محمد الأمين العمودي الأديب السياسي

محمد الأمين العمودي الأديب السياسي

بقلم: محمد بغداد -

أول ظهور للشيخ محمد الأمين العمودي، كان في نادي الترقي بالعاصمة، أين صعد إلى منصب الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين، وهو المنصب الأهم في الجمعية، بعد منصب الرئيس، كما أن الرجل أخذ مساحة واسعة من مشهدية الجمعية، في المخيال الجماعي عبر الحقب التاريخية القادمة.

الشيخ محمد الأمين العمودي القادم من بادية الصحراء، وبالذات من ضواحي مدينة وادي سوف، المدينة العامرة، التي تمكنت عبر التاريخ من صناعة مشهدية ثقافية وسياسية، جعلت مصدرا للكثير من الشخصيات، التي كان لها الفضل في إثراء المسيرة التاريخية للبلاد، وفي الكثير من المجالات، يكون العمودي قد استند عليها في مسيرته، خاصة وأن المدينة ارتبطت تاريخيا بالنجاح والسير في فلكه.

ما يعرف عن للشيخ محمد الأمين العمودي، أنه طرد من المدرسة الاستعمارية مرتين، الأولى كانت في مدينة بسكرة، والمرة الثانية كان في مدينة قسنطينة، وبالرغم من المساعي الاستعمارية لمنع أمثال العمودي من الحصول على حقوقهم الطبيعية في المعرفة والعلوم، والاستخدام البشع لكل الوسائل، لحشرهم في دهاليز الجهل والأمية، إلا أن العمودي تمكن من الظفر بمستوى ثقافي جيد، واستطاع الحصول على تلك القدرة التي تجعله يتحكم في اللغة الفرنسية، زيادة على اللغة العربية التي تحصل عليها في مرابع الصحراء.

بدافع ظروف غير معروفة، اتجه الشيخ محمد الأمين العمودي، إلى القضاء أين استطاع الحصول على منصب وكيل شرعي بمدينة بسكرة، وتمكن من ربط علاقات متشعبة بحكم طبيعة المنصب وتأثيراته الاجتماعية والسياسية، فكانت له صلات قوية مع مثقفي المنطقة من أدباء وشعراء، فزادت قريحته الأدبية وبرزت ملامحه الإبداعية، وتحول بسرعة إلى موقع الأديب المتفوق.

ممارسته لمنصب الوكيل الشرعي، دفعته إلى الانخراط في المشهد العام، من خلال ممارسة الإعلام، أين ظهر اسمه في في جريدة “الإقدام”، التي كان يصدرها الأمير خالد، وجريدة “الإصلاح”، التي كان يصدرها الطيب العقبي، ليتجه إلى الممارسة السياسية، من خلال مساندته للأمير خالد في حملته الانتخابية، ومساعدته للدكتور سعدان حين ترشح ببسكرة.

وبالرغم من بروز اسم محمد الأمين العمودي، في حواضر الصحراء، وبعض المساحات في مدينة قسنطينة، إلا أنه حصل على منصب الكاتب العام لجمعية العلماء، وصعد إلى مجلسها التنفيذي الأول، كأهم شخصية مؤثرة في المشهد، ولعل رصيده الإعلامي من خلال جرائد “المنتقد” و”الإقدام”، أكسبته تلك الأسهم، التي جعلته يصل إلى منصب الكاتب العام للجمعية.

إن الميولات الإعلامية للشيخ العمودي، جعلته لا يقنع بمنصب الكاتب العام للجمعية، فقرر إصدار جريدة “الدفاع؛، التي جعلها باللغة الفرنسية للوصول إلى النخب الفرانكفونية، والمراهنة عليها في الانخراط في المشهدية العامة للمجتمع، فقد استطاع العمودي أن يصنع اسما إعلاميا قويا، خاصة لما كان يتمتع به من قدرات لغوية، وبالذات الفرنسية منها، مما جعل حضوره في جمعية العلماء غير مؤثر.

بحلول منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، كان العمودي قد حاز المساحات الكافية للتحرك بأريحية، سواء في المجالات الأدبية أو الإبداعية، التي ساندها بالدعم الإعلامي والثقافي، فقد جاءت فرصة المؤتمر الإسلامي لتكون المنصة الأكثر أهمية، فتولى العمودي المهمة الإعلامية للمؤتمر الإسلامي، والمحرك الأساسي في أشغاله والتعريف بمشروع المؤتمر الإسلامي في الجزائر وفرنسا، خاصة من خلال الإعلام والصحافة باللغة الفرنسية، وبالرغم من فشل المؤتمر الإسلامي، إلا أن العمودي تمسك به وجعله فرصته الذهبية للاستمرار به في الحضور المؤثر، فسارع إلى إنشاء جمعية شباب المؤتمر الإسلامي، وهي الجمعية التي كانت مجرد وسيلة، فقد استخدمها العمودي وسيلته من أجل المساهمة في تفعيل المشهد العام.

إن فشل المؤتمر الإسلامي، وعدم استمرار تداعياته، واقتراب الثورة التحريرية، حجب الكثير من الأضواء عن الشيخ العمودي، الذي استغل تلك الظروف ليرفع من مستويات إبداعه الأدبي والثقافي، لغيب عن الحياة بعد إقدام الاستعمار الفرنسي على اختطافه وإعدامه، فكتب الله له الشهادة، ووجدت جثته بضواحي مدينة البويرة، لتكون مسيرة ستة وستين عاما قطعها العمودي بين ولاية الوادي بالصحراء إلى مدينة البويرة بشمال البلاد، محملة بالكثير من الإبداع والتضحيات والمواقف، التي تشكل محطاته الكثير من مفاتيح الأسئلة الكبرى، لجزء مهم من تاريخ هذا الوطن.

آخر التغريدات: