكتسباتها وسيلة للانتفاع الشخصي والثراء المادي، ثم لا يتورعون أن يقدموها، (الدعوة) كبش فداء من أجل سلامتهم الشخصية.

الحوار والتعامل مع المخالف:

- إن من أهم القواعد المشكلة للمنهج الحركي عند الشيخ عبد الحميد بن باديس قاعدة الحوار والتعامل مع المخالف، و البحث عن القواسم المشتركة ذلك أن المؤمن بفكرة ما، أو مشروع تغييري ما، يدرك للوهلة الأولى لنزوله للميدان، أنه ليس وحده فيه، إذ يجد فصائل أخرى تسعى هي الأخرى بدورها جاهدة لاستقطاب الجماهير و استيعابها في مشاريعها فالداعية الحصيف ، هو الذي يحسن تحديد شبكة العلاقة للتعامل مع هذه الفصائل كلّها.

والشيخ عبد الحميد بن باديس- رحمه الله- وجد ساحة العمل، مليئة بمجموعة من الكيانات، بعضها ديني، و البعض الآخر سياسي، وكان لابد من الوضوح، ولابد من أن يسعى جاهدا كي يفهم الآخرين حقيقة مشروعه، أين يتفق مع المشاريع الأخرى، و أين يختلف، وما هي الأطر والآليات التي لابد من سلوكها لتجنب الصدام، لأنه يتهدد الجميع بالشر الوبيل.

إن الشيخ ابن باديس كان حريصا على أن يفهم الجميع فكرته (قواعد منهجه في التغيير)- وكان يعلم أنّ السبيل لهذا هو الحوار، فاجتهد أن يكون الحوار سمة بارزة في منهجه، وعلامة مميزة لشخصه، فهو عندما اختاره العلماء المجتمعون بنادي الترقي رئيسًا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو غائب عن الاجتماع، فلما حضر و علم بالأمر، وطلبوا منه أن يلقي كلمة بالمناسبة، قال رحمه الله :«إخواني إنني أراكم في علمكم و استقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي و إنما أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عرف بهما أخوكم الضعيف هذا:

الأول: أنني قصرت وقتي على التعليم فلا شغل لي سواه فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى تكريم التعليم إظهارا لقصد من أعظم مقاصد الجمعية و حثا لجميع الأعضاء على العناية به كل بجهده.

الثاني: أن هذا العبد له فكرة معروفة و هو لن يحيد عنها ولكنه يبلغها بالتي هي أحسن فمن قبلها فهو أخ في الله ومن ردَّها فهو أخ في الله، فالأخوة في الله فوق ما يقبل و ما يرد، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى هذا الأصل، وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام، فماذا تقولون أيها الإخوان؟- فأجابوا كلهم بالوفاق والاستحسان»(22).

فهذا الكلام قد صدر عن الشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1931م، بنادي الترقي حين انتخبه علماء الجزائر المجتمعون لتأسيس الجمعية رئيسا لها، و كان من بين الحاضرين، بعض الطرقيين، وكان قد حصل بينهم وبين الشيخ ابن باديس حروب و مساجلات بل كان قد وصل الأمر ببعض رجال الطرقية أن دبروا عملية اغتيال الشيخ ابن باديس بتاريخ (14 ديسمبر 1926)(23) وقد حدث الشيخ ابن باديس عن الحرب الشعواء التي أوقد نارها ضد أضاليل الطرقية في العقائد، وبدعها في الدين لما كتب يقول «كان الناس كأنهم لا يرون الإسلام إلا الطرقية، وقد زاد ضلالهم ما كانوا يرون من الجامدين و المغرورين من المنتسين للعلم من التمسك بها و التأييد لشيوخها، فلما ارتفعت دعوة الإصلاح في (المنتقد) و (الشهاب) حسب الناس أن هدم تلك الأضاليل التي طال عليها الزمان و رسخها الجهل و أيدها السلطان مُحال، ولقد صمد (الشهاب) للطرقية يحارب ما أدخلته على القلوب من فساد عقائد، وعلى العقول من باطل أوهام، وعلى الإسلام من زور وتحريف و تشوية، إلى ما صرفت به الأمة عن خالقها بما نصبت من أنصاب، وشتت من كلمتها بما اختلقت من ألقاب، وقتلت من عزمها بما اصطنعت من إرهاب، حتى حقت للحق على باطلها الغلبة فهي اليوم معروفة عند أكثر الأمة حقيقتها، معلومة غايتها، مفضوحة دوافعها، إذا دعاها داعي السلطان لبّت خاضعة مندفعة، و إذا دعاها داعي الأمة ولّت على أعقابها مدبرة...»(24).

ولكن رغم هذه الحرب على الطرقية نظرا لما كانت تمثله من بلاء على الأمة، وبعد عن الدين، والعمل الجاد على نقض تلك الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها الفكر الطرقي، فإن الشيخ ظل مادًّا يديه للطرقيين للتعاون معهم في خدمة الأمة في شتى ميادين الحياة، و الشرط الوحيد الذي لم يتنازل عنه هو أن يكونوا مستقلين في فكرهم و مواقفهم، وألا يكونوا بوقا للآخر (الاستعمار) وأداة في يده، فقال رحمه الله «...ثم نمّد يدنا لمن كان على بقيه من نسبته إليها لنعمل معا في ميادين الحياة على شريطة واحدة: وهي ألا يكون آلة مسخرة في يد نواح اعتادت تسخيرهم، وكل طرقي، أو غير طرقي- يكون أذنا سماعة وآلة مسخرة فلا هوادة بيننا وبينه حتى يتوب إلى الله، قد نبذنا إليكم على سواء (إن الله لا يحب الخائنين) فالله نرجو أن يثبتنا على الحق و يعيننا على الصدع به وصدق تنفيذه وحسن تبليغه حتى يبلغ المسلمون كل خير و سعادة وكمال...»(25).

في هذا الإطار إطار المحبة و التعاون مع المخالف، ورفع شعار الوفاق، وذمَّ الافتراق، و البحث دائما عن مساحة مشتركة تكون مجالا للتعاون، يحدثنا الشيخ ابن باديس عن رحلة قام بها إلى مدينة مستغانم بالغرب الجزائري، اجتمع فيها بشيوخ الطرق و رؤساء الزوايا، فألقى فيهم كلمة جامعة مما جاء فيها قوله «... لمَّا انتهينا من العشاء ألقيت موعظة في المحبة ولزوم التعاون و التفاهم على أساسهما و أن لا نجعل القليل مِمَّا يختلف فيه سببا في قطع الكثير مما نتفق عليه، وأن الاختلاف بين العقلاء لابد أن يكون، ولكن الضار والممنوع هو أن يؤدينا ذلك الاختلاف إلى الافتراق، وذكرنا الدواء الذي يقلل من الاختلاف ويعصم من الافتراق وهو تحكيم الصريح من كتاب الله و الصحيح من سنة رسول الله ÷ »(26)

وكان هذا ديدن الشيخ رحمه الله مع الجميع، فحتى السياسيين الذين كان يختلف معهم في طريقة العمل، وفي سلم الأولويات، فإنه كان «حريصا على تبني قضايا العدل وتجميع قوة الأحرار الصادقين و تأييدهم و تدعيم الصلات بهم ورسم سبل التعاون معهم، مع علمه بأنه قد لا تتطابق مفاهيمهم تفصيلا مع دعوته الإصلاحية ونظرته الإسلامية...»(27)

وعليه فالعلاقة التي تربطه ببعض النواب الأحرار الصادقين في خدمة الشعب و قضاياه العامة، هي علاقة تعاون و تأييد و توجيه و ترشيد، فقال « فلما جاءت الحركة السياسية وتقدم رجال أحرار للنيابة عن الأمة، وكان جميع المنتمين للجمعية- بطبيعة علمهم و بصرهم لا يوحي جمعيتهم- مع النواب الأحرار و فاز النواب الأحرار في أكثر الدوائر، لما كان هذا كله زادت نقمة الحكومة على الجمعية»(28)

بل وقف ابن باديس إلى جانب حزب الشعب و زعيمه " مصالي الحاج" لما كانت السلطات الاستعمارية تضايقه، أو تزج به في غياهب السجون.

قال « فإن كنا هنا نحتج بأقصى ما لدينا من قوة و شدة على المسلك الأهوج الذي تسلكه الإدارة مع رجال حزب الشعب الجزائري و إلقائها القبض على زعيم الحزب السيد مصالي الحاج محمد وعمدته السيد الشاعر الكبير مفدي زكرياء و أعوانهما في العمل.... وهم إنما يعملون جهارا في وضح النّهار...

إنه انتقاد مرير لسلوك السياسة التي أوجبت هذه الأعمال القاسية الشديدة مندفعة وراء أغراض حزبية إنما هي دور من أدوار النزاع بين أحزاب اليمين و أحزاب اليسار...إن دلنا هذا العمل على شيء فإنما يدلنا على أن الحكومة عازمة على سياسة الشدة و الإرهاق و اليوم دور مصالي و غدا الآخرين لكنها و الله سياسة لن تنجح و لن تثمر»(29).

المرحلية و التدرج: ومن القواعد المهمة المشكلة لمنهج الشيخ عبد الحميد الحركي إيمانه العميق بالمرحلية و التدرج، ذلك أن المشروع الذي نذر الشيخ له حياته هو تحطيم المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر، وهذا مشروع ضخم يتطلب جهودا دؤوبة متواصلة، تكون بمثابة حلقات متسلسلة، تمثل كل حلقة مرحلة معينة، وهذه المراحل يجب أن تكون مشدودة إلى بعضها البعض، بحيث تكون المرحلة السابقة ممهدة للاّحقة، واللاّحقة مكملة للسابقة، يقول الدكتور محمود قاسم، في كتابه (الإمام عبد الحميد ابن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير)

«ولقد وضع ابن باديس خطته على أساس مبتكر يتلخص في أن يحاصر فرنسا في رفق و عزم صارم في الوقت الذي تظن هي فيه أنها تحاصر الجزائر، ولم تفطن فرنسا إلى مهارة هذه الخطة إلا بعد فوات الأوان، فوجدت نفسها محاصرة بعد أن نحّى ابن باديس أعوانها طائفة بعد أخرى»(30).

إذا كانت المرحلة الأولى تفويض الأسس، ونقص الأركان التي كان يرتكز عليها الاستعمار، لتجسيد مشاريعه، وتحقيق أهدافه، و في مقدمة هذه الأسس الطرقية التي كانت تخدر عقول الجماهير، وتميت نفوسهم، بما تشيعه في أوساطهم من بدع و أضاليل، فكان من المنطقي أن يتوجه التفكير إلى وجوب البدء بمحاربة هذا الاستعمار الروحاني، لأن إدراك المرحلة و متطلباتها، ومن أين يكون البدء، ولماذا؟ من أهم الأسئلة التي يجب على الداعية الحصيف، والمصلح المغيّر أن يجيب عنه.

ولقد حدث الشيخ البشير الإبراهيمي، أنه و الشيخ عبد الحميد ابن باديس، كانا قد اتفقا منذ لقائهما المبارك عام 1913م بالمدينة المنوّرة على هذا البدء، ذلك أنهما وبعد تقليب الأوضاع و طول المشاورة انتهيا إلى أن :« البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين، آت من جهتين متعاونتين عليه، أو بعبارة أوضح من استعمارين مشتركين يمتصان دمه و يفسدان دينه ودنياه، استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطريق المؤَثّرون في الشعب و المتغلغلون في جميع أوساطه، والمتّجِرون باسم الدين والمتعاونون مع الاستعمار عن رضا و طواعية والاستعماران متعاضدان يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، وغرضهما معا تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم، وتفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثورة، وإذن فلقد كان من سداد الرأي أن يبدأ (العلماء الجزائريون) بمحاربة هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون...»(31) .

ومن العلامات البارزة على أن الشيخ ابن باديس كان يعطي كل مرحلة حقها، ولا يتطلب منها فوق طاقتها، إيمانا منه بأنه من السنن الكونية النافذة، سُنّة المرحلية و التدرج، أن العمل الجماعي كان هاجسا بالنسبة إليه، ومع ذلك لم يسارع إلى تأسيس جمعية العلماء حتى وفرّ لها كل أسباب النجاح وعدم الانتكاس، من جيوش جرّارة من تلاميذه الذين كان يخرّج منهم سنويا بالمئات مُسلّحين بالعلم الصحيح، و الخلق القويم، وجيوش جرّارة من الجمهور على استعداد للدفاع عن الجمعية و التضحية عن مبادئها، بما كان يبث فيهم من وعي في دروس الوعظ، في المساجد و المحاضرات في النوادي، والمقالات في الصحف وعودة كثير من طلاب العلم الذين توجهوا إلى المشرق العربي لمزيد من التحصيل العلمي و التكوين المعرفي.

ولمّا توفرت دواعي التأسيس و تحققت أسبابه كاملة تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فهل غير الشيخ ابن باديس خطته في العمل؟

كلاّ لقد ظل الشيخ ابن باديس مؤمنا بالمرحلية و التدرج لأنها سنة كونية لا تتخلف، وفريضة شرعية مأمور بها، فراح يقدر للرجل قبل الخطو موضعها، وراح يراعي لكل شوط من أشواط السير ما يقتضيه، ولم يكلف مرحلة فوق طاقتها، حتى يأمن الوقوع في المطبات، ويتجاوز العثرات ويحول دون تحقيق النتائج المرجوة، والآمال المنعقدة.

فها هو الشيخ يحدثنا في خطاب له بعد خمس سنوات من تأسيس الجمعية، وعملها في الميدان، يُفصِح عن هذا الفكر المبدع الواعي الذي يقرئها فيقول « فالجمعية قد جرت على سنة الله في تطور الكائنات و كان من أطوارها طورً للتمهيد، وطورً لإزالة الأنقاض، وهي الآن في طورها الثالث وهو طور البناء و التشييد، ولكل طور حُكمه وحكمته و ظروفه وأسبابه ومقتضياته كما كان لجرائدها السابقة (السنة) (فالشريعة) و (الصراط) حظ من هذا التطور...فقد كانت أسماء جرائدها رموزا لأطوارها...إن حركة الإصلاح قد فرغ من وسائلها و إعداد أذهان العامة و الخاصة لقبولها، ولم يبق إلا الاستغلال بالمقاصد العملية و أهمها بيان الحقائق العلمية و الدينية بالدروس و المحاضرات و الكتابة»(32)

وكان الشيخ ابن باديس رحمه الله يفرح كثيرا إذا رأى هدفا من الأهداف يتحقق، ومرحلة تؤتي أكلها، ولكنه كان يدعو إلى البناء عليها، و إلى مزيد من العمل و التضحية، و إلى التفكير في المرحلة السابقة و كيفية استفادة الدروس و العظات منها، حتى يزداد العاملون ثقة في أنفسهم.

فها هو يتوجه إلى أعضاء " جمعية التربية و التعليم " بخطاب يدعوهم فيه إلى التفكير في التطور الإيجابي الحاصل في النشاط التعليمي، ووجوب أن يكون ذلك باعثا لهم على الثبات على المبدأ، والتضحية أكثر في سبيل هذه المبادئ، فقال رحمه الله -« أهنئكم وأذكركم بأنكم كنتم منذ أربع سنوات خلت تجتمعون في محلات غيركم، واليوم والحمد لله أصبحتم تجتمعون في داركم و لقد كنتم ضعافا فقواكم الله و عززكم و رفع من شأنكم.

جاء هؤلاء الذين يعملون العمل الخالص لوجه الله فنهضوا نهضة أوجدت ما أنتم ترون من اشتراء محل عظيم للتربية و التعليم يضم الآن من التلاميذ و التلميذات نحو ثمانمائة ويضم من الكبار المتعلمين ما يناهز الستين أو السبعين حسب أوقات عملهم الحيوي اللازم، وإن فيها اليوم لمصنعا للنسيج وقانون الجمعية يَنُّص عليه، وينص على تعليم العربية و الفرنسية وللجمعية نيات أخرى تنوي أن تقوم بها في المستقبل إن شاء الله.

تنوي أن تبعث البعثات العلمية إلى الخارج وتسعى جهدها في تحقيق ما ينص عليه قانونها الأساسي من تأسيس المصانع والملاجئ والمحلات العامة» (33)

إذن فلابد من العمل الدؤوب المتواصل، و لابد من الابتهاج بالنتائج المحققة، و البناء عليها لتحقيق مزيد من العمل، و الانتقال إلى مرحلة جديدة، مع وجوب التكيف مع هذه المرحلة الجديدة مهما كانت متطلباتها صعبة و شاقة، فالمبادئ و القيم و الأفكار إنما يخدمها الرجال الصادقون الذين تشبعوا بالإيمان، و تسلحوا بالعلم، و العلم و الإيمان، يكسبان المرء الفعالية اللازمة، للتغلب على المعوقات، و الاستجابة للتحديات، التي تفرزها أية مرحلة من المراحل.

وإدراكا من الشيخ ابن باديس- رحمه الله- أنه لكل مرحلة من المراحل، خصوصياتها، أو تحدياتها التي قد تصل إلى حد شل النشاط الحركي بالمرّة، فإنه رفع شعارا عظيما وهو « تستطيع الظروف تكييفنا ولا تستطيع- بإذن الله- إتلافنا»(34).

وإن العمل المنجز مهما كان كبيرا، ومؤثرا، ومنتجا، فلابد من التفكير الجاد، في الخطوات الموالية، و المراحل اللاحقة، فها هو الشيخ يرفع صوته عاليا، مخاطبا الجموع الحاشدة التي جاءت من كل صوب وحدب، للاستماع إلى النتائج التي عاد بها الوفد من الدوائر الفرنسية، "...أيها الجزائري التاريخي القديم، المسلم الصميم كلمته من كلمة الله، و إرادته من إرادة الله، وقوته من قوة الله، أو لست منذ شهر كونت مؤتمرا كما ينبغي أن يكون جلالا و روعة... وكونت هذا الوفد الكريم فحمّلته مطالبك، فاضطلع بها و أدى الأمانة... وفدا متحدا متعاونا متساندا، زار الوزارات والأحزاب وأرباب الصحف فعرفك إليها و رفع صوتك.

أيها الشعب إنك بعملك العظيم الشريف برهنت على أنك شعب متعشق للحرية، و هائم بها، تلك الحرية التي ما فارقت قلوبنا منذ كنا نحن الحاملين للوائها، وسنعرف في المستقبل كيف نعمل لها وكيف نحيا و نموت لأجلها...

واعلم أن عملك هذا على جلالته ما هو إلا خطوة ووثبة و وراءه خطوات ووثبات و بعدها إما الحياة و إما المات»(35).

التفكير في الوسائل المكافئة:

لا يكفي لنجاح الداعية، أو المصلح أن يرسم الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها بدّقة ووضوح تامين، و أن يحدد المراحل و الخطوات لِلوصول إليها، وأن يدرك طبيعة كل مرحلة و خصوصيتها، بحيث لا يعمد إلى تجاوز المراحل أو حرقها فيقع في داء الاستعجال المدمّر ، فيتعجل النتائج قبل أوانها فيعاقب بحرمانها.

بل لابد من التفكير الجاد في الوسائل المكافئة، المناسبة لكل مرحلة، فهذه الوسائل هي التي تضمن الذيوع و الانتشار للفكرة في أوساط الجماهير، و بواسطتها (الوسائل) تستمر عملية الإقناع و الشحن، حتى تنتقل بالجماهير من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة الاستيعاب التام،وتعدد الوسائل و معاصرتها هما اللذان يضمنان ديمومة العمل الدعوي، و استمراريته مهما أدلهّمت الخطوب، وكثرت المعوقات و العراقيل، و الشيخ عبد الحميد ابن باديس كان واسع الأفق في مجال الوسائل، يرفد هذا موقف شرعي مؤصل من الوسائل، و إطلاع واسع على العصر و متطلباته.

المساجد:

إن للمسجد دورا حاسما في تنوير العقول و تهذيب النفوس، وشحذ الإرادات، وبناء الإنسان الرّسالي، إذا أحسن القائمون على أمر المسجد، فهم هذا الدور، وقاموا به على أكمل وجه.

والنهضة الدينية و الوطنية التي أقام دعائمها الشيخ عبد الحميد بن باديس، كان منطلقها الإسلام الصحيح ممثلا في كتاب الله عز وجل، و صحيح سنة المصطفى ÷، وفهوم الأئمة العدول الأثبات، فكان من الطبيعي أن تكون الخطوات الأولى لهذا المشروع في المسجد، فبمجرد عودته من جامع الزيتونة المعمور، شرع في إلقاء سلسلة دروس في الجامع الكبير (في قسنطينة)- من كتاب الشفاء للقاضي عياض، إلى أن سعى المفتي (مفتي قسنطينة) لدى السلطات الاستعمارية لمنعه من إلقاء تلك الدروس- بعدها سعى والده لدى السلطات الاستعمارية فاستصدر له رخصة للتدريس بالجامع الأخضر (الذي أسسه حسن بك حسين سنة 1743م) - ومنذ تلك الفترة شرع الشيخ ابن باديس في دروس الوعظ و الإرشاد، للكبار و إلقاء دروس العلم التكوينية للصغار، وكان الشيخ رحمه الله، شديد الإيمان برسالة المسجد التعليمية والتكوينية، فقال رحمه الله مؤسسا للدروس العلمية للمسجد «المسجد و التعليم صنوان في الإسلام من يوم ظهر الإسلام، فما بنى النبي صلى الله عليه وسلم - يوم استقر في دار الإسلام بيته حتّى بنى المسجد، ولما بنى المسجد كان يقيم الصلاة فيه و يجلس لتعليم أصحابه فارتبط المسجد بالتعليم كإرتباطه بالصلاة، فكما أنّه لا مسجد بدون صلاة، فكذلك لا مسجد بدون تعليم»(36).

وإلى جانب الدروس العلمية التي رتبها على نفسه الشيخ ابن باديس- رحمه الله- بالجامع الأخضر، فإنه كان شديد الحرص في كل مدينة يزورها من مدن القطر، على إلقاء درس في مسجدها يُنَّورُ به عقول العامة، ويشرح فيه نظرته للإصلاح و رؤيته للتغيير.

كما كان مُلَّحًا في الدعوة إلى بعث التعليم المسجدي، فقال « ثم لابد مع هذا من حث كل شعبة من شعب الجمعية على ترسيم مدرس للتعليم في مسجدهم إن كان لهم مسجد، ثم تسعى الجمعية لدى الحكومة لترسم في كل مسجد من المساجد التي ننظرها مدرسا فقيهًا في الدّين، ليعلم الناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم، فكلية تخرج المعلمين الدينيين، و معلمون في المساجد التي تنظر الحكومة و التي تنظر الجماعات تلك هي الحالة التي يجلب أن تكون عليها الأمة الجزائرية المسلمة لتبقى مسلمة» (37).

ولما تأسست جمعية العلماء في 1931م، كان من برنامجها دروس الوعظ و الإرشاد في المساجد خصوصا في المناسبات الدينية.

ولما رأى الاستعمار تغلغل فكر جمعية العلماء في أوساط الجماهير أصدر عدة قرارات تمنع العلماء الأحرار من إلقاء الدروس في المساجد،

المدرسة الحرة:

إلى جانب المسجد، هناك المدرسة التي عوّل عليها كثيرا الشيخ عبد الحميد بن باديس في بناء الأجيال الحاملة للواء الفكر الإصلاحي.

فاعتنى كثيرا بالمدارس الحرة، وشجع الأمة أن تتبادَل في بنائها، لأنها مصدر الحياة الأبية الكريمة ،فقال «إن الحياة تبعت من المدارس، فيجب أن تكون المدارس أول ما نهتم به، ونسعى لتحقيقه، وكل من يعارض في تأسيسها فقد عارض في حياة الأمة ونهضتها».

وكان ابن باديس – رحمه الله- يرى في المدرسة وسيلة من وسائل الصراع مع الاستعمار، لأنه كلما انتشر التعليم كلما ازداد الوعي الوطني، خصوصا إذا علمنا بأنه من المواد الأساسية في البرنامج التعليمي، التاريخ، و اللغة العربية و آدابها، إضافة إلى المواد الشرعية وقد حدثنا الشيخ ابن باديس عن محتوى البرنامج، و الأهداف المتوخاة من تدريسه،

ولقد أدرك الاستعمار ودهاقنته خطورة ما تقوم به المدارس الحرة من دور خطير، فهذا أحدهم يقول «إن العلماء،كانوا يمثلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر، فشعب مدارسهم عبارة عن خلايا سياسية، و الإسلام الذي يمارسونه مدرسة حقيقية للوطنية»(38).

فأعلن حربا شعواء لا هوادة فيها على المدارس الحرة، وزج بالمعلمين الأحرار في السجون، و أصدر مجموعة من القوانين تُغرّمُ و تسجن كل من يعلم بلا رخصة خصوصا قانون 8 مارس 1938، قانون العقاب الرهيب، فقاد الشيخ ابن باديس حملة مضادة تحت شعار : للدفاع عن الإسلام والقرآن ولغتهما، استنفر فيها كل المعلمين الأحرار و رؤساء الجمعيات و كل غيور على الدين واللغة كي يقفوا في وجه المخطط الاستعماري الأثيم.

الصحافة المجلات و الجرائد

وهناك وسيلة أخرى للتواصل مع أكبر قدر ممكن من الجمهور، لتوعيته وطنيًا وتثقيفه دينيا، ألا وهي الصحافة، فكتب جملة من المقالات في جريدة "النجاح"- في الإصلاح الديني، وحرب البدع والضلالات ثم ما لبث أن استصدر جرائد خاصة به، ففي سنة 1925م، أصدر جريدة " المنتقد" و كان شعارها "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء"- و كتب ابن باديس في العدد الأول، مقالا افتتاحيا بعنوان: مبادئنا، غايتنا وشعارنا جاء فيه « باسم الله، ثم بسم ،الحق و الوطن ندخل عالم الصحافة العظيم شاعرين بعظمة المسؤولية التي نتحملها، مستهلين كل صعب في سبيل الغاية التي نحن ساعون إليها، و المبدأ الذي نحن عليه عاملون وها نحن نعرض على العموم مبادئنا التي عقدنا العزم على السير عليها لا مقصرين، ولا متوانين...»(39) وأدّت جريدة المنتقد دورا كبيرا في إيقاظ الوعي الوطني، و الإصلاح الديني، و الاجتماعي، والقضاء على الجمود الفكري، ومحاربة الضلالات و الخرافات، فكانت بحق كما وصفها أحد الباحثين بالقول «إن جريدة المنتقد تعتبر تحولا هاما في تاريخ الحركة الفكرية والأدبية في الجزائر، لأنها تختلف عن الصحف التي سبقتها، سلاسة أسلوب، ومتانة لغة وعمق أفكار، إذ استطاع ابن باديس أن يضم إليه خيرة الأقلام...».

فسارع الاستعمار إلى تعطيلها بعد صدور(18) ثمانية عشر عددًا منها، أصدر بعدها بأسبوعين الشيخ عبد الحميد جريدة الشهاب وأوضح في العدد الأول بأن الشهاب امتداد للمنتقد في حمل الفكرة الإصلاحية ودعم الفكرة الوطنية ، فقال "سواء علينا أعجبنا أم لم نعجب فقد وقف "المنتقد" و لكن الفكرَة الحرّة الحقة السليمة الإصلاحية لم تقف ولن تقف، وقف المنتقد فها هو أخوه الشهاب.

فكانت جريدة الشهاب مدرسة شعبية للتوعية والتثقيف، لذا نالت إعجاب المتابعين لحركة نشر الصحف و تأسيسها، فها هو الشيخ العربي التبسي يقول: «... وجريدة الشهاب مدرسة شعبية عصرية على أحدث نظام و أشهى أسلوب، فيها تلتقي الديانة الإسلامية بالمدنية الصحيحة العصرية، لا تفتأ تهدي إلى قرائها من مختلف العلوم و ضروب المعارف ما تقر به العين و تحسد عليه الجزائر، وجريدة الشهاب شعبة من شعب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذين هما ملاك صلاح الدين».

وقال عنها كذلك مفكر إسلامي من الهند بعد الإطلاع عليها، « وأصدر مجلة (الشهاب) عام 1343، وصحفا أسبوعية أخرى وقد درس كاتب هذه السطور إعداد هذه الصحف التي صدرت منذ عام 1351 هـ (1932م) وهو يقرر بلا تردد أنه بالنسبة لهذا اللون من الصحافة يمكن أن توضع صحف الجزائر الإسلامية الصادرة في ذلك الوقت في مصاف أرقى مجلاتنا...».

النوادي:

و مجال آخر لم يُغفله الشيخ عبد الحميد بن باديس، للتواصل مع الجمهور، ألا وهو النوادي الثقافية و النادي عبارة عن قاعة للاحتفالات، وقاعة للصلاة، ومحل لبيع المشروبات الحلال، يلتقي فيه الناس، و يتبادلون الأفكار، ويطرحون قضاياهم و انشغالاتهم، وكانت تبرمج فيه المحاضرات و اللقاءات في حوارات مفتوحة مع بعض رجال الفكر والسياسة، وقد كان لهذه النوادي دور هام في ترقية الوعي الديني والسياسي بما كانت تقدمه من نشاطات ثقافية وفنية: المحاضرات الاجتماعات للطلبة والشبيبة، التمثيليات والمسرحيات بمناسبة الأعياد الدينية الإسلامية.

كما قامت بدور مدعم للمدارس الحرة من خلال الإعانات التي كانت تقدمها لها من الأرباح التي كانت تكسبها من بيعها للمشروبات الحلال.

وهذا ما يفسر تبرم الاستعمار من هذه النوادي، فأصدر مرسوما بتاريخ 13 جانفي 1938م، حظر فيه بيع المشروبات الحلال في هاته النوادي، بل وسعى جاهدا من أجل إغلاقها، و الحيلولة دون أن يستفيد الناس مما كانت توفره من تهذيب و تثقيف و توعية...إلخ، فكتب الشيخ عبد الحميد بن باديس معددا أساليب التضييق، الممارسة فقال « فصدر قانون النوادي الذي يرمي إلى إخلائها و حرمان الكبار من التهذيب في نواديهم بعدما حرموا منه في مساجدهم....»

الرحلات: ومن جملة ما عول عليه الشيخ عبد الحميد بن باديس للتواصل مع فئات عريضة من الشعب، القيام برحلات عديدة إلى أنحاء القطر الجزائري.

وكان في كل رحلة يحرص على إلقاء درس عام في الوعظ و الإرشاد في مسجد المدينة التي يحل بها، يشرح فيه مبادئ دعوته، ويبسطها، ويستدل لها من الكتاب والسنة، كي يدفع عنها الشبهات التي يثيرها خصومه عن دعوته، حتى يحولوا بينها و بين عموم الشعب.

كما كان يحرص على مقابلة أعيان المدينة و زيارتهم في بيوتهم و حثهم على دعم الفكرة الإصلاحية، و الاهتمام بالشعب و العمل على ترقيته و تهذيبه.

وكان يحرص كذلك على زيارة رجال العلم و الفكر، و شيوخ الزوايا، و يجتهد معهم على تقريب الشقة، وإزالة أسباب الخلاف ما أمكن، و التعاون فيما هو محل اتفاق بين الجميع وهكذا.

ولقد أخبر الشيخ ابن باديس رحمه الله عنه محتوى مجالسه هذه بالقول « ما كنت أدعوهم في جميع مجالسي إلا لتوحيد الله، و التفقه في الدين، و الرجوع إلى كتاب الله و سنة رسوله ÷ ، ورفع الأمية و الجد في أسباب الحياة من فلاحة و تجارة و صناعة، و إلى اعتبار الأخوة الإسلامية فوق كل مذهب وطريقة وجنس و بلد، وإلى حسن المعاملة و البعد عن الظلم و الخيانة مع المسلم و غير المسلم»(40)


الهوامش:

[1] - أثار الإمام البشير الإبراهيمي ص 181ن ط دار الغرب الإسلامي

2- أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، ص 9.

3- عبد الحميد بن باديس، رائد الحركة الإسلامية في الجزائر، ص 75-76.

4- آثار الإمام ابن باديس ج4 ص126، بتصرف يسير.

5- أثار الإمام ابن باديس ج5 ص172.

6- أثار الإمام ابن باديس ط 4/ ص 109 وما بعدها.

7- أثار الإمام ابن باديس ج4/ص 214.

8- آثار الإمام ابن باديس ج5/ ص286.

9- آثار الإمام ابن باديس ط5 /ص286.

10- البصائر، جانفي 1938.

11- أثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ج 1 ص 181.

12- مجال التذكير، ج 1/ص 221.

13- مجالس التذكير، ص221.

14- آثار الشيخ الإبراهيمي، ج 5/ص 278.

15- آثار الشيخ الإبراهيمي ط1/ص184

16- آثار الإمام ابن باديس ج4 /ص 103.

17- آثار الإمام ابن باديس ج 4 /ص55.

18- أثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ج 1/ص 78.

19- آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ج4/ص158.

20- آثار الإمام ابن باديس ج4/ص 216.

21- الشهاب نوفمبر، 1936 ج8/م12.

22- آثار الإمام ابن باديس ج4/ص 159.

23- أحمد حماني صراع بين السنة و البدعة ج1/ ص99.

24- الشهاب محرم 1357 هـ ، مارس 1938م.

25- الشهاب محرم 1357، مارس 1938م.

26- آثار الإمام ابن باديس ج4/ ص 247.

27- عبد الحميد بن باديس رائد الحركة الإسلامية، في الجزائر المعاصرة، الدكتور محمد فتحي عثمان، ص 140.

28- آثار الإمام ابن باديس، ج5/ ص318 .

29- آثار الإمام ابن باديس ج 5 ص 349.

30- الإمام عبد الحميد بن باديس، د. محمود قاسم، ص15.

31- آثار الإمام الإبراهيمي ج5، /ص 283.

32- آثار الإمام ابن باديس ج5/ ص283.

33- أثار ابن باديس ج 4 / ص166.

34- الشهاب، فيفري 1929.

35- ج5/ص316.

36-آثار ابن باديس ج4/ ص94.

37- آثار ابن باديس ج4/ ص97.

38- الحركة الوطنية ج3/ ص 10.

39- آثار ابن باديس ج5/ص 172.

40- آثار ابن باديس ج4/ ص 225.

آخر التغريدات: