طريقة ابن باديس في التعليم

طريقة ابن باديس في التعليم

بقلم: محمد الصالح بن عتيق -

لما غادر الشيخ مبارك ميلة 1925 م، اتخذ مدينة قسنطينة مقرا له، حيت يعمل إلى جانب أستاذه ابن باديس في قسنطينة، رغبت أنا وبعض الطلبة بميلة في الالتحاق بالجامع الأخضر، الانخراط في سلك تلامذة علامة القطر، وفخر الجزائر والعروبة، المرحوم ابن باديس الذي ملأت شهرته - يومئذ- أرجاء الوطن، وأصبح من دواعي الشرف وزينة الدنيا، أن يحدث الرجل بأنه رآه، أو حياة، فضلاً عن أن يكون تتلمذ له، وقرأ عليه.

ولا غرابة، فالرجل موهبة من الله، لا يمكن أن يوصف، فالقلم واللسان عاجزان عن أن يحيطا بما رزقه الله من علم، وفضائل، وفي نظري أنه لم يحز ما حازه من المرتبة في القلوب، والتربع على عرشها، بكثرة العلم، وقوة الفهم، وحسن التفهيم فقط، بل أن ابن باديس من الطراز الذي يقل أمثاله في التاريخ.

هو قوة روحانية تسري في العروق والدماء سريان الكهرباء في الأجسام، فتهزها هزا عنيفا، وتحدث فيها انقلاباً مفاجئاً، فتحولها من الخمول إلى اليقظة، ومن خرافات وأوهام، إلى تفكير ونظر صحيحين، ومن استسلام وخضوع للباطل وجنوده، إلى شجاعة ومقاومة منطقية عاقلة. وعلى الجملة: فإن الطالب ليجلس بين يديه الأيام القليلة، فتتغير تصوراته للحياة بسرعة، ويشعر بأنه خلق لتأدية رسالته الإنسانية الشريفة، ويدرك مسؤوليته الكبرى كمسلم يدافع عن إسلامه وعروبته في حرارة وإباء، يحارب الخرافات التي ألصقت بالدين، ويكافح لأحياء لغة الضاد التي كادت اللغة الأجنبية تقضي عليها، وتحتل مكانها، ويعتز بالانتساب إلى وطنه، ويفتخر بتاريخه وقوميته ويؤمن بحقه في الحياة، كل ذلك بصبر وثبات، واستعداد للتضحية بأنواعها...

إن ابن باديس تفيض من حوله الرجولة الكاملة، وتندفع على صيحاته الصادقة: الأفراد، والجماعات حيث يريدها -في غير ترو ولا أناة- يطبعهم بطابع الإخلاص فيما يتجهون إليه، ويعملون !

وأني لأعترف بالعجز عن إعطاء صورة كاملة للانقلاب المفاجئ الذي يحدث لمن يجلس بين يديه تلميذاً، أو يرافقه صديقاً. ولم يكن -رحمه الله- يحرص على طاقة الرجال فقط، بل تجاوز ذلك إلى منطقة (النساء).

طريقته في التعليم:

طريقته في التعليم قد جمعت ما بين القديم والحديث: فالطريقة القديمة عمدتها حفظ المتون وفهمها ودراسة الشروح، والتعاليق عليها، وكان في ذلك موقفا، إذ يجعل تلامذته يستعرضون الأقوال ويستنبطون، ويرجحون الصحيح منها.

وأما الطريقة الحديثة عنده فتعتمد على الحوار بينه وبين التلاميذ والمشاركة في دراسة النصوص، وتوجيه الأسئلة المفاجئة لهم من وسائل الدرس وبذلك يجعل التلميذ في تنبه ويقظة، وكثيرا ما يلاحظ الأستاذ غفلة أحدهم فيوجه له السؤال، فيرتبك ويخجل حيث لم يستطع الجواب فيقول له الأستاذ: كن معنا يا بني، وبهذا الأسلوب الحكيم يضمن فهم التلاميذ للدرس، وهي طريقة كاد ينفرد بها فلم نعرف لغيره من الأساتذة من نهج هذا المنهج في زمنه.

وإذا أتى بشاهد من الشعر العربي فإنه يشرحه شرحا دقيقا ويستخرج منه الحكم والعبر، ويتعرض لبيان النكت البلاغية، وأسرار اللغة العربية، فينير بذلك أفكارهم، ويجعلهم يتذوقون الفن والجمال في التعبير العربي.

وبينما الطلبة ينهلون من هذا المنهل الصافي، والمورد العذب، إذا بحادثة مريعة، وفاجعة فضيعة تكدر صفوهم، وتكاد تقتني على آمالهم؟ هي حادثة محاولة اغتيال الأستاذ !؟ وقعت هذه الحادثة في 14/12/1926 م وملخصها أن مجرما من المنتسبين إلى إحدى الزوايا المتطرفة، والمعروفة بعدائها للإصلاح والمصلحين. قد انتدب هذا المجرم من طرف هذه الزاوية وبإيعاز من الإدارة الاستعمارية أن يقوم باغتيال الأستاذ الإمام واتفقت مصلحة هؤلاء وأولئك على التخلص من الحركة الإصلاحية وقائدها ورائدها، الذي أقضّ مضاجعهم، وفضح نواياهم وأسرارهم.

ومما يمتاز به أستاذنا الإمام عن بقية المعلمين ذلكم الحرص الشديد على إفادة طلابه، وعدم التهاون في مواصلة الدرس مهما كلفه الأمر من عناء ومشقة، فقد يستغرق عمله جميع النهار وجزءا من الليل، يشرع في الدرس الأول بعد صلاة الصبح مباشرة، ويستمر إلى منتصف النهار ثم يستأنف العمل بعد صلاة الظهر إلى أن يحين المغرب، فينصرف بعد صلاة المغرب إلى درس التفسير بالجامع الأخضر، وينتهي منه عند صلاة العشاء وهكذا دواليك كل يوم ما عدا يوم الجمعة فإنه يخصصه لزيارة بعض المدن للوعظ والإرشاد والإشراف على حركة التعليم، يسافر ليلة الجمعة ويعود ليلة السبت حيث يستأنف الدرس في الصباح، وهو بهذا يضرب المثل الرائع لطلابه وغيرهم في المحافظة على الوقت، والاهتمام البالغ بنشر العلم والمعرفة فلا جرم أن حدثت معجزة الحركة العلمية وانتشارها في أنحاء القطر، وإقبال الشعب على تأسيس المدارس الحرة.

أما الفنون التي كان يدرسها للطلاب فهي: النحو والصرف، والبلاغة، وغالبا ما يدرس هذا من كتاب قواعد اللغة العربية المؤلف حديثا تتخلله التمارين والتطبيقات، ويدرس الفقه من كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني أو كتاب أقرب المسالك، وكتاب الشيخ خليل على حسب مستويات الطلاب يحاول في دراسته للفقه ربط الفروع بالأصول ذاكراً مأخذها و منشأ الخلاف بين الفقهاء على طريقة ابن رشد في بداية المجتهد، وربما كان أوسع وأعمق في الاستدلال والاستنباط معرضا عن الطريقة المعهودة في درس الفقه الجاف الذي يجعل الدارس له حيرة وارتباك أمام أقوال الفقهاء المضطربة من غير أن يعلم تسبب الخلاف.

دراسة التاريخ كان الأستاذ يعني بدراسة التاريخ عناية بالغة ويرى في تلقينه لتلامذته بعثا لحياتهم واعتزازا بتاريخهم، واقتداء بأجدادهم الذين بنو حضارة لا يوجد مثلها عند غيرهم من أمم الأرض ويختار وقت الصباح لدراسة التاريخ ويقول: إن هذا وقت تنام فيه الشياطين ويعني بالشياطين الجواسيس وتستيقظ الملائكة ويعني بذلك الطلبة ونظرة التاريخ عند ابن باديس تتجلى في كلمته التي فرض فيها تاريخ الجزائر الجزء الثاني للعلامة مبارك الميلي تنويها بعمله، إذ قال رحمه الله: أخي مبارك سلام ورحمة حيّاك الله تحية من علم وعمل وقفت على الجزء الأول من كتابك "تاريخ الجزائر القديم والحديث" فقلت لو سميته "حياة الجزائر" لكان بذلك خليقا... أخي مبارك إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف من أحيا أمة كاملة.

أحيا ماضيها وحاضرها، وحياتهما عند أبنائها حياة مستقبلها !... هكذا كان يرى إمامنا أن تاريخ الأمة إنما هو بعث لها، وطريق إلى إعادة مجدها.

-التوحيد، دراسة التوحيد عند ابن باديس يتبع فيها طريقة السلف الصالح في الاستدلال بالقرآن والسنة بعيدا عن تعقيدات المتكلمين، والتأثر بمذاهبهم الفلسفية، فهو يعول على إثبات وجود الله على الشعور القطري كما يقرر الإمام أبو حامد الغزالي، وعلى ما قرره ابن رشد من الإبداع والعناية كما يقرره القرآن العظيم وللأستاذ الإمام املاءات في هذا الباب لقنها تلامذته وهي منشورة. تحت عنوان "العقائد الإسلامية في القرآن والأحاديث النبوية" جمعها الأستاذ محمد الصالح رمضان، وعلق عليها الأستاذ البشير الإبراهيمي.

طريقته في التفسير:

وأما طريقته في التفسير والحديث، واستخراج الموعظة البليغة منها فقد ملك بذلك ناصية البلاغة، ودان له البيان الساحر، فكان يتناول الآية الكريمة أو الحديث الشريف فيغوص في أعماقها ويستخرج منها اللاليء والدرر، والحكم والعبر في عرض أخاذ وأسلوب شيّق ولغة واضحة بعيدة عن التعقيد، خالية من تلكم الاصطلاحات الجافة المألوفة عند الكثير من المفسرين القدماء، الذين غالبا ما يضيع جهدهم في المناقشات اللفظية، والوجوه الإعرابية، والاختلافات المذهبية.

أما أستاذنا العظيم فيضرب عن ذلك صفحا إلا ما يقتضيه التركيب اللغوي ويتطلّبه الأسلوب البياني، ملما بما قاله أكبر المفسرين مثل: القرطبي، والطبري، وابن كثير والبيضاوي وغيرهما من التفاسير المعتبرة ثم يركز اهتمامه على توضيح الآيات وبيان ما اشتملت عليه من الأسرار والأحكام والأخلاق مع دقة الملاحظة، وسلامة التعبير، ولطف الإشارة إلى سنن الله في الكون، وإلى الاهتداء والاقتداء، كل هذا في لهجة صادقة وإيمان خالص، وتفاعل مع ما يتلوه من الآيات، تخرج من صميم القلب فتتجاوز الآذان إلى قلوب السامعين ومشاعرهم.

وإلى هذا يشير العلامة الشيخ الإبراهيمي بقوله: ثم جاء إمام النهضة بلا منازع، وفارس الحلبة بلا مدافع الأستاذ محمد عبده فجلا بدروسه في تفسير كتاب الله عن حقائقه التي حام حلولها من سبقه ولم يقع عليها وكانت تلك آية على أن القرآن لا يفسر إلا بلسانين، لسان العرب ولسان الزمان، وبه وبشيخه جمال الدين الأفغاني استحكمت هذه النهضة واستمر مريرها.

ثم جاء الشيخ رضا، جاريا على ذلك المنهج الذي نهجه محمد عبده في تفسير القرآن، كما جاء شارحا لآرائه وحكمته وفلسفته في الدين والأخلاق والاجتماع.

ثم جاء أخونا وصديقنا الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس قائد تلك النهضة في الجزائر، بتفسير لكلام الله على تلك الطريقة. وهو ممن لا يقصر على من ذكرناهم في استكمال وسائلها، من ملكة بيانية، وغوص على أسرارها، وسعة إطلاع على السنة وتفقه فيها، وغوص على أسرارها وإحاطة وباع مديد في علم الاجتماع البشري وعوارضه، وإلمام بمنتجات العقول، ومستحدثات الاختراع ومستجدات العصر، بعد ذلك كله، قوة خطابية قليلة النظير.

وإني أعقب على ما أدلى به العلامة الإبراهيمي من التنويه بعبقرية الأستاذ الإمام في التفسير، فنضيف إلى ذلك بعض الفقرات –كشاهد جاءت في محاضراته القيّمة بنادي الترقي تحت عنوان "العرب في القرآن" أتى فيها على ما يشهد لهذه الحضارة العربية بآيات كثيرة وفسّرها تفسيرا انتقد فيها المفسرين القدماء اللفظيين كما يصفهم. والآية التي نذكرها له في هذا هي قوله تعالى: ] أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [. قال رحمه الله: فإن هذه الآية تكشف لنا نواح من تاريخ هذه الأمة العربية، ومبلغ مدنيتها وتعميرها فهي تدل على أنهم كانوا بصراء بعلم تخطيط المدن والأبنية وهو علم لا يستحكم إلا باستحكام الحضارة في الأمة ومآخذ هذا من قوله (بكل ريع).

والآية في قوله: (هي بناء شامخ يدل على قوتهم) وهي آية هادية للمسافرين وهي على كل حال بناء عظيم يدل على عظمتهم وقوتهم، ومازالت عظمة البناء تدل على عظمة الباني، ولم ينكر عليهم نبيهم البناء الذي هو مظهر القوة وإنما أنكر عليهم الغاية المقصودة لهم... فمحط الإنكار قوله: "تعبثون" ولا شك أن كل بناء شامخ لا يكون لغاية شريفة محمودة فهو عبث ولهو وباطل، والمصانع يقول المفسرون: أنها مجاري المياه..إلخ... ولكن ليت شعري ما الذي صرف المفسرين اللفظيين عن معنى المصنع... والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع جمع مصنع من الصنع كالمعامل وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة... ولا أغرب من تفسير هؤلاء المفسرين للمصانع إلا تفسير بعضهم السائحين والسائحات بالصائمين والصائمات والحق أن السائحين هم الرحالون والرواد للإطلاع والاكتشاف والاعتبار، والقرآن الذي يحث على السير في الأرض والنظر في آثار الأمم جدير بأن يحشر السائحين في زمرة العابدين والحامدين والراكعين والساجدين، فربما كانت السياحة أتم وأعم من فائدة بعض الركوع والسجود على هذا النمط يمضي في تفسير بقية الآية والآيات الأخرى التي تضمنها المحاضرة، ولعمري أن هذا هو التفسير الذي يقلبه العقل وتطمئن إليه النفس، ولست الآن بصدد التعرض إلى ما امتاز به أستاذنا وشيخنا الإمام ابن باديس عن بقية المفسرين من دقة الملاحظة وسلامة الذوق وصفاء القريحة فإن البحث في مثل هذا يستغرق وقتا طويلا ويستدعي أسفارا عديدة لا كلمات عابرة رأيت أن أقضي فيها بعض حقه علينا فرحمه الله وألهمنا إلى الانتفاع بآرائه وآثاره.

آخر التغريدات: