الشيخ محمد الصالح بن عتيق رحلة شاقة في سبيل الإصلاح والتحرير

الشيخ محمد الصالح بن عتيق رحلة شاقة في سبيل الإصلاح والتحرير

بقلم : رابح تواتي -

ولد الشيخ محمد الصالح بن عتيق في الرابع من شهر ماي 1903 بقرية العتقة من دوار أولاد قاسم بلدية الميلية، من أسرة متواضعة في مستواها الاجتماعي ، ولكنها عريقة في نسبها وفي خدمة الإصلاح والقرآن الكريم .

قضى الفقيد رحمه الله حياته حلا وترحالا في خدمة العلم والنضال من أجل النهضة والحرية والاستقلال ، منذ نعومة أضافره إلى آخر لحظة في حياته .

تعلم القرآن الكريم على والده بمسقط رأسه، وبعد وفاة أبيه هاجر قريته في رحلة شاقة لتحصيل العلم والمعرفة، ثم نذر نفسه للإصلاح و التربية والتعليم والجهاد من أجل الحرية والاستقلال، وواصل عمله إلى آخر رمق في حياته، وكانت البداية من زاوية الشيخ بورصاص، ثم زاوية الشيخ الزواوي،لكن أمله خاب في الزاويتين،و خاصة في الزاوية الثانية بسبب ما وجده فيها من بدع وخرافات و شعوذة ومنكرات تعرض لذكرها في كتابه " أحداث ومواقف " وكانت المحطة الثالثة زاوية الشيخ السعيد بن زقوطة بوادي العثمانية و مكث فيها الشيخ – الطالب أنداك- مدة عام، ثم جاءت محطة ميلة التي نصحه بالتوجه إليها طلبة العلم، وهناك فتحت أمامه أفاق جديدة، فإلى جانب حفظ القران، كان يشارك في بعض الدروس الليلية يلقيها العالم المصلح الشيخ محمد بن الظريف "الميلي" في الفقه و التوحيد إلى أن جمعته الصدفة بالعلامة الكبير الشيخ مبارك الميلي رحمه الله،الذي عاد من تونس وشرع في إلقاء دروس يشرح فيها مبادئ الإصلاح، لكن الشيخ مبارك انتقل إلى قسنطينة للعمل بجانب الشيخ عبد الحميد بن باديس، ومن جانبه انتقل الشيخ بن عتيق إلى قسنطينة و تتلمذ على الشيخ بن باديس وتأثر به تأثرا بالغا الشيء الذي كان له ابلغ الأثر على أعماله فيما بعد وجعله من اكبر علماء الإصلاح ورجاله.

وفي عام 1927، هاجر إلى تونس لطلب العلم في جامع الزيتونة وفي سنة 1932،حصل على شهادة "التطويع" وعاد إلى الجزائر رفقة ثلة من المتخرجين، اللذين خصهم الشيخ ابن باديس باستقبال حار و أقام لهم حفلا بهيجا في قسنطينة.

المرحلة الثانية من حياة الفقيد رحمه الله، بدأت عام 1932 بالميلية، بتحوله من طلب العلم إلى التدريس، والدعوة، ومكث هناك إلى غاية 1934 وخلال هذه المدة أسس لها جمعية ومدرسة للتربية والتعليم .

وابتداء من عام 1934 عين الفقيد في قلعة بني عباس بولاية سطيف حاليا، واستجابة لإلحاح الشيخ الفضيل الورثلاني انتقل عام 1937 للعمل في فرنسا وعاد منها عام 1938 ليعينه الشيخ ابن باديس في مدينة برج بوعريريج ، ولم تطل إقامته هناك ليعود إلى الميلية لمواصلة عمله في حقل الإصلاح والتعليم ، غير أن السلطات الاستعمارية (الحاكم ) ضاقت به ذرعا ورفضت تسليمه الرخصة لفتح مدرسة ، وقال الحاكم آنذاك « ان المسمى محمد الصالح هدوك أحد المشوشين الكبار وكلها حل بالميلية تحركت العناصر المعادية لفرنسا فإبعاده ضروري».

وفي العام 1944 عين بمدينة تيارت بفرض تأسيس جمعية وفتح مدرسة في مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر ، غير أن أهل البلدة تمسكوا به، وألحوا على الجمعية أن تبقيه ، فمكث هناك إلى غاية 1949 ، وفي فاتح من أكتوبر 1940 حل بمدينة سكيكدة ليؤسس مدرسة الإرشاد ويتولى إدارتها وواصل نشاطه بها إلى سنة 1950.

وفي نفس السنة عاد إلى الميلية ليكون مدير المدرسة محمد خطاب، التي اشتراها المصلح الكبير محمد خطاب رحمه الله وتبرع بالإنفاق عليها وعلى طلبتها الداخليين وأجرة الأساتذة، واقترح أن تكون فرعا لمعهد عبد الحميد ابن باديس، فوافق على ذلك الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله، واستمر هناك إلى عام 1954 حيث عينه الشيخ العربي التبسي رحمه الله في مدينة البليدة على أن يقوم فيها شهر رمضان فقط، لكن أهل البليدة تمسكوا به كما وقع في تيارت، وهناك أظهر نشاطا كبيرا، حيث ضم حركة التعليم كلها تحت لواء جمعية العلماء وأسس مسجد بوعرفة.

وفي السابع من شهر أفريل 1956 ألقت السلطات الاستعمارية عليه القبض، وسيق إلى سجن البرواقية، ثم نقل إلى المعتقلات التالية: أفلو، ركول بضواحي وهران، بوسوي جنوب بلعباس، الدويرة، معتقل الشامي أو الشحمي بضواحي وهران، إلى أن أطلق سراحه سنة 1962 بعد تحقيق الاستقلال واستعادة الحرية والكرامة.

وبعد الاستقلال واصل الشيخ محمد الصالح تأدية رسالته، فتولى منصب مفتش جهوي لولايات الوسط بوزارة الأوقاف ، وعاوده الحنين إلى التعليم فعين أستاذا بثانوية حسيبة بن بوعلي في القبة للجزائر العاصمة ، إلى أن أخذ التقاعد في هذه المهنة ، وعين عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى مكلفا برئاسة لجنة الفتوى إلى أن توفاه الله، ولحق بالرفيق الأعلى في حدود الساعة الثانية عشرة والنصف من يوم الخميس 9 شوال 1413 هـ الموافق لـ1 افريل 1993 م وانطفأت بذلك شعلة جهاد واختفى أحد معالم الإصلاح والعلم والتعليم بعد أن ابلي وسجل اسمه ضمن العلماء العاملين المخلصين.

آخر التغريدات: