الطيب العقبي … النبي الجديد

الطيب العقبي … النبي الجديد

بقلم: محمد بغداد –

إن أكثر شخصية نالت اهتمام الناس، وجلبت إليها الجدل من شخصيات جمعية العلماء، الشيخ الطيب العقبي أو (النبي الجديد)، كما لقبته الصحافة الفرنسية، إلا أن ما ثار ويثير حول الطيب العقبي، أغلبه (مزاجي) تعاطفا ومحبة وإعجابا، أو تشويها أو إساءة، وكل ذلك بعيدا عن قواعد العلم ومعايير المعرفة، نتيجة الغياب الواضح للتاريخ الوطني.

إن حياة الشيخ الطيب العقبي، كلها أسئلة تثير الرغبة في البحث للحصول على مقاربة معرفية، منطقية مناسبة، فالرجل تربى في المدينة المنورة بالحجاز، وتولى قياة الجهاز الإعلامي للثورة العربية، بقياة شريف مكة ضد العثمانيين، من خلال توليه منصب مدير جريدة القبلة، وإدارة المطبعة الأميرية في مكة، خلفا لمحب الدين الخطيب، وهو ما جلب له عداوة الدولة العثمانية، التي طردته من الحجاز، فكيف تمكن الطيب العقبي من الوصول إلى هذا المنصب، في ظل تعقيدات الثورة العربية، دون أن يكشف التاريخ عن علاقة الطيب العقبي بالإنجليز، الفاعلون في هذه الثورة.

وبعودته إلى مسقط رأسه مدينة بسكرة، سارع سنة 1925 إلى تأسيس (جريدة صدى الصحراء) ثم (جريدة الإصلاح) دون أن يسعفنا ما يكشف عن الإمكانيات المادية التي امتلكها الشيخ العقبي لتأسيس هذا المشروع الإعلامي، وفي مدينة بسكرة في ذلك الوقت؟، لتتوالى الأسئلة المخرجة، وتظهر في تلك الدعوة التي تلقاها الشيخ الطيب العقبي من طرف أصحاب نادي الترقي، لإلقاء المحاضرات والندوات فيه، وهم أصحاب الاتجاه الصوفي (الطرقيين) المتناقضين مع أفكار وميولات الشيخ العقبي، وهو الذي حضر الاجتماع التمهيدي لجمعية العلماء بقسنطينة (اجتماع الرواد)، ولكن مكانته جعلته يحصل فقط نائب الكاتب العام في المجلس الإداري الأول لجمعية العلماء، لتتم عملية زحزحته إلى الدرجة الثانية، فيجد نفسه في العام الثاني لتأسيس الجمعية في مجلس المستشارين.

ويزداد سقف الأسئلة ارتفاعا، عندما يظهر الشيخ الطيب العقبي، قوته الجبارة في التعبئة الشعبية في وقت قصير من وجوده في العاصمة، وهو الذي تمكن في هذا الوقت القصير فيها، من الإشراف على مدرسة الشبيبة الإسلامية، وترأسه للجمعية الخيرية الإسلامية (التي كانت تعمل على إعانة الفقراء وعابري السبيل، وإيواء المسنين وتعليم الشباب الصناعات اليدوية، وتقدم العلاج المجاني)، وهو النشاط الذي مكنه من الحصول على دعم ومساندة سكانها، ويظهر ذلك في محطتين، الأولى عندما منعته السلطات الاستعمارية من التدريس في المساجد، لتندلع مظاهرات عارمة مساندة له، ورافضة للقرار، وفي المرة الثانية، عندما اتهمته فرنسا بالتحريض على اغتيال مفتى العاصمة، كحول بن دالي (وهي القضية الغامضة إلى غاية اليوم)، لتهب الجماهير لمساندته والضغط على فرنسا لإطلاق سراحه وإعلان براءته من تلك التهمة، دون يجد العقبي من الدعم والمساندة من طرف النخب، ودون أن تظهر ملامح من كان وراء القضيتين، وبالذات دور الجهاز الديني الرسمي آنذاك.

ونظر لخبراته الإعلامية العالية، وخبرته الصحفية، تولى إدارة الجهاز الإعلامي لجمعية العلماء، فتولى رئاسة تحرير جرائدها جريدة السنة، وجريدة الشريعة، وجريدة الصراط، ثم جريدة البصائر، فكان العقل الإعلامي للجمعية والمؤسس لتوجهاته الصحفية، إلا أن علاقته مع قيادة الجمعية في إدارة المؤسسة الإعلامية، تميزت بتوتر شديد وخلفت أثارا مؤلمة.

كما كان الطيب العقبي وراء تأسيس منظمة شباب الموحدين، التي كانت دعوتها طلب الحرية ومقاومة الاستعمار، وكان شعارها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أصدرت جريدة الداعي، ثم جريدة اللواء، وهو الإنجاز الذي جعل منه الشيخ الطيب العقبي، مشروعه الخاص، بعيدا عن هيمنة الآخرين.

وبالرغم من المكانة الإعلامية المهمة للشيخ الطيب العقبي، وأسلوبه في العمل الميداني، لم تظهر بعد اندلاع الثورة التحريرية، وهو الذي توفي سنة 1961 بعد معاناته الشديد مع المرض، لتكون وصيته الأخيرة، حول تنظيم مراسم الجنازة آخر المحطات التي تثير الجدل والتساؤل المحرج.

آخر التغريدات: