إبراهيم بيوض: النظرية الاجتماعية في الاصلاح الديني

بقلم: د. محمد بغداد -

لا تقدم المصادر التاريخية، الكثير من المعلومات حول شخصية الشيخ إبراهيم بيوض، حول دوره في مسار جمعية العلماء، إلا شذرات قليلة وغامضة، تتعلق بحضوره في مراسيم التأسيس في نادي الترقي، وحصوله على مهمة في قيادتها، وبالذات مهمة نائبا لأمين المال الشيخ مبارك الميلي، ولم تسجل الوثائق التاريخية دورا أو نشاطا للشيخ بيوض بعد ذلك، وهو ما يجعل حضوره في تاريخ الجمعية، محصورا في هذه النقطة على وجه التحديد، مما يجعله من المؤسسين فقط.

بسرعة يغادر الشيخ إبراهيم بيوض العاصمة ويعود إلى مسقط رأسه بولاية غرداية، وبالذات إلى مدينة القرارة، بعد تأسيس جمعية العلماء، ليتولى نشاطات ثقافية وتعليمية في المنطقة، دون أن يكون يعرف عنه أنه قام بتأسيس فروع للجمعية في الصحراء، ولم يسجل مشاركته في نشاطات اخرى للجمعية، في أي منطقة من مناطق الوطن، حتى تلك النشاطات الكبرى التي أقامتها جمعية العلماء.

الشيخ إبراهيم بيوض، من كبار علماء المذهب الإباضي، له سجل حافل بالإبداع والاجتهاد في مختلف مجالات الفكر والفقه والتفسير، وقد حاز منذ صغره عضوية حلقة العزابة، الهيئة الدينية العليا في القرارة، وتولى رئاسة حلقتها العلمية وقام بالخطابة في مساجدها، وقد برع في الجوانب التعليمية من خلال تأسيسه سنة 1925، معهد الشباب للتعليم الثانوي، وهو المعروف بمعهد الحياة، الذي كان شعاره الدين والخلق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد، وبذلك يكون الشيخ بيوض سابق في العمل الميداني على جمعية العلماء بخمسة أعوام.

في سنة 1937 أسس جمعية الحياة بالقرارة، وهي الجمعية التي تولت الإشراف على التعليم الابتدائي والثانوي، وكافة الحركات الفنية والرياضية، والجمعيات الأدبية بها، وهي الجمعية التي عملت على إقامة فضاءات اجتماعية وفنية وفكرية في منطقة الصحراء، في مواجهة الحرمان الذي يعانيه سكان المنطقة، وقد تمكنت جهود الشيخ إبراهيم بيوض، من استقطاب الشباب من أغلب مناطق الوطن حتى من خارج الحدود، وبالذات من مناطق الساحل والصحراء، وهو النشاط الذي يتجاوز المستويات المعرفية، ليشمل القضايا الاجتماعية والرياضية.

وفي سنة 1963 قام الشيخ ابراهيم بيوض، بإعادة إحياء وبعث مجلس عمي سعيد (الهيئة العليا لمجالس عزابة وادي ميزاب ووارجلان)، الذي انتخب رئيسا له وتولى إدارته حتى وفاته.

انتقل الشيخ إبراهيم بيوض، إلى المشهد السياسي، عندما طالب برفع حكم الإدارة العسكرية عن الصحراء وإلحاقها بالشمال، وانتخب في المجلس الجزائري، من سنة 1947 إلى غاية 1951، وفي سنة 1962 عين عضوا في اللجنة التنفيذية المؤقتة، وتولى مهمة الشؤون الثقافية إلى غاية سنة 1962.

إن مسيرة الشيخ إبراهيم بيوض، تحفل بالكثير من الإنجازات الميدانية، إضافة إلى الإبداع الفكري والمؤلفات، والطلبة الذين تخرجوا على يديه والذين تولوا نشر أفكاره في مختلف المناطق، داخل وخارج الوطن، مما شكل منهجا في العمل الديني والمنهج الاجتماعي، في تنفيذ النظرية الدينية الاجتماعية.

لقد شكل الشيخ إبراهيم بيوض، مدرسة في العمل الميداني، غلبت الجانب الاجتماعي في الإصلاح الديني، وهو ما يفسّر الانسحاب السريع من جمعية العلماء، الذي يكون الشيخ بيوض قد تحمس لها في البداية، وسارع إلى المشاركة في تأسيس الجمعية، إلا أنه يكون قد اكتشف أن الجمعية لا تتبنى هذا الاتجاه من العمل الإصلاحي، الذي يأخذ في الحسبان القضايا الاجتماعية، كما يكون الأسلوب والظروف التى تأسست فيها جمعية العلماء، لم ترق للشيخ بيوض، فعاد إلى الصحراء لتطبيق منهجه والقيام بصناعة الأدوات المناسبة لتنفيذه.

ليس بالضرورة أن تكون مثل هذه التخمينات كافية للإجابة على سؤال انسحاب الشيخ إبراهيم بيوض من جمعية العلماء، وإنما المعطيات المتوفرة عن المرحلة التي سبقت تأسيس الجمعية من حياة الشيخ بيوض، والظروف التي تأسست فيها، مفاتيح السؤال للجهود التاريخية في إعادة الاعتبار للسؤال، والوقوف على الحقيقة، كون إنجازات الشيخ بيوض في الصحراء، تجاوزت كثيرا إنجازات الجمعية فيما بعد، خاصة الاتجاه الاجتماعي في الإصلاح الديني.

آخر التغريدات: