ابن باديس والجامع الأخضر

بقلم: رابح مختاري-

إذا ذكر ابن باديس قرن باسمه "الجامعالأخضر" فهما شيئان متلازمان لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر، إذ هو المكان الذي علمفيه وأرشد منذ عام 1332هـ إلى أن وافته المنية سنة 1359هـ.

ولقد كان يمر بي هذاالاسم أثناء مطالعاتي عن ابن باديس وجهوده فأحسبه مسجدا ضخما مترامي الأطراف ضاربافي الشموخ والارتفاع لما اشتهر به من كثرة الطلاب الوافدين عليه من مختلف مدنالبلاد، ولم يزل هذا الأمر مستقرا في نفسي, ماثلا في ذهني حتى وفق الله لزيارته،فلما رأيته وقفت منبهرا مشدوها لصغره وضيقه وقلة مرافقه, وكرت بي الأيام راجعة إلىالماضي:

أهذا المسجد الضيق هو الذي طار صيته في البلاد وملأ الدنيا شهرة، وتخرجمنه ذاك الرعيل الصالح من الفضلاء الدعاة إلى الله تعالى أمثال مبارك الميليوالفضيل الورتلاني وأضرابهم؟

هذا المسجد على ضيقه قام بما عجزت عنه الجامعات،فقد كان منارة يهتدي بها الناس ويؤمها طلبة العلم من أرجاء البلاد، وكان قوتاللقلوب وغذاء للألباب يستفيد فيه العامة والطلبة دروس الوعظ والإرشاد كلليلة.

ورأيت في هذا المسجد مقصورة ابن باديس التي وصفها محمد الحسن فضلاءبـ"منبع سرِّ النهضة الوطنية الكبرى" فتعجبت من صبر ابن باديس وشخصيته الفذة وجهادهالعظيم، فإن رجلا صبر على العيش في مثل هذه الحجرة الضيقة وبذل أوقاته في الدعوةإلى الله والتوجيه والإرشاد متحملا ويلات الاستعمار ومخلفات الجهل والأمية، وقضىحياته بعيدا عن ألوان الرفاهية وصنوف النعيم وقد كانت منه على طرف الثمام =لرجلنفيس ضحى من أجل دينه وأهل بلده تضحيةً أيّ تضحية.

لقد صدق فعله قوله حين قال: "إنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة أعلِّم أبناءها وأجاهد في سبيل دينها ولغتها" اهـ

وقال: "إنني أعاهدكم على أنني أقضي بياضي على العربية والإسلام كما قضيتسوادي عليهما.... وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن هذا عهدي لكم، وأطلب منكمشيئا واحدا وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن" اهـ

إنالإمام ابن باديس قد أدى ما عليه وقضى ليله ونهاره في نشر العلم والفضيلة، ومحاربةالكفر والبدعة والرذيلة، في وقت قلَّ فيه المعين وعزَّ فيه النصير:

إن الزعامةوالطريقُ مخوفة غير الزعامة والطريق أمان وقد شهد له أهل الفضل والإنصاف بأنهكان قلب الأمة النابض ولسانها اللافظ، ولكن الغريب الذي لا يكاد ينقضي منه العجب أنيظهر من بني الجلدة من يقلب له ظهر المِجَنِّ ويسعى لتصيد أخطائه، ويقابل وفاءهوجهوده بالتنكر وكفران الجميل، وهذا منتهى اللؤم وغاية الغدر, ومن سلك هذا السبيلفقد تجشم ورطة صعبة ونادى على نفسه بقلة الإنصاف، وإذا صار فقعة القاع يطعن فيالرجل الصريح فعلى الدنيا السلام.

إن الداء الذي سرى في الأوصال والعلة التيفتكت بكثير من الغافلين هي كما يقول الأديب محمود شاكر رحمه الله: "علة العصر الذيصار أبناؤه يتلمسون المعابة لأسلافهم وآبائهم في خبر مطروح أو كلمة شاردة أو ظاهرةمحدودة، فيبنون عليها تعميما في الحكم يتيح لأحدهم أن يشفي ما في النفس من حبالقدح، والتردي في طلب المَذمَّة، أو أن يتقلد شعار التجديد أو الإغراب طلبا للذكروحبا للصيت" اهـ

إن"الجامع الأخضرالذي كان مشعل هداية وقبسا مضيئا مع ضيقهوقلة مرافقه يفيدك –يا طالب الحق- فائدة عملية أودِعْها قلبك وأسْكِنها أعماقك وهيأن العبرة ليست بتزيين الجدران وزخرفة البنيان فإنها نقوش تبهج الأبصار ولكنها لاتحمي الذِّمار ولا تحفظ الديار، وإنما العبرة بالإخلاص والعلم النافع والعمل الصالحالمتواصل فهو الذي يبني الرجال ويربي الأجيال.

وقد أدرك الإمام ابن باديس هذاالأمر إدراكا تاما فقال مبينا رسالة المسجد: "إذا خلت المساجد من الدروس كما هوحالنا اليوم في الغالب، فإن العامة تعمى عن العلم والدين وتنقطع علاقتها به، وتبردحرارة شوقها إليه فتخسر نفسها وأبناءها، وتمسي والدين فيها غريب" اهـ

وقال أيضا: "المسجد والتعليم صنوان في الإسلام من يوم ظهر الإسلام، فما بنى النبي صلى اللهعليه وسلم يوم استقر في دار السلام بيته حتى بنى المسجد، ولما بنى المسجد كان يقيمالصلاة فيه ويجلس لتعليم أصحابه، فارتباط المسجد بالتعليم كارتباطه بالصلاة" اهـ.

 

آخر التغريدات: