مناهج الحركات الإسلامية المعاصرة في التغيير : نقد وتقويم انطلاقا من فكر بن نبي

مناهج الحركات الإسلامية المعاصرة في التغيير : نقد وتقويم انطلاقا من فكر بن نبي

بقلم: د.عبد اللطيف عبادة –

تكاد تكون مشكلة التغيير هي المشكلة الأساسية في فكر مالك بن نبي لأنها الوجه الأخر لمشكلة الحضارة. لذلك نجدها تحتل الصدارة غي مؤلفاته ومحاضراته. وتأتي في مقدمتها المحاضرة التي ألقاها في لبنان سنة 1959 بعنوان «كيف نبني مجتمعا أفضل» ؟ وقام فيها بمقارنة  دقيقة بين النهضة الإسلامية والنهضة اليابانية وخلص إلى ما يلي : (( وإن نظرة واحدة إلى نهضتنا البعيدة، حينما نهضنا على صوت زعمائنا الأقدمين كجمال الدين ومحمد عبده والشيخ رشيد رضا حينما سمعنا هذه الأصوات الجليلة وأيقظتنا من سباتنا فأين توجهنا؟ إننا توجهنا بالطبع في طريق الحضارة. ولكن بكل أسف من غير أن نحدد الهدف ونوضح معالم الطريق. فلو أننا وارنا سيرنا الحضاري بسير حضارة أخرى فسوف نشعر في عصر السرعة في العصر الذي يخضع فيه التطور الاجتماعي إلى عوامل التاريخ إلى عوامل التسريع بأننا نسير ببطء.

ولكن فلنوازن سيرنا ونتائجنا الاجتماعية بسير مجتمع آخر استيقظ بعد عشر سنوات سنة 1868 وهو مجتمع اليابان.

والغريب أن هذا المجتمع الذي نهض بعدنا بعشرة سنوات قد سار الحضارة ووصل إليها، وأصبح خلال أربعين سنة دولة قوية تناهض دولة من العصر الاستعماري وهي دولة روسيا في ذلك الحين.

إن اليابان قد بنى مجتمعا متحضرا، فهو قد دخل الأشياء من أبوابها، وطلب الأشياء بوصفها حاجة، درس الحضارة الغربية بالنسبة لحاجاته، وليس بالنسبة لشهوته، فلم يصبح من زبائن الحضارة الغربية يدفع لها أموالها وأخلاقه. أما نحن فقد أخذنا منها كل رذيلة ، أحيانا منها بعض الأشياء الطيبة التي قدرها الله لنا .

فما هو معنى«سيرنا» ؟ وما هو معنى سير اليابان ؟إننا إذا عبرنا بالتعبير الصحيح، أعني بمصطلح له معنى اجتماعي، فإن اليابان قد سارت في الطريق لعمل نسميه البناء وقد قامت خلال نصف قرن من سنة1868 وإلى سنة 1905 ببناء مجتمع، ونحن كدسنا عناصر مجتمع»(1).
إن هذا النص يحدد إشكالية التغيير ومناهجه وكيف تكون سببا في تقدم المجتمعات أو ركودها إن لم نقل نكوصها .

وهذا إن دل شيء فإنما يدل على أن ابن نبي كان مدركا لمعنى التغيير وشروطه ومنهاجه إدراكا جيدا. وهذا هو الأمر الذي مكنه تحليل المناهج التغييرية تحليلا علميا .

يتفق الباحثون على التغيير ضرورة ملحة للخروج من وضعية الركود التي يعيشها العالم الإسلامي. هذا الآراء تختلف بعد ذلك حول طبيعة هذا التغيير ومنهجه. هل يتركز على الجانبين الاجتماعي والفردي لينفذ من خلالهما إلى النفس البشرية محور كل تغيير أم يقتصر على التغيير المادي وعلى تكديس المنتجات؟ تلك المسألة جوهرية أثارت جدالا عريضا بين دعاة العصرنة ودعاة الأصالة. وتمسك كل فريق بموافقة خصوصا عندنا كانت أطروحات المادية التاريخية في كامل عنفوانها تجزم بأن وجود الناس هو الذي يحدد وعيهم وليس العكس.
«غير أن زعماء النهضة الإسلامية أنفسهم الذين جمعتهم الآية القرآنية (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد:11]، وجمعهم التصدي للمادية والفكر الغربي ما لبثوا أن اختلفوا في المناهج .

فمنهم من ركز على إصلاح السياسة والمؤسسات ومنهم ركز على إصلاح العلم والتعليم ومنهم من ركز على الرياضة الصوفية ومجاهدة النفس وقلما نجد من ينظر إلى الأمور النظرة الشمولية التي جاء بها الشهيد حسن البنا وأتباعه، قلما نجد من يجمع بين الجانبين الفكري والعملي كما فعلت حركة الإخوان المسلمين. فكيف يكون التغيير الحق الجديد بهذا الاسم في خصم هذه التناقضات ؟

أضف إلى ما تقدم أن القطبين الكبيرين اللذين تصارعا منذ فجر النهضة هما التيار الإسلامي والتيار العلماني : أحدهما يتمسك بالتحديث والعصرنة. فكيف نحقق نهضة أصلية ومعاصرة ونتغلب في نفس لوقت على العوائق الموروثة من الماضي وعلى سلبيات الحضارة الغربية المعاصرة ؟ وكيف نتجنب التقليد والجمود ؟

هذا ويعتقد البعض أن التغيير لا يكون إلا عن طريق العنف في حين أن النهضة بناء متكامل يستند إلى العلم والتكنولوجية والأخلاق فكيف نجمع بين مقتضيات هندسية البناء المحكمة وبين متطلبات الهدم الذي يسبب العنف مع ما يترتب عنه من عداوة وبغضاء.

وإذا كان التغيير مرهونا بشروط معينة، أليست له معوقات تجعله صعبا أو مستحيلا ؟

ثم كيف نهتدي يا ترى إلى التراث الحي دون الميت، ونعثر على المقتبس المثري دون القاتل مع وعي التفرقة بين صحة الفكرة وصلاحيتها ؟

كل هذه التساؤلات تفرض نفسها في مستهل بحث يرمي إلى التنقيب عن قيمة المناهج التغييرية، ولا شك أن النقد الذي سنعرضه والذي وجهه ابن نبي للمناهج «التغييرية» يجعلنا نتوقع أن ينطلق من فلسفته في الحضارة وأن ما سيقدمه من بديل سيحفظ بإيجابيات المناهج المنتقدة وسيتجاوز الثغرات والنقائص التي نقدها. أو على الأقل ذلك ما عودنا عليه ابن نبي في دراساته التي تلتزم الصرامة الديكارتية والدقة الرياضية والنزاهة العلمية.

1- طريقة لدراسة مناهج التغيير :

إن طريقة ابن نبي في دراسة مناهج التغيير تحتوي على شقين :

- شق يتمثل في الطريقة التي تنظر بها إلى النهضة.

- شق يتعلق بمدى القدرة على تشخيص غاية النهضة وتشخيص المشكلات الاجتماعية وتحديد الوسائل.

أ- طريقة النظر إلى النهضة :

يرى ابن نبي أننا حين نتحدث عن النهضة نحتاج إلى أن نتصورها من ناحيتين :

- تلك التي تتصل الماضي، أي خلاصة التدهور وتشعبها في الأنفس وفي الأشياء .

-  تلك التي تتصل بخمائر المصير وجذور المستقبل ويأتي في مقدمة واجباتنا تصفية عادتنا وتقاليدنا وإطارنا الخلقي والاجتماعي، مما فيه من عوامل قتالة ورمم لا فائدة منها، حتى يصفوا الجو للعوامل الحية والداعية إلى الحياة، وتكون التصفية حتما بفكر جديد يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع، يبحث عن وضع جديد هو وضع النهضة .
ويلخص مالك بن نبي ضرورة تجديد الأوضاع بطريقتين :
الأول : سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي .
الثانية : إيجابية تصلنا بالحياة الكريمة .
ولقد قام توما الأكويني في عصر النهضة الأوروبية، حين ثار ضد الرشدية والأغسطينية، بالتجديد السلبي الذي كان الهدف من ورائه تصفية ثقافية مما كان يراه فكرة إسلامية أو ميراثا متا فيزيقيا للكنيسة البيزنطية. وأتى بعده ديكارت بالتجديد الايجابي الذي رسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي .
وهذا العمل نفسه اليوم ضروري للنهضة الإسلامية. وقد أنجز الإصلاح مهمة التجديد السلبي في أوساط مناوئة له، وحاول تحطيم عالمنا وعوامل انحطاطنا .
وأما التجديد الايجابي فهو وإن كان قد وضع لنا مُجمله إلا أنه لا يزال غامضا غير محدد(2).
ب - طريقة تشخيص غاية النهضة ومشكلات المجتمع وتحديد الوسائل :
لقد وقعت النهضة الإسلامية الحديثة في خط التكديس عندنا اتجهت نحو تكديس الأشياء المرجوة. وقد حدد مالك بن نبي أسباب هذا التعثر في العوامل التالية :
1- عدم التشخيص غاية النهضة بصورة واضحة :
الأمر الذي أدى إلى التيه والضياع مع التبذير في الوسائل. ولذلك يجب على الحركات الإسلامية الحديثة أن تحدد غاية سيرها وأن تتخذ العملية الاجتماعية من الحضارة غاية لها.
2- عدم تشخيص المشكلات الاجتماعية تشخيصا صحيحا :
وعليه يرى مالك بن نبي تشخيص المشكلات جيدا، إذ أن مشكلات الحضارة تتطلب أن نمعن التفكير حسب منطق الأشياء، وليس وفقا لعادات فكرية توجه فكرنا في اتجاه معين قد لا يكون مناسبا لعلاج المشكلات التي تواجهنا.
3- عدم تحديد الوسائل تحديدا يناسب الغاية المنشودة والإمكانيات :
إن النهضة الإسلامية الحديثة لم تحدد وسائلها أيضا ولكن سيرها -مع ذلك- كان يشير إلى أنها كانت تتجه نحو الحضارة. إلا أن من الملاحظ أنها كانت تحاول تحقيق غايتها عن طريق الأشياء التي تستوردها عن الحضارة الغربية. مع العلم أنه يستحيل أن تكون الوسائل المستورد وسائل لبناء حضارة. إذ أن البناء يتم بالدوافع التي تحرك تلك الأشياء والفكرة التي ترتبها في العملية الاجتماعية (3).
2- من الإصلاح إلى المنهج الحركة الشمولي :
هناك فكرة محورية تشغل حيزا كبيرا من أعمال مالك بن نبي وهي أن الإصلاحيين عموما ابتعدوا عن التخطيط الذي يعالج التغيير، من خلال هدف واضح أو برنامج موضوعي، وانشغلوا بقضايا عرضية أو جزئية كسعي عبده ومن بعده إقبال لإصلاح علم الكلام وسعي الأفغاني للإصلاح الحكم، وانشغال الكواكبي وأرسلان ورشيد رضا بمسائل دفاعية ..كل ذلك ـ في نظر ابن نبي ـ ابتعد عن جوهر المشكلة وبالتالي أهمل عملية تربية المجتمع باتجاه إعادة بناء شبكة العلاقات الاجتماعية وتحويل الشروط الواقعية للمجتمع نحو تحقيق التقدم .
ويتأسف ابن نبي لكون الجهود الذهنية لم تترجم في صورة مذهب دقيق للنهضة، ومنهج منسجم. بل ظلت في تنطلق في صورة شعلات دفاعية أو جدالية (4).
لذلك كان ابن نبي يعيب على هذه الجهود افتقارها إلى النظرة الشمولية فعوض أن تطرح المشكلة ضمن حدود معينة وعلى مستوى أسسها وإرادتها وقدرتها، نجدها قد طرحتها على مستوى المنتجات أي على مستوى حاجات مجتمع انخراط منذئذ في طريق اليوتوبيا والشيئية والتكديس. فبدل تناول الموضوع بطريقة جبرية (رياضة) تسمح بالإشارة إلى حل قابل للتطبيق على مستوى مجتمع تقوم فيه نفس المشكلة كالمجتمع الغربي طوال عصر النهضة، ثم تبني طريقة سير حسابية تعالج كل حلة على حدة، فعوض معالجة وضعية تاريخية عامة، تمت معالجة قضايا سياسية مختلفة في غياب كل صياغة رصينة (5) ويؤكد ابن نبي لا معقولية المنهج المعتمد لأنه لكي يتسنى لنا صنع حضارة ابتداء من منتجاتنا -إذا افترضنا أن هذا الأمر قابل للتصور من وجهة نظر منهجية بحتة (والأمر معقول في ذاته )- فإنه يبقى علينا أن نكون قادرين على اقتناء جميع منتجات. الأمر الذي يعد استحالة محضة من وجهة النظر الاقتصادية(6).
والنتيجة الحتمية التي يلخص إليها ابن نبي بعد استقراء تاريخ الحضارات، أن النهضة الإسلامية لم تؤت ثمارها المرجوة كما فعلت مجتمعات أخرى كاليابان انطلقت من نفس النقطة لا بسبب فقدان الوسائل، بل بسبب فقدان الأفكار ولأن نشاط العالم الإسلامي قد طبق في عالم النسق البشري ونسق الأفكار لان الواقع التاريخي يبين أن مشكلة التجهيز مرتبط بقضية الإنسان والأفكار وأن المحصول الاجتماعي للآلات مرتبط بفعالية وسلوك الفرد الذي يستخدمها (7).
أضف إلى أن الاتجاه الإصلاحي الذي تمكن من تحطيم التعادل الخامد الذي استقر عليه عصر ما بعد الموحدين قد اتجه بصفة خاصة إلى الذكاء وطفر بالمشكلة إلى المرحلة الفكرية من الحضارة متخطيا بذلك مرحلة جوهرية من الحضارة متخطيا بذلك مرحلة الروحية التي تؤدي إلى تغيير الفرد إلى جانب أنها تؤدي تغيير يمكن أن تتعرض له القيم الاجتماعية.
فالرجوع إلى السلف وهو المبدأ الذي نادت به الحركة الإصلاحية التقليدية، لم يسجل إذن في نسق من الأحداث التاريخية، فهو بهذا يعتبر مزلقة لا تؤدي بالإنسان إلى مرحلة من الوعي، بل إلى مرحلة يتعلم فيها ما يتصل بعلم الكلام، أي أنه يسلك النهج الذي سبق أن سلكه المسلمون ما بعد صفين. فهو إذن إصلاح للعلم، قلما يمس، بل يمس البتة مصير المجموعات الإنسانية (8).
ولكن يبدو أن الحركة الإصلاحية في عمومها لم تكن تملك ما ظفرت به في بدايتها من نفثة تملك روحية، وانتفاضة صوفية، فظلت تعاليم تهدف إلى تكوين متخصصين بارعين أكثر مما تتجه إلى تكوين دعاة مخلصين، ومع ذلك فيبدو أيضا أنهت تتخلى عن مكانها ليحل محلها اتجاه جديد أكثر انطباقا مع ما دعا إليه إقبال حين نبه على أن المطلوب مفهوما كلاميا ولكنه انكشاف للحقيقة الخالدة، وبحسب تعبير هو تجلي هذه الذات العلوية))(9).
هذا الاتجاه الجديد هو حركة الإخوان المسلمين التي تلمس فيها الضمير المسلم طريقه من جديد فكأنّها كانت استجابة حقة لما دعا إليه الاتجاه الجديد في آراء إقبال وهي حركة تمتاز في جوهرها بالمؤاخاة العلمية، اقتداء بالمجتمع الإسلامي الأول الذي لم يتأسس على عاطفة مجرة أو شعور ساذج، بل قام على عمل جوهري هو «المؤاخاة» بين المهاجرين والأنصار، وكان ذلك ميثاقا لتلك الحركة الحديثة التي حاولت التأليف بين أعضاء المجتمع، تأليف يحمل معنى المشاركة في الأفكار والأموال (10).
والفرق في نظر ابن نبي بين الحركتين الإصلاحية وحركة الإخوان المسلمين هو الفرق ذاته بين التجديد والتجدد. فالتجديد هو ذاته التفسير النفسي للتكديس ولكنه يعد أيضا نوعا من الشرط المادي اللازم لعملية التجدد، تجدد النفس الذي هو جوهر النهضة في حين يعتبر التجديد هو الذي يتصل بالفكر وحده إصلاحا ظاهريا.
فالتجديد يمس القشور والتجدد ينفذ إلى اللب بحيث يحرك كوامن النفس البشرية (11).
والحركة الإصلاحية بالرغم من المآخذ الموجّهة إليها كانزلاقها في المعترك السياسي، ولجوئها إلى التبرير وإلى إصلاح علم الكلام والمنهج التجزيئي المفتقر إلى النظرة الشمولية بعيدة المدى، تبقى لها مع ذلك مزاياها إذا قورنت يغيرها من الحركات.
فالحركة الإصلاحية إذا قورنت بالحركة الحديثة قد يكون لهما قاسم مشترك وهو أن كلتيهما لم تتجه، -في رأي ابن نبي- إلى مصدر إلهامها الحق، فالاصطلاحيون لم يتجهوا حقيقة إلى أصول الفكر الإسلامي، كما أن المحدثين لم يعتمدوا إلى أصول الفكر الغربي. ومع ذلك فإن الإصلاحيين وحدهم هم الذين يحملون فكرة النهضة، وهم وإن كانوا لم يحققوا شروطهم العلمية بصورة منهجية فإنهم على الأقل لم يضيعوا هدفها الجوهري، لقد كانوا واعين تماما لأوضاع بيئتهم حتى ألحوا في المطالبة بأن يؤدي كل واجبه، تاركين للمحدثين الضرب على نعمة الحقوق(12).
وقد توصلوا من وراء جهودهم -التي قد تبدوا ساذجة- وغالبا ما كانت كذلك في رأي ابن نبي إلى معرفة بيئتهم من خلال جهودهم الإصلاحية. أما المحدثون فقد انعدمت لديهم فكرة النهضة ذاتها فأصبحت ثانوية، لأنهم لم يخالطوا حياة بلادهم إلا في ميدان السياسي. فإن المسألة في نظر المحدثين لم تكن مسألة تجديد العالم الإسلامي وبعثه، وإنما كان هدفهم انتشاله من فوضاه السياسية الراهنة، وهذه فكرة مستعارة لا ترى في الواقع مشكلة الفرد المسلم، بل ترى مشكلة النظم الأوروبية فالحركة الحديثة ليس لها في الواقع نظرية محددة لا أهدافها ولا في وسائلها، والأمر يعد هذا يَعدوا أن يكون غراما بالمستحدثات، فسبيلها الوحيد هو أن تجعل من المسلم زبونا مقلدا دون أصالة، لحضارة غربية تفتح أبواب متاجرها أكثر منان تفتح أبواب مدارسها. وعلاوة على ذلك فالحركة الحديثة لم تتجه نحو الأعمال ووسائل أدائها، بل اتجهت إلى الأشكال والأذواق والحاجات(13).
والحركة الإصلاحية أيضا قد تمكنت من تخليص المسلم من الانتحار البطيء الذي فرضته عليه الطرق الصوفية. غير أن ابن نبي يعيب عليها الجدال العقيم للطرقية الذي بدد طاقات فكرية جبارة لدى المصلحين وألهاهم عن أهدافهم الحقيقة (14).
3- السمات المرضية التي سادت الثقافة الإسلامية المعاصر وانعكاسها السلبية على منهاج التغيير:
يتعرض ابن نبي للسمات المرضية السائدة في الثقافة الإسلامية المعاصرة ويبين انعكاسها السلبية على مناهج التغيير وعلى حركة النهضة وانعكاسها السلوكية في شخصية الفرد والمجتمع. ولا يكاد يخلو منهج من المناهج التغيير من هذه السمات. غير أن المناهج تتفاوت بالقلة والكثرة فيما تحمله من بصمات هذه الأمراض المزمنة.
ومن بين السمات المرضية : اللفظية والفخر والمديح، والجدالية والتبرير والشيئية والتكديس، والرومانسية، والاضطراب والذرية. وسنحاول تحليلها بإيجاز .
1- اللفظية : يذكر ابن نبي بعض أعراض هذا الداء وتتمثل في :
- إجادة الكلام والهيام بالألفاظ
- اتسام التربية التقليدية بالطابع الكلامي الأدبي
- وجود فجوة بين الكلام والعمل .
- ثقافتنا استعبدتها الألفاظ فلم تعد تعتبر عن اهتمام بالعمل بل مجرد الشهوة إلى الكلام .
- إن استبداد الألفاظ والصيغ يخلع على أي تفسير للنهضة طابعا سطحيا(15).
- المثل الأعلى منذ عصر الانحطاط هو أن يكون الإنسان بحر علم مع الافتقار لدوره الاجتماعي(16).
- إفراغ الكلمات من مضامينها بحيث لا تنبئ عن عمل ونشاط، وتصير مجرد ألفاظ مرصوفة فيقد بذلك الكلام قدسية وعلاقته الجدلية مع الفكر والعمل .
يقول ابن نبي : «والغرام بالكلمات أعظم خطرا من الغرام بالمعدن أو الرخام أو الحجر، فهو يؤدي أولا وقبل كل شيء إلى أن يفقد الإنسان حاسة تقدير الأمور على وجهها الصحيح وهو أمر لازم لكل جهد إيجابي من البناء» (17).
2- الفخر والمديح : إن استخدام نزعة المديح وأدب الفخر والتمجيد كوسيلة للتغلب على مركب  النقص الذي اعترانا إزاء سلطان الثقافة الغربية. واضح أنها وسيلة للتخدير والتسلية تعزل الفكر والضمير عن الشعور بالمتاعب الحقيقة .
يقول ابن نبي : «حين اتجهت الثقافة إلى امتدح الماضي أصبحت ثقافة أثرية ولا يحتجه العمل الفكر فيها إلى الأمام، بل ينتكس إلى الوراء وكان هذا الاتجاه الناكص المسرف سببا في انطباع التعليم كله بطابع دارس لا يتفق ومقتضيات الحاضر والمستقبل، التشبث بالماضي، كأنما قد أصبحت متفسألة»(18).
3- الجدلية والتبرير : يعتبر الميل نحو الجدال الطابع الطاغي على الأعمال الأدبية والعلمية في  عصر الانحطاط وعصر النهضة فالمتجادلون لا يبحثون عن حقائق وإنما عن براهين ولا يستمع المجادل إلى محدثه بل يغرقه في طوفان من الكلام. كما أن المثقف يهتم بالدفاع عن المجتمع وتبريره عوض تحويله، ودون أي اهتمام بالتخطيط الاجتماعي. ولقد ظلت هذه النزعة تسود ثقافتنا بشكل عطل تحويل العمل الثقافي إلى عمل مخطط وتصميم يبلور مذهبا في التغيير الاجتماعي.
ويذهب ابن نبي إلى أن النزعة كانت ترمي إلى مهر المجتمع الإسلامي بالوسائل الملائمة للدفاع عن ذاته أو لتبرير نفسه، بدل أن تقوم بتحويل الشروط الواقعية والأساسية لهذا المجتمع(19).
4- الشيئية والتكديس : إن النزعة السالفة الذكر جعلت المجتمع الإسلامي يسقط في شراك مرض آخر لا يقل خطورة عن سابقه.
هذا المرض هو الشيئية. يقول ابن نبي : «ومن أجل الدفاع عن المجتمع الإسلامي كانت المشاكل توضع ضمن حدود كمية، أي باعتبار «كميات الأشياء» الضرورية، وقد كان نفس شعار جمال الدين الأفغاني الذي يقول فيه : «لو أن جميع الهنود يبصقون معا لأغرقوا الجزر البريطانية في بحر من اللعاب»، يشير أن النهضة كانت تنزلق في طريق الشيئية(20) وعلاوة على ما سبق فإن هذه النزعة تتمثل في الولع بالأشياء وتكديسها عوض الرقي عالم الأفكار لصنعها.
لقد كانت هذه النزعة سبب الطفولة غير المنتهية للعالم الإسلامي والتي بدأت منذ عصر النهضة وبجانبها نجد طفولة المجتمع الياباني الحديث قصيرة جدا لأنه دخل بسرعة في عالم الدول العظمى(21).
5- الرومانسية : إن النزوع الشعري القائم على النواحي الجمالية والبديعية ما هو إلا وسيلة تخفى  مواضع النقص والاختلال وهو نزوع يعانق نزعة المديح والحرفية التي تتعاون على ستر مواطن العجز بأودية من البلاغة (22) ولا شك أن تخليص الثقافة من نزعة الخيال، معناه طرحها في مواجهة الواقع ومشاكله بعيدا عن الخرافية والجبرية والرومانسية، واتباع السبل الواقعية والعلمية والصيغ العلمية المناسبة(23).
6- الاضطراب السلوكي : إن الثقافة الغربية أوقعت مجتمعنا في حالات من الاضطراب الفكري  والسلوكي جعلنا ممزقين بين الأفكار الميتة الموروثة والأفكار القاتلة المستوردة فعوض أن نصفي منهجية تلك وننفي هاته لإيجاد صيغة تخدم منهجية التغيير تجدنا في حيرة من أمرنا أصبحت مرضية.
وبهذه الطرقة يفسر ابن نبي اضطراب إقبال أمام مشكلة المرأة في عصرنا. يقول ابن نبي متحدثا عن إقبال «لم يكن اضطراب فكره إلا صدى لذلك الاضطراب العام الذي يسود التفكير الإسلامي بعد قرابة نصف قرن نصف الإصلاح ومحاولة التكيف مع الأسلوب الراهن هو خليط من الأذواق ومن المحاولات، ومن التذبذب، ومن مواقف التدين أيضا. فهي في الواقع قد اختارت الطريق الذي يقضي لها ما تريد من «أشياء» و«حاجات»، دون أن تبحث عن «الأفكار» و«الوسائل»(24).
خلاصة القول أن المجتمع الإسلامي من نصف قرن (مطلع القرن العشرين).. قبس من أشياء الغرب دون أدنى مقياس أو نقد، يحمله على ذلك أحيانا نوع من الإكراه، وغالبا كثير النفخ وفراغ العقل. وكل ما يسود من اختلاط وفوضى في الميادين الفكرية والخلقية أو في ميادين السياسة إنما هو نتيجة ذلك الاختلاط من الأفكار الميتة : المستعارة تلك التي يتعاظم خطرها كلما انفصلت عن إطارها التاريخي والعقلي في أوروبا»(25).
7- الذرية : إنها نزوغ الفرد إلى تجزئة المشكلة واعتبار الوقائع والأحداث مجزأة على أنها مجرد  أكوام لا تنطوي على قانون أو نتيجة عامة إنها تشبه قفزة البرغوث من تفصيل إلى تفصيل بحيث لا تسمح أن ترى في مجموعة من تفاصيل المعطاة وضعا يبرز بالتحديد مشكلة مرحلة لأفراد الثوري. إنها لا تسلك سبيل التكامل، بانتهاج التركيب المتآلف(26).
8- ذهان السهولة والاستحالة : اللذان يشملان حركة التغيير ويكبلان الأيدي حتى لا تستغل ما في حوزتها للخروج من ورطتها.
يقرر ابن نبي بحق أنه «طالما ظل الفكر عاطلا منعدم التأثير بقي النشاط حركة فوضى ن وليس هذا يبعث على الضحك والرثاء، وليس هذا سوى شكل من أشكال الشلل الاجتماعي»(27).
ومادام «لكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالفكر، فمتى انعدمت هذه العلاقة عمي النشاط واضطراب، وأصبح جهدا بلا دافع، وكذالك الأمر حين يصاب الفكر أو ينعدم، فإن النشاط يصبح مختلا أو مستحيلا.
وعندئذ يكون تقديرنا لأشياء تقدير ذاتيا. وهو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها، وغمط لأهميتها، سواء كان غلوا في تقويمها أم حطا من قيمتها»(28).
وإن قدرة الأستاذ مالك بن نبي الفائقة على تشخيص الأمراض الاجتماعية سمحت له بالوصول إلى النتيجة التالية : «هذان الشكلان من أشكال الخيانة يتمثلان في العالم الإسلامي الحديث في صورة نوعين العالم الإسلامي الحديث في صورة نوعين من الذهان : فإما أن يتمثل في صورة النظر إلى الأشياء على أنها سهلة وهو قائد ولاشك إلى نشاط أعمى.. وإما أن يأخذ صورة النظر إليها على أنها مستحيلة فيصاب النشاط بالشلل»(29).
4- الاقتباس من الغرب وتفادي الأفكار الميتة والأفكار القاتلة :
يمكن تصنيف الحركات التغييرية في العالم الإسلامي إلى صيغتين رئيسيتين :
- اتجاه يرمي إلى الحفاظ على الأفكار القديمة حتى وغن كانت ميتة.
- اتجاه يسعى إلى استنبات الأفكار المستوردة حتى وإن كانت قاتلة.
أ- الأفكار الميتة : يمكن إيجاز خصائصها فيما يلي :
- وهي أفكار موروثة من عصر ما بعد الموحدين .
- وهي تعبير عن القابلية للاستعمار
- وخطرها علينا أشد من خطر الأفكار القاتلة
- إن الأفكار التي قَلَبَت المجتمع الإسلامي لازالت تكون الجانب الايجابي القتال في عهد التقهقر .
- إن الأفكار القتالة في مجتمع حي تتحول إلى أفكار ميتة في المجتمع يريد الحياة .
- إن كل مجتمع يصنع بنفسه الأفكار التي ستقتله ثم تبقى بعد ذلك تراثه الاجتماعي أفكار القاتلة ميتة تمثل خطرا أشد عليه من خطر الأفكار القاتلة، لأنها منسجمة مع عاداته وتفعل مفعولها من الداخل ما لم تصفّ وتجدد قوة الدفاع الذاتي .
بعد ذكر هذه الخصائص يخلص بنا ابن نبي إلى ضرورة تطبيق تفكير باستور في المجال البيداغوجي ويعطي مثالا بالكاشاني الذي تمثلت فيه الجرثومة الداخلية آو الفكر الميتة التي خدعت وخدرت قوى الدفاع الذاتي في ضمير الشعب الإيراني. ولم يسقط مصدق تحت ضربات الشركات البترولية الاستعمارية فحسب، بل سقط أيضا وبالدرجة الأولى تحت ضربات القابلية لاستعمار المتمثلة في الكاشاني والناطقة باسم الله والوطن(30).
وقد تتمثل الأفكار الميتة والقاتلة في شخصية واحدة، غن فكر ما بعد الموحدين مستعد ليمتص الموت من جانب لأنه من جانب آخر يرشح به (31).
لماذا لا تمتص طبقنا المثقفة في البلاد الإسلامية سوى هذه العناصر القاتلة من الحضارة الغربية؟ علما بأن الغرب توجد لديه أفكار صالحة لحضارة حية تشمل شروطها الأدبية والمعنوية حياة تطور مئات من الملايين من البشر الذين بيدهم اليوم مصير الإنسانية. وعليه فإن الأفكار القاتلة التي نجدها في مضمون هذه الحضارة ما هي إلا إفرازاتها ما بعد الموحدين في جامعات العواصم الغربية لماذا يمتصون العناصر القاتلة ؟ لأن موقفهم من المشكلة الثقافية ليس صحيحا لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية الاجتماعية(32).
ب- الأفكار القاتلة : هي مستوردة من أوروبا ومستعارة منها وهي ناتجة عن الاستعمار ويمتصها أحد رجلين :
• طالب مجتهد منغمس في الجانب التجريدي النظري من الحضارة الغربية في كل مكان تتقطر فيه الحياة الغربية إلى خلاصتها العلمية مع عناصرها القاتلة أحيانا والمقتولة أحيانا أخرى. جو مقبرة ويتسلى في قاعة برلمان أي مقبرة أخرى .
• السائح المهتم يهتم بالجانب التافه في مقهى آو مرقص في مكان تتحلل فيه الحضارة الغربية فيه إلى مخلفاتها القاتل المزيلة .
هل مضمون الحضارة الغربية كله قتال أم أن طريقة التقاء نخبتنا طريقة غبر صالحة ؟
لو كان مضمون الحضارة الغربية كله قتّالا أم أن طريقة التقاء نخبتنا طرقة غير صالحة ؟
لو كان مضمون الحضارة الغربية كله قتّالا لَجَرّ عليها الوبال قبل أن تجره علينا ويعطي ابن نبي مثالا بمحمد إقبال وتصفيته للأفكار الميتة وتنقية لأفكار القاتلة، وباليابان الذي تخلص من الأفكار الميتة المثمرة الخلافة.
أما طلبنا فإنهم لا يذهبون إلى المصنع الذي تصنع فيه الحضارة وتولد فيه ولكنهم يذهبون إلى الأماكن التي تتعفن فيها أو إلى الأماكن التي تتقطر فيها عندنا تفقد الحياة ولا تعطيها(33).
ويعتقد مالك ابن نبي أن محاولة إحياء العالم الثقافي المشحون بالأفكار الميتة وبالاستعانة بأفكار قاتلة مقتبسة من حضارة أخرى مأساة كبرى فهذه الأفكار حين تكون قاتلة وهي في موطنها الأصلي، تصبح أشد قدرة على تترك مع الجذور التي لا تستطيع حمله ونقلها مضادات السميات التي كانت تخفف من شدة ضررها في موطنها الأصلي، وعلى هذا النحو يقتبس المجتمع الإسلامي المعاصر الحديثة من الحضارة الغربية بدلا من أن يهتم بالتقنية جيدا .
وخلاصة القول أن تصفية الأفكار الميتة وتنقيته الأفكار المميتة تعتبران الأساس لأي نهضة حقة. أضف إلى ذلك انه عليه أن تتعامل مع التراث الحي دون الميت ومع المقتبس المثري دون القاتل واعية التفرقة بين صحة الفكرة وصلاحيتها، وهي تخوض عملية التغيير الاجتماعي(34).
5- نقد مناهج التغيير :
بعد أن تعرفنا على طريقة ابن نبي في نقد مناهج التغيير، وتعرفنا على السمات المرضية في الثقافة الإسلامية المعاصرة وانعكاساتها السلبية على مناهج التغيير يجدر بنا الآن أن ندخل إلى لب الموضوع فنفحص الانتقادات التي يوجهها ابن نبي لمناهج التغيير في العالم الإسلامي :
1- منهج التغيير السياسي :
يفحص ابن نبي منهج الأفغاني فحصا دقيقا ويخصص له تحليلا ضافيا. فالأفغاني ـ كما يشير إلى ذلك ابن نبي ـ هو أول من جرُؤ منذ قرن على التحدث عن الوظيفة الاجتماعية لأنبياء في عالم ساقط هو عالم ما بعد الموحدين. فكان الشاهد الصادق والحكم الصارم على مجتمع انتهى أمره في هدوء إلى الانحلال بعد أن وطأ الاستعمار أرضه .
وشهد الأفغاني في ثورة السيباي مشهد الإفلاس الروحي والمادي في العالم الإسلامي. ومنذ النظم البالية والأفكار المميتة مستهدفا تفويض نظم الحكم القائمة كيما يعيد بناء التنظيم السياسي في العالم الإسلامي على أساس الأخوة الإسلامية التي تمزقت في «صفين» من جهة ومحاربة المذهب الطبيعي من جهة أخرى مدشنا بذلك أدبيات الجدال والتبرير التي ستعرفها النهضة الإسلامية.
غير أن دور الأفغاني لم يكن -في اعتقاد ابن نبي- دور مفكر يتعمق المشكلات لينضج حلولها لأن مزاجه الحاد لم يكن ليسمح بذلك. ولقد كان قبل كل شيء مجاهدا. ولقد تمكن من تفجير المأساة الإسلامية في الضمير المسلم ذاته. غير أن إيقاظ هذا الضمير بما احتوى من مأساة لم يكن جزءا من خطة منهجية وضعها الأفغاني ومؤلفاته القليلة المتسمة بالطابع الجدلي تخلو من مثل هذه الخطة. وقد كان الأفغاني رائد الإصلاح الحديث بما كان يحمله وينقله من قلق، وبما بذله من جهد في سبل إعادة التنظيم السياسي للعالم الإسلامي، وإن كان قد قصد بذلك التنظيم تنظيم جموع الشعب وإصلاح الإنسان الذي صاغه عصر ما بعد الموحدين. غير انه لم يكن منظر هذه الحركة.
لقد اعتقد الأفغاني أنه يمكن تلخيص المجتمع من غفوته بدلا من أن ينصرف إلى دراسة العوامل الداخلية التي أدت إلى هذا الوضع. وربما كان هذا الرأي صادقا لو أنه أدى إلى الثورة الضرورية، فإن الثورات تخلق قيما اجتماعية جديدة صالحة لتغيير الإنسان، بيد أن جمال الدين لم يحسن تشخيص الدافع إلى تلك الثورة. وما كان لثورة إسلامية أن تكون ذات أثر خلاق إلا إذا قامت على أساس المؤاخاة بين المسلمين. فالأولى تقوم على فعل ديناميكي، بينما الثانية عنوان على معنى مجرد، أو شعور تحجر في نطاق الأدبيات (35).
إن ابن نبي الذين يدافع عن الأفغاني ضد افتراءات المستشرقين أمثال جب الذي شكك في قواه العقلية يرى فيه باكورة عهد جديد. ولكنه يعتقد أن منهجه قاصر لأنه لم يعالج جوهر المشكلة الاجتماعية واشتغل بقضايا عرضية كإصلاح الحكم والقانون.
ولأنه بدل أن يترجم الجهود الذهنية في صورة مذهب دقيق للنهضة ومنهج منسجم، راح يقود حملات دفاعية وجدالية مدشنا بذلك عهد الجهاد والتبرير الذي سيشغل بال الرعيل الأول من المصلحين أمثال الكواكبي وعبده وأرسلان وغيرهم(36).
إلا أن قصور منهج التغيير السياسي لم يقتصر على الأفغاني وحده بل ظهر عند زعماء الحركة الحديثة الذين انعدمت لديهم فكرة النهضة ذاتها فأصبحت ثانوية، لأنه لم يخالطوا الحياة في بلدانهم إلا في ميدان السياسي. فالمسألة لديهم لم تكن مسألة تجديد العالم الإسلامي وبعثه وإنما كان هدفهم انتشاله من فوضاه السياسية القائمة.
وهذه فكرة -في رأي ابن نبي- مستعارة لا ترى في الواقع مشكلة الفرد المسلم، بل مشكلة النظم الأوروبية(37).
2- منهج التغيير عن طريق إصلاح العلم :
أ‌- محمد عبده : كان الشيخ محمد عبده زعيم الإصلاح بلا منازع إذا اعتقد أنه لكي يتحقق الإصلاح يجب أن يبدأ خطوته الأولى من الفرد طبقا لقوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد:11].
غير أن الشيخ محمد عبده ظن أن تغيير النفس يكون بإصلاح علم الكلام كما لو كان المسلم آنئذ فاقد لعقيدته. والواقع أنه ظل مؤمنا متشبثا في دينه ولكن عقيدته تجردت من فاعليها وتغيير النفس معناه أقدارها على أن تتجاوز وضعها المألوف. وليس هذا من شأن علم الكلام بل هو من شأن علم التصوف، بل من شأن علم جديد هو «علم تجديد الصلة بالله» الكفيل بتوفير الدافع الداخلي لدى جماهير الشعب، تلك الجماهير المتعطشة إلى انتفاضة القلب، كيما تنتصر على ما أصابها من خمود (38).
وكم تمنى ابن نبي أن يستطيع الإصلاح الجمع بين الأفكار والأصول التي ذهب إليها عبده والآراء السياسية والاجتماعية التي نادى بها جمال الدين. الأمر الذي كان يؤدي حتما إلى طريق أفضل من مجرد إصلاح مبادئ العقيدة.
والسبيل إلى تحريك العالم الإسلامي يتمثل في فكر ثوري كفكر الأفغاني يدعو إلى الهدم من أجل إعادة البناء. وإلى فكر منهجي كفكر عبده يجري عمليات التشذيب اللازمة، على أساس منهج مرسوم(39).
غير أنه بالرغم من هذه النقائص التي تجدست في منهج عبده بالإضافة إلى نزعة المديح التي تطغى على أسلوبه، فإنه يبقى صاحب الفضل في طرح المشكلة كلاميا وفي بعث نهضة أدبية سيكون لها تأثيرها على وعي العالم الإسلامي(40).
ب‌- إقبال : سيتمكن إقبال فيما بعد من توضيح هذا العهد الجديد في تاريخ الإصلاح المتمثل في إصلاح علم الكلام وتجديد الفكر الديني في الإسلام. وسيكون لهذا المسعى ثماره المرجوة بما سيعقبه من جهود حثيثة لأسلمة الفلسفة على أيدي مصطفى عبد الرزاق ومدرسته ومحمد باقر الصدر صاحب كتاب فلسفتنا. إذ ظن كما ظن من قبله الشيخ محمد عبده أنه من الضروري إصلاح علم الكلام، لوضع فلسفة جديدة، حتى تغيير النفس، غير أن ابن نبي يلح -بالرغم من الحسنات البارزة في منهج إقبال- على أن المشكلة ليست في أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها وإنما المهم أن نرد لهذه العقيدة فاعليتها وإشعاعها الاجتماعي. ليس المطلوب أن نبرهن للمسلم على وجود الله بل المطلوب منا أن نشعره بوجوده، ونملأ به نفسه باعتبار مصدرا للطاقة (41).
غير أن هناك أمور أخرى استوقف اهتمام ابن نبي وحسه النقدي في منهج إقبال :
- اضطراب فكره فيما يتعلق بمشكلة المرأة (بين عوائد الشرق التي تفصل المرأة عن دنيا الناس بحجاب تخفي به وجهها ومشربية ترى منها الناس ولا يراها أحد، وبين فكرة الغرب عن تحرير المرأة دون قيد أو شرط) الذي لم يكن سوى صدى لذلك الاضطراب العام الذي يسود التفكير الإسلامي بعد نصف قرن من الإصلاح ومحاولة التكيف مع الأسلوب الغربي .
وعلى هذا فإن تصفية الأفكار الميتة وتنقية الأفكار القاتلة يعتبران الأساس الأول في أي نهضة حقه ويلخصان الفكر الإسلامي من هذا الاضطراب(42).
ولاشك أن اضطراب أقطاب الفكر المسلمين يحدث وفقه في تطور الأفكار، إذا ليس في وسع المجتمع الإسلامي أن يعود إلى الوراء، إلى مرحلة ما بعد الموحدين، أو أن يطفر إلى الأمام طفرة عمياء في حركته نحو الغرب(43).
ويذكرنا ابن نبي أن إقبال تجاوز إصلاح علم الكلام حين نبه أن المطلوب ليس هو العلم بالله، ولكنه في أوسع وأدق معانيه الاتصال بالله، ليس المطلوب مفهوما كلاميا، ولكنه انكشاف الحقيقة الخالدة وبحسب تعبيره هو تجلي الذات العلوي(44).
ويبدوا أن التطور السليم في فكر إقبال كان له آثاره الحميدة على تطور مناهج التغيير ذاتها وظهور جماعة الإخوان المسلمين (45).
3- منهج التغيير المؤسسي :
بالإضافة إلى المآخذ التي وجهها ابن نبي إلى الأفغانية وإلى الحركة الحديثة والتي تنطبق على هذا المنهج الذي نحن بصدد تحليله تحليلا نقديا اهتم مفكرنا أيضا بدراسة منهج النخبة التي تكونت في المدارس الغربية وكان لها ضلع في إصلاح المؤسسات السياسية .
كانت الطبقة السياسية في عهده وبصفة خاصة الأحزاب والزعماء كلهم يركزون على المطالبة بالحقوق ويغفلون كلهم يركزون على المطالبة بالحقوق ويغفلون المطالبة بأداء الواجبات
ويعتقد ابن نبي أن الطبقة السياسية التي تركز على المطالبة بالحقوق خلفت أنصار الطرق الصوفية وعوضت التمائم بأوراق الانتخابات. ووضعت الزعيم في مكان شيخ الطريقة .
ولكن هذه الحيلة الماكرة لن تنطلي على الشعب مميزا بين السياسة الحقة وصورها المزيفة التي أطلق عليها اسم البو%

آخر التغريدات: