مالك بن نبي في ذكرى الإمام موسى الصدر

مالك بن نبي في ذكرى الإمام موسى الصدر

بقلم: عمر مسقاوي -

لي من الإمام موسى الصدر ما كان لي من الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، كلاهما استجابا لقلق في ناشئة الشباب.

أما الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي فقد كنا عشية يوم من أيام الدراسة في القاهرة عام 1956 نجلس على شرفة منزلنا، وقد ضم جمعاً من رفاق السكن والطريق معاً. واذ بي أتوقف عند كلمات في مجلة “روز اليوسف” نقلها الصحافي الدكتور مصطفى محمود في لقاء له مع مفكر جزائري قدم حديثا إلى القاهرة يتحدث عن “القابلية للاستعمار”.

واذا استحوذ شباب الخمسينيات شغف بالتحرر من الاستعمار في أعقاب هزيمة فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، واهتمام بالفكر المتأمل في خطى المستقبل وطموحاته، فقد بدا العنوان صدمة تستشرف الإدراك.

وهكذا عقدت بيني وبين فكره آصرة المنهج في بكور التأمل.

أما السيد موسى الصدر، فذلك ما كان من نبئه في بداية الستينيات حين طرح حضوره في زحمة قلق جديد: انه قلق الستينيات.

كان محيطنا اللبناني جماع المشكلات كلها في عالمنا العربي المحيط بنا، اذ بدا المشهد يرهص بمنقلب تقلبت به أحداث العقود الباقية من مسيرة القرن.

وهكذا تفرد حضور السيد موسى الصدر في أسلوبه الخاص بألق لافت، وبدا لمستشرف المستقبل في طروحاته عودة إلى تأسيس الشخصية الاجتماعية في منظور تربوي واجتماعي، يمتد بسبب إلى مختلف الخصوصيات الطائفية المذهبية لتحزمها بخصائص الوحدة الاجتماعية. هكذا بدأ خطابه التبشيري، يخفض الجناح لمختلف المنابر ويحدثهم بأصول المنهج وحقائق الطبيعية، ليدلف من خلال ذلك إلى تأسيس منطق جامع يتألف ظاهرة الدين كحقيقة حضارية جامعة، يخاطب بها المؤمنين وغير المؤمنين على سواء بينهم، وكان له من كل منهم عجاب مستزيد.

هكذا بدأ موسى الصدر يحتل منا على غير استئذان صدر المساحة الفكرية التي أوسع لها مالك بن نبي النطاق والرؤية. ولذا بدا لي منه قربي توثقت في إحدى محاضراته في مدينة طرابلس حين فاجأني يستشهد في حديثه عن مفاهيم عالم الغيب والشهادة بكتاب مالك بن نبي “الظاهرة القرآنية” الذي كتبه باللغة الفرنسية وقد ترجم إلى العربية.

تقدمت اليه معرفاً، وكان ذلك في العام 1966، ولم يكن في ذلك الوقت قد عرف مالك بن نبي شخصيا.

ولودّ هو نسيج طبعه، استدرجتني إلى لقائه المناسبات، وكان الحديث يستأثر بالمفكر حين فاجأني بقراءة كتبه جميعها.

واذ كانت الندوة اللبنانية بقيادة ميشال أسمر حفية بالمفكرين الإسلاميين كالإمام موسى الصدر والدكتور صبحي الصالح والمطران جورج خضر والمطران حداد والدكتور حسن صعب، فقد شكل هؤلاء بسيط الستينيات فكرا متداولا في صعيد الوحدة والتنوع.

وبدت عبر الندوة اللبنانية توسطية رنيه حبشي تستعيد صداها مع ميشال شيحا لتجعل من الصعيد اللبناني بذور غرس يؤهل لما توارد من صيغ التسعينيات والسلام المرتقب حول حوض المتوسط، عبر عنها أخيرا الدبلوماسي الشاعر صلاح ستيتيه بالنقطة الزرقاء في صفحة العالم في رؤيته لحوض المتوسط، وقد وردته الأصول اليونانية والرومانية والأصول الإبراهيمية فكانت منطلق عولمة الحضارة.

لذا كان من المفيد في مرحلة الستينيات أن يسهم الفكر الإسلامي في ذلك المحيط القائم على المقارنة بين المسيحية والإسلام.

هكذا بدأت الندوة اللبنانية سلسلة ندوات عامي 1965 و1966 حول الكلمة السواء، كما عبر عن ذلك مفتي الجمهورية اللبنانية المغفور له الشيخ محمد علايا ذلك الزمن في رسالته إلى تلك الندوة مستشهدا بالآية الكريمة.

وإذا كان موضوع “العدالة الاجتماعية” لغة الستينيات في بسيط النظم الاشتراكية، فقد عقدت ندوة حول العدالة الاجتماعية في الإسلام والمسيحية بإشراف السيد موسى الصدر والدكتور صبحي الصالح والمطران جورج خضر والدكتور حسن صعب، كان لي فيها حظ المشاركة.

وفي إحدى زيارات مالك بن نبي إلى لبنان في نهاية الستينيات أو بداية السبعينيات، أتيح لمالك أن يلتقي موسى الصدر وأن يحدثني مالك عن ذلك اللقاء الذي لم أكن طرفا فيه:

ولقد كان من شعاب ذلك اللقاء ان أسر إليه لظروف ذلك الزمن بدعوة سوف تأتيه لزيارة إيران ولقاء الحوزات العلمية فيها.

بيد أن بن نبي حمل إليّ من آفاق موسى الصدر ورؤيته لمسيرة الحضارة الإسلامية وافر التلاقي، وهكذا أخذ فكر بن نبي يتخذ له منحى في جلسات الشباب في الحوزات العلمية، وكلما التقيت بأحد العلماء خريجي تلك الحوزات، وجدتني في ذاكرته عبر كتب الأستاذ مالك بن نبي التي أشرفت على إخراجها جميعا باللغة العربية، لكن أكبر ما يمنحنا تواصلا بين الإمام موسى الصدر وفكر مالك بن نبي هو الاحتفال التأبيني الذي أقامه المجلس الأعلى الإسلامي الشيعي برئاسة سماحة الإمام الصدر عام 1973، في قصر الاونيسكو، وتحدث فيه سماحة الإمام والمغفور له الإمام محمد شمس الدين والمغفور له الدكتور عمر فروخ، بالإضافة إليّ، ثم كان الشاعر نجيب جمال الدين المعرف بين الخطباء يمنح الفواصل بينهم اتصالا، فيه من جذوة الإمام دفء انتماء.

وإذا كنا اليوم نجتمع لنتحدث عن مالك بن نبي المفكر الجزائري في ذكرى الإمام الصدر، فذلك نسيح تألفته القضية، وهو في عمقه معنى من معاني ذلك الأمل الذي لمع يوما في وميض نظرات الإمام، الأمل الذي تفجر من مرارة كربلاء وحرارة المقاومة.

بيد أن كربلاء ليست سوى النموذج والتعبير عن مأساة الحاضر، وهو في هذا يرافق الفيلسوف مالك بن نبي، ذلك المهندس الذي أنجبته مرارة الاستعمار في الجزائر فحفزته إلى أمل الخروج من قيودها، فقد آثر كلاهما دعوة إلى أمل المدى الأوسع، المدى الذي يخرج من أسوار ما مضى إلى أنوار الآفاق البعيدة.

فالقابلية للاستعمار لم تكن في فكرة بن نبي “مناحة جلد الذات”، بل مساحة رؤية تستحث الخطى، خطى الانتصار على الماضي والذاكرة.

ومن هنا بدأت رؤية بن نبي في احتواء المشكلات واكتناه أسرارها وأنها مشكلات الحضارة، حضارة افتقدت خطاها في أديم محيطها فسلكته أقدام العابرين.

وهكذا غدا الفكر الإسلامي في ذلك المحيط يعيش أزمته في عالم استحوذ على دقائق رؤيته لمصيره، وعلينا في نهاية القرن آن نرى ميزانية هذا الفكر الذي ساح بين متهم للحضارة الغربية أو متهم منها كما يقول بن نبي.

لقد كانت مرارة ابن المستعمرات في فكر بن نبي دعوة إلى منهجية سبقت الفكر المبهور والمقهور معا، وهكذا ومنذ الثلاثينيات وضعنا بن نبي، نحن جيل التفاؤل بالمستقبل، أمام شروط النهضة، مستخدماً الفكر الغربي وسيلة إدراك لا حقيقة انطلاق.. فهو يقول بأن الطالب المسلم يذهب الى أوروبا، ومنذ الاتصال الأول وهو يحمل في أعماقه مجموعة من الأفكار الميتة التي كانت لزمن أفكارا قاتلة في جسم الحضارة الإسلامية، وقد فتتت وحدة المجتمع وأخرجته من دوره الفاعل في شبكة العلاقات الاجتماعية. ويتساءل بن نبي: لماذا يركن المسلم دون سواه من الشعوب كالصيني والياباني مثلا إلى هذه العناصر القاتلة في الحضارة الغربية؟

ويجيب: لان موقفنا من مشكلة الثقافة ليس صحيحا، لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية الاجتماعية.
ويضرب بن نبي نموذجين من العالم الإسلامي يمتصان أفكار الحضارة الغربية القاتلة. نموذج السائح المهتم بالجانب التافه من الحياة الغربية، أي في مكان تتحلل فيه الحضارة وتنتهي الى مخلفاتها القاتلة الى “مزبلة”.

ومن ناحية أخرى، فإنك تجد الطالب المجد منغمسا في الجانب التجريدي والنظري من الحضارة الغربية، منكبا على كتاب، أي في كل مكان تتقطر فيه الحضارة الغربية إلى خلاصتها العلمية مع عناصرها القاتلة أحيانا والمقتولة، أي إلى مقبرة.

فكلاهما، أي السائح والطالب المجتهد بمقتضى وراثته الاجتماعية، لا يذهبان إلى المهد الذي تولد فيه الحضارة ولا إلى المصنع الذي تصنع فيه، كلاهما يذهبان، أحدهما إلى المكان الذي تتعفن فيه، والآخر إلى الأماكن التي تتقطر فيها، أي كلاهما يذهبان إلى حيث تكون الحضارة فاقدة الحياة.
من هنا يطرح بن نبي المشكلة من زاوية الفاعلية التي تبدو في التكوين التربوي لابن المستعمرات في اقتباسه من الحضارة الغربية.

فهناك فرق بين الاقتباس من الحضارة الغربية لحساب تلك الحضارة والاقتباس منها لحساب ابن المستعمرات ليرتفع إلى مستوى الحضارة. فمالك بن نبي يدعو إلى بناء رسالة يرتفع فيها ابن المستعمرات إلى مستوى الحضارة، وابن الحضارة القائمة إلى مستوى الإنسانية، رسالة تتلازم فيها المهمات تلازما عضويا.

فالصراع الفكري الذي انطلق مع مسيرة القرن، وضع ابن المستعمرات في آلية عولمة الحضارة الغربية القائمة على نفي الآخر. ويتساءل بن نبي في كتابه “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة” فيقول: الصراع الفكري!! فهل لهذه الكلمة معنى في البلاد المستعمرة!! وهذه البلاد تجهل على العموم قيمة الفكرة في مصير المجتمعات كما تجهل الخطوط التي ترسم من أجل التحكم في مصير الشعوب المتخلفة عن طريق أفكارها؟”
فالثقافة في رأي مالك بن نبي ترسم الحدود الجغرافية والإنسانية، لكن التاريخ يفرض تداعياتها دائما على حدودها وليس في داخلها.. فعلى حدود ثقافتين متحاورتين تحدد الثقافة أسلوبها بين أن تكون ثقافة سيطرة أو ثقافة انفتاح.

فهناك مؤرخون كما يقول بن نبي يرون أن نهضة أوروبا القرن السادس عشر تعتبر تركيبا حققه الزمن والأحداث على حدود الثقافة الإسلامية والعالم المسيحي والحروب الصليبية، لكنه نوع من التركيب الذي أحدث وضعا معكوسا هو عنوان أزمة العصر الحديث.

ومن هنا يطرح بن نبي مفهوم الثقافة كمنهج ينطلق من واقع التراث.

فالثقافة لها دار أمنها وإقامتها وموطن حضارتها، لكن الأحداث التي تنتج عنها لها ميدانها دائما على حدودها، أي في المنطقة الحرام، فالعناصر الإشعاعية فيها تنطلق تلقائيا بفعل الطبيعة وبغير قصد مع مسيرة التاريخ. لكن مع قيام دراسات علم النفس وعلم الأجناس في أوروبا القرن التاسع عشر، بدا الوعي النهضوي يسيطر على هذا التداخل الطبيعي، ذلك الوعي الذي أسس لمفهوم الثقافة على صورة أوروبا وحدها، فأضحى التعامل مع الشعوب الأخرى يخضع لرقابة مسيطرة في إطار القوة والفكر معا، وهكذا تعطلت حركة التاريخ.

فمالك بن نبي يرى أن الحضارة الحديثة أوجدت في البلاد المستعمرة ما يسميه “الصراع الفكري”، أي ذلك الصراع الذي يهدف من خلال المركزية الجنسية والخداع الفكري إلى تعطيل التناضج الثقافي بين الأمم.

فالدراسات الحديثة عبر هننغتون أو برنارد لويس أو سواهم من المفكرين الاميركان، أصبحت جزءا من ترسانة الحرب، لذا يضعون المشكلة تحت عنوان صراع الحضارات أو الثقافات كيما يفرضوا مصيرا على الشعوب يعطل حركة التاريخ وتداول الأيام.

من هنا كان انفتاح السيد موسى الصدر على كل صعيد يستطيب له فكر بن نبي اذا تجاوز أسوار الانعزال، وبدأ يطرح حضوره بصورة قوية بعد مع المغفور له الشيخ محمد شمس الدين، وهو اليوم يجد صداه في إدراك واع في حركة المقاومة و”حزب الله” فضلا عن قيادة حركة “أمل”.
فمؤتمر الفرنكوفونية في لبنان لا شك قد حمل معه أفقا جديدا في التعاطي السياسي مع الثقافية الفرنسية كان السيد حسن نصر الله عنوانه البارز. وهكذا اتخذ مفهوم الفرنكفونية منحى جديدا في خطاب الرئيس شيراك.

لقد كان بن نبي في كتابه الفكرة الإفريقية الآسيوية الذي كتب عام 1956 في أعقاب مؤتمر باندونغ يطرح قضية الثقافة في مداها المؤثر في سيرة العصر. لذا دعا بن نبي في مقال نشره عام 1965 إلى قيام علم اجتماع خاص هو علم اجتماع ما بعد الاستقلال السياسي في العالم الثالث.

وفي هذا يقول:

“ان الانضباط النفسي الذي يتحلى به أولئك الذين سيتناولون بعد الكفاح المسلح المحراث أو المطرقة أو القلم، إن هذه الأجيال المستمرة في اتجاه مرسوم هي التي تصنع الدولة على الصورة المتلائمة عضويا مع طبيعة الدأب المستمر وأهدافه. ينبغي أن ينشأ علم اجتماع خاص بمرحلة الاستقلال ليكون بين أيدي من يشرف على أجهزة الدولة أداة رقابة لا ينفصل عن جهاز التخطيط”.
فالاقتصاد في حقيقته كما يرى بن نبي ليس سوى إسقاط البعد السياسي على نشاط إنساني معين، فبقدر ما تبقى السياسة مرتبطة بمبادئ أخلاقية معينة، يبقى الاقتصاد وفيا للمبادئ ذاتها. فالترابط بين الجهد والفكر يؤسس لبناء سياسة اقتصادية هي مرتكز النهضة والحضارة، لذا يؤكد في كتابه ميلاد مجتمع:

“من الواجب أن نفكر مليا في هذه المصطلحات، لا من طريق الاستعانة بقاموس تمسك به اليد بل من طريق الاستعانة برأس مستقر بين اليدين، فليس الأمر اذاً ان نقول أن الثقافة تحتوي بصفة عامة عددا من الفصول... ولكن الأمر يقتضينا أن نتساءل: كيف ينبغي أن ندركها في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد في ظروف نفسية زمنية معينة”.

وهو في هذا يعتمد على منهجية في التحليل أكثر منه طريقة في التوصيف.

تلك رؤية من بن نبي لامست أفكار السيد موسى الصدر. انه ومالك بن نبي ينظران إلى المشكلة من زاوية كفاءة المسلم في إطار المعاصر وليس فحسب مجرد الإيمان بكفاءة الإسلام.
ففي ندوة عقدت في جامعة بيروت العربية عام 1967 حضرها السيد موسى الصدر تحت عنوان “الإسلام والتطور”، أتيح لي أن أطرح مقاربة حول عنوان الندوة وأراها، نظرا لما لاقت من ترحيب وتأييد من سماحة الإمام ذلك الزمن تختصر رؤية الرجلين:

“إن أزمتنا حيال الحضارة الحديثة ليست بالإسلام بل الأصح أن نقول أن الإسلام في عصرنا الحديث في أزمة بالمسلم، هذا المسلم الذي لا يزال يحمل بذور الانطواء والسلبية والضعف أمام ضرورات التطور والحياة، فبقدر ما تستطيع النهضة التي تبني الإنسان بناء قادرا على مواجهة التحدي بسائر أشكاله، فكرياً كان ام اقتصاديا ام سياسيا ام علميا، بقدر ما نستطيع أن نجعل الإسلام قادرا على الحركة حيث يتوفر له علماء يستوعبون العصر الحاضر ويحضرون أيامه ويشهدون مواقعه.


عمر مسقاوي: وزير ونائب سابق

آخر التغريدات: