مالك بن نبي رائد الرواية الجزائرية

بقلم: نوار عبيدي -

يعد مالك بن نبي من أبرز المفكرين والفلاسفة الذين أنجبتهم الأمة الإسلامية في القرن العشرين، ولا تزال آراؤه وأبحاثه تشغل الناس من حيث قيمتها الفكرية وأبعادها الإنسانية خاصة تلك التي تناولت مظاهر التخلف وأضرار الاستعمار على الشعوب المتطلعة إلى الحرية.
إلا أن كثيرا من الباحثين لا يعرف أن مالك بن نبي أديب فذ، بل روائي متميز. ولم تذكر الأبحاث والدراسات الأدبية التي أنجزت منذ الاستقلال أن مالكا اهتم بالأدب،  وبالمقابل نجد عند التأريخ للأدب الجزائري أسماء ربما كتبت قصيدة صغيرة أو قصة واحدة مكنتها من الدخول إلى تاريخ الأدب الجزائري، فضلا أن بعضها لا يرقى إلى مستوى الذكر. فكثير من تلك الكتابات لا يرقى " إلى المستوى الفني أو الفكري الناضج حتى نعدها نماذج قادرة على أن تكون تأسيسا حقيقيا(1) خاصة للأدب المكتوب باللغة الفرنسية.
إن بدايات الأدب الجزائري عموما والمكتوب باللغة الفرنسية خصوصا تولّد بعد تراكم كبير للأوضاع الاجتماعية والسياسية الصعبة التي عاشها الشعب الجزائري أتناء الاحتلال. " ففي عام 1930 كان الاستعمار الفرنسي يحتفل بمرور قرن على احتلاله الجزائر، وواقع الأمر أنه كان يظن بأنه قد قضى  نهائيا على الشخصية الجزائرية وان احتفاله إنما هو احتفال بفرنسة الجزائر وإدماجها تماما "(2).
ولكن كانت الطبقة السياسية آنذاك قد نضجت، وصاحب هذا النضوج وعي كبير بالوضع الحقيقي للإنسان الجزائري، وفهم دقيق لنوايا الاستعمار الجشعة، مما مهد لظهور البواكير الإبداعية الأولى في الشعر والقصة.

لمن ريادة الرواية في الأدب الجزائري؟
نود هنا نقف لحظة للحديث عن البدايات الفنية الحقيقية الأولى للأدب الجزائري، ونقصد العمل النثري المتكامل شكلا ومضمونا، سواء ما كتب بالعربية أو الفرنسية.
بالنسبة للرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية فالكل يتفق أنها بدأت مع أحمد رضا حوحو بقصته (غادة أم القرى) التي ظهرت سنة 1947. بينما الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية فقد ذكر الباحثون أنها ظهرت مع مولود فرعون سنة 1950 برواية (ابن الفقير)، وهذه الرواية البسيطة في بنائها ومضمونها عبارة عن سيرة ذاتية للمؤلف نفسه(3)، ثم ظهرت رواية (نجمة) لكاتب ياسين سنة (1956). أما القصة القصيرة الفنية فلم تتضح معالمها وسماتها إلا بعد قيام الثورة بحيث اتجهت إلى واقع الشعب، ومن هؤلاء محمد ديب في مجموعته الأولى في (المقهى) و( الطلسم)(4).
لكن الذي لم تذكره كل تلك الدراسات الأدبية ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ أن مالك بن نبي هو أول أديب جزائري يكتب رواية فنية باللغة الفرنسية وعنوانها (لبيك حج الفقراء)، وقد نشرها سنة 1947 عن دار النهضة في الجزائر، أي قبل أعمال مولود فرعون أو محمد ديب أو كاتب ياسين. وهنا وجب علينا تصحيح هذا التاريخ الذي ـ ولأسباب مجهولة ـ طمس معالم هذه الرواية المهمة تاريخيا على الأقل.
كيف ظهرت رواية مالك بن نبي؟
الفضل في ظهور هذه الرواية يعود للباحث الجزائري د/ زيدان خوليف الذي ناقش أطروحة دكتوراه في جامعة السوربون (باريس3) سنة 2006 تحت عنوان (حياة وأعمال مالك بن نبي من عام 1905ـ 1973)، وقد اشرف على أطروحته المفكر العربي برهان غليون. وقد عثر الباحث د/ زيدان خوليف على رواية مالك بن نبي مكتوبة بالفرنسية، وترجمها مشكورا إلى العربية ونشرت لأول مرة سنة 2009 عن دار الفكر بدمشق، وتقع في 156صفحة من القطع المتوسط.
الرواية قدم لها المفكر والأديب عمر كامل مسقاوي(5) تلميذ وصديق ابن نبي. هذا الأخير ذكر في مقدمة الرواية أن الباحث د/ زيدان خوليف زاره في طرابلس الشام سنة 2006 لغرض إتمام بحثه وزوده برواية ابن نبي حيث قال " كنت أسمع بقصة (لبيك) ولم يكن ابن نبي يحدثنا عنها ونحن من حوله طلابا سوى إشارة عابرة حول موضوعه... وقد قيل لن تواردا بأنها إحدى إبداعات مالك بن نبي في الأدب الفرنسي "(6).
نعم إنها إحدى الإبداعات ليس في الأدب الفرنسي، بل في الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية إلا أن أحدا لم ينتبه لذلك.
نحن هنا بصدد التأكيد على أن هذه الرواية أولى الأعمال الأدبية في النثر الجزائري التي تحمل وعيا ونضجا فكريا وسياسيا وفلسفيا وإبداعا فنيا، وقد جاءت الرواية مباشرة بعدما أصدر ملك بن نبي كتابه (الظاهرة القرآنية) سنة 1946. ومعلوم أن (الظاهرة القرآنية) يعد من أقوى الكتب التي خلفها مالك فكرا وعلما وتحليلا وعمقا(7)، ونعتقد أن هذا الوعي كان كافيا لكي يكتب مالك رواية بنفس المستوى الفني والتحليل العميق لما كان يراه جار في المجتمع الجزائري آنذاك.
وذكر مالك بن نبي في مقدمة الرواية(8) أنه كتبها في غرفة فندق بين سفرتين متقاربتين وذلك في مدينة عنابة. وفي رسالة قصيرة للناشر يتحدث مالك عن روايته وكيف صنعها بالرغم من أنه كتبها في عجالة. وذكر أن القصة واقعية خاصة الشخصيتين المحوريتين اللتين قامت حولهما القصة، وهما الفحام والطفل اللذان عاشا في مدينة عنابة. أما الجانب الخيالي الوحيد فيتمثل في الصلة التي وضعها بين الأشخاص في المكان والزمان.(9)
وظهر لنا هنا أن مالك بن نبي يعرف أنه خاض تجربة إبداعية جديدة تحتاج إلى وعي بهذا الفن، لذلك راح يشرح للناشر كيف جمع بين عناصر هذه الرواية والخطة التي اعتمدها لتقديم أبطاله حتى قال " وإذا كانت هذه التفاصيل المادية للأحداث معروفة لديّ بمنتهى الإتقان، فليست بالمثل فيما يتعلق بمجراها العاطفي والروحي "(10)، فمالك بن نبي هنا ليس مثل أولئك الذين كتبوا خواطر ومروا، أو جربوا حرفة الأدب فدخلوا التاريخ، فنحن هنا أمام أديب يعرف معنى الأدب ويفهم في الرواية الشيء الكثير، وله دراية بأصول النشر والتوزيع.
مظاهر التغيير والثورة عند الفرد الجزائري في رواية ابن نبي
قبل الحديث عن تلك المظاهر يجدر بنا أولا أن نلقي نظرة خاطفة لأحداث الرواية. فمن حيث المكان تدور الأحداث في أحد الأحياء الشعبية لمدينة عنابة، ثم تنتقل الشخصيات إلى باخرة ستمر على ميناء عنابة لتحمل المسافرين إلى ميناء (جدة) لأداء فريضة الحج. في هذين الفضائين يقدم لنا ابن نبي شخوصه وهم عمي محمد، إبراهيم السكير، والطفل هادي.
أما عمي محمد فهو ذلك الشيخ التقي الطاهر الأصيل ذو اللحية البيضاء، الذي يحمل السبحة دائما، والذي يقطع صلاته في جوف الليل ليفتح الباب (منزل جماعي) أمام إبراهيم السكير الذي أزعج الشيخ والجيران بصراخه...
إبراهيم السكير والفحام يعيش ليلة رهيبة حيث يقرر في لحظة (حلم) الذهاب إلى الحج، ويدعو الله أن يخلصه من مرضه وضلاله.
أما هادي فهو ذلك الطفل اليتيم الطائش المتشرد الذي قرر هو الآخر تغيير مسار حياته بالقيام بمغامرة عجيبة وهي الذهاب إلى الحج.
إبراهيم والطفل هادي يلتقيان مع حجاج كثيرين يعيشون مغامرة السفر البحرية بمرورهم على تونس ثم مصر ثم وصولهم إلى جدة أين تنتهي الرواية.
إن الوضع الذي كان يعيشه المجتمع الجزائري أثناء الاحتلال لا يمكن وصف بشاعته جراء القهر والظلم والفقر والجهل، ولوصف هذا الوضع اختار مالك بن نبي مظهرين رئيسيين هما:
1ـ مظهر إبراهيم الذي يتميز بخاصيتين: الأولى أنه فحام، والثانية أنه سكير.
2ـ مظهر هادي ذلك الطفل المتشرد الذي يقتات من مهنة (مسح الأحذية).
فعندما عاد إبراهيم تلك الليلة إلى بيته ثملا لا يقوى على الحراك، فتح له عمي محمد باب منزله الذي ما هو إلا دكان يصنع فيه الفحم  " كانت تتدلى خيوط العنكبوت من خشب السقف الذي لا يمكن التعرف من خلاله على طبقة كلس الجير الممسوحة لكثرة تراكم غبار الفحم الذي صبغ المكان هناك من الداخل، وفي ركن منه توجد كومة فحم بجانبها أكياس مملوءة لم تفتح بعد، أما الغربال وميزان الفحم فقد أكملا تأثيث هذا الجانب من المحل، وفي الجانب الآخر وضع صندوق فوقه الشمعة التي لا تكاد تضيء سريرا حقيرا وهو المتاع الشخصي الوحيد في هذا المتجر والذي يمثل حجرة نومه فقط، وكان إبراهيم وهو واقف وسط الغرفة بقميصه المدبوغ مع يديه بغبار الفحم؛ يجسد الروح السوداء لهذا المكان المعتم"(11).
بهذا الأسلوب الدقيق يصف لنا مالك بيت السكير، إنه باختصار شديد وضع الجزائر الأسود.
ويروي لنا مالك بن نبي ببراعة ذلك التناقض الصارخ الذي يعيشه إبراهيم وانتقاله بين الثقافة الإسلامية والأوروبية، وكيف أن إبراهيم غلب عليه الإحساس بأنه ينتمي إلى المجتمع الأوروبي(12) وهي إشارة واضحة لفكرة القابلية للاستعمار التي اشتهرت بها فلسفة بن نبي.
لكن إبراهيم الفحام والسكير يتغير بين عشية وضحاها إثر (حلم) رآه، حيث وجد نفسه يطوف بالكعبة، فقرر في الصباح أن يغتسل ويلتحق بسرعة بالباخرة المتوجهة إلى (جدة) على الساعة العاشرة صباحا. وبعد غسله غمره إحساس بأنه تخلص من ضيق كان يعيش في داخله...وفهم أنه كان يلعب " دور شخص بغيض فرض عليه في مسرحية كوميدية بذيئة "(13). هكذا فهم ابن نبي الاستعمار، إنه مخرج لمسرحية كوميدية بذيئة؟؟؟
لقد اتخذ إبراهيم قرارا خطيرا في تغيير حياته، ليتخلص من العبودية (الفحم)، والثقافة الدخيلة (الخمر)، ويقرر ركوب التاريخ (الباخرة) للعودة إلى الأصول (الحج) والطهارة. وإن كان هذا القرار يبدو للوهلة الأولى هروبا من الواقع، إلا انه يحمل في طياته أيضا قرار التغيير والثورة على النفس والمحيط، ورفض الواقع المرير.
لقد شعر إبراهيم أنه تخلص من الماضي عندما تأمل براءة وجه زوجته التي طلقته جراء انحرافه وهو يختلط مع وجه أمه المشرق والممتلئ بالرضا، حيث " شكلا رمزا واحدا لطريق مضيء فتح أمامه فجأة، فأحس بأنه قد نفذ بجلده من إمبراطورية الظلام(14). وهل الاستعمار غير إمبراطورية للظلام؟
وعندما يصعد إبراهيم إلى الباخرة يلتقي بحجيج كثر فيشعر أنه امتزج مع مجتمع جديد نقي يرغب في التطهير، وتتسارع الأحداث في الباخرة، وتلتقي الأفكار وتتلاقح الثقافات بين الحجيج وربان السفينة، وليحقق إبراهيم حلمه في تغيير نفسه وتطهيرها، حيث يقرر الاستقرار بالمدينة المنورة ومنها يرسل إبراهيم إلى زوجته فاطمة رسالة عن طريق عمي محمد قال فيها " أحس وكأني إنسان جديد وأرى من حولي عالما جديدا أريد العيش فيه إن شاء الله.(15) ثم قال " لقد تركت الفحم ثم الخمر في بونه "(16)، وطلب من زوجته اللحاق به ليعبر لها عن حبه العميق.
لا يهمنا نحن هنا هذا الموقف النهائي لهذا البطل الذي لم يبد استعدادا للعودة إلى أرض الوطن المحتل لتغييره أو التحريض على تغيره، والذي يهم الآن هو موقفه المبدئي في التغيير والرغبة في التخلص من كل مظاهر العبودية والقهر التي تمارسها النفس أو الثقافة أو الاستعمار، أهم شيء في هذا التغيير هو البحث عن المخرج، والتعبير عن عدم الرضا بالوضع، وقد وجده ابن نبي في العودة إلى الإسلام ومنابعه الصافية، ونحن نرى أن هذه الرواية جاءت امتدادا واضحا لكتابه (الظاهرة القرآنية).
أما الطفل هادي فقد كان " شعره أشعث، ورجلاه حافيتين، يرتدي سروالا كثرت ثقوبه كغالبية أطفال بونه "(17)، وهو يمثل ذلك الفقر المدقع الذي تعرفه الأسرة الجزائرية حيث تدفع الأطفال إلى العمل القهري خاصة في (الحمالة) في الأسواق والموانئ، أو (مسح الأحذية) في الأماكن العمومية.
هذا الطفل استطاع أن يختبئ في إحدى غرف الباخرة، لكن أحد العمال اكتشفه وقرر معاقبته " سوف يوضع  في الحبس حيث توجد فئران كبيرة، ولن يخرج منه حتى العودة إلى بونه "(18). إلا أن إبراهيم وبعض الحجيج تدخلوا لإنقاذه، وقرر المحافظ بكثير من الرحمة أن يرسله إلى العمل في مطبخ الباخرة، ففرح الطفل لأنه حقق أمنيته في الذهاب إلى الحج. وقبل ذلك بليلة واحدة كان قد تراهن مع أصدقائه المتشردين حول ركوب الباخرة و الذهاب إلى الحج، فقال لهم متحديا " أنا أستطيع أن أذهب دون أن أدفع أي شيء"(19). وهكذا اتخذ هذا الولد قراره ليتخلص من اليتم والتشرد والفقر. لقد قرر الطفل تغيير حياته هو الآخر بعدم الانصياع للقهر والقبول به، وإنما باتخاذ أي قرار ولو الفرار في باخرة الحجاج نحو المجهول. وقد نشأت علاقة أسرية وطيدة بينه وبين إبراهيم الذي قبله كولد له. وقد علمه الوضوء والصلاة وراح يرشده ويدله على الخير. ففي الرسالة التي أرسلها إبراهيم إلى عمي محمد من المدينة لمنورة ذكر فيها الطفل قائلا " وقد قبل أن يصبح بمنزلة ابني، إنه سعيد أيضا إذ ترك علبة مسح الأحذية "(20).
هذا هو الطفل الذي يحمل معه أمل العودة إلى أرض الوطن ويواصل رغبة التغيير نحو الأفضل، لقد طهر نفسه ويده من مسح الأحذية، وطهر قلبه من أدران الثقافة الأوروبية، وتشبع بثقافة الأسرة مع إبراهيم،،، إنه الأمل وكفى.

خلاصة
هذه جولة خاطفة لرواية (لبيك...حج القراء) لمالك بن نبي، تحدثنا بسرعة عن أحداثها، ووصفنا بعجالة بطليها، وبينا كيف قررا الثورة على الوضع. ونحن نعلم أننا لم نوف الرواية حقها، وهي جديرة بالدراسة من كل نواحيها وبمناهج متعددة. وحسبنا نحن هنا أننا أردنا أن نثبت أمرين وهما:
1 ـ أن مالكا روائيا فذا.
2 ـ أن مالكا هو رائد الرواية الجزائرية دون منازع حتى نثبت العكس.


الهوامــش:

1 إدريس بوذيبة، الرؤية والبنية في روايات الطاهر وطار، منشورات جامعة منتوري  ، قسنطينة، الجزائر، ط1، 2000، ص 14.
2 د/ عبدالله الركيب، الأوراس في الشعر العربي ودراسات أخرى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط1، 1982، ص 144
3 الرؤية والبنية، م س، ص 19
4 الأوراس في الشعر العربي، م س، 151
5 عمر كامل مسقاوي رفيق وصديق وتلميذ مالك بن نبي، وهو الوصي الوحيد على كافة أعماله بوصية تركها مالك بن نبي في المحكمة الشرعية في طرابلس الشام سنة 1971، حيث حمله مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
6 مالك بن نبي، لبيك... حج الفقراء، ترجمة د/ خوليف زيدان، دار الفكر، دمشق، ط1، 2009، ص 10.
7 انظر آراء الدكتور عبد الصبور شاهين، ومحمود محمد شاكر، وعبد الله دراز في مقدمة (الظاهرة القرآنية).
8 لبيك. 24 وما بعدها.
9 م ن، 24
10 م ن،  25
11 لبيك 35
12 م ن،  45
13 م ن،  56
14 م ن، 71
15 م ن، 55
16 م ن،  56
17 م ن،  76
18 م ن، 96
19 م ن، 130
20 م ن،  156

آخر التغريدات: