الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1889 – 1965)

بقلم: محمد الصالح بن عتيق -

ترجمته، ميلاده شهر جوان 1889 ببلدة رأس الوادي، دائرة سطيف. تعلم القرآن ببلدته، كما أخذ المبادئ العلمية من دين، ولغة، عن عمه.

هاجر إلى الحجاز مع أهله قبيل الحرب العالمية الأولى، وعاشر المدينة، وبها درس العلوم وفنونها وتفوق في جميعها، وقد أعانته ذاكرته القوية على التحصيل، واستيعاب جميع ما كان يدرس يومئذ للطلاب.

واجتمع بالمدينة المنورة بالأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس عام 1913، ولعلهما قد استعراضا حـال الجزائر، وما ينبغي أن يكون لهما من عمل عند العودة إليها.

وسافر إلى الشام سنة 1918، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ومكث بدمشق مدة، اشتغل فيها بإلقاء المحاضرات، فكان محل أصحاب إعجاب وتقدير من طلابه وزملائه، جاء في مجلة (مجتمع اللغة العربية) بدمشق عدد: 41 (1966) مقال لعالم الشام الأستاذ الجليل محمد بهجت البيطار، في تأبين الأستاذ الإبراهيمي، قال: (وقد كان لنعيه رنة أسف، وحزن شديدين عند عار في فضله وأدبه، إذ قضى مدة دعى فيها إلى تدريس اللغة والأدب، فكان المجلى في دروسه...)

ويقول الدكتور ((جميل صليبا))، وهو أحد تلامذة الإبراهيمي: (إنا كنا في مدرسة تجهيز دمشق، جد مغتبطين بدروس الأستاذ الإبراهيمي القيمة، التي كانت كالماء الزلال، بل السحر الحلال... وكان يملي علينا القصائد الطوال، لأرقى الشعراء في العصور الذهبية، ويشرحها شرحا لغويا، وأدبيا وافيين. فكنا إذا رجعنا إلى دواوين الشعر وشروحها، أخذنا العجب من صحة الرواية، للأستاذ، ودرايته، وتحقيقه العلمي والأدبي...)

حسب الجزائريين مجدا، وفخرا، أن يكون منهم الإمام الأول للنهضة الإصلاحية الجزائرية، الشيخ عبد الحميد بن باديس، تغمده الله برحمته، والإمام الثاني لهذه النهضة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي يحق للشام أن تفاخر به، كما تفاخر بأبنائها المخلصين، وأن تشكر له بعض أياديه، كما تشكر له الجزائر حسن صنيعه.

رجوع الشيخ الإبراهيمي إلى الجزائر، كان أوائل عام 1920، ولم يظهر له أثر في الفترة ما بين 20 إلى 29، في الكتابة في الجرائد الموجودة يومئذ المنتقد، الشهاب، البرق، الإصلاح، كما ظهر لغيره من العلماء، كالأستاذ الطيب العقبي، والأستاذ مبارك الميلي، والأستاذ السعيد الزاهري، وذلك لأسباب غامضة !

وأيا ما كان، فإنه ظهر كالبدر طالعا في سماء الحركة الإصلاحية، يمدها بأفكاره، ويؤيدها بقلمه، وخطبه، وأعماله، وخاصة بعد تأسيس (جمعية العلماء) عام 1931. ففي هذه الفترة كان حربا على أعدائها، وفارسا من فرسانها. فكم كانت له جولات في ميدان الهجوم على البدع والخرافات، وكم كانت له صواعق محرقة يرسلها على القبوريين والجامدين... فلنستمع إليه وهو يرسل هذه (القوارع)

في مقال تحت عنوان: (آثار الطرقية السيئة في المسلمين):

فيقول: (إن أعظم مصيبة أصابت المسلمين – وهي جفاؤهم للقرآن، وحرمانهم من هدية وآدابه- منشأها من الطرق، فهي التي غشت المسلمين لأول ما طاف بهم طائفها، وغشيتهم بهذه الروح الخبيثة، روح التزهيد في القرآن !...

وكيف لا يزهد في القرآن، وكل ما فيه من فوائد وخيرات وبركات، فقد انتزعتها منه (الطرق) وجردته منها، ووضعته في أورادها المبتدعة، ورسومها المخترعة، ونحلته شيوخها، ومقدميها، وصعاليكها !...

وقد قرأنا كثيرا من رسائلهم التي يتراسلون بها، فإذا هم ملتزمون لصفة واحدة، يصف بها بعضهم بعضا، وهي صفة (العارف بالله) ! وأكثر الطرقين سخاء في إعطاء هذا اللقب هم (العليوية)، ونحن قد عرفنا كثيرا من هؤلاء (العارفين بالله)، فلم نعرفهم إلا حمرا ناهقة !

وإذا كان القرآن متعبدا بتلاوته اللفظية، وهو ستون حزبا، فإن تلاوة (إنجيل التيجاني) القصير، وهو (صلاة الفاتح) مرة واحدة، تعدل ستة آلاف ختمه من القرآن ! ...

وإذا كان القرآن قد شرع الغزو، وهو من أحمد الأعمال وأشقها – فإن تلاوة هذا الإنجيل التيجاني مرة واحدة، تعد آلاف الغزوات، وهي لا تقوم إلا على حركة اللسان من غير اقتحام للميدان، ولا تعرض للرمح و السنان ! ...

فأي تعطيل للقرآن، أعظم من هذا؟ وأي تهويل لشعائر الإسلام ونقض لحكمها أكبر من هذا؟ وأي تزيين للتفلت من تلك الشعائر يبلغ ما يبلغه هذا الكلام من هذا الدجال؟) !

اهتمام الإبراهيمي بالشباب:

وإذا علمنا أن الأستاذ الإبراهيمي كان مهتما بتطهير العقول من الخرافات والأوهام، وتخليص العقيدة الإسلامية من بدع الطرقية، وسخافاتهم، فإنه كان يعني بالشباب عمدة المستقبل، ويوجه إليهم النصائح فيقول:

(أي شباب الإسلام ! حملة الأمانة، ومستودع الآمال، وبناة المستقبل، وطلائع العهد الجديد، خذوها فصيحة، لا تتستر بجلباب، ولا تتوارى بحجاب، إن علّتكم التي أعيت الأطباء، واستعصت على حكمة الحكماء، هي ضعف أخلاقكم، ووهن عزائمكم، فداووا الأخلاق بالقرآن تصلح و تستقم، وآسوا العزائم بالقرآن تقو و تشتد.

أي شباب الإسلام ! إن الأوطان تجمع الأبدان، وإن اللغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح و يؤلفها، ويصل بين نكرات القلوب، فيعرفها هو الدين. فلا تلمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة، ولكن التمسوها في الدين، والتمسوها في القرآن، تحدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر...)

إن الأستاذ الإبراهيمي فارس الميدان بلا منازع، ونادرة الزمان بلا مكابر، ضرب في كل فن بسهم صائب، زجـال في كل علم بفكر ثاقب، فهو بحق دائرة

معارف، جمع مع العلم الغزير، الأدب الوفير.

لقد كنا معشر الطلبة ننتظر بشوق أيام الاجتماع السنوي لجمعية العلماء، بنادي (الترقي) في العاصمة، لنستمع إلى خطبة القيمة التي كان يلقيها في الاجتماع فتنتعش بها أرواحنا، وترتاح لسماعها نفوسنا، ونتذوق الأدب الرفيع، والكلام البليغ، بالإضافة إلى ما تحتويه هذه الخطب من التوجيهات، وما تنطوي عليه من الإرهاصات، بمصير (جمعية العلماء)، مهما تكالبت عليها جحافل الأعداء، ورماها المغرضون بأنواع الأداء...

قال في معرض الحديث عن الجمعية: أنها ستنتصر، ولا يضرها ضعفها اليوم، لأنها أتت في وقتها، فهي كالبذرة تلقى في التراب، فتنبت النبتة الضعيفة اللينة، ولا يمنعها ضعفها من أن تشق الأرض الصلبة، وتخرج إلى الوجود، وتقوم على ساقها تتحدى بقامتها العواصف الهوجاء. قال: فإن جمعيتكم كهذه النبتة، سيأتي يوم قريب، تكون الجزائر كلها (جمعية العلماء) و يومئذ: (لا جمعية العلماء).

وإنني اعترف بالعجز عن إعطـاء صورة كاملة لهذه الشخصية الفذة، ومن أراد أن يعرف كفاح الإبراهيمي بقلمه، وغزارة علمه، فليقرأ ما كتبه في (عيون البصائر).

استقرار الإبراهيمي بمدينة تلمسان:

دعي الأستاذ الإبراهيمي من طرف (جمعية العلماء) إلى العمل بمدينة تلمسان، فحط رحاله بها سنة 1932. وباشر عمله في نشر العلم، وبذر الإصلاح... وأقبل أهل البلد، والناحية الغربية من الوطن، على الاستفادة من علمه النافع، فازدهرت مدينة تلمسان، وأصبحت تنافس مدينة قسنطينة في ميدان: العلم، والإصلاح، والوعي الوطني...

واستطـاع الإبراهيمي بفضل إخلاصه، وتفانيه في العمل المتواصل، وبفضل ما وهبه الله من براعة، أن يؤسس مؤسسة عظيمة، شامخة البنيان، تشتمل على: مدرسة للتعليم، ومسجد للصلاة، وقاعة للمحاضرات، أطلق عليها اسم: (دار الحديث)، فكانت مفخرة لجمعية العلماء بصفة عامة، ولمدينة تلمسان بصفة خاصة.

وقد كان يوم افتتاح هذه المؤسسة سنة 1937م، يوما مشهودا، حضره جمهور غفير من كل أنحاء الوطن، وفي مقدمتهم: قائد النهضة العلمية، والإصلاحية، والوطنية، الشيخ عبد الحميد بن باديس. كما حضرة بعض الأشقاء من المغرب الأقصى وعلى رأسهم العلامة فضيلة الشيخ إبراهيم الكتـاني من علماء جامعة القرويين.

وفي هذا المهرجان العظيم، قال الأستاذ الإبراهيمي، وهو يناول (مفتاح المدرسة) بيده، للأستاذ عبد الحميد بن باديس.

أخي الأستاذ الرئيس، لو علمت في القطر الجزائري، بل في العالم الإسلامي، رجلا، له يد على العلم مثل يدكم، وفضل على الناشئة مثل فضلكم، لأثرته دونكم، بفتح هذه المدرسة، ولكنني لم أجد...

فباسم تلمسان، وباسم الجمعية الدينية بالخصوص، أناولكم (المفتاح)، فلهذه المدرسة أن تتشرف بذلك.

فتناول الرئيس المفتاح، و تقدم إلى الباب يفتحه قائلا: بسم الله الرحمان الرحيم، ثم على اسم الإسلام والعروبة، والعلم، والفضيلة، أفتح (دار الحديث). (ربنا أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين).

(ربنا أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطانا نصير).

( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ).

وكان يستقبل التلاميذ في هذه المدرسة، و يعلمهم قبل غلقها بقرار من الإدارة الاستعمارية.

وبعد غلقها، استمر يعلم الطلبة (الكبـار)، فكـان – رحمه الله – يلقي دروسا يومية متواصلة (أي دون راحة أسبوعية)، وكان ربما ألقى في اليوم الواحد 12 درسا، أولها قبيل صلاة الصبح، وآخرها بعد صلاة العشاء.

واستمر على هذا الحال، يعلم، و يحاضر، ويخطب، ويوجه، ويرشد، ويواسي، بالإضافة إلى أعمال أخرى لا تعد ولا تحصى منها:

أنه كان يكتب لجريدة البصائر.

وكان يقوم بمهامه كنائب لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

إلى أن فاجأه (قرار النفي) إلى قرية (آفلو) على مشارف الصحراء.

ومن تلامذة الأستاذ الإبراهيمي، الذين أخذوا عنه في (دار الحديث) العلم الصحيح، والعقيدة السلفية – وهم كثيرون – أذكر منهم:

الأستاذ الباحث، أحمد بري، صاحب كتاب (نظام علاقة الأحياء بالأموات في الشريعة الإسلامية)، والذي أبدع فيه، وبرع في نقل النصوص المعتبرة، والأدلة الواضحة، وهو كتاب قدير، وناقد خبير، قرأنا له كثيرا في الصحف الوطنية.

ومنهم: الدكتور بومدين الشافعي، وهو أول جزائري ينال (الدكتوراه) في المشرق العربي بمصر.

والأستاذ محمد بابا أحمد، وقد تولى مهمة إدارة (دار الحديث)، ثم أسند إليه – في عهد الاستقلال – منصب (مفتش عام) بوزارة التربية.

ومن تلامذته الذين صاروا معلمين بدار الحديث، مولاي الحسن القادري، والمختار الصبان، وعبد الله بوعنان، وأحمد الشاوي، وملوكة، والجيلالي حجاج، و جلول البارودي...

ومن تلامذته – أيضا – عبد الحميد القباطي، والأخضر القباطي، ومنير شلبي، ومحمد البوزيدي، وبن عودة منصري، وحمو بنصوله.... وغيرهم.

ومن تلميذات (دار الحديث) اللائي صرن معلمات بها: زليخة القراري وأختها خيرة، وفتيحة مراد، ورشيدة بند يمراد، ورشيدة خلدون، وربيعة بلحبيب، و زهية عبورة، ويامنة حميدو...

نفي الشيخ إلى قرية (آفلو):

طلبت إدارة الاستعمار من الشيخ أن يعلن في الإذاعة و الصحف تأييده لفرنسا ضد ألمانيا، فرفض، فعاقبته بالنفي إلى (قرية آفلو) جنوب وهران، وعلى مشارف الصحراء !

وقد لقي في هذا المنفى وحشة وغربة، إذ أوعزت الإدارة المحلية إلى عملائها بالابتعاد عنه، فلا يكلمه أحد !قال الأستاذ لنا مرّة: إنه في يوم عيد، لم يتلق التهنئة إلا من يهودي، مر به، وهو جالس أمام دكان (طالب عمار)، فقال له (مبروك عيدك يا شيخ) !

ومما زاده ألما، وحزنا في منفاه، وفاة الأستاذ ابن باديس في 16 أفريل سنة 1940 ولم يرى الدنيا إلا بصيصا من خلال إخوان يزورونه من: الأغواط، وتلمسان.

وبقي في منفاه 3 سنوات، ثم أطلق سراحه في سنة 1943. وقد قلده إخوانه من أعضاء جمعية العلماء رئاسة الجمعية، فقام بالأعباء خير قيام.

وفي هذه الفترة، اشتغل بفتح مراكز لجمعية العلماء في المقاطعة الغربية من البلاد، بالإضافة إلى عمله المتواصل في الحركة السياسية.

وكان يخطب في الجماهير في كل مناسبة تتاح له، وخاصة في مناسبات افتتاح (المدارس الحرة) لجمعية العلماء، أو في مناسبات تدشين بنائها... وكان له أسلوب خاص في خطبه الخاصة بالجماهير الشعبية، و للإطلاع على هذا الأسلوب الناري، وإدراك مداه ومغزاه، أنقل (فقرة) من خطبة له ألقاها في حفل (فتح جامع الحنايا و مدرستها) بضواحي تلمسان عام 1950، فقد قال فيما قال:

(... لا تفرحوا بحياتكم هذه، فإنكم أشقياء بها، وإن سكوتنا عليها، واطمئنانا إليها، يعد قدحا في تعقلنا !

ولو كنا عقلاء –حقا – لما بكينا على (ميت) فارق هذه الحياة، ولا فرحنا بمولود يستقبل هذه الحياة !

لو كنا عقلاء – حقا – لعكسنا هذه القضية، وتبادلنا التهاني على الموت، لأن الميت خفف ثقلا على نفسه، وأهله، وعشيرته، وأمته. ولأن الحي استراح من (عضو أشل) كان يؤده كما تؤد اليد الشلاء صاحبها، فمن الخير له قطعها، بعد أن أصبحت لا كاسية، ولا كاتبة !

ولو كنا عقلاء – حقا – لما تهللنا للمولود منا يستهل على ما نحن فيه من حياة بائسة، ولو أن الجنين في بطن أمه، طرقه البريد بخبر من أخبار هذه الحياة، التي نحياها، وكان له اختيار لآثر البقاء هناك حتى يموت اختناقا !....)

وفي سنة 1947 سعى في تأسيس (معبد عبد الحميد بن باديس) في قسنطينة، وفي سنة 1951 تشكلت إدارة جمعية العلماء من جديد.

وفي سنة 1952 سافر الإبراهيمي إلى باكستان للمشاركة في المؤتمر الإسلامي المنعقد ب (كراتشي). ومن باكستان تجول في العالم العربي والإسلامي، وزار معظم العواصم، يعرف بحركة (جمعية العلماء) في الجزائر، ومعاكسة الاستعمار لها. ويهيب بالإخوان إلى مساعدتها في نشر اللغة العربية والإسلام، حتى لا تكون ضحية الصليبية. وفي خطاب له – بليغ وطويل – في (مأدبة عشاء) أقامتها (شعبة جمعية العلماء) المسلمين الجزائريين، على شرف الوفود العربية والإسلامية في (منظمة الأمم المتحدة) بباريس، ختمه بهذه العبارات:

(... إذا حدثتكم عن الإسلام، أو أجريته على لساني، فلست أعني هذه المظاهرة الموجودة بين المسلمين، وإنما أعني تلك الحقائق التي سعد بها أصحاب محمد، وأسعدوا بها العالم، تلك الحقائق التي سارت الإنسانية على هداها قرونا، فما ضلت عن سبيل الحق ولا زاغت، إنما أعني تلك الآداب التي صححت العقل، والفكر، وصححت الاتجاه، والقصد، ووحدت القلوب، والمشاعر. فإن أردتم أن تستبدلوا الشقاء بالسعادة، فعودوا إلى ذلك الطراز العالي المتصل بالسماء. إن السعادة منبثقة من النفوس، وإن الشقاء لكذلك، وإن إرادة الإنسان هي زمامه. إلى الجنة أو إلى النار.

إن أول من يجب عليه أن يؤذن بهذا الصوت –جهيرا، مدويا –هم: علماء الإسلام، فكل عالم مسلم لا يدعو إلى اتحاد المسلمين، وإلى إحياء حقائق الإسلام العالية، وإلى إسعاد الشرق بها، فهو خائن لدينه، ولأمانة الله عنده.

وإن العالم المسلم الذي يسكت عن كلمة الحق في حينها، والذي لا يعمل لإقامة الحق، ولا يرضى أن يموت في سبيل الحق: جبان والجبن والإيمان لا يلتقيان في قلب مؤمن.

إن عهد الله في أعناق علماء الدين، لعهد ثقيل، وإن أمانة الإسلام في نفوس علمائه لعظيمة، وأنهم لمسئولون عليها يوم تنشر الحائف في هذه الدار، وفي تلك الدار...)

ولما حدث حادث خطير في أول نوفمبر، وهو إعلان الثورة – وكان الإبراهيمي يومئذ بمصر – تضاعف نشاطه، وصار يكتب المقالات، يحرض المجاهدين فيها على مواصلة الكفاح، ويخطب في الجماعات الإسلامية، يحثها على المساهمة في ثورة الجزائر، ماديا وأدبيا.

وفي سنة 1963 م، غادر الشرق، قاصدا وطنه الجزائر، فدخله (شبه مختفي !) وقد وجد الجو أمامه مكفهرا، والمعاملة من المسئولين سيئة، ربما تفوق معاملة الاستعمار له !

عاد الإبراهيمي إلى وطنه الجزائر الذي عاش يجاهد من أجل تحريره، بعد غيبة دامت زهاء عشر سنوات، وأثناء غيبته هذه، قال فيما قال يخاطب هذا الوطن (الجزائر).

(لا تنسى أني كنت لك من عهد التمائم، إلى عهد العمائم، ما شغلت عنك إلا بك، ولا خرجت عنك إلا عائدا إليك.

خطت الأقدار في صحيفتي أن أفتح عيني و أنت موثقة، فهل في غيب الأقدار، أن أغمض عيني فيك، وأنت مطلقة؟

وكتبت الأقدار عليّ، ألا أملك من أرضك شهرا، فهل تكتب لي أن أحوز في ثراك قبرا؟

عاد الإبراهيمي إلى وطنه الجزائر (المستقل) وعاش آخر حياته في منزل متواضع –جدا – في حي (حيدرة) بالعاصمة، مشددا عليه، لا يزوره إلا بعض أصدقائه، وتلامذته، وزملائه، ورغم هذا الجو الخانق، والوضعية المزرية، فإنه لقوة إيمانه، وصلابة وطنيته، أصدر بيانا في 16 أفريل عام 1964 وهو ما صار ينعت بالبيان التاريخي، هذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

(كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر، ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه المنية مرتاح الضمير، إذ تراءى لي أني سلمت (مشعل الجهاد) في سبيل الدفاع عن الإسلام الحق، والنهوض باللغة –ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله- إلى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن، ولذلك قررت أن التزم (الصمت) !

غير أني أشعر أمام خطورة الساعة، وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة و العشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله تعالى – إنه يجب عليّ أن أقطع الصمت !

إن وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية، طاحنة، ويتخبط في أزمة لا نظير لها، ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل ! ...

ولكن المسئولين – فيما يبدوا- لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيء إلى الوحدة، والإسلام، والرفاهية. وإن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم،

يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية، لا من مذاهب أجنبية ! ...

لقد آن للمسئولين أن يضربوا المثل في النزاهة، وألا يقيموا وزنا إلا للتضحية، والكفاءة، وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم.

وقد آن أن يرجع لكلمة (الأخوة) – التي ابتذلت- معناها الحق، وأن تعود إلى الشورى التي حرص عليها النبي صلى الله عليه و سلم.

وآن أن يحتشد أبناء الجزائر كي يشيدوا جميعا (مدينة) تسودها العدالة والحرية. (مدينة) تقوم على تقوى من الله ورضوان) انتهى نص البيان.

وفي هذا الوقت بالذات، كان الشيخ الإبراهيمي، يعاني مرضا مضنيا، آل به أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، في شهر ماي سنة 1965. أي بعد حوالي 13 شهرا من صدور البيان.

وشيعت جنازته – رحمه الله تعالى – في محفل رهيب، شاركت فيه الجماهير الشعبية، الذين جاؤوا من كل ولايات الوطن، في حماس – منقطع النضير – كاحتجاج منها لمعاملة الإدارة الجزائرية (المسلمة) له في عهد الاستقلال. فرحم الله الأستاذ البشير الإبراهيمي، وجازه عن الإسلام، والوطن خيرا.

آخر التغريدات: