واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم في فكر مالك نبي

بقلم: حسين يوسف

إن الذي يقرأ كتب مالك بن نبي رحمه الله يدرك بنفس السرعة أنه تمثل فلسفات الحضارة تمثلا عميقا . واستلهم أعمال بعض المفكرين الغربيين وأفكارهم في علم النفس والاجتماع والتاريخ والفلسفة والسياسة والاقتصاد وغيرها باعتبار حكما بشريا لا تنافي مع الإسلام مصداقا لقوله صلى الله عليه و سلم «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها»(1) -أو كما قال-.

ويدرك القارئ أيضا مدى اهتمام مالك بن نبي بتجارب الأمم وكيف يمكن الاستفادة منها، إما نجاحها، وإما بطرحها جانبا لفشلها.

وفيما يلي سنتمكن من الاطلاع على أفكار مالك بن نبي فيما يتعلق بواقع المسلمين أولا وسبيل النهوض بهم ثانيا .

أ- واقع المسلمين

إن الحديث عن واقع المسلمين يقتضي منا فهم ومعرفة كيف كنا أولا ثم كيف أصبحنا ثانيا.
فكيف كنا في نظر مالك بن نبي ؟

لهذا الغرض يوظف مالك بن نبي مصطلحا للمفكر «هرمن دي كوزسرلنغ» يتمثل في الفكرة الدينية ويقرر : «إن الحضارة تولد مرتين، أما الأولى فميلاد الفكرة الدينية، وأما الثانية فهي تسجيل هذه الفكرة في النفس، أي دخولها أحداث التاريخ»(2) فظهور الفكرة الدينية الإسلامية أدى إلى بناء حضارة إسلامية متميزة شيدها سواعد أشخاص بعث فيهم القرآن الكريم روح الفعالية والحركة والتوتر ووجهه أنظارهم إلى ما وراء أفق الأرض إلى غائية الآخرة.
إن الفكرة الدينية الإسلامية ذات الغائية المذكورة هي التي جعلت أتباع محمد صلى الله عليه و سلم يبنون حضارة سامقة في فترة زمنية قصيرة جدله ذلك أنها دفعت بأنفسهم إلى حظيرة الإيمان، والإيمان كما يقول مالك بن نبي هو الذي مهد الطريق إلى الحضارة(3).
إن الفكر الدينية الإسلامية أدت إلى تغيير النفس الإنسانية ومنحتها القدرة على التغيير الاجتماعي. وبذلك تمكن الإنسان المسلم من الخروج من حالة ما قبل الحضارة والدخول في نعيم الحضارة خلال نصف قرن فقط(4).

إن الفكر الدينية في نظر مالك بن نبي تمثل مرحلة الروح التي يتم فيها خروج الإنسان من الحالة الطبيعية ودخوله في الحياة الاجتماعية ويتم فيها أيضا ضبط غرائزه الحيوية وإخضاعها لنظام أخلاقي سام ودقيق. ويقول مالك بن نبي :

«في هذه الحالة يتحرر الفرد جزئيا من قانون الطبيعة المفطور في ذاته ويخضع وجود كله للمقتضيات الروحية التي أوجدها الفكر الدينية في نفسه، بحيث يمارس حياته في الحالة الجديدة طبقا لقانون الروح»(5).

وقانون الروح يعني سيطرة العقيدة تؤدي إلى تعريف الإنسان بمبررات وجوده ومتى عرف الإنسان وأدرك مبررات وجوده انطلق بفعالية وتوتر لتجسيدها في الواقع وهكذا كان الأمر بالنسبة للإنسان المسلم في مرحلة الروح لغاية معينة تمثلت في قوله تعالى : (و ما خلقت الجن و غلإنس إلا ليعبدون) [الذاريات:56]، أي في العبادة، وانه خلقه ليقوم بوظيفة الخلافة وعمارة الأرض (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)   [البقرة:30]، (هوأنشأكم من الأرض و استعمركم فيها) [هود:61]، وأن الله قد حدد له هدفه في هذه الحياة ورسم له طريق النجاة فقال في محكم كتابه : (و ابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا) [القصص:77].

فالعبادة والخلافة وعمارة الأرض بالخير وغائية الآخرة، كل هذه الأمور مثلت في نظر مالك بن نبي مبررات لوجود الإنسان المسلم ومكنته من بناء حضارة بسرعة مدهشة، ولكن هذه المرحلة، مرحلة الروح، لم تدم طويلا.. فواقعة صفين عام 38 للهجرة وضعت حدا لبناء الروح وأفقدتها نفوذها في المجتمع وسيطرتها على الغرائز واعترى الاهتزاز القيم الأخلاقية وظهر التزعزع جليا في شبكة العلاقات الاجتماعية.

إن واقعة صفين تمثل بداية الوهن في الروح والنمو في العقل. وإنما ظهور لمرحلة العقل. وهذه المرحلة في نظر مالك بن نبي مثلث وتمثل انحرافا في مسار الأصلي للحضارة الإسلامية. إن واقعة صفين تمثل النقص التشتت الذي اعترى الفاعلية الاجتماعية للفكرة الدينية. فإذا كانت مرحلة الروح قد جسدت مجتمعا قواه جميعا في مرحلة صاعدة على الدوام، فإن واقعة صفين دلت على أن مجموع الطاقات الاجتماعية لم يعد يعمل قسما منه بات ينشط في اتجاه مضاد للمثل الأخلاقي الأعلى للمجتمع ذلك أن «الفكرة الإسلامية لم يعد لها في سلوك الفرد ما كان لها من فاعلية على عهد النبي صلى الله عليه و سلم»(6).

ويعيب مالك بن نبي على المفكرين والمؤرخين ومن بينهم عبد الرحمن بن خلدون عدم اهتمامهم بواقعة الصفين وآثارها السلبية على الحضارة الإسلامية لقد أفقدت الإنسان المسلم فعاليته وتوتر وشككته في مبررات وجوده وأعادت من جديد للطبيعة سيطرتها على سلوك الفرد والمجتمع .. لقد فسحت المجال للغريزة التي كبح جماحها كيما تواصل سعيها إلى التحرر والانطلاق وتستعيد سيطرتها على مصير الإنسان . إنها تنهى الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية وتعيد الأمور إلى ما كانت عليه في البداية حيث كانت شبكة العلاقات الاجتماعية معدومة وسلوك الناس لا يقوم على أساس من الأخلاق.
وبهذه الطريقة تكون الحضارة قد أنجزت إلى مرحلتها الثالثة. مرحلة الغريزة.. وذلك أن العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالتدريج على الصورة التي عرفناها في عهد بني أمية إذ أخذت الروح تفقد نفوذها كما كف المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد(7).
وهكذا تصير الحضارة إلى الأفول منهية بذلك دورها التاريخية الكاملة.
إذن لقد مرت الحضارة الإسلامية حسب مالك بن نبي بدورة تمثلت في مراحل ثلاث:
1- مرحلة الروح وتطابق المسافة التاريخية ما بين غار حراء وواقعة صفين عام 38هـ.
2- مرحلة العقل وتقابل مرحلة الحضارة الإسلامية في العصر الأموي والعصر العباسي الأول حيث وهنت الروح ونما العقل.
3- مرحلة الغريزة وتقابل مرحلة الحضارة الإسلامية في العصر العباسي المتأخر والعصور التي تلت إلى عصر بن خلدون . وهي العصور التي أظلم فيها ليل التاريخ على حضارة الروح المتقدة فعالية وتوترا، إذن فذروة الحضارة الإسلامية في نظر مالك بن نبي بدأت بفكرة دينية روحية وانتهت حين فقدت الروح فعاليتها في السيطرة على الغرائز الحيوانية عند الإنسان . إذن فهكذا بدأنا وهكذا كنا وإلى الحال الآتية صرنا ..
فكيف صرنا نظر مالك بن نبي ؟
بعد أفول نجم الحضارة الإسلامية بسبب استعاد الغرائز سيادتها على الإنسان ساد وما يزال ـ ما يسميه مالك بن نبي مجتمع ما بعد الموحدين وإنسان ما بعد الموحدين(8) وهذا المجتمع وهذا الإنسان تفسح حضاريا وسلبت منه الحضارة ودخل في عهد ما بعد الحضارة، عهد للاستعمار والاستعمار.
إن إنسان ما بعد الموحدين أصبح يعيش في فوضى أجبرته على الانتكاس إلى طور الحياة النباتية البدائية وجعلت منه إنسانا أميبيا الضاربة أطنابها في العالم الإسلامي ترجع إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية:
الأسباب الداخلية : ويعبر عنها بمفهوم القابلية للاستعمار «إنه استعداد لتسليم مقاليد أموره لاستعمار لكونه أصيب بذهان الاستحالة ثانيا ولكونه بات يستسهل الأمور ولايتهم بتدقيقها وفحصها أخيرا».
الأسباب الخارجية : وتكمن في الاستعمار نفسه ..فالاستعمار في نظر مالك بن نبي «يعتبر عنصرا جوهريا في فوضى العلم الإسلامي»(9)، وفلسفته تعبر عنها الآية (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة و كذلك يفعلون) [النمل:344]، أصدق تعبير... فالاستعمار حين يدخل أمة يقصي صفوة الناس فيها وخيارهم عن أماكن القيادة ويستبدل بهم أذنابا لا تتحرك إلا بأمره لأنها ملتصقة به ويضرب كل قوة مناهضة له أو دعوة للتجديد، ويضع نظاما للفساد والإفساد يخنق الأفكار ويكبل الفعالية ويخلق الغموض والفوضى.
إذن هكذا صرنا.. وإلى هذه المرحلة أو الأزمة وصلنا.. أزمة إنسان ما بعد الموحدين.. أزمة القابلية للاستعمار.. أزمة الفوضى.
* لكن هل الضروري أن يبقى إنسان ما بعد الموحدين في نظر مالك بن نبي مكتوف الأيدي أما هذه الأزمة ويخضع لذهان الاستحالة، ذهان استحالة الخروج من هذه الأزمة، أم أن هناك إمكانية للتحرر من كابوس الأزمة والانطلاق من جديد لإعادة بناء الحضاري؟
ب- سبيل النهوض بالعالم الإسلامي :
إن نظرة مالك بن نبي نظرة تفاؤلية، وفلسفة فلسفة أمل ومستقبل . فهو لم يفقد الأمل في إنسان ما بعد الموحدين رغم الصفات السلبية التي وصفه بها .. ولذلك نجد مالك بن نبي يقرر «والواقع أنه على الرغم من قابلية للاستعمار قد احتفظ بمعنى جوهري هو : معنى القيمة الخلقية، وهو ما ينقص الفكر الحديث الشامخ»(10) هذه القيمة الخلقية هي منحة من السماء إلى الأرض تأتيها مع نزول الأديان، وتعمل على تكوين شبكة علاقات اجتماعية متينة (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) [الأنفال:63].
إذن فإنسان ما بعد الموحدين مازال يحتفظ بالورقة الرابحة ورقة القيمة الخلقية الدينية الروحية التي هي شرط أساسي لكل إقلاع حضاري.. ويبقى البناء أو إعادة البناء دائما في وسعه إذ ما تمثل الآية الكريمة(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)   [الرعد:11].
إن تغيير ما بالأنفس يتمثل ابتداء في القضاء على الفوضى الداخلية والخارجية التي ضربت أطنابها في مجتمع ما بعد الموحدين في القضاء على القابلية للاستعمار لأن الاستعمار من النفس ذاتها التي تقبل ذل الاستعمار وتمكن له في أرضها.. والخلاص من القابلية للاستعمار خلاص من الاستعمار نفسه وتحرر من نير ذهان الاستحالة.. إذن لنغير ما بأنفسنا ولنتخلص من نفسية المستحيل ونفسية التساهل فليس هناك شيء سهل وليس هناك شيء مستحيل(11) ولنواجه المشكلات مستبشرين غير متشائمين لأنه إذا واجهنا الأمور بالتشاؤم انعدمت فعاليتنا وتقلصت جهودنا.
ولكي نبني حضارتنا من جديد لابد علينا أن نبدأ من البداية وأن نرجع إلى أصلها الأول، إلى الفكرة الدينية الإسلامية التي تبعث الحياة من جديد في العناصر الراكدة وتكسبها فعالية وتوترا ووعيا بمبررات وجودها . وعلينا أن ندرك بأنه «لا يصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها» أي أن نعود إلى الإسلام.
ولهذا ينبهنا مالك بن نبي إلى ضرورة الاستفادة من المرحل التي مرت بها الحضارة الإسلامية ويدعونا إلى التمسك بمرحلة الروح والمحافظة على استمرارها استمرارا للخطة الحضارية الأصلية.
وإذا كان على العالم الإسلامي اليوم أن يعيد بناء حضارته ليخرج من الأزمة فعليه أن يعيد هذا البناء على نفس الأسس التي قام عليها المجتمع الإسلامي في مرحلته الأولى، أي قبل واقعة صفين التي مثلت انحراف المسار الحضاري الإسلامي .
وإذا كانت الحضارة نظر مالك بن نبي هي نتائج ثلاثة عناصر أي : الإنسان والتراب والوقت، وإذا كان رأسمال الحضارة في بدايتها تحرك رجل بسيط وتراب يمده بقوت زهيد يعنيه على الحركة ليصل إلى الهدف، ووقت لازم يستغرقه في رحلة البناء (12) فإن مصدر المشكلة الإسلامية بأكملها هو العنصر الإنساني . ذلك أن الإنسان المسلم عزف عن الحركة وقعد عن السير في ركب التاريخ، ومن ثمة فهو في حد ذاته مشكلة تحتاج إلى حل وبناء وتوجيهه.
ولهذا الغرض يقترح مالك بن نبي توجيه الإنسان المسلم في ثقافته وعمله ورأسماله .
- وتوجيه الثقافة يعني توجيه مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولاته كرأسمال أولى في الوسط الذي ولد فيه وتصفيتها من كل ما يشوبها من عوامل الانحطاط(13).. وإنه يعني توجيه الفرد أخلاقيا يمكنه من تكوين شبكة علاقات اجتماعية متينة، وتوجيه توجيها جماليا يكتسبه ذوق إتقان العمل والتحلي بالفضائل الجميلة والابتعاد عن قبيح الرذائل، وطلب جمال النفس لا عن العبث واللامبالاة ويمنحه منطق العمل الذي يرفض الأفكار المجردة التي لا يرجى من ورائها عمل يكسبه عيشه ويبني له مستقبله ويعلمه الاعتماد على نفسه.
- أما توجيه العمل فيعني به مالك بن نبي «سير الجهود الجماعية في اتجاه واحد، لكي يضع كل واحد منهم في كل يوم لبنة جديدة في البناء»(14) وهذا التوجيه يرمي إلى توفير العيش الكريم لكل فرد من أفراد المجتمع.
- أما توجيه رأس المال فيعني تحريك أموال ونشاط توظف فيه الأيدي قصد إيجاد حركة ونشاط توظف فيه الأيدي والعقول لبناء حياة اقتصادية تضمن انسجام مصلحة الجماعة مع مصلحة الفرد، أي تحقق التعادل بين طبقات المجتمع .
وهكذا فإن ما تم توجيه الإنسان توجيها ثقافيا وعلميا وماليا ونجحنا في ذلك فإنه يسهل علينا حل مشكلة التراب ومشكلة الوقت، لأن الإنسان -في نظر مالك بن نبي- هو المطالب بإيجاد حل لهما.
وحل مشكلة التراب في نظر مالك بن نبي يكون بـ (الاعتناء بالتراب، يعني الانتصار على أنفسنا الخاملة الكسولة)(15) فعلى الإنسان أن يعتني بالأرض وبتنميتها واستغلالها الاستغلال الأمثل من أجل تحقيق الرفاهية الاجتماعية.
أما حل مشكلة الوقت فيكون بمعرفة قيمة الوقت وضرورة الحرص عليه وتجنب إهداره لأن في إهدار تضييع ثروة . أما إذا استغل فلم يضع سدى ولم يمر كسولا في حقلنا فسترفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي(16).
إذن فبتوجيه الإنسان وتقليب التراب واستغلال سيرى العالم الإسلامي ازدهار حضارته من جديد، ومالك بن نبي لا يهفو إلى بناء حضارة على النمط الأوروبي، حضارة المادة، بل ينشد حضارة إسلامية أصلية قائمة على أساس التعادل بين الروح والمادة، بين الضمير والعلم وبهذا الصدد يقدم لنا مشروعين كفيلين في نظرة بإحداث التقدم وإخراج العالم الإسلامي من أزمنته. وأولهما مادي اقتصادي وثانيهما روحي أخلاقي .
المشروع الاقتصادي
يرى مالك بن نبي أن البلاد الإسلامية تواجه اليوم مشكلة البناء الاقتصادي. فهي بلاد متخلفة تحاول تدارك تخلفها، ولتحقيق هذا الغرض فهي تسلك سبيل التنمية والتخطيط الاقتصادي الذي يعني «محاولة تدارك التخلف بطرق فنية متسارعة» أي محاولة اللحاق بالركب الاقتصادي المتقدم في فترة وجيزة كما فعلت ألمانيا الغربية واليابان.
ويرى مالك نبي أن المخططين الاقتصاديين في البلاد الإسلامية يخطئون إذا ما نصحوا باتباع ما يسميه بطريقة «الاستثمار المالي»، ويصيبون إذا ما نصحوا بسلوك طريقة «الاستثمار الاجتماعي»(17).
إن طريقة الاستثمار المالي في نظر مالك بن نبي تعمد على قوة الشراء، وقوة الشراء ضعيفة جدا في بلداننا الإسلامية أو معدومة.
فإذا وضعنا مخططاتنا بالتقديرات النقدية وليس منها في أيدينا شيء فإن إقلاعنا يصبح مستحيلا، بل يؤدي إلى تورطات سياسية على حساب سيادتنا.
إن طريقة الاستثمار المالي التي تلجأ إلى القروض الأجنبية لا تفيد العالم الإسلامي في شيء، بل على العكس من ذلك تضره وتقيد نمو وتطوره، فقد يحدث أحيانا أن يصاب الاستثمار المالي بعيب من يستغله فيستعمله في أمور تافهة تتنافى تماما مع الخطة التنموية. فقد تستعمل القروض الأجنبية حتى في إقامة مهرجان لموسيقي البوب بينما كان من الأنسب أن تستعمل في بناء مدرسة أو شق طريق أو بناء سد يساهم في التنمية الاقتصادية.
ونظرا لهذه السمات التي تمس طريقة الاستثمار المالي فإن مالك بن نبي يقرر بأن القدرة الحقيقة لبلداننا لا توجد على محور القدرة المالية ولكن على محور القدرة الاجتماعية(18) أي محور طريق لاستثمار الاجتماعي.
وطريقة الاستثمار الاجتماعي تعني في نظر مالك بن نبي أن نستثمر ما نستطيع بالوسائل الموجودة فعلا في أيدينا، ووسائل بلداننا في ساعة الصفر من إقلاعها هي الفلاحة والمواد الأولية الخام وعضلات المواطن وعزيمته.
ويركز مالك بن نبي على ضرورة الاهتمام بالقطاع الزراعي إذ هو وحده الذي قدم وسائل اقتصاد التنمية والقوت في الصين خلال مرحلة البناء الاقتصادي، والزراعة وسيلة تمكن المجتمع من توفير القوت لسائر الأفراد أولا وبالقوت تتحرك السواعد لتحقيق التنمية المرجوة ثانيا.
إذن لا بد لكل متخلف أن ينظم قطاعه الزراعي أولا وينتج أقصى ما يمكن من الغذاء.
وإلى جانب حل مشكلة القوت فبإمكان الزراعة أن تساهم في اقتناء ما يحتاجه البلد من آلات ضرورية في ميدان التصنيع، إذا حققت ما يفيض عن الاستهلاك الوطني وصدرته إلى البلدان المصنعة . أما المواد الخام الأولية فتمثل بالنسبة لأي بلد متخلف العملة ذات القيمة الدولية التي تمكنه من تجهيز صناعاته بالآلات الضرورية . وينصح مالك بن نبي البلدان النامية بضرورة توحيد أسعار المواد لسياسة المساومات أو تبخس قيمتها الشرائية في الأسواق.
أما عضلات المواطن وسواعده فيجب تشغيلها بفعالية من سائر أنواع الجهود وعلى الإنسان المسلم أن يشمر عن ساعد الجد وأن يتعلم السير عن ساعد الجد وان يتعلم السير وحده في ميدان الاقتصاد دون يد تمسكه، أي عليه أن يقتضي على عامل التبعية في نفسه وفكره وجهده وان يتقبل التحدي.
وبهذا تتحقق مقولة مالك بن نبي : «يجب أن تأكل الأفواه كلها ويجب بان تعمل سائر السواعد وبدونها نظل في انتظار صدقة العدو»(19).
المشروع الأخلاقي:
يرى مالك بن نبي أن إنجاز المشروع الاقتصادي وتحقيقه عمليا لا يكفي لبناء حضارة إنسانية إسلامية لأنه إذا كانت المجتمعات الغربية تبنى المجتمع لغايات اجتماعية بحتة والحياة ولحياة أرضية بحتة، فعلى العلم الإسلامي أن يبني لهذه الحياة كما يبني لما بعد الحياة وفقا للآية الكريمة(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا)[القصص:77] وطبقا للحديث النبوي الشريف : «الدنيا مطية الآخرة»(20).
إن الحضارة الغربية في نظر مالك بن نبي حضارة مادية بحتة تفتقر إلى القيمة الخلقية وغلى الدعوة إلى الخير.. وإن الدعوة إلى الخير وظيفة تسد حاجة من حاجات الإنسانية الكبرى في القرن العشرين . ولذا فإن الدعوة إلى الخير هي تخصص مجتمعاتنا بالنسبة لحاجة الإنسانية والله عز وجل يقول(أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون) [المؤمنون:61]، ويقول أيضا (و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)[آل عمران:104]، وبامتثال الإنسان المسلم لأوامر ربه في الدعوة إلى الخير وزرعه يحقق لنفسه مكانا كريما في العلم الجديد وتزدهر حضارته من جديد .
خاتمة
آمل أن أكون قد وفقت فيما التزمت به في المقدمة من التعريف بجانب من فكر مالك بن نبي الذي مازال مغمور إلى يومنا هذا، وتوضيح خطته في النهوض بالعالم الإسلامي. ولعل الوقت قد حان للأخذ بطريقة مالك بن نبي في رؤيته للأمور وكيفية معالجتها . فقد جربنا مناهج وطرقا عديدة من الشرق والغرب فلم تفلح في إيقاظنا بل عملت على تنويمنا وتخديرنا. ولعل الحوار الذي جرى بين مهندس ياباني يعمل زميل له في العمل تزيد رؤية مالك بن نبي وضوحا. قال المهندس الياباني : إننا في اليابان قد حققنا معجزتنا واحدة بينما حققتم معجزتين، معجزتنا في اليابان تكمن في أننا لا نمك إلا السماء والماء ورغم ذلك فنحن نعيش بعقولنا.
وأما معجزتكم الأولى فتكمن في كونكم تفتقرون إلى القوة ورغم ذلك تمكنتم من طرد الاستعمار القوي من بلادكم.
وأما معجزتكم الثانية فتكمن في كونكم كنتم في فقر وبقيتم في فقر.
ولا شك أن الفقر المقصود هنا هو الفقر الفكري . فالعالم الإسلامي كما أحسن المهندس الياباني وصفه، ومن قبله مالك بن نبي يعيش في فقر فكري مميت ومثبط للهمم ولولاه لأصبحت أراضينا جنات.


الهوامش:
(1)قال الترمذي عن هذا الحديث : غريب. الأحاديث المشكلة الوقتية في الرتبة : محمد بن درويش الحوت، عالم الكتب، ص126.
(2) (3) مالك بن نبي شروط النهضة ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين ( دار الفكر الطبعة الرابعة 1987) ص 61.
(4) مالك بن نبي تأملات ( دمشق :دار الفكر 1986).
(5) مالك بن نبي شروط النهضة ص 75.
(6) مالك بن نبي ميلاد مجتمع الجزء الأول : شبكة العلاقات الاجتماعية ترجمة عبد الصبور شاهين (طرابلس : دار الإرشاد الطبعة الثانية 1974) ص 104.
(7) نفس المرجع ص 103.
(8) انظر مالك بن نبي وجهة العالم الإسلامي : ترجمة عبد الصبور شاهين ( دمشق: دار الفكر 1981) ص 33.
(9) نفس المرجع ص 100.
(10) مالك بن نبي وجهة العالم الإسلامي ص 157.
(11) مالك بن نبي تأملات ص 26.
(12)مالك بن نبي شروط النهضة ص 67 .
(13) نفس المرجع ص 86.
(14) نفس المرجع ص 114.
(15) نفس المرجع ص 144.
(16) نفس المرجع ص 157.
(17) مالك بن نبي بين الرشاد والتيه ( دمشق دار الفكر 1986) ص 168.
(18) نفس المرجع ص169.
(19) نفس المرجع ص 154.
(20) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة بلفظ «الدنيا مزرعة الآخرة»، بدون إسناد . انظر الأحاديث المشكلة في الرتبة، محمد بن درويش الحوت، عالم الكتب بيروت 138.


المصدر: مجلة الموافقات (المعهد الوطني العالي لأصول الدين – الجزائر) العدد 3 جوان 1994.

موقع مالك بن نبي الإلكتروني

آخر التغريدات: