الشيخ الطيب العقبي ودعوته الإصلاحية

بقلم: د. محمد حاج عيسى-

إن الشيخ العقبي علم من أعلام الجزائر وواحد من أكبر علمائها وأشهر دعاتها، ورمز من رموز الدعوة السلفية فيها، وذلك بشهادة أنصاره ومحبيه وباعتراف أعدائه ومخالفيه، ومع كونه كذلك فإننا وجدناه قد أُخمد ذكره ولم يجد من يهتم بآثاره فيجمعها وبأفكاره فيجليها وينشرها، فما سأقوم به في هذه الأسطر ما هو إلا محاولةُ جمعٍ لما تفرق من أخباره، وتذكيرٌ ببعض فضله، وإشارةٌ إلى أهم أصول دعوته.

المطلب الأول : النشأة وبداية النشاط

أولا : مولد العقبي ونشأته

هو الطيب بن محمد بن إبراهيم، من عائلة محمد ابن عبد الله التي تنتسب إلى قبيلة« أولاد عبد الرحمن» الأوراسية، ولد في شهر شوال سنة 1307هـ الموافق لـ1890م في ضواحي بلدة «سيدي عقبة» التي ينسب إليها. وهاجرت أسرته كلها إلى المدينة النبوية في سنة 1895م، أثناء حملات الهجرة التي سببها محاولة فرض التجنيد الإجباري على الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي، وفي المدينة النبوية حفظ القرآن الكريم ودرس العلوم الشرعية، ورغم أن والده توفي وهو في سن الثالثة عشر فإنه لم ينقطع عن الطلب واستمر فيه.

واشتغل بالتدريس هناك ونشر في الصحف مقالات أكسبته صداقة بعض المصلحين كشكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب. وعند قيام ثورة الشريف حسين نفاه العثمانيون إلى شبه الجزيرة التركية، بحجة انتمائه إلى القوميين العرب، وقيل لأنه رفض الانخراط في صفوف العثمانيين، وعند انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد إلى مكة حيث أكرمه الأمير الحسين وأسند إليه رئاسة تحرير جريدة « القبلة » وكذا إدارة « المطبعة الأميرية » في مكة خلفا للشيخ محب الدين الخطيب .

وفي مارس 1920م رجع العقبي إلى الجزائر، وذلك لأسباب منها عدم الاستقرار الذي خيم على الحجاز في تلك الأيام نتيجة الصراع السعودي الهاشمي، ومنها الاعتداء الذي وقع على أملاك عائلته في مسقط رأسه.

ثانيا: بداية نشاطه الدعوي

ولما رجع إلى الجزائر وانتظم أمر تلك الأملاك لم يرجع إلى الحجاز، بل أقام ببسكرة وانتصب للدعوة إلى الله تعالى، فشرع في إلقاء الدروس العلمية والوعظية لطلبة العلم، ولكل العامة وذلك في مسجد « بكار » وهو المسجد الوحيد الذي بقي محافظا على مكانته دون أن تدخله الطرقية التيجانية، فمما كان يدرسه للطلبة كتاب الجوهر المكنون وكتاب القطر في النحو، وأما درس العامة فكان موضوعه التفسير، وقد اختار له الشيخ تفسير المنار، هذا إضافة إلى مجالسه الأدبية في «جنينة البايليك» أين كان يجري الحوار الأدبي يوميا في شتى أنواعه وألوانه ويحضره أدباء ومثقفون أمثال الأمين العمودي ومحمد العيد آل خليفة وغيرهما .

وما إن استقر في مدينة بسكرة وانتشر نشاطه سارعت السلطة الفرنسية إلى اعتقاله لتخوُّفها منه، فلبث في السجن قرابة شهر ثم أفرج عنه وخلي سبيله، وعاد لنشاطه بل وسعه واتخذ من مساجد المنطقة منبرا لبث دعوة التوحيد والأخلاق الفاضلة، فأعلن بذلك حربا عوانا على الطرقيين الخرافيين والجامدين، والتف حوله جماعة من الأدباء والمصلحين لبوا نداءه وشاركوه في دعوته. وكان أيضا ينشر مقالات وصفت بالنارية في جريدة المنتقد ثم الشهاب، مقالاتٍ كانت تهدم صروح ضلالات الطرقية صرحا صرحا وتكشف عن انحرافها عن الصراط المستقيم ومخالفتها لجوهر الدين، مما جعل مشائخ الطرق يفزع بعضهم إلى بعض ويُهرعون إلى الشيخ ابن باديس ليوقف هذا السيل الجارف عليهم من المقالات، ثم أسس بالاشتراك مع إخوانه ببسكرة جريدة «صدى الصحراء» في ديسمبر 1925م، ثم انفرد بتأسيس جريدة «الإصلاح» وذلك في 8سبتمبر 1927م، وقد صدر من هذه الأخيرة 14عددا ثم أوقفتها السلطة الفرنسية وذلك في سنة 1928م.

ثالثا : التحاق الشيخ بنادي الترقي بالعاصمة

ولما تأسست جمعية العلماء انتخب ضمن أعضاء مجلسها الإداري، وعين نائب الكاتب العام وكان ممثلها في عمالة الجزائر. وكذلك تولى رئاسة تحرير جرائد الجمعية السنة والشريعة والصراط، ثم جريدة البصائر من أول عدد لها 27سبتمبر 1935م إلى العدد 83 الصادر في 30سبتمبر 1937م حيث انتقلت إدارتها إلى قسنطينة، وأشرف عليها الميلي إلى أن توقفت بسبب الحرب في العدد 180 الصادر في 25أوت 1939م.

ومن نشاطه في ظل الجمعية إشرافه على مدرسة الشبيبة الإسلامية، وترأس الجمعية الخيرية الإسلامية، ولازم نادي الترقي يدرس فيه إلى أن أقعده المرض في بيته في حي « بولوغين » بالعاصمة.

وكان رحمه الله تعالى قد انتقل إلى العاصمة والتحق بهذا النادي مباشرة بعد تأسيس الجمعية، إذ كان أهل النادي يبحثون عن عالم يتولى مهمة المحاضرة والتدريس فيه، فلما حضر اجتماع العلماء المسلمين الأول ألقى محاضرة خلبت الألباب وأثرت في النفوس، كما أعجب الجميع بسلوكه وأخلاقه العالية، فرأى فيه أهل النادي الأهلية لأداء تلك المهام فاتفقوا معه على أن ينتقل إلى العاصمة. ولم يكن نشاطه التعليمي مقتصرا على النادي، بل كان يلقي دروسا في مساجد العاصمة المسجد الجديد والمسجد الكبير موضوعها التفسير والعقيدة والفقه، بل هذه الدروس هي مظهر دعوته الأول والذي استمر فيه إلى آخر أيامه وكانت له الثمرة الجلية والتأثير الواضح في سكان العاصمة .

المطلب الثاني : محنة الشيخ رحمه الله

أولا : مكيدة السلطة الفرنسية به

وبعد مدة من انطلاقه في العمل ظهرت نتائج دعوته ونشاطه حيث كثرت المدارس العربية الحرة في مدن عمالة الجزائر، وتزايد عدد الملازمين لدروس الشيخ، وصار تمسك الناس بالدين في العاصمة أمرا ظاهرا، وهجر الناس شرب الخمر والميسر ومواطنها، ورجع أكثرهم إلى بيوت الله بعد أن خلت منهم، ولم تصمد أمامه دعوة الطرقية بل ولا صمد المتعاطفون معهم الذين اختاروا غير منهاج الشيخ في فضحهم وتنفير الناس منهم، يقول الشيخ أحمد حماني :« فأقبل الناس عليه وأثر في الوسط تأثيرا كبيرا، وقل الفساد والسكر والاعتداء، وكان مستشريا بالعاصمة، وانخفضت نسبة الجرائم، وتفتحت العقول والأذهان، وزالت منها كثير من الخرافات والبدع والأوهام، وصار للحركة جمهور غفير، خصوصا من العمال والشباب الذي سماه الشيخ العقبي الجيش الأزرق لما كان يمتاز به العمال من لباس البذل الزرقاء».

فأثار كل ذلك قلق المستعمرين فسلكوا مع الشيخ سبلا شتى بغرض ضرب دعوته، منها سبيل الإغراء فعرض عليه منصب الإفتاء فرفض حفاظا على استقلاله وحريته، ومنها إصدار الوالي «ميشال» قرار منع الشيخ من التدريس سنة 1933م لما وجد الدعم من بعض الطرقيين، ومنها أن أصدر المنشور القاضي بغلق المساجد في وجه غير الرسميين الذي اشتهر باسم صاحبه، ولما انظم الشيخ إلى المؤتمر الإسلامي مع ابن باديس والإبراهيمي ولعب فيه دورا بارزا، بلغ الأمر بالنسبة إليهم منتهاه، فحيكت مؤامرة مقتل المفتي محمود بن دالي (كحول) لإحباط مسعى المؤتمر وإسقاط الشيخ العقبي.

كحُّول المفتي لم يكن طرقيا لكنه رجل باع دينه وأخلص ولاءه لأعداء الإسلام، فكان معارضا لحركة المؤتمر الإسلامي، وكتب برقية للحكومة الفرنسية ينتقص بها علماء الجمعية، ويصفهم فيها بأنهم لا يمثلون سوى شرذمة من المشوشين الذين يحاولون بث الفوضى في البلاد. ولما رأته فرنسا عنصرا رخيصا لا تنتفع به حيا أرادت أن تستغله ميتا فدست له من قتله، رجل معروف الإجرام يقال له عكاشة، فنفذ هذا الأخير جريمته يوم 2أوت 1936م في الوقت الذي كان فيه العقبي وسائر ممثلي المؤتمر مجتمعين بالملعب البلدي[20أوت حاليا] يشرحون للأمة المطالب التي تقدموا بها إلى الحكومة الفرنسية، فلما ألقي عليه القبض ادعى الجاني أنه تسلم من العقبي خنجرا من صنع بوسعادة ومبلغ 30000فرنكا، فاعتقل العقبي ورفيق له وزج بهما في السجن، وأغلق نادي الترقي، وضيق على أعضاء الجمعية في العاصمة، واحتشدت الجماهير وتجمعت تلقائيا احتجاجا على اعتقال الشيخ وصاحبه فكادت تحدث فتنة عمياء لولا أن توجه إليهم ابن باديس والإبراهيمي بأن يقابلوا الصدمة بالصبر والتزام الهدوء والسكينة، قال الإبراهيمي[الآثار (1/265)]: « وكان هذا أول فشل للمكيدة ومدبريها». فقضى الشيخ في السجن سبعة أيام، ثم تراجع عكاشة عن تصريحاته بعد ذلك وأنكر أن تكون له علاقة بالعقبي وصاحبه ، فأفرج عنهما بصفة مؤقتة، ووضعا تحت المراقبة مع إمكانية التوقيف عند الضرورة، ثم لم يُفصل في القضية إلا بعد ثلاث سنوات، حيث حكم ببراءة العقبي وصاحبه وحكم بالسجن المؤبد على شخصين، وبعشرين سنة على شخص ثالث وذلك بتاريخ 28 جوان 1939.

ثانيا : هل أثرت الحادثة على دعوة الشيخ؟

إن هدف تلك المؤامرة كان واضحا جليا وهو إفشال المؤتمر وإسقاط العقبي وضرب دعوته، فهل وصلت فرنسا إلى تحقيق هدفها الثاني؟ قد اختلفت في ذلك الأنظار والتحليلات، والذي جنح إليه أغلب الكتاب أن الحادثة قد أضعفت الشيخ وأثرت على مواقفه بعدها، والذي نراه خلاف ذلك فإن الشيخ ما أوقفه عن الدعوة إلا المرض، وقد أرخ الإبراهيمي ضد ما قرره هؤلاء فقال [الآثار (1/279)]:« ومن آثار هذه الحادثة على الأستاذ العقبي أنها طارت باسمه كل مطار ووسعت له دائرة الشهرة حتى فيما وراء البحار، وكان يوم اعتقاله يوما اجتمعت فيه القلوب على الألم والامتعاض، وكان يوم خروجه يوما اجتمعت فيه النفوس على الابتهاج والسرور».ومما استند إليه هؤلاء الكتاب، وليس بشيء، خلاف الشيخ الطيب العقبي مع الشيخ ابن باديس في قضية برقية التأييد لفرنسا ضد ألمانيا، وذلك أن الهيئة الإدارية للجمعية اجتمعت في 23سبتمبر 1938 لدراسة الأمر، فكان العقبي مع إرسال برقية التأييد، لأن هذه البرقية ستجعل فرنسا لا تتعرض لنشاط الجمعية وتخفف من تضييقها عليها على الأقل وذلك باعتبار مواصلة الدعوة أولى الأولويات، بينما اعتبر ابن باديس البرقية نوعا من الولاء لفرنسا وموافقة صريحة على تجنيد الجزائريين، فلما احتد النقاش بين الطرفين عُرض الأمر على التصويت، فكانت النتيجة 12صوتا موافقا لرأي ابن باديس، مقابل 4 أصوات فقط موافقة لرأي العقبي، وعندها استقال العقبي من المجلس الإداري واحتفظ بعضويته في الجمعية، وبمناسبة هذه القضية يقول محمد العيد آل خليفة:

خصمان فيما يفيد الأمة اختصما إياك أن تنقص الخصمين إياك

كـلاهما في سبيـل الله مجتهـد فلا تـلومن لا هذا و لا ذاك

وبعدها اضطرت الجمعية إلى توقيف جريدة البصائر لكي لا ترغم على نشر ما لا ترضاه، فأعاد العقبي إصدار جريدته «الإصلاح» في 28 ديسمبر 1939 والتي استمرت إلى العدد 73 الصادر في 3مارس 1948. والذي ينبغي الوقوف عنده هنا هو روح الأخوة والتعاون التي بقيت قائمة بين الشيخ العقبي وبقية رجال الجمعية رغم انسحابه من الهيئة الإدارية للجمعية، فقد هنأ الإبراهيمي العقبيَ لما أصدر جريدة الإصلاح ونشر ذلك في 11جانفي 1940م، وكذلك اشترك العقبي والإيراهيمي في تنظيم الهيئة العليا لإعانة فلسطين، التي نشر خبرها في 21جوان 1948م فترأسها الشيخ الإبراهيمي وكان الشيخ العقبي أمين مالها، وقد شهد له الإبراهيمي بأنه الروح المدبرة لتلك الهيئة، كما شارك إخوانه رجال الجمعية في أعمال أخرى منها مواصلة المطالبة بتحرير المساجد وفتحها للعلماء الأحرار.

المطلب الثالث : من أصول دعوته

أولا : الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك

هذا أمر اشتهر به الشيخ الطيب العقبي، إلى درجة ارتباط النهي عن مظاهر الشرك عند أكثر العامة باسم الطيب العقبي، وربما سمي دعاة التوحيد في منطقة الوسط بالعقبيين، وقد كان محور خطبه ودروسه وكتابته هو بيان التوحيد والنهي عن مظاهر الشرك، إضافة إلى الترغيب في السنن والنهي عن البدع العملية، وقد صرح في قصيدة الدين الخالص بنسبته إلى العقيدة السلفية فقال:

مذهبــي شــرع النبي المصطفى واعتقادي سلفـي ذو سـدادْ

خطتـي علـمٌ و فكــرٌ و نظـرْ في شؤون الكون بحثٌ واجتهادْ

وطريـق الحــق عنـدي واحـدٌ مشربي مشربُ قـربٍ لا ابتعادْ

ومما قاله الشيخ في هذا الباب[البصائر (1/ع3/ص2)] : « فمن أنت أيها الإنسان؟ وإذا عرفت من أنت فـما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك{فجهلت ما حقك أن تعلم وعملت غير ما يوجب عليك العلم، وآمنت إيمان المقلد عن غفلة وجهل وتوجهت بأعمالك وأقوالك لغير متجه صحيح وانتحيت مناحي الضلال والخسران وأصبحت تدعو من دون الله أو مع الله من لا يستجيب لك، ولا برهان لك على دعائه ولا سلطان لديك في جواز عبادته، بل أوجب ذلك عليك، وضللت عمن هو أقرب من حبل الوريد إليك». وقال في خاتمة القصيدة السالفة الذكر:

لا أنـادي صاحب القبــر أغث أنت قطــب أنت غوث و سناد

قائمــا أو قاعــدا أدعـو بـه أن ذا عنديَ شــركٌ وارتـدادْ

لا أناديـــه ولا أدعـو سـوى خالـقِ الخـلـق رؤوفٍ بالعبـاد

مـن لـه أسـماؤه الحـسنى وهل أحــد يدفـع مــا الله أراد؟

مـخـلصــا ديني لـه ممتثــلا أمــرَه لا أمـرَ من زاغ و حادْ

تهمة الوهابية: وكسائر الدعاة السائرين على منهاج النبوة فإن الشيخ العقبي قد ابتلي بمن يصفه بالأوصاف المنفرة من دعوته كالتشدد والتكفير ونحوها، والذي يهم أكثر ويجمع كل تلك التهم تهمة الوهابية، فقد جاء في منشور «ميشال» الذي به أوقف الشيخ العقبي عن التدريس ما يلي:« إن القصد العام من هذه الدعاية [أي دعوة العقبي] هو نشر التعاليم والأصول الوهابية بين الأوساط الجزائرية بدعوى الرجوع بهم إلى أصول الدين الصحيح وتطهير الإسلام من الخرافات القديمة التي يستغلها أصحاب الطرق وأتباعهم»[1/ع31/ص4] وهذا مما يشعر أن الطرقية هم من كان وراء هذا القرار وإلا ما لميشال والوهابية، كما نقل الشيخ عن الذين انشقوا عن جمعية العلماء وأسسوا الجمعية الضرار أنهم إنما وصفوا جمعيتهم بجمعية علماء السنة ليوهموا الناس أن جمعية العلماء المسلمين جمعية الضلال والبدع وأن هدفها نشر الوهابية[البصائر(1/ع46/ص2)].

ثانيا : الدعوة إلى إحياء السنن والاجتهاد

إنه مما يتفق عليه الأولياء والأعداء أن الشيخ الطيب العقبي كان أشد رجال الجمعية نهيا عن البدع وحرصا على اتباع السنن، حيث كان لا يبالي بتشنيع المعارضين، ولا بكثرة الناس الضالين والمخالفين، وقد كانت دعوته هذه ومنهاجه الذي سار عليه مبنيا على أصولٍ علميةٍ وقواعدَ مضبوطةٍ، فإنه كما اشتغل بالرد على أهل الباطل والنهيِ عن المنكر، قد اشتغل ببيان الحق بالحجة والبرهان، وخاطب في ذلك العقول والوجدان، فقرر في بعض المواضع قاعدة كمال الدين التي هي منطلق محاجة كل مبتدع في الدين مبدل للشرع فقال[البصائر (1/ع3/ ص2)]:« ولن يجد الكمال في هذا الإسلام الذي هو دين الأنبياء والمرسلين كلهم ودين الفطرة التي فطر الناس عليها، إلا في الكتاب الذي أكمل الله به الدين، ولن يستطيع العمل به والوقوف عند حدوده حتى يؤمن به، وليس بمؤمن من لا يعلم وليس بعالم من لا يعقل، كما أنه ليس بمؤمن من لا يذعن ولا يعمل». وقال مبينا أن الابتداع مضاهاة لله تعالى في شرعه[البصائر (1/ع4/ ص1)]:« وإذا كان التشريع لله وحده، فليس لكائن من كان أن يشرع لنفسه أو لغير نفسه من الدين ما لم يأذن به الله مهما كانت مقاصده في هذا التشريع ومهما ادعى من ابتغاء قربة ووسيلة، إذ لا يكفي في رفع الحرج عمن تجاوز الحدود و افتات في فرض الشرائع على الناس، وتقنين قوانين العبادة والديانة أن يكون حسن النية سليم القلب وطيب السريرة زاعما أنه بما شرع وابتدع يبتغي إلى الله الوسيلة، ويزيد التقرب منه، بل عمله هذا مما يوقعه في الحنث العظيم والحوب الكبير، ذلك لأن النية مهما كانت حسنة لا تغير من حقائق الأشياء ولا تصير المتبوع تابعا والمشروع له شارعا…ولا يعقل أن يتوسل إلى الله بغير دينه المشروع وشرعه الذي ينبغي أن يدان به ويتبع، ولا أظلم ولا أطغى ممن يبتغي الوسيلة بغير ما جاء به الدين». وقال في الرد على أحد الطرقية [البصائر (1/ع26/ص3)]:«وهو الذي يقيم الحفلات البدعية والزردات الشركية بما فيها من بيع شموع، وتصرف في ملكوت الله الأعلى، وأخذ عشرات الآلاف من أموال الضعفاء المغفلين الذين ينصب عليهم ويحتال لأخذ أموالهم باسم الصلاح والولاية والدين، وخوف الله وطاعة رب العالمين!». ومما قال رحمه الله في قصيدته عن البدع وأهلها :

أيهــا السائل عـن معتقـدي يبتغي منيَ ما يـحــوي الـفؤاد

إننـي لســت ببـدعـي و لا خـارجـي دأبــه طـول العناد

يحدث البدعـــة في أقوامــه فتـعم الأرض نـجدا و وهــاد

ليس يرضى الله من ذي بـدعـة عمـلا إلا إذا تــاب وهــاد

وكذلك قال مبينا موقفه من التقليد الأعمى ، وشارحا مصادر التلقي عند السلفيين :

لست مـمن يرتضـي في دينه مـا يقول النـاس زيد وزياد

بل أنا متبع نهـــــج الأُلى صدعوا بالحق في طُرْق الرشاد

حـجـتي القرآن فيما قلتــه ليـس لي إلا على ذاك استناد

وكـذا ما سنـه خـير الورى عدتي وهــو سلاحي والعتاد

ثالثا : الدعوة إلى الاجتماع

قال رحمه الله حاكيا عن مسيرة العلماء في هذه البلدة الطيبة مبينا فضل الاجتماع[(1/ ع46/ص2)]:« فمن الله عليهم بجمع الشمل واتحاد الكلمة، وما كان أسرع انضمام الحق إلى بعضه وأروز الإيمان إلى قلوب أخلصت النية لله فتحابت فيه واجتمعت عليه، ولقد علموا أن جهود الفرد محدودة وعمله وإن اتحد مع أمثاله في التفكير والعقيدة لا يكاد يأتي بالنتيجة المحققة ويوصل إلى المراد بسرعة، هذا إذا كانت الغاية المطلوبة مما ترجع فائدته إلى الفرد، فكيف إذا كان النفع المطلوب والفائدة المقصودة لأمة كاملة؟ وهيهات الوصول إليها دون قيام الجماعات واتحاد الأفراد والجمعيات ومواصلة العمل من الجميع والسير المتحد في طريق الوصول إلى الغاية الشريفة والمقاصد النبيلة ».

رابعا : تحرير الإنسان قبل تحرير الأرض

قد كثر التساؤل عن موقف جمعية العلماء من المطالبة بالاستقلال، وعن سر توجهها نحو الإصلاح الديني وانصرافها عن المواجهة السياسية مع فرنسا فضلا عن غيرها، والجواب عند أنصار الفكرة الإصلاحية والمنصفين من المؤرخين معلوم، فالأمر كما بينه العلماء صراحة أن بلاء الجزائر سببه استعماران، استعمار مادي وهو استعمار الفرنسيين واستعمار روحي وهو استعمار الطرقية والثاني هو أصل الأول وسبب استمراره ، ولأجل ذلك كان الإصلاح الديني عندهم مقدما، فإنه لا يتصور تحرير الأرض من دون رجال أحرار يقومون به، وقد جاء في البصائر تلخيص لخطاب ألقاه الشيخ العقبي سنة 1936م، يوضح هذا المعنى، قال الكاتب[(1/ع31/ص1)]: « وبين أنه لا يوافق السيد مصالي الحاج ومن معه من الإخوان على فكرة الاستقلال الذي هو بعيد عن الأمة الجزائرية، [وهي]بعيدة عنه ما دامت لم تستقل في أفكارها وكل مقومات حياتها ، وما دامت لا تقدر أن تحرر نفسها من ربقة بعض المرابطين واستعبادهم لها باسم الدين وهم أبعد الناس عن الدين الصحيح وما جاء به الدين، فكيف يطير من لا جناح له ولا ريش ». فهذا رأي العقبي في مسألة الإصلاح وما يتعلق به، قد أظهره قبل اتهامه في قضية كحول، ومنه يظهر خطأ من فرَّع على الحادث كل مواقف الشيخ بعد ذلك.

خامسا : الابتعاد عن المناصب الرسمية

 

قال فرحات بن الدراجي في قضية الاعتقال:« وهنا يجمل بي أن أقف وقفة قصيرة على أطلال الحادثة لأقوم بما علي نحو أبي وأستاذي وصديقي الأستاذ العقبي…أيها الزعيم لقد هال أعداءك أعداء الحق تلك الصراحة التي لم يعرفوا لها نظيرا في هذا الوطن التعيس، والتي حطمت بها أوهامهم، وفضحت بها أسرارهم، لقد هالهم منك ذلك العزوف عن الدنيا ولذائذها والوظائف الخاصة وأوضاعها، كما هالهم منك احتقارك لخبزتهم المسمومة التي تترك الإنسان مجردا من الإرادة القوية والضمير الحر. كل هذا راعهم منك فباتوا يبرمون لك المكائد ويختلقون عليك الإجرام، ولكن الله سلم والله أكبر ولله الحمد»
المطلب الرابع : آثاره وثناء أقرانه عليه

أولا : آثاره وتلاميذه

أما آثار الشيخ العقبي فلا شك أنها غزيرة أعني بذلك المقالات، فقد ابتدأ الكتابة في الصحف في وقت مبكر في الجرائد الحجازية ثم كتب في جرائد الشيخ ابن باديس وجرائد الجمعية بالإضافة إلى صدى الصحراء والإصلاح التي كان يديرها، ولعل الله تعالى يقيض لها من يقوم بجمعها ونشرها، ومن جملة آثاره تلاميذه فنذكر منهم أشهرهم .

1- فرحات بن الدراجي (1909-1951) درس على العقبي قبل أن يتخرج من الزيتونة عام 1931م، خلف الشيخ التبسي في «سيق» فواصل الدعوة هناك ثم انتقل إلى العاصمة واشتغل في تحرير البصائر في عهدها الثاني إلى أن انتقل إلى البليدة سنة 1948م بسبب المرض الذي أثقله ثلاث سنوات قبل أن يقضي عليه.

2- عمر بن البسكري (1889-1968) تتلمذ على الشيخ العقبي في بسكرة ، وتولى التدريس في مدارس الجمعية ببجاية ثم سطيف ثم وهران، كما كتب عدة مقالات في الشهاب والبصائر.

3- محمد العيد آل خليفة (1904-1979) أمير شعراء الجزائر، لازم العقبي ببسكرة ودرس بالزيتونة مدة سنتين، تولى التدريس في مدارس الجمعية ببسكرة والعاصمة وغيرها إلى غاية سجنه سنة 1956، وله ديوان شعري طبع في 587صفحة.

4- أبو بكر جابر الجزائري حفظه الله تعالى المدرس بالمسجد النبوي، فقد تتلمذ عليه مدة ست سنوات أو أكثر في العاصمة وقال في شريط« هم عظماء الرجال»: « دروس الشيخ الطيب العقبي ما عرفت الدنيا نظيرها، ولا اكتحلت عين في الوجود بعالم كالعقبي ».

ثانيا : من ثناء أقرانه عليه

1-قال الشيخ ابن باديس:« يعرف الناس العقبي واعظا مرشدا يلين القلوب القاسية، ويهد البدع والضلالات العاتية بقوة بيانه وشده عارضته، ولكن العقبي الشاعر لا يعرفه كثير من الناس، فلما ترنحت السفينة على الأمواج وهب النسيم العليل هب العقبي الشاعر من رقدته وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره ويطربنا بنغمته الحجازية مرة والنجدية أخرى ويرتجل البيتين والثلاثة والأربعة في المناسبات، وهاج بالرجل شوقه إلى الحجاز فلو ملك قيادة الباخرة لما سار بها إلا إلى جدة دون أن يعرج إلى «مارساي»، وإن رجلا يحمل ذلك الشوق كله للحجاز ثم يكبته ويصبر على بلاء الجزائر وويلاتها ومظالمها لرجل ضحى في سبيل الجزائر تضحية أي تضحية».

2- وقال الشيخ الإبراهيمي[(1/167)]:« هو من أكبر الممثلين لهديها – أي الجمعية – وسيرتها والقائمين بدعوتها، بل هو أبعد رجالها صيتا في عالم الإصلاح الديني وأعلاهم صوتا في الدعوة إليه…وإنما خلق قوالا للحق أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر وقافا عند حدود دينه، وإن شدته في الحق لا تعدو بيان الحق وعدم المداراة فيه وعدم المبالاة بمن يقف في سبيله».

3- قال الشيخ المبارك الميلي:« ولكن أتي الوادي فطم على القرى، إذ حمل العدد الثامن في نحره المشرق قصيدة « إلى الدين الخالص » للأخ في الله داعية الإصلاح وخطيب المصلحين الشيخ الطيب العقبي أمد الله في أنفاسه، فكانت تلك القصيدة أول المعول مؤثرة في هيكل المقدسات الطرقية، ولا يعلم مبلغ ما تحمله هذه القصيدة من الجراءة ومبلغ ما حدث عنها من انفعال الطرقية، إلا من عرف العصر الذي نشرت فيه وحالته في الجمود والتقديس لكل خرافة في الوجود ».

4- وقال أحمد توفيق المدني :« كان خطيبا مصقعا من خطباء الجماهير، عالي الصوت سريع الكلام، حاد العبارة يطلق القول على عواهنه كجواد جامح دون ترتيب أو مقدمة أو تبويب أو خاتمة، وموضوعه المفضل هو الدين الصافي النقي، ومحاربة الطرقية ونسف خرافاتها والدعوة السافرة لمحاربتها ومحقها».

5- وقال الشيخ أبو يعلى الزواوي :« العلامة السلفي الصالح داعية الإصلاح الديني ».

6- وقال شكيب أرسلان «… فالميلي وابن باديس والعقبي والزاهري حملة عرش الأدب الجزائري الأربعة».

7- وقال عنه الشيخ محمد تقي الدين الهلالي :« الأستاذ السلفي الداعية النبيل الشيخ الطيب العقبي».

ثالثا : وفاته

وقد أوصى الشيخ قبل وفاته وصية اشتد في الإلحاح عليها، فأوصى بأن تشيع جنازته في مقبرة « ميرامار» بالرايس حميدو، تشييعا سنيا دون ذكر جهري ولا قراءة البردة، ولا حتى قراءة القرآن حال التجهيز أو حين الدفن، وأن لا يؤذن لأي واحد من الحاضرين أن يقوم بتأبينه قبل الدفن أو بعده. وتوفي الشيخ الطيب العقبي رحمه الله تعالى في 21مايو 1961م، وشيعت جنازته تشييعا سنيا فكان له ما أراد. هذا آخر ما أردت تسطيره وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وأستغفرك وأتوب إليك.

مصادر الترجمة :

صراع بين السنة والبدعة لأحمد حماني، من أعلام الإصلاح لمحمد الحسن فضلاء، مجلة الثقافة العدد 66 (مقال من أعلام النهضة الوطنية لمحمد الطاهر فضلاء)، جمعية العلماء المسلمين وأثرها الإصلاحي لأحمد الخطيب، جريدة البصائر السنة الأولى، رسالة الشرك ومظاهره، آثار البشير الإبراهيمي.

 

آخر التغريدات: