التعريف بالشيخ عبد الحميد ابن باديس -رحمه الله-

بقلم: د.محمد الدراجي -

ولد الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس النهضة العربية الإسلامية الحديثة في الجزائر، على أساس من هدي الكتاب والسنة، ليلة الجمعة الرابع من شهر ديسمبر سنة 1889م الموافق 10 بريع الثاني 1307 هـ- في مدينة قسنطينة بالشرق الجزائري وكان الابن البكر لوالديه الكريمين(1).

1- أسرته:

والده السيد محمّد مصطفى بن مكي بن باديس من أعيان مدينة قسنطينة، كان عضوا في المجلس المالي، وعرف بدفاعه المستميت عن مطالب السكان المسلمين، من خلال المناصب التي تولاّها، كما كانت له عّدة مشاريع تجارية وفلاحية، وكانت ثقافته الدينية تقليدية، لكنه عرف بحبّه للعلم والعُلماء.

كما كان حاملاً للقرآن الكريم، وتذكر المصادر بأنّه كان رحماني الطريقة(2) وأمّه "زهيرة بنت علي بن جلول" من أسرة مشهورة بالعلم والتدين فهي من أسرة عبد الجليل عريقة بتاريخها وأسرة ابن باديس، أسرة مشهورة بالشرق الجزائري.

فهي تنحدر من العائلة الصنهاجية التي خلفت الفاطميين في ملك المغرب بعد رحيل هؤلاء إلى مصر ونبغ فيها رجال عُظماء في شتى الميادين السياسية والعلمية والثقافية ، فمنها الأمير بلكين بن زيري بن منّاد الذي استخلفه المعز لدين الله الفاطمي على المغرب الإسلامي بعد رحيله إلى القاهرة سنة 362هـ(3).

ومنها المعز لدين الله بن باديس الذي كان له الفضل في القطيعة السياسية لبلدان المغرب عن القاهرة عاصمة الفاطميين، والقطيعة المذهبية إذ أزال مذهب الباطنية المذهب الرسمي للدولة الفاطمية، وأحيا، السنة وأمات البدعة وأعاد مذهب أهل السُنة والجماعة هو المذهب الرسمي للبلاد (4) وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس كثير الافتخار والاعتزاز بهذه الشخصية.

2- تعليمه:

ولمّا بلغ الشيخ ابن باديس سن التعلم أدخله أبوه المكتب القرآني ولم يدخله إلى المدارس الفرنسية كما كانت تفعل الأسر الجزائرية الأرستقراطية- مما يدل على تدينه الرّاسخ، وحبّه للعلم والعلماء فأراد أن يكون ابنه من أهل القرآن.

فحفظ القرآن على يد مؤدبه الشيخ محمد المداسي رحمه لله أشهر مقرئي قسنطينة، وأتقن حفظه وتجويده وسنه لم يتجاوز ثلاثة عشرة عامًا.

وكان الشيخ المداسي معجبا به كثيرا لجودة حفظه وحسن سلوكه وسيرته، الأمر الذي جعله يقدمه لإمامة الناس في صلاة التراويح ثلاث سنوات كاملة بالجامع الكبير بقسنطينة(5).

وبعد هذه المرحلة الأولى من تعليمه أرسله أبوه إلى العالم الجليل والشيخ المفضال الشيخ حمدان لونيسي ليواصل تعليمه في حدود سنة 1903م.فتلّقى على يديه مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع «سيدي عبد المومن» وكان لهذا الأخير تأثير كبير في شخصية ابن باديس وهو الذي أوصاه أن يقرأ العلم للعلم لا للوظيف ولا للرّغيف ونصحه بالابتعاد عن الوظائف الحكومية. فوجهه وجهة علمية وأخلاقية(6).

3- رحلته إلى تونس:

وفي حدود سنة 1908 م وبتشجيع من والده، شدّ الشيخ ابن باديس الرّحال إلى جامع الزيتونة المعمور لاستكمال دراسته والتعمق فيها، وقضى هُناك ما يربو على أربع سنوات حصّل خلالها علما كثيرًا،ينفع به كثيرًا بعد عودته إلى بلده ودرس هناك على أيدي علماء كبار ومفكرين أحرار كالشيخ محمد النخلي، ومحمد الطاهر ابن عاشور، والمؤرخ البشير صفر، والشيخ محمد بلحسن النّجار، والشيخ محمد الصادق النيفر، وقد كُلّلت جهود الشيخ في الجدّ والتّحصيل، بحُصوله على شهادة التطويع في حدود سنة 1911 م.

وكان ترتيبه الأوّل على قائمة الناجحين، ثم قضى سنة أخرى يدرس بجامع الزيتونة على عادة المتخرجين في ذلك الوقت(7).

وبعد عودته من تونس جوالي عام 1912 انتصب رحمه الله للتدريس بالجامع الأعظم- بعد أن سعى له والده رحمه الله في الحصول على رخصة من الإدارة الاستعمارية، فدرس كتاب "الشفاء" للقاضي عيّاض-رحمه الله- ولكن الاستعمار الفرنسي حال دون هذه الدروس، لما رآها تبعث الحياة في الأموات ورأى من عزم ابن باديس رحمه الله في بناء جيل متعلم وإحياء أمة ظن المستعمر أنّه قادر على استئصالها واجتثاتها من الوجود.

فأوعز إلى المفتي ابن الموهوب أن يسعى جاهدًا لمنع لهذه الدّروس في الجامع الكبير(8).

4- رحلته إلى المشرق وأدائه فريضة الحج:

- وفي عام 1913م .

- شدّ ابن باديس الرّحال إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج.

وهناك بالبقاع المقدسة التقى بشيخه حمدان لونيسي الذي اقترح عليه البقاء في المدينة المنوّرة باعتبار أنّ الجزائر أصبحت دار كفر، ولكن الشيخ حسين احمد الهندي المدني أقنعه بضرورة العودة إلى الجزائر لخدمة الإسلام والمسلمين.

- وقد سجل الشيخ ابن باديس هذه الحادثة بالقول: "أذكر أني لما زرت المدينة المنورة، واتصلت فيها بشيخي الأستاذ حمدان لونيسي، المهاجر الجزائري، وشيخي حسين أحمد الهندي، أشار عليّ الأوّل بالهجرة إلى المدينة المنوّرة، وقطع كل علاقة لي بالوطن وأشار علي الثاني، وكان عالما حكيمًا بالعودة إلى الوطن وخدمة الإسلام والعربية بقدر الجهد، فحقق الله رأي الشيخ الثاني، ورجعنا إلى الوطن بقصد خدمته.....(9).

وهناك بالمدينة المنوّرة تعرف على الشيخ مُحمد البشير الإبراهيمي الذي سيكون فيما بعد رفيقه في الدرب، وأخاه في العمل، وعضده في الشدائد والمحن، وخليفته في رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وهناك (في المدينة) انبثقت فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ويحدثنا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عن هذا اللقاء الأول الذي كان له ما بعده فيقول "كان من تدابير الأقدار الإلهية للجزائر ومن مخبآت الغيوب لها أن يرد عليّ بعد استقراري بالمدينة المنوّرة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد ذلك الشيخ عبد الحميد بن باديس أعلم علماء الشمال الإفريقي. ولا أغالي باني النهضات العلمية و الأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر.... كُنا نُؤدي صلاة فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي ونخرج إلى منزلي فنسهر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أوّل داخل لصلاة الصبح ثم نفترق إلى الليلة الثانية.

إلى نهاية الثلاثة أشهر التي أقامها الشيخ بالمدينة المنورة كانت هذه الأسمار كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتنا وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة واشهد الله على أنّ تلك الليالي من عام 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في عام 1931م (10)

وأثناء عودته من البلاد المقدسة زار عدّة دوّل عربية كسوريا ولبنان ومصر التي إلتقى فيها بالشيخ "محمد بخيت المطيعي" مفتي الديار المصرية فسلم له كتابا من الشيخ حمدان لونيسي فأجازه الشيخ المطيعي كتابةً.

يقول الشيخ عبد الحميد ابن باديس« لما رجعت من المدينة المنوّرة على ساكنها وأله الصلاة والسلام سنة 1332 هـ جئت من عند شيخنا العلاّمة حمدان لونيسي المهاجر إلى طيبة والمدفون بها- رحمه الله- جئت من عنده بكتاب إلى الشيخ بخيت، وكان قد عرفه بالإسكندرية لما مرّ بها مهاجرًا، فعرجت على القاهرة وزرت الشيخ بخيت بداره بحلوان، فلما قدمت له كتاب شيخنا حمدان قال لي: «ذلك رجل عظيم» وكتب لي إجازة في دفتر إجازاتي بخط يده رحمه الله وجازاه عنا وعن العلم والدين خير ما يجزي العاملين الناصحين» (11).

كما التقى كذلك بالشيخ أبي الفضل الجيزاوي شيخ علماء الإسكندرية، فأجازه هو الآخر(12).

وبعد وصوله إلى أرض الوطن، تمكن من الحصول على رخصة للتدريس في الجامع الأخضر، فشرع في رسم الخطة الناجحة وتنفيذها لتكوين جيل مُسلحٍ بالعلم الصحيح النافع وقد قال ابن باديس عن هذه المرحلة «مضينا على ما رسمنا من الخطة وصمدنا إلى ما قصدنا من غاية وقضيناها عشر سنوات كاملة في الدرس لتكوين نشئ علمي لم نخلط به غيره من عمل آخر، فلما كملت العشر وظهرت نتيجتها راينا واجبًا علينا أن نقوم بالدعوة العامة إلى الإسلام الخالص والعلم الصحيح»(13).

5- أهم أعماله ونشاطاته بعد عودته من رحلة الحج 1913م

بعد عودة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله من رحلته إلى المشرق العربي وأدائه لمناسك الحج، والتي كانت مليئة باللقاءات والتجارب، إذ مكنّته من الاطلاع على واقع العالم الإسلامي، ومعرفة أوضاع المسلمين، ومدى حاجتهم إلى الإصلاح والتغيير فشرع في برنامج إصلاحي ضخم "تعددت مجالاته وتنوعت نشاطاته ولكن اتحد هدفه وهو النهوض بالمسلمين.

- التعليم:

كان الشيخ ابن باديس شديد الإيمان بأن العلم هو ينبوع الحياة، ومصدر السعادة الإنسانية، وسبب النهوض والرقي، فكل "مدنية راقية لا تبنى إلاّ على العلم والتهذيب"(14) وكان رحمه الله قد قرّر قاعدة عظيمة في بيان أهمية العلم وضرورته للرقي الإنساني، وأن مكانته لها الصدارة في العملية الإصلاحية، إذ الكل مرتبط بالعلم، فقال: «.....العلم هو الإمام المتبع في الحياة، في الأقوال والأفعال والاعتقادات، فسلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطا وثيقًا، يستقيم باستقامته، وبعوّج باعوجاجه، ويثمر بإثماره ويعقم بعقمه، لأن أفعاله ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الاعتقادات. واعتقاداته ثمرة إدراكه والحاصل عن تفكيره ونظره" (15).

وإيمانا من الشيخ ابن باديس بالعلم فإنه بمجرد عودته إلى قسنطينة 1913 م شرع في تعليم الصغار من روّاد الكتاتيب القرآنية بعد خروجهم منها في الصباح، وكذلك بعد الظهر،واتخذ الشيخ عبد الحميد من الجامع الأخضر معهدًا لنشاطه التربوي والتعليمي الكبير، فكان يدّرس لطلاّبه الذين كانوا يفدون إليه من جميع أنحاء القطر، وكانوا يكثرون عاما بعد آخر، من قبل صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء، وكان كما ذكر الشيخ مبارك الميلي- رحمه اله- وهو من الطبقة الأولى من تلاميذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس أنه كان يدّرس في اليوم خمسة عشر درسا يومياً (16) وقد عرف الشيخ ابن باديس بحبه لدروسه وتلاميذه، فكان لا يقطعها إلاّ لأمر عظيم يستدعي ذلك، فهو لم يقطع دروسه عند وفاة ابنه الوحيد "عبده إسماعيل" ولكنه قطعها عند محاكمة الشيخ العقبى لأنها قضية عامة.

- دروس الوعظ والإرشاد والمحاضرات العامّة:

إضافة إلى الدروس العلمية و التربوية للطلاّب فإنّه كان يلقي دروس الوعظ والإرشاد للكبار في المساجد، وكذا المحاضرات الدينية والتاريخية والسياسية في المنتديات العامّة وقاعات السينما وغيرها، وفي هذا الإطار ختم رحمه الله تفسير القرآن تدريسًا، في مدة تناهز الخمس والعشرين سنة بالجامع الأحضر في قسنطينة. وأقيم بالمناسبة حفل مشهودً تخليدا لهذا الحدث العظيم أيام 11،12، 13 يونيو 1938 م).

وبعدها بسنة واحدة ختم الشيخ ابن باديس دروس تفسير "الموطأ " في الحديث النبوي الشريف، فأقيم كذلك حفل عظيم وذلك في فاتح جوان 1939 م.

- الصّحافة

يرى ابن باديس بأن الصحافة "قوّة لا غنى عنها لأمة ولا رقي لأمة ناهضة في هذا العصر"(17) فجعل منها وسيلة فعالّة للعمل على ما فيه إسعاد الشعب الجزائري ورفع منزلته، ومحاربة مظاهر الانحطاط فيه، من خلال الدعوة إلى الأخذ بأسباب الرقي والتهذيب، فقال رحمه الله « باسم الله ثم باسم الحق والوطن، ندخل عالم الصحافة العظيم، شاعرين بعظمة المسؤولية التي نتحملها فيه، مستسهلين كل صعب في سبيل الغاية التي نحن إليها ساعون، والمبدأ الذي نحن عليه عاملون»(18).فبدأ رحمه الله نشاطه الصحفي بكتابة مقالات في جريدة "النّجاح" بإمضاء "العبسي" ثم أسس جريدة خاصة به هي جريدة "المنتقد" سنة 1925 م.

ولكن الاستعمار لم يتحمّل صراحتها في الطرح، وجرأتها في النقد، فسارع إلى تعطيلها بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددًا، فأصدر الشيخ عبد الحميد بن باديس جريدة "الشهاب" كجريدة أسبوعية ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى شهرية، وظلت تصدر إلى أن عطلّها ابن باديس نفسه في سبتمبر 1939 م. حتى لا ترغمه فرنسا على نشر الأباطيل ودعوة الجزائريين للوقوف إلى جنبها ضد دوّل المحور.

كما كان ينشر رحمه مقالات في جرائد جمعية العلماء، "السنة"، "الصراط"، "البصائر"(19).

- تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 5 ماي 1931م

لما آتت الثورة التعليمية التي باشرها ابن باديس منذ 1913م، أكلها، فتخرج مئات الطلاب على يديه، وأصبحوا بدورهم جنودًا في المعركة المقدسة، معركة إثبات الذات الحضارية، فكثر العمل وأصبحت الحاجة ماسة إلى تنظيم الجهود، وتعاونها وهكذا تهيأت الظروف، وقامت الأسباب لإعلان تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وكان للإمامين الجليلين ابن باديس والإبراهيمي الدور الحاسم في بلورة الفكرة ورسم معالمها، وضبط أصولها، وتحديد أهدافها، وتدوين قانونها الأساسي، وكان كلّ ذلك من وراء الستار، حتى لا يثيروا حفيظة الطريقين أعوان الإستعمار، فيجهض المشروع من أساسه، يقول الشيخ ابن باديس «مضينا على ما رسمنا من خطة وصمدنا إلى ما قصدنا من غاية وقضيناها عشر سنوات كاملة في الدّرس لتكوين نشء علمي لم نخلط به غيره من عمل آخر، فلما كملت العشر وظهرت نتيجتها رأينا واجبا علينا أن نقوم بالدعوة العامة إلى الإسلام الخالص والعلم الصحيح» (20).

وقد قامت جمعية العلماء بجهود جباّرة في إذكاء الوعي الديني والسياسي فحررت العقل من الخرافة، والعقيدة من البدع، والنفوس من القابلية للاستعمار، يقول المرحوم الدكتور محمد المبارك إنّ من لا يعرف "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين".

لا يعرف شيئا عن الجزائر في عصرها الحاضر، فهي تؤلف الجهاز الضخم في كيانها، والفكرة المستقرة في ضميرها، والمبّرة عن روحها التي جمعت في أعمال بدأت من نشر العلم والدين والوعي السياسي وانتهت إلى ثورة مسلحة كانت الخاتمة والنتيجة لحركتها" (21)

- نشاط السياسي:

- لقد كان ابن باديس- رحمه الله- نموذجا للعالم المسلم الذي يهتم بقضايا أمنّه كلّها بما فيها القضايا السياسية، وكان يدعو العلماء إلى مثل هذا الاهتمام.

ويرى بأنّه لا يمكن تحقيق الإصلاح الدّيني الاجتماعي إلاّ بالاهتمام بالسياسة فقال رحمه الله: « وكلامنا اليوم عن العلم والسياسة معًا، وقد يرى بعضهم أنّ هذا الباب صعب الدّخول لأنهم تعوّدوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن مسالك السياسة مع أنه لا بد لنا من الجمع بين السياسة والعلم، ولا ينهض العلم إلا إذا نهضت السياسة بجدّ»(22).

فو بهذا يؤصل للمسألة من الناحية الشرعية، ويريد أن تعود إلى العلماء القيادة في المجتمع التي ضاعت منهم طويلاً بسبب انطوائهم وتقصيرهم وبعدهم عن تعاليم الإسلام وتوجيهاته.

وفي هذا الإطار كان لإبن باديس نشاطه السياسي المعتبر، وكانت مواقفه السياسية تتسم بالواقعية والمرحلية والتدرج، فلم يطلب في أيّ مرحلة ما يستحيل تحقيقه، ولم يحرق المراحل، فمن الدعوة إلى المساواة في الحقوق لمن يقومون بنفس الواجبات إلى الإنكار لا خلاف الوعود، بل الاحتجاج على القوانين الجائرة دون استشارة الجزائريين فيها مع أنها تعنيهم مباشرة، إلى الرفض القاطع للتدخل في القضية الدينية، فلما فكرت فرنسا في كتابة مجلّة لأحكام الشرعية سنة 1926، وعيّنت لهذا الغرض بعض أساتذة جامعة الجزائر.

- وكانوا كلهم من المستشرقين الفرنسيين- كتب ابن باديس – رحمه الله- قائلا: « لا بد في واضيعها أن يكونوا متضلعين في الفقه الإسلامي مطلعين على كتب أهله مقتدرين على تلخيص مسائلة ولا بد أن يكونوا عارفين بأحوال الأمّة »(23) إلى المؤتمر الإسلامي سنة 1936 م الذّي وحدّ معظم العاملين للقضية الجزائرية عدا فئة قليلة، والذّي ركزّ فيه على ارتباط الإنسان المسلم الجزائري بأحكام الشريعة الاسلامية، وعدم التنازل عنها بحال من الأحوال، إلى فتوى حرمة التجنس بالجنسية الفرنسية، إلى العمل الجاد للاستقلال إذ لما جاءه بعض الطلاب وقالوا له لماذا تدعو إلى الاستقلال وأنت مسموع الكلمة؟ فقال لهم: يا أبنائي من أراد أن يبني منزلا هل يبدأ بالسقف؟ قالوا: لا قال فماذا إذن ؟ قالوا: بالأساس والجدران؟ فقال« هذا ما أفعله الآن نبني الأساس والجدران ثم نبنى السقف» (24).

والمواقف السياسية للإمام ابن باديس الفردية منها والجماعية كان لها الدور الحاسم والأثر البارز في أيفاظ الرأي العام من سباته وميلاد الوطنية الجزائرية ورسم معالم الطريق نحو التحرر والاستقلال.

6- وفاته:

لقد أصيب الشيخ عبد الحميد بن باديس بمرض شديد الوطأة نتج عنه ضعف في الكلى، وانعدام تجمع البول، وهذا المرض الخطير أعيا الأطباء، وألزمه الفراش ثلاثة أيام، ثم فاضت روحه الطيّبة ولحقت بالرفيق الأعلى بعيد زوال يوم الثلاثاء 8 ربيع الأوّل 1359 هـ ، الموافق لـ 16 أفريل 1940م ، وشيعت جنازته يوم الأربعاء في موكب حافل حضره زهاء السبعين ألف شخص، بتقدمهم أعضاء جمعية العلماء، وطلاب الجامع الأخضر والكشافة الإسلامية، والنّسوة المتعلمات بالجامع الأخضر، وكان مأتما خاليا من البدع،وصلى عليه الشيخ العربي التبسي، وأبنَّه بكلمة مؤثرة مما جاء فيها "كان ابن باديس هو الجزائر، فلتكن الجزائر اليوم ابن باديس" – كما أبنه كذلك الشيخ مبارك الميلي،(25)

رحم الله الشيخ ابن باديس وجازاه خيرا عن الإسلام والمسلمين.


الهوامش:

[1] - أنظر عبد الحميد بن باديس فلسفته وجهوده في التربية والتعليم، د. تركي رابح، ص 157، وابن باديس حياته وآثاره د. عمار طالبي ج 1 ص 72، وإمام الجزائرـ عبد الحميد بن باديس، د. عبد القادر فضيل والشيخ محمد الصالح رمضان، ص 26.

2 - إمام الجزائر، عبد الجميد بن باديس، د. عبد القادر فضيل والشيخ محمد الصالح رمضان، ص 26، وابن باديس حياته وآثاره، د. عمار طالبي، ج 1 ص 73، لكن الدكتور طالبي ذكر بأنه كان قادري الطريقة.

3 - الشيخ أحمد حمّاني، ابن باديس ومنهجه في التأويل ص 245 من كتاب لأصالة. ملتقى القرآن الكريم، 1981م. الجزائر العاصمة.

4 - أنظر تركي رابح، عبد الحميد بن باديس ص 158.

- 5 إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، ص 27.

6 - ابن باديس حياته، وآثاره ج1 ص 74، وذكر الدكتور طالبي بأنه كان منتميا للطريقة التجانية، وأنه أشهر "تلاميذة الشيخ عبد القادر المجاوي، كما ذكر بأنه درّسه بجامع سيدي محمد النّجار بجوار جامع "سيدي عبد المومن"

7 - إمام الجزائر، ص 28، وابن باديس حياته وآثاره، ج 1/75، وتجدر الإشارة إلى أن عدد الناجحين كان 12 طالباً من مجموع 60 طالباً تقدمّوا للامتحان، بسبب صعوبة الامتحان في تلك السنة لأنّ رئيس النظارة العلمية أحمد بيرم أراد القضاء على مظاهر التساهل التي كانت سائدة في منح الشهادة.

8-إمام الجزائر، ص 75، الهداية العدد 154 السنة 28، ص 59، 10 مارس، أفريل 2003، المجلس الإسلامي الأعلى، الجمهورية التونسية.

9- آُثر ابن باديس، ج5 /ص 360 وانظر كذلك مازن مطبقاني، الإمام عبد الحميد بن باديس العالم الرباني والزعيم السياسي، ص 35.

10 - آثار الإمام الإبراهيمي، ج 5 / ص278.

وانظر – تركي رابح، ابن باديس وفلسفة في التربية والتعليم ص 169.

- 11 آثار ابن باديس ج3/101.

12 - مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ص 481.

13- أنظر احمد حمّاني، ابن باديس ومنهجه في التأويل ص 250.

14- أنظر احمد حمّاني، ابن باديس ومنهجه في التأويل ص 250.

15 - أثار ابن باديس ج 6/ص 213.

16 - مجالس التذكير، من كلام الحكيم الخبير، ص 139.

17 - البصائر، عدد 8 جانفي 1938.

18 - آثار ابن باديس ج 5/176.

19 - أثار ابن باديس ج 5/ ص 172.

20 - تجدر الإشارة إلى أن هذه الجرائد كلها قد طبعتها دار الغرب الإسلامي، لصاحبها الحاج اللمسي فجزاه الله عن الإسلام والجزائر خيرًا،

21 - ابن باديس ومنهجه في الـتأويل، احمد حمانيُ ص 250.

22 - الإمام الرائد، محمد الطاهر فضلاء، ص 147.

23 - آثار ابن باديس ج 4 / ص 175.

24 - أثار ابن باديس ج 4/ ص 138.

25 - مازن مطبقاني، ص 92.

26- أنظرا أشعة الشروق، للأستاذ محمد الهادي الحسني، ص 161.

آخر التغريدات: