مبدأ السّلام عند مالك بن نبي

د. عبد الرزاق أبو بصل -

التخلص من المفاهيم الخاطئة وبعض النظم الاقتصادية أو السياسية التي تجر إلى الحروب ومنها "عقدة المؤامرة"، لأن ابن نبي يرى أن من أشد مواطن الضعف الاستسلام لفكرة المؤامرة, ولا بد من الاستيقاظ والإفاقة من خدر"المؤامرة" الموهومة، التي انقلبت بفعل الأحداث العالمية من عالمنا العربي والإسلامي إلى العالم الغربي، حيث الاتهام والشك إلى كل ما ينتمي إلى عالمنا العربي.. فلا بد من التخلص من الأزمة في النفسية الاحتضارية والخداع الذاتي أو الرضا عنها إلى نفسية حضارية وتنمية الايجابية في الوسط العربي والإسلامي والعالمي.

مبدأ السلام المبدأ الأكبر في الإسلام وعليه قامت دعوته، وبه قامت حضارته، وقد أولاه المفكر الإسلامي الكبير مالك بن بني اعتناء كبيراً لما ينطوي عليه من أهمية بالغة بالنسبة للإسلام والمسلمين، بل وللعالم أجمع. ولذلك نراه يذكر بهذا المبدأ وأهميته عند كل فرصة تسنح له في كتاباته ومقالاته حتى أفرد له كتاباً خاصاً لينبه العالم بأهميته، وهو كتاب "فكرة الإفريقية الآسيوية".

 

يحتل هذا المبدأ أهمية أكبر في ظل الأحداث والمشكلات التي نعيشها اليوم، فيرى ابن نبي أن حصيلة الدمار والقتل والحروب التي خلفتها هذه الأزمات تفوق وتتجاوز كل ما حدث في القرون التي سبقتها. مع ما يموج به عصرنا من التقدم التكنولوجي الهائل، والتسارع في تطوير أسلحة الدمار الشامل. وعليه فإن ساحات المواجهة والصدام تنذر بالويل والثبور كل بقعة من بقاع عالمنا الأرضي.

وهذا ما جعله يُسخر قلمه وفكره الثاقب لدراسة تلك المشكلات وبيان حلولها تحت عنوان مشكلات الحضارة. لأن الأمر لا يخص عالماً دون آخر، حيث يقول بأن هناك مشكلات لا تحل إلا على مستوى عالمي مثل قضية السلام. "المسلم في عالم الاقتصاد". ويبين ابن نبي أن العالم قد دخل في مرحلة لا يمكن أن تحل فيها أغلبية مشكلاته إلا على أساس نظم الأفكار. وإن المشكلة في الأفكار السائدة، لا في الوسائل عند صدق الإرادة لحل المشكلة، وذلك بتغيير للأفكار لتغيير الواقع، ومنها قضية العالم الكبرى السلام. ويرى أن مهمة الإنسانية اليوم خاضعة في عمومها لقضية السلام التي تفرض نفسها، متقدمةً على كل مشروع اجتماعي أو روحي في العالم الراهن. فمشكلة السلام قد أصبحت هي النقطة التي تلتقي عندها خيوط التاريخ جميعاً. لذلك باتت ضرورية لحل مأساة القرن. وتحتم هذه الضرورة توجيه نشاط الشعوب في طريق السلم.

ويوضح بأن مشكلات الساعة الحاسمة -سواء في الدول القوية المتقدمة، أم في الدول الضعيفة المتخلفة واحدة، ويعلل ذلك بقوله: إن تكامل النوع الإنساني وسلامته قد أصبحا من أبرز ما يهم نفسية هذا القرن واجتماعه وسياسته إلى حد ما. ونتيجة لهذا اتحدت المهمات الأساسية التي يتحمل عبئها الجيل الحالي في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأميركا.

وكان يرى بعين البصيرة ما يترتب على ما تفعله الدول الكبرى بالتسابق في مجال القوة من عواقب وخيمة. بما لا يجلب لها الأمن الذي تنشده. يقول: إن السباق الخطر في مجال القوة بين الدول المتقدمة من أهدافه الرقابة على الجماهير، وعلى المساحات التي تملكها الشعوب المتخلفة، وهذه الشعوب الأخيرة (المتخلفة) بدورها قد فرقتها الأحلاف التي تربطها عسكريا وسياسيا بالشعوب المتقدمة، فضلاً عن أن بينها أحقادا مستحكمة، وأحقادا أخرى تبعث بها هذه الشعوب عبر حدودها إلى البقعة المتحضرة من هذا العالم، وفي هذا كله تحميل مشكلة السلام أثقالا مع أثقالها.

لذلك يرى ابن بني أن على هذه الشعوب في هذا القرن أن تعرف قدر نفسها أولا لتحمل الخلاص إلى العالم. ويخص العالم الإسلامي بأخذ زمام المبادرة إلى ذلك لما يحمل من أهمية من حيث المكان والسكان، حيث أثبتت الحالة الدولية أن ميزان السلام والحرب إنما يقوم حقاً في الشرق الأوسط، حيث يقع مركز الثقل في الإستراتيجية العالمية، ولا زالت الحوادث السياسية تؤكد هذه الحقيقة.

ويؤكد بأنه لن يتاح للعالم الإسلامي أن يأخذ مكانه ودوره التاريخي بحق في التخطيط العالمي ما لم يتجه نحو هذه القضية الرئيسية، واضعاً مشكلة السلام من بين المهام الرئيسة التي يضطلع بها، لأنه البيئة التي يعيش ويحيا وينمو فيها، ولا بد من تهيئة الظروف النفسية والزمنية لإقامة مجتمع عالمي متعايش مصيره واحد ويتحمل مسؤولياته الخاصة في مصير العالم في اللحظة التي أصبح فيها العالم بين شقي الحرب والسلام.

وقد أضاع العالم الإسلامي مسيرة قرن بكامله حائراً في طوفان العصر دون أن يستخرج لمسيرته طريقاً فاعلاً ومثمراً، لمواجهة ضرورات المستقبل بالاختيار الصحيح للمنهج والنموذج حتى لا تهدر الطاقات وتضيع في غير طريقها الصحيح لبناء مشاريع الأمة الكبرى بالتخطيط السليم حتى لا نضع المحراث أمام الثور.

ويلح مالك على أن أزمة العالم الإسلامي منذ زمن طويل في الأفكار لا في الوسائل، ولا بد من تحديد لمفاهيم العمل ومقاييسه الثابتة حتى لا نضل في المفاهيم أو نتيه في زحمة الأحداث. ويبين عواقب ذلك بقوله: وما يدرك هذا العالم تلك الحقيقة إدراكا واضحاً فسيظل داء الشبيبة العربية عضالاً بسبب تخلفها عن ركب العلم والتقدم.

ومن هنا يرى أن القلم يصبح سلاحاً في المشكلة إذا ما اقتضى الأمر وضع أساس ثقافة جديدة، تحترم الجهد الإنساني ولا تهدر ما بناه الإنسان وشيده في سبيل بناء حضارة مستقبلية تقيل عثرة الإنسانية من تسابقها في تكديس السلام المدمر واستخدامه وتبديد الأموال عليه. أما معوقات السلام التي تحول دون تطبيقه كثيرة في نظره فلها أسباب قريبة مباشرة, وأخرى غير مباشرة. لأن الدلالة على الخير - وإن كانت من الخير- لا تكفي لتحقيقه في الميدان العملي إن لم تصبح هذه الإشارة الخيرة إشارة أخرى تدل على مطبات الشر التي قد يتعثر السير عليها وربما يستحيل أمامها.

ومن تلك المعوقات:

1ـ التبادل الفوضوي في العالم خاصة في واقع الترسيم لعالم مانوي جديد على أساس الخير والشر. وفي ظل عالم يشكو من غياب المعنى واحتضار نظم القيم, لأن التأثير متبادل في العالم.. فإذا كان الاستعمار يهلك المستعمرين مادياً, فإنه يهلك أصحابه أخلاقيا

2ـ استحكام السرطان الأخلاقي الذي يلتهم الحضارة وما يتصل بها من أسباب ومقومات.

3ـ شيوع ثقافة الإمبراطورية القائمة على أساطير السيادة للعالم.. وهي العقدة التي تمنع الفريقين جميعاً من فهم الإنسان بأكمله أو بمعناه التام، وهي حقيقة واضحة في النفسية الغربية، لأن الغرب لا ينظر إلى العالم كما هو بل كما يريده.

4ـ احتقار الإنسانية، ومن أبرز مظاهرها مأساة الأخذ بالثأر من العالم الذي يخشى الغرب من خلعه واستئصاله وهي مشكلة عائقة من إحلال السلام, لأن الغرب يريد أن يثأر لموته الوشيك في البلاد التي ترفضه وتنبذ أغلاله وقيوده.

5ـ سيطرة الوهم الميكانيكي، فالعبقرية الغربية، والثورة الصناعية وغيرها وامتلاك ناصية التقدم الصناعي والتكنولوجي واطراد النجاح في الحياة المادية، رد الأمور وإرجاعها إلى مبادئ ميكانيكية لدى الغرب, وسيادة إرادة القوة وثقافتها في قانون النفسية الغربية والوقوع في اسر هذه العبقرية في التعامل مع الآخرين كما هو واضح في كتاب نهاية التاريخ والرجل الأخير.

6ـ شيوع المفاهيم المغلوطة عن المسلمين وعن الشعوب المختلفة مما ورثه من العهد الاستعماري. ولكل شعب وصف في الذهنية الغربية. أما عن الحلول والمخرج من الأزمة فيبين رحمه الله أن العالم إذا أراد أن يخرج من الأزمة فعليه أولا: أن يقدم ضميره لا علمه في حل الأزمة والخروج منها، وعدم استغلال الأحداث دفاعاً عن الخطيئة الاستعمارية، فإن ذلك يعد دفاعاً عن قضية خاسرة. الرابح فيها خسران ويضرب لها مثلاً بقتال العقربين. ثانياً: الثقة بالقيم الأخلاقية ومنحها الأولوية في الإنتاج وفي درجة الالتزام في الحياة السياسية. لذلك يقول: في أي برنامج للسلام في العالم لا بد من إقرار قانون للسلام يقتضي إقناعاً وإلزاماً في تطبيقه. ولا يكفي في الواقع مجرد إدانة مجانية للأخلاق. ثالثاً: ترك التشبث بإرادة القوة، وفكرة القوة، واستبدالها بإرادة البقاء، وفكرة البقاء، ولا بد من إحلال مبدأ السلام وفكرته تحت ضمان المبادئ لا نتيجة لحرب ظافرة. وكل تفكير في القوة والهيمنة يعقد الحل ويقصيه.وسيظل الخطر ماثلاً طالما لم نضع حداً أخلاقيا لسياسة الجبروت والهيمنة والتلويح بالقوة التي تجلب المزيد من القلق والاضطراب والإرهاب.

ويخشى ابن نبي أن نُفاجأ بالطوفان الجارف لكل ما بناه البشر وشيدوه وتغنوا به، أما تعويض السيف بعرق من زيتون فإنه لم يغير سوى المظهر في الوقت الحاضر. رابعاً: إنشاء علم اجتماع مستقل يختص بمشكلات العالم ودراستها وتمحيصها ليضع لها الحلول المناسبة الجذرية. خامساً: التخلص من المفاهيم الخاطئة وبعض النظم الاقتصادية أو السياسية التي تجر إلى الحروب ومنها "عقدة المؤامرة"، لأن ابن نبي يرى أن من أشد مواطن الضعف الاستسلام لفكرة المؤامرة, ولا بد من الاستيقاظ والإفاقة من خدر"المؤامرة" الموهومة، التي انقلبت بفعل الأحداث العالمية من عالمنا العربي والإسلامي إلى العالم الغربي، حيث الاتهام والشك إلى كل ما ينتمي إلى عالمنا العربي.. فلا بد من التخلص من الأزمة في النفسية الاحتضارية والخداع الذاتي أو الرضا عنها إلى نفسية حضارية وتنمية الايجابية في الوسط العربي والإسلامي والعالمي, إيجابية الفرق وإيجابية المجتمع. وصياغة رجل العهد العالمي والإصغاء لصوت العقل المتبصر، لأن مبدأ السلام أقوى من مبدأ الحرب, وقوة السلام وفكرته أقوى من قوة السلاح.


د. عبد الرزاق أبو بصل / أستاذ الشريعة في جامعة اليرموك

آخر التغريدات: