مالك بن نبي كان أمة واحدة براعة فكرية ومهارة تحليلية

بقلم: أ.محمد البشير مغلي

حديثنا عن المرحوم الأستاذ مالك بن نبي وعن تقييمه لإنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي صعب مستصعب، لأنه حديث عن مهندس درب وجرَّاح مرن، جند جميع طاقته وخبراته في طاق الدعوية لخدمة الإسلام والمسلمين، وعلاج الفكر الإسلامي من الأمراض الفتاكة، وتطعيمه بالأمصال الإنعاشية والوقائية. كما نذر حياته لترشيد الوعي الإسلامي وتحفيزه على النهوض برسالته مرة أخرى، لأنها رسالة سماوية خالدة، ولكن ولئن كبت يوما كبوة طالت أو قصرت، فإنها لا تنقضي بانتهاء الدورة الحضارية فالحضارة قد تزول ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ولكن الرسالة يجب أن تدوم . آلت السماء على ذلك .

مزايا الصنعة التكوينية

فهو إذن حديث عن مهندس كهربائي ساعده تكوينه على هندسة عالم الأفكار والنفوذ إلى أغواره . وكما أن الكهرباء تفيد الإضاءة والإنارة من ناحية فإنها من ناحية أخرى تعرض الأشخاص إلى مخاطر الالتهاب والاحتراق والقتل، مورثة الأضرار والظلام الدامس .

وكذلك الأفكار : فيها النير المضيء المكهرب الواثب، وفيها الحالك المظلم الداكن الذي يورث بصيصه التعتيم في الفكر والحضارة بدلا من أن يمزق سجوف الظلمة الفكرية فيها . وعندئذ تكون الكوارث والمصائب غبر بعيد عن أصحابها . وفرق بين مهمة الكهربائي ووظيفة المهندس .

فأول ما يتبادر إلى الذهن من مهمة الكهربائي في عرفنا، أنه يقوم بتصليح الأسلاك وإعادة الشحن وكذلك التيار الكهربائي إلى مجراه الطبيعي من أجل إعادة الإضاءة وسلامتها . وأما المهندس فهو ذلك الذي يهندس ويصمم لتصليح الخلل والإنارة ويخطط للشحن الكهرطيسي وينبه إلى الأخطار ويضع الفواصل المنية العازلة، الرئيسية ويتمتع بقدرة على التسيير المنظم واحتواء التعطل الكامل ويتحكم في الطوارئ حين الالتهاب أو الانطفاء مثلا ..

توظيف التخصص لخدمة الرسالة

فإن اعتبرنا الآن الأسلاك بمثابة الأفكار والشحن بمثابة الحوافز والتيار بالاتجاهات الفكرية أو الصراع الفكري، والإضاءة مثلا بالفعاليات، والحقل الكهربائي بالحقل الفكري، والفواصل العازلة بقواعد الصراع ...صار من اليسير علينا أن نفهم كيف برع هذا المهندس المحنك في توظيف تخصصه العلمي من أجل أن يَخْبَر عالم الأفكار ويطلع على خصائصها ويكشف عن دقائقها بل ويتعامل ويتفاعل مع ذراتها وجزئيتها الخفية ( والله يصيب برحمته من يشاء ) هذا عن المهندس بالتكوين .

وأما عن الجراحة والتشريح فقد كان يمارسها في ميدان متشعب عصي للغاية .

تارة على الأحياء والأموات، الحضارات الزاهرة والحضارات الآفلة، وأخرى على الأفكار الميتة والأفكار القاتلة .

ورابعة على الاستعمار وقابلية الاستعمار، وكذالك على صراع الأشخاص بما فيه عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأفكار .

ولا جرم أن جراحة الأبدان أيسر بكثير من جراحة الأفكار وتنصيب قدامه القامات المريضة والهامات البلية فيعاين العلة ويجرح مضربها فيسيل منها الداء وقد يقطعها أو ينتشلها أو يداويها فالمعطيات كلها متوفر لديه كما ترى.

وأما جراحة الأفكار فأعوص لأنها لا تخضع للمقاييس الثابتة ولا تعرف المعايير الدقيقة ولا ترتبط بتخصص معين وهي قابلة للمغالطة واللف والخداع والتوجيه .مجالها فسيح للصراع وتيارات الجارفة لا تحصى، داؤها أخطر من العلل البدنية، لأن هذه الأخيرة لا تؤدي إلا بأصحابها المعلولين. أما هي فتقتل أمة وقد تأتي على أجيال بأكملها وقد تتسبب في انهيار حضارة كاملة . ولذا فمهمة الطبيب الجراح أهوان بكثير من مهمة المفكر الجراح أي الناقد الخبير الواعي . فالطبيب الجراح وقته محدود "بمدة الجراحة " و أداوته جاهزة ومرض العليل مشخص لا لبس فيه وجسمه ماثل بين يديه محدود على طاولة الجراحة والأضواء الكاشفة مسلطة عليه والعلة كما قدمنا معروفة " مجغرفة " بالإضافة إلى أن الهدف محدد والتجربة نفسها متكرر و المساعدين يحوطونه من حوله والجراح مطمئن للعملية والنتائج معروفة سلفا والعواقب متوقعة.
على حين أن وقت المفكر الجراح غير محدود إذ هو دائم التجنيد والرصد ملتزم جانب الحذر واليقظة : العلة ليست دائما معروفة ولا العليل، والشبهات كثيرة والنوايا والمقاصد ملفوفة والعوامل المؤثرة عديدة، والعلل مركبة تركيبا مخططا ومن قبل مهندسين مختصين في الصراع الفكري والحضاري والسياسي، الأهداف غير ظاهرة والعواقب مبهمة إلا من القادة الماكرين .

والذي يجلي هذه البراعة النوعية في الصنعة الفكرية ويبرز هذه الحنكة النقدية النادرة والخبرة العلمية بالأدواء الفكرية متناوله لقضايا الغرب وعلاقاته بالشرق والأثر المترتب عنها.
منهجه في نقد إنتاج المستشرقين

الملاحظ أنه ولا هو يتولى الرد على ادعاءات المستشرقين ولا هو يدحض افتراءاتهم أو يفند ميولهم فهذه الردود تصدى لها نقاد مسؤولون وأدباء مخلصون ومؤرخون غيورون على دينهم وحضارتهم ولكنهم يعملون مع ذلك في مجال محدود وهو التصدي للرد، كل في ميدان تخصصه و هو كما ترى أمر لا محالة مطلوب ومحمود في حد ذاته إلا أن المرحوم، وإن كان قد تخصص بعض جهوده للرد العلمي على مزاعم المستشرقين وأخطائهم، نلفيه يعمد إلى إجراء تقييم عام لإنتاجهم، محللا تارة، مستشهدا ومبرهنا تارة أخرى، منتهجا الأسلوب المقارن أحيانا، راكنا إلى التحقيق والتجربة أحيانا أخرى، متفرسا مستطلعا أنباء التاريخ وسننه مرة، مستخلصا العبرة مرة أخرى، مستخرجا نظرية يوما، مسطرا قاعدة عامة يوما آخر، تفيد في التوقيعات أو التخدير أو المواجهة أو في شتى الفعاليات .

..مميزات منهجه ..

من أبرز مميزاته حرصه على حصانة الفكر الإسلامي وأصالته وصفاته وصفائه وفعاليته .. إنه يريد فكرا فعالا منتجا حضاريا نموذجيا راقيا في الطليعة.

كما يريد فكرا نافذة عمليا طليقا لا تعلق به عالقة ولا تشوبه شائبة، وهذا إخاله بعدا من أبعاد التوحيد يحققه المرحوم بالفعل في ميدان تخصصه فنيا وعمليا.

كما كان رحمه الله، يتسم بحساسية مرهفة تجاه أحابيل العدو الذي كان يسميه بـ " الآخر l autre أي المجهول الصورة ويَشْتَمّ عن بعد المؤامرات الفكرية التي يدبرها.
كما كان يحرص على المغايرة والتميز والجدية السلوكية في بناء الشخصية الفكرية. ومن خصائص منهجه أنه كان يعتمد على التحليل الرياضي والمنطقي والفلسفي كما كان يستعمل المنهج النفسي الاجتماعي لاستجلاء مكنونات الفردية والمجتمعية .

هذا ولتحليله سمة أخرى ألا وهي تحليل غائي يستهدف الوصول إلى نصاعة التفكير الإسلامي وإبداعه وقدرته على إيجاد الحلول وغرسه في أذهان شباب ما بعد الاستقلال خاصة وهم بناة الغد وبثه في فهوم الطلبة بثا استثنائيا ملك عليه كل أولوية في تلقين التربية العقلية والتنظيم الفكري ..لأنه كان يدرك تماما أن هؤلاء الطلبة الجامعيين كانوا يترددون على جامعات مازالت مرتعا للفكر الجاهلي بصفة عامة وهو أدى بذلك من غيره مرتين :

ـ مرة بحكم انكبابه الدائب على هذه القضايا الفكرية ذاتها .

ـ ومرة بصفة كان مديرا للتعليم العالي بالجزائر وإذا جاز لنا سرد نقاط رئيسية لمنهجه المتميز عدد أهمها فيما يلي :

• الانطلاق من الحقائق الإسلامية.

• الربط العلمي بالرسالة والدعوة .

• براعة استعمال الشواهد القرآنية في الاستدلال السنني وحينونة المناسبة دونما استطراد.

• الاستفادة القانونية من مخبر التاريخ والوعي الرهيف بصرامة السنن.

• الاهتمام بالحقل الجغرافي السياسي.

• التحليل الرياضي الدقيق.

• التحلي بالواقعية والصراحة والموضوعية.

• النزعة التفاؤلية في أحلك الظروف واختناق الأزمة بحيث تنبثق منها إمكانية العلاج وتدارك الأمور وتجدد الدور الرسالي للمسلم .

• الإطار العالم للرسالة الربانية والجانب الشمولي universaliste بحيث تتداخل الأدوار وتتكامل بين المسلم والأمة الإسلامية : فكل مسؤول عن الأخر وكأنه رحمة الله، يريد أن يشعرك بأنك بانتمائك إلى الإسلام تصير عضوا في الأمة تلقائيا وبالتالي فإنك إما أن تكون عاملا في تحريك عجلة نهضتها أو أن تكون معول هدم لها أو عائقا لسيرها سواء وعيت ذلك أم لم تعه، أردته أم لم ترده، بل تحسبه يربطك أكثر من ذلك بتاريخ هذه الأمة وبرجالها الأوائل بل بالرسل والأنبياء السادة الهداة.

التلقين المنهجي المسؤول

هذا وإنه لا يكشف الداء لمجرد الكشف عنه أو بغرض إفصاح صاحبه والتنديد به، لأنه لا يهمه اسم المستشرق بقدر ما تهمه الفكرة الخاطئة أو القاتلة أو المزيفة. وذلك أن المستشرق يموت و تبقى علته وسمومه تظل تنخر في عقول المسلمين. كما أنه لا يقف على الداء لمجرد الإمداد بالعلاج أو الوقاية، والتحليل والرقابة والتحقيق والتصويب ومنهج تشخيص الأمراض وتبين الأعراض.

وفي معالجته الواقعية لمشاكل العالم الإسلامي تجده يحملك على الشعور بمدى خطورة الأمر بحيث يضع أصبعك عليه وأنه يتعلق بقضية المصير الإسلامي الكبير، والذي يتمثل جزئيا في مصيرك أنت ومصير أخيك ومصائر الشعوب الإسلامية..

ولا أَقَلَّ عنده من أن يكون المثقف المسلم في مستوى الآخر الذي يستعلي عليه ويكيد له، فيكشف المكيدة الفكرية أو اللعبة الماكرة أو السوسة الناخرة معنويا أو ثقافيا، ثم يعمد بعد ذلك إلى التشهير والتفيد ولا ضير ..

الفصم الوظيفي

وعلى مستوى آخر ترى أستاذنا، طيب الله ثراه، لا يعيب كثيرا على المستشرق فعله هذا من ناحية وظيفية أو أخلاقية بقدر ما يعيب فيك أنت أيها المسلم قلة فطنتك أو جهلك أو غفلتك أو عدم نهوضك بالواجب وتعطيلك لهذا الأهلية العلوية التي تمنحها لك السماء «وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين» ونسيانك لدورك لأنه يعلم أن هذا الآخر إنما يقوم هو بوظيفة أو أن يؤدي واجبه كما يتراءى له في قناعته ربما أتم قيام وأحسن أداء. ولكنه لا يسمح معك أنت إن تخليت عن وظيفتك المقدسة لأن هذا التخلي انسحاب ذريع نمن الساحة وغياب مرضي وإخلاء شنيع من البناء الرسالي والتشييد الحضاري أضف إلى ذلك تقاعسك الديني وارتكانك اللادعوي ..
ويمكن في الختام وصف منهجيته بأنها تعويذية أو تعويذية خصوصا أنه كان كثير الترداد في صلواته للإخلاص والمعوذتين بحيث إذا تكلم مستشرق أو شخص غريب عن الإسلام وفي قضايا المسلمين فسرعان ما تزحم عليه تلقائيا وبإملاء من منهجه الصارم المتحرر أسئلة ثلاثة:
1 من المتكلم ؟ بحثا عن هويته واستبطان لإحداثيات التاريخية والسياسية والثقافية ..

2 ماذا يقول ؟ استفسار عن المحتوى وتحريا لمدى الموضوعية واستقراء لأخطائنا فيما نقول أحيانا في غفلة مناعتها .

3ولماذا يقول ؟تتبعا لأهدافه و تقفيا لمراميه ودراسة لدوافعه..


المصدر: مجلة الموافقات (المعهد الوطني العالي لأصول الدين – الجزائر) العدد 3 جوان 1994.

موقع مالك بن نبي الإلكتروني

آخر التغريدات: