السياسية عند الإمامين إبن باديس والإبراهيمي

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

أحاول في هذا المقال معالجة مسألة السياسة عند الإمامين إبن باديس والإبراهيمي من خلال ثلاثة مستويات تكشف عن الهم السياسي عند هذين المصلحين، وتبيّن هاجسهما للتغيير بكل الوسائل الممكنة، وهي تتمثل في: التعبير (المواقف)، التفكير (التصورات)، والتدبير (الممارسة).

وأنطلق هنا من ثلاثة أسئلة: ما هي أهم مواقف الشيخين من الحالة السياسية في الجزائر والعالم العربي والإسلامي آنذاك؟ وما هي أهم إسهاماتهما في النقاش السياسي على المستوى المحلي والدولي؟ وما هي أبرز مشاهد مشاركتهما السياسية؟

1- التعبير:

عبّر كل من الشيخ إبن باديس والشيخ الإبراهيمي عن مواقف كثيرة تمس الحالة السياسية في الجزائر والعالم العربي الإسلامي، ولم يكتف العالمان بالدفاع فقط عن القضايا الدينية والتربوية التي هي من أولويات الدعوة الإصلاحية، ومن صميم اهتمامات عالم الدين.

وتكشف تلك المواقف السياسية المعبرة عنها في الصحافة والخطب والمحاضرات في الاجتماعات المختلفة عن مسايرتهما لما يحدث على أرض الواقع على المستوى المحلي أو الدولي.

فلم يكن الرجلان غارقين في بحر مطالعة الكتب القديمة، ومعتكفين على تعليم الطلاب في حلقات معزولة في المساجد والزوايا بعيدا عن الناس، ومنشغلين بالرد على ترهات خصومهم. بل إن هذين العالمين لم ينفصلا عن هموم مجتمعهما وتطلعاته، فوقفا معه في محنته، وتجاوبا بفعالية مع قضاياه السياسية ومشكلاته الاجتماعية والثقافية.

وركز الشيخ إبن باديس كثيرا على المسألة الجزائرية، ورد على كل سياسي جزائري أو فرنسي خاض في الهوية الجزائرية العربية، أو شكك في انتمائها الحضاري الإسلامي. فهو لا يقبل أية مساومة في هوية الجزائر العربية الإسلامية، ومن قال غير هذا فهو مخطئ لأن الأمة الجزائرية : "أمة لها قوميتها ولغتها ودينها وتاريخها، فهي بذلك أمة تامة الأهمية لا ينقصها شيء من مقومات الأمم. وأنهم إلى ذلك مرتبطون بأمة عظيمة ذات تاريخ مجيد، ومدنية راقية، وحكومة منظمة، وأن عليهم أن يراعوا هذا كله في حياتهم فيحترموا قوميتهم، ولغتهم، ودينهم، وتاريخهم، والأمة التي هم مرتبطون بها، والحكومة التي هم مسيّرون بقوانينها."[1]

فالارتباط بفرنسا مفروض على الجزائريين بالحديد والنار، ولا يجمعهم بفرنسا دين أو لغة أو تاريخ.

وناقش ابن باديس بعض القضايا السياسية العالمية التي شغلت الرأي العام العالمي آنذاك كالصراع الفلسطيني الصهيوني، الاستعمار الإيطالي في ليبيا، مسألة الخلافة وإقامة الجمهورية التركية، الصعود السياسي للحركات المتطرفة في فرنسا.

لكن طبيعة المرحلة التي عاشها إبن باديس فرضت عليه الاستغراق كثيرا في المسألة الداخلية من التفرغ للتربية والتعليم، والإشراف على شؤون جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومجابهة القوانين التعسفية الفرنسية تجاه التعليم العربي في الجزائر.

بينما كان اهتمام محمد البشير الإبراهيمي بالقضية الجزائرية لا يقل عن اهتمامه بالقضايا العالمية خاصة بعد رحلته عبر العالم الإسلامي في عام 1952، واستقراره في القاهرة الحاضرة السياسة بامتياز في الخمسينات بعد استيلاء الضباط الأحرار على مقاليد الحكم بقيادة الجنرال محمد نجيب، وتبنيهم للعقيدة التحريرية التي تساند حركات التحرر في العالم العربي والإسلامي.

وكثيرا ما انتظر المثقفون العرب المسلمون مقالات الشيخ الإبراهيمي في جريدة البصائر عن القضايا الإسلامية الكبرى، وتدارسوها فيما بينهم. ونملك اليوم شهادات عديدة في هذا الموضوع.

كانت للشيخ إبن باديس معارك سياسية مع الزعيم السياسي الدكتور محمد بن جلول الذي اتهم جمعية العلماء بالتطرف، وفرحات عباس الذي أنكر في بداية مشواره السياسي الشخصية القومية الجزائرية. فكتب إبن باديس مقالا دحض فيه ما تبناه فرحات من أفكار لا تستند إلى وقائع تاريخية، قائلا: " نحن فتشنا في صحف التاريخ وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها، وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شان كل أمة في الدنيا. ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا،ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها..."[2]

وكثيرا ما راسل الإبراهيمي الملوك والرؤساء والمؤسسات الدولية للتعبير عن موقفه وموقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في قضايا عصرهم. أو لطلب الإفراج عن زعيم سياسي مسلم أينما كان. وفي هذا السياق كتب إلى الحكومة الباكستانية لإطلاق سراح الإمام أبي الأعلى المودودي المحكوم عليه بالإعدام "لترد الاطمئنان إلى نفوس جميع المسلمين."[3]

كما كتب الإبراهيمي رسائل تنديد وبرقيات للاستنكار لما يعانيه الزعيم التونسي في معتقله من معاملة مهينة لا تليق بمقامه السياسي ونضاله العادل في سبيل حرية وطنه.[4]

كما كتب سلسلة من المقالات لمساندة السلطان محمد الخامس حتى أصبحت هذه المقالات مصدرا للأمل ومحفزا للحركة في المغرب الأقصى للمطالبة بعودة السلطان إلى عرشه.

واتصل كذلك مباشرة بالزعماء والقادة ولعل أشهر اتصال له كان مع الملك السعودي يلتمس منه مساندة الثورة الجزائرية بالمال والسلاح.

2- التفكير: )التصورات)

ماذا تعني السياسة لعلماء الجزائر؟ لقد أجاب إبن باديس عن هذا السؤال في قصيدة قالها في نهاية خطابه الذي ألقاه في مؤتمر جمعية العلماء في عام 1937، وملخصها في ثلاث كلمات: التفكير والعمل والتضحية.[5] فالسياسة تنطلق من الأفكار، وتتجسد بالعمل، وتستمر بفضل التضحية.

ويقوم المشروع الإصلاحي في نظر ابن باديس منذ 1925 على ثلاثة مبادئ: السياسية، التهذيب والانتقاد. ونلاحظ هنا أن هذا المصلح الجزائري بدأ بالمبدأ السياسي قبل التهذيبي. وحتى المبدأ الثالث الذي يتمثل في الانتقاد يحمل في مضمونه هموما وغايات سياسية.

وفي خطاب مفتوح إلى المسلم الجزائري يقدم له إبن باديس توجيهات لا ليكون فقيها أو عالم دين وإنما ليصبح "إنسان المدنية، ورجل السياسة". فالسياسة كانت دائما حاضرة في ذهن إبن باديس وأذهان إخوانه من جمعية العلماء كالإبراهيمي وأحمد توفيق المدني والأمين العمودي والعربي التبسي، الفضيل الورتلاني ...حتى وإن لم تعلن عن وجودها أو تكشف عن نفسها.

وتقوم السياسة على " الحق والعدل والمؤاخاة بإعطاء جميع الحقوق للذين قاموا بجميع الواجبات".[6] فالمواطن له واجبات وهي تتمثل في معرفة تاريخه والعمل على نهضته في مختلف المجالات، والحفاظ على الأخلاق والدين.[7] وتكرر الحديث عن الربط بين السياسة والأخلاق عند هذين العالمين. وكثيرا ما وجّها نصائح إلى الشعب الجزائري ليكون حذرا في انتخاب ممثليه، فالاختيار يجب أن يكون دائما على الصادقين في أقوالهم وأفعالهم.

والمواطن له كذلك حقوق اجتماعية وثقافية وسياسية. لكن الجزائري لم ينلها بعد في ظل الحكم الاستعماري الذي مازال يعتبره أهليا وإنسانا من الدرجة السفلى وخارج سلم المواطنة.

فالعلاقة بين الحق والواجب تقوم على التأثير المتبادل، فلا انفصام بينهما، فالحق يدفع إلى الشعور بالعدل. والقيام بالواجب يعبّر عن أداء الأمانة وتحقيق المسؤولية. وهذا التوازن هو الذي يصنع السلام ويكرس الاستقرار ويدعم النماء. ولكن فرنسا تجاهلت هذا القانون الأول في علم السياسة، ففرضت الواجبات على الجزائريين، وحرمتهم من حقوقهم المشروعة.

اهتم ابن باديس والإبراهيمي بإشكالية السلطة والحكم على الرغم أنهما لا يعيشان في دولة مستقلة لها حرية كاملة في اتخاذ القرار، والقدرة على تسيير شؤون الرعية. كانت الجزائر آنذاك مجتمعا محكوما من طرف دولة غير مسلمة لكن شعبه متمسك بدينه، وغيور على لغته رغم كل المعوّقات التي وضعتها الدولة المستعمرة للتضييق على ممارسة شعائره الدينية، وتعطيل تعلمه للغة العربية كباقي إخوانه المسلمين في العالم.

كل هذا لم يمنعهما من الحديث والكتابة عن أصول الحكم، فهما ينطلقان من فكرة أن الظلم مهما طال عمره فإنه ميّت، والاستعمار مهما عمّر في بلد فإنه راحل منه، ذلك هي سنة الله في خلقه.

والظلم يؤدي لا محالة إلى الانفجار ودفع المظلومين إلى أخذ حقوقهم بالقوة. وقد خطب إبن باديس في مدينة بجاية في هذا الشأن، وقال: " لقد درست تاريخ الأمم، فوجدت الأمم تنهض بشيئين اثنين: إما بكثرة العلم، وإما بكثرة الظلم، أما العلم فنحن فيه فقراء، وأما الظلم فنحن فيه أغنياء، اللهم إن كنت تريد إنهاضنا بكثرة الظلم فنحن لك من الشاكرين."[8]

فالعدل هو أساس الحكم لأنه يساعد السلطة على أداء واجبها وربط علاقة متينة مع رعيتها، فابن باديس يرى أن "العدل هو أساس الأمن والسلام." وهي مقولة تشبه إلى حد بعيد فكرة ابن خلدون الشهيرة: "العدل أساس الملك". وكتب الشيخ الإبراهيمي سلسلة من المقالات في جريدة البصائر بعنوان: "حدثونا عن العدل فإننا نسيناه" يدعو فيها إلى إقامة العدل في الجزائر، ورفع الظلم عن الجزائريين.

وقد بيّن الباحث اللبناني الدكتور أسعد السحمراني في كتابه: " الاستبداد والاستعمار وطرق مواجهتها عند الكواكبي والإبراهيمي"[9] أن هذا الأخير كان أكثر مقارعة للاستبداد من الكواكبي الذي يضرب به المثل في هذه المسألة. فالظلم بشكل عام أو الاستبداد أي الظلم بالمعنى السياسي يحول في نظر هذا المصلح الجزائري "النور ظلاما، واليقين وهما والحق باطلا."

والدولة تسير وفق ما وضعته من قوانين ورسمته من خريطة الطريق. وهذه القوانين المستمدة من إرادة الشعب وتطلعاته هي التي تشكل الدستور. والدستور النافع في نظر العلماء الجزائريين هو " الذي يكون للأمة رأي في وضعه، واختيار لمنهاجه، ويد في تشريعه، ويكون ناشئا عن رغائبها ليكون محققا لرغائبها." فالحكم الراشد يؤسس إذن مرجعيته على تراث الأمة وتطلعاتها، ويستمد شرعيته من اختيار الشعب، ويحافظ على استمراريته بخدمة مصالح الأمة، وتحقيق سعادة أفرادها.

ويرى إبن باديس أنه لا يمكن فصل الدين عن السياسة. والدولة التي تهمل هذا المبدأ تتعرض لهزات وأزمات لأن الناس لا يستطيعون العيش بلا دين أو ممارسة دينهم تحت الضغط، فيتحول إلى الانفجار. وقال ابن باديس وهو يتحدث في هذا الشأن: "الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته وتجلب عليه وعليها الأضرار والأتعاب."[10] صحيح أن الشيخ الإبراهيمي كتب سلسلة من المقالات في البصائر بعنوان : "فصل الدين عن الحكومة"[11]. لكنه كان يقصد تحرير الدين الإسلامي من قبضة السلطة الاستعمارية التي كانت تتلاعب بالشؤون الإسلامية وتضايق العلماء والمعلمين الأحرار، ينما تتمتع الكنائس ومعابد اليهودية بالحرية، ويتلقى رجال الدين المسيحي أو اليهودي الدعم المادي والمعنوي من حكومة الاحتلال. فهذه الحكومة غير القادرة على العدل بين هذه الديانات الثلاث حري بها أن تبقى بعيدة عن الشأن الديني، وتترك أمره لأهله.

واهتم المصلحان أيضا بالسياسة الخارجية أو العلاقات مع الآخر خاصة العرب. فالعلاقة بين العرب تقوم على الأخوة والوحدة. وحدّد ابن باديس أسسها في ثلاث قيّم، وهي تتمثل في: التاريخ، اللغة، الجنس، الألم. فشعور كل فرد بوحدة المصدر واللسان والعرق والمصير يجمع الأمة العربية، ويقوي الروابط بين أفردها، ويعزز التعاونفيما  بينهم في الميادين المختلفة.

وأضاف الشيخ الإبراهيمي عامل الدين لينتقل العرب إلى عالم أوسع لتشملهم الأمة الإسلامية بوحدتها وتنوعها. فالتنوع هو مصدر للوحدة ومبعد للتفرقة. وتاريخ المسلمين يؤكد على ذلك. فالتلاحم بين البربر والعرب في المغرب العربي، أو بين العرب والفرس والترك في المشرق الإسلامي ضمن الاستقرار لمدة قرون. فالوحدة تصنع القوة، والترابط ينجز السلم، والتعاون يجلب الرخاء.

3- التدبير: (الممارسة)

لم يكن كل من إبن باديس والإبراهيمي يفرق بين السياسة والدين في نظر سلطة الاحتلال والصحافة الاستعمارية في الجزائر. واتهمتها بعدة تهم سياسية كالترويج لفكرة الجامعة الإسلامية، وتحضير الشعب الجزائري للثورة على فرنسا بتكريس التطرف خاصة بعد إفتاء إبن باديس بحرمة التجنس بالجنسية الفرنسية، واعتبر كل متجنس مرتدا عن الإسلام.[12] وقد أثارت هذه الفتوى معركة سياسية أكثر مما أثارته من سجال ديني في المغرب العربي وفرنسا.[13]

وقد رد إبن باديس في عام 1932 أي سنة واحدة بعد تأسيس جمعية العلماء على تصريحات الوالي العام الفرنسي في الجزائر للصحافة الفرنسية الذي قال عنها أنها تمارس السياسة فخرجت بذلك عن وظيفتها الدينية والاجتماعية. فأجابه إبن باديس في جريدة "الصراط السوي" لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بهذه التساؤلات: " ما هذا العيب الذي يعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة؟ فهل خلت المجالس النيابية الكبرى والصغرى من رجال الديانات الأخرى؟ وهل كانت الأكاديمية الفرنسية خالية من آثار الوزير القسيس رشليو؟ أفيجوز الشيء ويحسن إذا كان من هنالك ويحرم ويقبح إذا كان من هنا؟" ثم يجيب إبن باديس عن هذه الأسئلة الاستنكارية ": "كلا لا عيب ولا ملامة وإنما لكل امرئ ما اختار ويمدح ويذم على حسب سلوكه في اختياره."[14] وكان رد فعل سلطة الاحتلال عنيفا فقد أوقفت هذه الجريدة الإصلاحية بعد أسبوعين من رد إبن باديس على تصريحات الوالي العام. وبقيت جمعية العلماء محرومة من الصحافة إلى غاية 27 ديسمبر 1935 تاريخ صدور العدد الأول من جريدة البصائر.

لقد حرص كل من إبن باديس في قسنطينة والإبراهيمي في تلمسان، وفي أسفارهما عبر التراب الجزائري على الاتصال بالشعب وكذلك الأعيان والسياسيين المحليين المساندين للحركة الإصلاحية والوطنية.

وكثيرا ما تخوّفت المصالح الأمنية الاستعمارية من هذا التقارب بين المصلحين والسياسيين من جهة، والمصلحين والأعيان والأثرياء من جهة أخرى، ونبّهت في تقاريرها الكثيرة السلطات السياسة العليا إلى خطورة الوضع وأثره السلبي على السياسة الاستعمارية القائمة على إستراتيجية "فرق تسد"، وعلى عزل الحركة الإصلاحية عن الشأن العام، وتجفيف منابع مواردها المالية.

وإذا أخذنا بالمثل المعروف: " قل لي من تصاحب أقول لك من أنت"، قلنا أن ابن باديس والإبراهيمي سياسيان من الدرجة الأولى. فالعلاقة بينهما والزعماء السياسيين الجزائريين كالأمير خالد والدكتور محمد بن جلول وفرحات عباس، مصالي الحاج...أو السياسيين الأجانب كالأمير عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي وعبد العزيز الثعالبي والحبيب بورقيبة ومحمد فاضل الجمالي ومصطفى السباعي ... متداخلة ومتقاطعة تتحسن أحيانا، وتسوء أحيانا أخرى. وهذه هي طبيعة السياسة التي تتأثر كثيرا بالتقلبات المختلفة.

وتأثرت جمعية العلماء التي كان يسيرها إبن باديس والإبراهيمي كغيرها من الجمعيات الإصلاحية والسياسة بوفاة الأمير خالد الذي تزعم الحركة السياسية الجزائرية بعد الحرب العالمية الأولى. وخصصت له الشهاب والبصائر مقالات عديدة، وجاءتها رسائل وقصائد كثيرة من كل أنحاء البلاد عجزت عن نشرها كلها. وقال إبن باديس وهو يتحدث عنه: "كان رحمه الله وطيب ثراه مسلما صادقا متين الإيمان، عفيف النفس طاهر الذيل، كريما جوادا، شهما أبيا؛ صريحا إلى أقصى درجات الصراحة، صلبا في الحق لا يلين ولا يعترف بوجوب المرونة السياسية... لقد خسرت فيه الأمة الجزائرية زعيما محبوبا مخلصا قلما يجود الزمان بمثله. وخسرت العروبة فيه بطلا من خير أبطالها في هذا الزمن الأخير، وخسر العالم الإسلامي فيه رجلا من خير رجال العاملين."[15]

وفي عام 1936 ساهمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الدعوة إلى المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي وحد العديد من القوى السياسية والدينية في الجزائر. وشارك إبن باديس والإبراهيمي في الوفد الذي سافر إلى فرنسا لتقديم طلبات الجزائريين إلى الحكومة الفرنسية. وقد نقم عليهما خصوم الجمعية ومعارضيها وبعض المثقفين لدخولهم في السياسة.  كما تدخل زعيم الحزب التونسي عبد العزيز الثعالبي ليدعم العالمين وجمعيتهما ويؤكد على أن هذا النشاط السياسي من صميم رسالة العلماء ومسؤليتهم.[16]

وساندت جمعية العلماء محمد بن جلول في العديد من مواقفه، لكنها اختلفت معه فيما بعد حينما اتهمها بالتطرف في تصريح لجريدة فرنسية. فالحوار السياسي كان قائما بين مختلف التيارات الفكرية وتجسدت في سجالات سياسية أثرت النقاش حول قضايا مصيرية خاصة في الثلاثينات من القرن العشرين.

كان أشهر السجال السياسي وقع بين إبن باديس الذي عارض موقف فرحات عباس من تاريخ الأمة الجزائرية، ورد عليه بشدة كما اشرنا إلى ذلك من قبل. لكن إبن باديس كتب عنه في مجلة "الشهاب" كلمات جميلة تعبر عن تقديره لهذا الرجل السياسي لأنه تراجع عن موقفه، واعترف بذلك، فقال في ذلك: "وإنا لنشهد أن من أكمل الرجال الذين رأينا فيهم ... الهمة العالية، وشرف النفس، وطهارة الضمير، الأستاذ فرحات عباس... سلك مسلك كبار رجال السياسة الذين يحبذون النقد وينصاعون لكلمة الحق ... وجرت له مع صاحب الشهاب –أي إبن باديس- محادثة دلت على سمو أدبه وعلو كعبه في عالم السياسة والتفكير."[17] وبقيت العلاقة بين الرجلين عميقة، ومات إبن باديس في عام 1940 وهو راض عنه.

كانت العلاقة بين الإبراهيمي وعباس أقوى لأنها كانت أطول، وعاش الرجلان معا في مواضع عديدة في المنفى وفي القاهرة. وهذه العلاقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وقال في هذا السياق المؤرخ الفرنسي بن يامين ستورا في كتابه: "فرحات عباس" أن الشيخ الإبراهيمي هو أبوه الروحي.

وربط العالمان علاقات قوية مع الزعماء السياسيين في العالم العربي والإسلامي. وقد حرص إبن باديس على السفر إلى تونس في جويلية 1937م للمشاركة في الاحتفالات التي أقيمت للزعيم السياسي الكبير الأستاذ عبد العزيز الثعالبي بمناسبة عودته إلى تونس من منفاه. فهنّأه إبن باديس باسمه الخاص ونيابة عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. واستغل إبن باديس الفرصة لإصلاح ذات البين ورأب صدع الخلاف القائم بين أركان الحزب الدستوري التونسي جراء النزاع حول الزعامة بين قدماء الحزب والزعماء الجدد.

ومارس إبن باديس والإبراهيمي السياسة بشكل مباشر في مشاركتهما في المؤتمر الإسلامي الذي انعقدت أشغاله في عام 1936 ونشط سياسيا بين 1936 و1938. وسافر العالمان مع وفد المؤتمر المشكل في غالبيته من الشخصيات السياسية من مختلف الاتجاهات إلى فرنسا مرتين في 1936 و1937 لتقديم مطالب الجزائريين إلى الحكومة الفرنسية التي تتمثل في حرية التعبير وحق التنقل والسماح بفتح المدارس العربية وبناء المساجد والاحتكام إلى القضاء الإسلامي.

واطلع إبن باديس السياسيين الذين التقى بهم على حقيقة الوضع في الجزائر بلهجة صريحة ترجمها الشيخ محمد الأمين العمودي بلغته الفرنسية الراقية. وخاطب رئيس الحكومة الفرنسية بلوم فيوليت خطابا لا ينطق به إلا سياسي محنك، فقال إبن باديس لهذا لحاكم الفرنسي الجديد: "الأمة الجزائرية المتألمة ليس ألمها ضد جنس ولا ضد دين ولا ضد فرنسا، وإنما ألمها ضد الظلم، ولهذا جاءت الحكومة الشعبية وتوسمت فيها الحرية والعدالة أعطتها كل الثقة وأعلنت سرورها بها وأرسلت الوفد فإذا رجعنا إليها ببعض مطالبها زادت ثقتها، وإذا رجعنا بأيدينا فارغة انعكس ذلك الفرح وحصل عن انعكاسه ضرر عظيم يستغله أضدادنا وأضدادكم."[18]

كما تحدث إبن باديس في تونس عام 1937 عن الوحدة المغربية، ودعا إلى إفشال الإستراتيجية الفرنسية الرامية إلى قطع الصلة بين هذه الدول ذات التاريخ الواحد والمصير المشترك. كما نبّه الرأي العام التونسي إلى ما يعانيه الجزائريون من فقر وظلم في ظل الاحتلال الفرنسي.

ونجد هذا الهاجس عند الإبراهيمي في عودة الدول والشعوب المغربية إلى وحدتها التي هي الأصل: "إن هذا الشمال الإفريقي كل لا يتجزأ تربط بين أجزائه دماء الأجداد، ولسان العرب، ودين الإسلام، وسواحل البحر في الشمال، وحبال الرمال في الصحاري، وسلاسل الأطلس الأشم في الوسط، واتحاد الماء والهواء والغذاء. وإنها لخصائص تجمع الأوطان المتباينة، فكيف لا تجمع الوطن الواحد."[19] ويؤكد على أن سبب التفرقة جاء من الخارج وليس من طبيعة المغاربة.[20]

وعمل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عندما أصبح رئيسا لجمعية العلماء المسلمين على ربط علاقات مع العديد من الحركات السياسية في الجزائر والعالم الإسلامي. وحرص على إرسال 400 نسخة من كل عدد من جريدة البصائر – رغم صعوباتها المالية- إلى الشخصيات العلمية والسياسية المؤثرة في العالم الإسلامي وأوروبا والأمريكتين الجنوبية والوسطى. وكان الهدف من هذه الهدايا إيصال صوت الجزائر إلى العالم، والتعريف بجهود جمعية العلماء الإصلاحية تجنيد الدعم لنشاطاتها المختلفة.

وانضم الشيخ الإبراهيمي إلى جمعيات ومنظمات سياسية عديدة تطالب بتحرر الجزائر والكثير من الدول الإسلامية. ولعل أبرز هذه المنظمات التي ساهم في تأسيها هي جبهة تحرير الجزائر في فبراير 1955 التي تضم أبرز السياسيين الجزائريين في القاهرة وهم: أحمد بن بله، حسين آيت أحمد، محمد خيضر، الفضيل الورتلاني، أحمد بيوض أحمد مزغنة... وكان من أهداف هذه الجبهة: " تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي ومن كل سيطرة أجنبية، مستعملة كل الوسائل الممكنة لتحقيق أهدافها."[21]وأكدت على الهوية العربية الإسلامية للجزائر، ودعت إلى مشروع الوحدة المغاربية.

واستقبل الشيخ الإبراهيمي خلال رحلاته ليس فقط كشيخ علماء الجزائر وإنما أيضا كزعيم كبير يدافع عن قضايا وطنه وأمته الإسلامية. ولهذا لم تقتصر استقبالاته على العلماء أينما رحل، فقد استقبله أيضا الملوك والأمراء الرؤساء.

لقد مارس إبن باديس والإبراهيمي السياسة فكرا وتنزيلا وإن لم ينضما لأي حزب سياسي، ولم ينخرطا في أية حملة انتخابية. فكانت السياسة عند هذين المصلحين نضال وكفاح وتضحية للتحرر من الجهل والاستعمار.

وهذا ما أدركته وتنبهت له مبكرا مصالح مراقبة الجزائريين –مصلحة الشؤون الأهلية- فتعاملت مع هؤلاء العلماء على هذا الأساس معاملة السياسيين، فمارست عليهم القمع والمضايقات والمتابعات القضائية والمراقبة المستمرة، واعتبرت جمعيتهم مصدرا للقلق والخوف من مستقبل فرنسا في الجزائر، ووصفتها مرات عديدة بأخطر حركة احتجاجية في مستعمراتها.

كان كفاح إبن باديس والإبراهيمي يندرج ضمن الوطنية الثقافية (nationalisme culturel) ذات بعد سياسي، وكان نضال مصالي الحاج وفرحات عباس يندرج ضمن الوطنية السياسية ( nationalismepolitique ) ذات بعد اجتماعي واقتصادي بالدرجة الأولى. وهذا هو التكامل الذي حصل في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية على مستوى الأفكار وإن لم يتجسد كثيرا على واقع الأرض.

 

* أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر

عضو المكتب الإداري لجمعية العلماء الجزائريين

مكلف بالتراث والبحث العلمي

[1]الشهاب، مج 12، ج1، أفريل 1936.

[2]الشهاب، مج 12، ج1، أفريل 1936.

[3]البصائر، العدد 232، 5 جوان 1953. عن خلفيات اعتقال الأستاذ أبي الأعلى المودودي، انظر كتابنا: أعلام وقضايا في التاريخ الإسلامي المعاصر. دار الخلدونية، الجزائر، 2007، ص123-125.

[4]البصائر، العدد 279، 16 جويلية 1954.

[5]الشهاب، ج6، م13، أوت 1937، ص274.

[6]المنتقد، العدد 1، 2 جويلية 1925.

[7]الشهاب، ج1، م 11، ابريل 1935.

[8]محمد المنصوري الغسيري. صورة من حياة ونضال الزعيم الإسلامي والمصلح الديني الشيخ عبد الحميد بن باديس. باتنة، 2006، ص 127.

[9]أسعد السحمراني في كتابه: " الاستبداد والاستعمار وطرق مواجهتها عند الكواكبي والإبراهيمي. دار النفائس، بيروت، 1984، ص 142.

[10]المنتقد، العدد 1، 2 جويلية 1925

[11]البصائر، الأعداد: 57، 22 نوفمبر 1948؛ 75، 11 أبريل 1949؛ 83، 13 جوان 1949؛ 87، 18 جويلية 1949؛ 88، 25 جويلية 1949؛ 89، 8 أوت 1949.

[12]البصائر، العدد 95، 14 جانفي 1938.

[13]من هذه الأصداء، رسالة أرسلتها إلى جريدة البصائر (العدد 101، 25 فبراير 1938) جمعية المسلمين التونسيين المتجنسين بالجنسية الفرنساوية.

[14]الصراط السوي، العدد 15، 25 ديسمبر 1933.

[15]الشهاب، الجزء 11، المجلد 11، فبراير 1936.

[16]البصائر، العدد 78، 13 أوت 1937.

[17]الشهاب، الجزء 3، المجلد 12، جوان 1936.

[18]الشهاب، ج7، م 12، أكتوبر 1936، ص 304-311.

[19]البصائر، العدد 183، 18 فبراير 1952.

[20]البصائر، العدد 183، 18 فبراير 1952.

[21]محمد البشير الإبراهيمي. آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي. دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1997، جمع وتحقيق الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، ج5، ص 54.

 

آخر التغريدات: