جديدنـا:

كيف عرفت مالك بن نبي

كيف عرفت مالك بن نبي

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة:س.عايـــدة -

رأيتُ  و سمعت اسم مالك بن نبي لأول مرة  في حياتي خلال  شهر ديسمبر من سنة   1968 في قاعة محاضرات  ثانوية عمارة رشيد بالعاصمة (بن عكنون) ، حيث افتُتحت  لأول مرة أشغال” الملتقى لتعريف الفكر الإسلامي” في جوّ لم يكن يوحي على الإطلاق بالنجاح الذي قُدّر له حيث امتد لأكثر من ربع قرن.

نفس الأمر كان بالنسبة لي، حيث لم أكن أشك لحظة واحدة أن هذا اليوم سيكون بمثابة “الختم على مصيري”. فحضوري في ذلك المكان والزمان لم يكن بإرادتي الشخصية بل تنفيذا لأمر والدي الذي كان قد علم  بتنظيم هذا الملتقى من خلال إعلان نشرته الصحافة، فأصرّ أن نحضر، أنا و أختي ، المحاضرات المعلن عنها، وخضعتُ لطلبه مرغما.

في ذلك الوقت، كانت الإيديولوجية السائدة و المهيمنة في الجزائر هي “التقدمية”، بمعنى آخر “الماركسية” أو بعبارة أوضح “الشيوعية”. بعد النجاح الذري و الفضائي الذي حققه الاتحاد السوفياتي و الصين، كانت الاشتراكية في أوج عزها، وكانت بلدان  مثل الجزائر تعيش هذه المآثر و كأنها مآثرها الخاصة،  معتقدة بكل سذاجة أنه سيتم نقلها إليها على اعتبار أنها تبنت نفس النظام السياسي و الاقتصادي و الأيديولوجي .

فيما يخصني، لم أشعر يوما بالارتياح لمجرد احتكاكي بهذه الإيديولوجية وعلى الرغم من الفرص المتعددة التي أُتيحت لي كي أتبناها ،إلاّ أن الرفض كان موقفي الثابت. تولد نفوري هذا، والذي كان شبه فطريٍّ، من أني كنت أحس بوضوح أنّ هذه الإيديولوجية تفرض مسلمة طمس أسس الشخصية الجزائرية. لكن ما الذي يجب أن يواجهها؟ الإسلام لم يكن آنذاك يملك أي حظوة لا عند الشعب و لا عند النخبة، وكنت في حالة من العجز الكامل في أن أتبين و أميّز بنفسي الجوانب المشرقة للإسلام و سلبيات المسلمين.

ما تبلور في نفسي شيئا فشيئا حتى صار بمثابة عداوة مطلقة  للماركسية لم يكن له أي مبرر إقتصادي، فقد كنت في سن مبكر حتى تكون لي “مصالح ” أو “وعي طبقي”. لم أكن أرى في هذه  الفكرة  فرصةً تاريخيّةً للتطور، بل خيانة : خيانة للماضي ، للثقافة ، للقيم الأخلاقية و الإجتماعية الوطنية. كما أني كنت أشعر أن هذه الفلسفة التي تصطدم مع البعد الأخلاقي الجزائري لن تتمكن من تحريك الجزائر العميقة.

فلم يكن من قبيل الصدفة أن يكون أول مقالٍ نُشر لي في الصحافة  في شهر نوفمبر1970   بعنوان “الإسلام و التقدمية” (1)، و لا أن يحتوي مقالي الثاني تحذيرا شديد اللهجة عن كتاب كان في طريقه للنشر، و نقدا لاذعا لصاحبه المستشرق  الفرنسي الماركسي ماكسيم  رودنسون (Maxime Rodinson) (2). سنتان قبل ذلك، كان أستاذي في مادة الفلسفة في ثانوية الأمير عبد القادر (العاصمة) حيث كنت أدرس في القسم النهائي،  يسعى جاهدا في أن يقدم لنا هذا الأخير على أنه “أفضل” مرجع لدراسة الإسلام.

بعد تلقيه الصفعة، رد ماكسيم رودنسون عليّ في أول فقرة  من كتابه الضخم الذي ظهر بضعة أشهر بعد ذلك (3).  بالرغم من ذلك،  أخبرني في يوم ما الفيلسوف المغربي محمد عزيز لحبابي ،و الذي كان يُدرّس في جامعة الجزائر و كنت أساعده على تصحيح  مسودة روايته ” أمل متشرد” (4)، عن رغبة المستشرق الفرنسي في التعرف عليّ و أنّه يدعوني لزيارته في باريس و على حسابه الخاص، الأمر الذي أعرضت عنه.

في الطور الثانوي  كان أستاذي في مادة الفلسفة على التوالي دانيال بوكمان في ثانوية ابن تومرت (بوفاريك )، وموريس طارق ماسكينو في الأمير عبد القادر. وكان الاثنان من الكتاب التقدميين المشهورين و الناشطين وارتبط كلاهما بقضية الثورة  الجزائرية، خاصة ماسكينو، الذي كان في شبابه بالقرب من جون–بول سارتر، ورفض أن يُجند تحت العلم الفرنسي و التحق بجبهة التحرير الوطني في المغرب ثم في تونس. بعد الإستقلال ، صار جزائريا بالسليقة، تزوج الكاتبة الشهيرة فضيلة مرابط ، و تفانى كلاهما في خدمة الجزائر في مجال التدريس ، الثقافة و الأدب ، النضال الذي يواصلانه إلى يومنا هذا(2016)  ،فالسيد ماسكينو ينشط عمودا أسبوعيا في جريدة وطنية، أمّا السيدة مرابط فتنشر كل سنة تقريبا كتابا جديدا.

في الوقت الذي كانت فيه علاقتي مع الأول و حتى النهاية علاقة تلميذ بأستاذه، كانت علاقتي بالثاني سيئة جدا، بسبب ما كنت ألمسه في آرائه من عداوة للدين.أربع و ثلاثون سنة بعد ذلك ،و تحديدا في أكتوبر 2003، جمعنا القدر مجددا و رمانا في حضن بعضنا البعض. بضعة شهور بعدها، نشر السيد ماسكينو كتابا في فرنسا استحضر  فيه خلافاتنا القديمة في تأثر بالغ قائلا:”كان يتبنى  (نورالدين بوكروح) أصولية لا تؤثر فيها أيّة حجة،وكان يعاند، فبدلا من كتابة مقاله الفلسفي ،يقوم بتحرير نداءات إيمانية، فينثر على العشر أو الخمس عشرة صفحة التي يقدمها لي، و للإنصاف فقد كانت مكتوبة بشكل جيد، آياتٍ قرآنية و أحاديث نبوية. كان يفعل ذلك بغرض استفزازي لأنه كان متأكدا من أن صبري سينفد بين لحظة وأخرى خلال جدالنا لأكرر على مسامعه ملاحظتي له و للمرة المائة أنه في قسم فلسفة لا في مسجد. فكان ينهي حديثه قائلا لي في نوبة ضحك جماعيّ صاخب وهو يهز كتفيه “لست سوى ملحد”، ثم يغرق في صمت يزعجني كثيرا،لكن بالرغم من أنه كان يضايقني إلا أني كنت أحبه”.   

واستنتج أستاذي في الفلسفة هذه الشهادة من تأملاته: “تبادل كلانا ضربات كثيرة كما لو كنا في حلبة ملاكمة: لم أكن أتحمل كفاحه الديني، كما لم يتحمل هو نضالي الماركسي،عندما كان يذكر لي القرآن، كنت أرد عليه  بتمجيد كتاب “رأس المال”. كان يحاججني بأني لا أفهم شيئا عن الدين بسبب الغمامة التي على عيني، فكنت أجيبه بأنه ما هو إلا “أفيون الشعوب” أو أقترح عليه قراءة “ارتباك في الحضارة”« Malaise dans la  civilisation » (لسيغموند فرويد Sigmund Freud).كنا نتعارض أيديولوجياً، لكن على الأرجح أن هذه المعارضة نسجت بيننا و عن جهل من كلينا، روابط جمعتنا و تمسكنا بها. كان نور الدين صلبا لكن دائما لطيفا، كان ذكيا، مثقفا يتحدث بطلاقة و يكتب بحماسة، و بالرغم من أن مقاومته كانت تزعجني، إلا أن نقاشي معه في حد ذاته كان ينعشني و أتصور أن الأمر كان يعجبه هو أيضا. كنت أفتقده عندما يغيب، كما أنه عندما كنت أغيب بسبب مرض خفيف ، كان زملاؤه يخبرونني انه يصبح خاملا يمضي ساعات الدروس متبرما في انتظار انقضائها،هل كان علينا التبارز حتى نشعر بوجودنا؟ هل كان يمتنّ كل واحد منا بإعطاء المتعة للآخر؟ هل بالنهاية هذا فعلا ما كان يربطنا؟ أم أن هناك أمر أعمق،هذا التشبث بالرأي الفكري، هذا الرفض للوصول إلى التوافق هو الذي حمل كلينا على المجازفة و دفع الثمن غاليا للدفاع عن قيمنا؟… أليست هذه الرغبة في عدم التنازل عما نراه أساسيا هي ما جعلتنا نتعارض و نتقارب في آن واحد؟ ألم يجد كل واحد منا، بطريقة أو بأخرى ، نفسه في الآخر؟ لست أدري”(5)

أستاذي العزيز، أنا اتفق معك في أن الأمر كما وصفته ، إلا فيما نعتني به في كوني” أصولياّ” فأنا لست كذلك لا في تلك هذه الفترة و لا في غيرها، لكني ببساطة مسلمُ فهِم ،بفضل بن نبي،أن الإسلام يمكن أن يكون شيئا آخر غير ما نسميه اليوم على سبيل التحقير”الإسلاموية”.

مذ ذاك، التقينا أكثر من مرة في الجزائر و فرنسا أنا ، هو و زوجته فضيلة، لنسجل في النهاية أن كل واحد منا مشى على الخطوات الأنسب نحو الآخر، و التجارب التي مرت بها الجزائر ساعدت كثيرا على ذلك. و أقدم إليهما من خلال هذه الأسطر خالص محبتي.

في صباح يوم ممطر،وصلتُ أنا وأختي إلى حيث يُقام الملتقى “حول الفكر الإسلامي”. تفاجأت بمجرد دخولي إلى القاعة الباردة و الضيقة بهيئة الأشخاص المحتشدين بها. بدوا لي كـأنهم “طُلبة” فارين من إحدى الزوايا . لم يكونوا في الحقيقة سوى ممثلين متواضعين للسلك الأكثر تحقيرا في الجمهورية التقدمية: أئمة المساجد. لكن فترة عزّهم في الجزائر لم تتأخر، حيث كان ذلك مع تصاعد موجة الإسلاموية في نهاية الثمانينيات.

اتخذت لي ،في حذر، مقعدا في آخر القاعة ،حيث كنت أرقُب المنصة التي انطلق منها صوت جهوري لا أذكر حتى صاحبه و هو شيخ مشرقيٌّ (إن لم تخني الذاكرة كان الشيخ الشعراوي)، و هو يصيح بقوة بجمل ترددت أكثر من ألف مرة في كل البلدان الإسلامية ومنذ زمن بعيد. و من حين لآخر، وفي أماكن مختلفة من القاعة يقوم أحد الشجعان المتأثرين من قوة الإيمان مرددا “الله أكبر”. كنت أترصد الوقت المناسب لأنسحب في هدوء في الوقت أعلن فيه المنشطُ المحاضرَ الموالي، ليظهر في المشهد رجل أنيق ذو شعر أبيض، و قامة طويلة، اعتقدته أوروبيا. بعدها بدقائق، تسمرت في مكاني و لم أكن لأتركه مهما حدث و لأي شيء في العالم. لقد اكتشفت للتو مالك بن نبي. بدا لي الرجل من مظهره الخارجيّ فقط جليلا، وقورا، مقنعا.

و شيئا فشيئا ، مع إنصاتي لحديثه، تلاشى كل الانزعاج و الظنون التي ترسبت لاشعوريا في نفسي لسنوات عن كل عمل إسلامي و حلت محلها رغبة ملحة للفهم، للمعرفة ، للعلم و للاستدراك. أذكر في كل ما سمعت هذه الجملة التي صدع بها :”من قوة تجلّيه يبدو الله غامضا“.سجلت بسرعة بعض النقاط لكني أدركت أن الأوْلى في تلك اللحظات ليس ما يمكن أن آخذ عن الخطيب- أصلا لم أكن أفهم عنه إلا القليل فيما يقول- بقدر ما هو الإستمتاع بفخر أنه احتواني من لحظة أن عرفت أن هذا الرجل كان جزائريا.

ذابت أحكامي المسبقة ،الواحد تلو الآخر، تحت تأثير نقاء و حرارة شمس شكل جديد للمشاعر القومية. انقلبت حياتي رأسا على عقب. منذ ذلك الحين، صار لها وجهة، معنىً، و أيضا حججا صلبة مع بن نبي. أصبحت أرى أنّ حقيقة  ممكن أن تكون مسلما في شكل  آخر، مختلف عن مجرد كونك كائنا قديما،انفعاليا، لاعقلانيا…

ابتداء و من حيث الشكل، غيّر النظرة المتكررة التي  كنت أحملها عن”العالِمِ” العاجز من جهة و عن “المتحضر” المجرد من كل روح من جهة أخرى. كان بن نبي مُهماً، حقيقيا، جميلا، يجسد بكليته كل ما كان يقوله، أي المسلم “الأصيل و الفعّال”. فقد كان القدوة التي تستحق الإتباع والنموذج المِثالي الواجب الوصول إليه.

لكن ،و في الوقت ذاته الذي استقرت في نفسي هذه النشوة ، تولد معها لغز: كيف يمكن لرجل بهذه الأهمية و هذا الحجم أن يكون مجهولا كليّة في بلده؟ مدى إدراكي للأمور لم يعطني أية إجابة ولم أكن أعرف أي شخص في هذا الوسط “الإسلامي” الذي وجدت نفسي فيه بالصدفة ،حتى أطرح عليه سؤالي هذا. كنت أعرف تقريبا كل الكتاب الجزائريين  بل و كنت معجبا ببعضهم لكن هذا الإسم لم يمر عليّ من قبل.

إذا كان ينتمي الأوائل إلى تيار أدبي يعود إلى بداية القرن ، حيث خلّدت أغلب الأوجه المعروفة أسماءها من خلال قصص يسردون فيها حالاتهم الوجدانية التي يستلهمونها من أحداث حية أو من طبيعة ميتة ، فإن بن نبي دشّن شيئا مختلفا، ينتمي إلى مجال آخر ، اكتُشِف من صنف مجهول في تاريخ الأدب و الأفكار في بلدي منذ ابن خلدون: فهو المفكر ، صاحب الرؤية، لا هو بروائي و لا عالم اجتماع ،و لا هو بفيلسوف و لا مؤرخ، هو كل هذا مجتمعا ، يعتبر الرجل بمفرده الخلاصة الفكرية لكل إيجابيّ أنتجه العقل الإنساني منذ الحضارة السومرية و إلى يومنا هذا ، هو فوق كل  حدود الأمم و الحضارات، بل وما وراء الأفق الذي يحده كل منها.

في اليوم الموالي، ذهبتُ إلى المكتبة الوطنية للبحث عن كتبه. في المجمل لم أجد سوى عنوانين أو ثلاثة. بدأت في قراءة ما وجدت و كأني مستكشف مغامر يتجول بين تجاويف المتاهة حتى يصل إلى مخرجها المجهول إلى تلك اللحظة، و من خلال تشكيلة أرشيف جريدة ” الجمهورية الجزائرية “، نقلت كتابيا المقالات التي نشرها بن نبي بين سنوات الأربعينيات و الخمسينيات. سنوات من بعد، واصلت هذا العمل في مدينة فرساي  (Versailles) حيث يوجد ملحق مكتبة باريس الوطنية ،حيث يتم الإحتفاظ بتشكيلة الصحف الجزائرية في تلك الفترة.

ثاني مرة رأيت فيها مالك بن نبي كان في 23 جانفي 1970 في قاعة الأعمال (salle des Actes)، حيث قدم محاضرة حول”معنى المرحلة الراهنة”. في حين كانت المرة الأولى التي ألمح الدكتور الشهير عبد العزيز خالدي ، اسم كنت أعرفه من العمود الممتع الذي كان ينشره في جريدة “المجاهد” أو”الثورة الإفريقية« Révolution africaine »  من حين لآخر. كان خالدي بجانب بن نبي على المنصة ليقدم صديقه الدائم -أي بن نبي- للجمهور. في تلك الفترة كان هذا الأخير ينشط “حلقات” في بيته ،حيث يستقبل طلبة ناطقين بالفرنسية وآخرين بالعربية بالتناوب يومي السبت و الأحد.

لم أكن أعرفُ ذلك و لم أتلق هذه المعلومة إلا عندما اقتربَ مني تلميذ من قسم نهائي آخر في ساحة الثانوية بسبب الصدى الذي بدأتْ تُحدِثه مناقشاتي مع  أستاذي ماسكينو. لم يكن لدي اتصالات مع أيّ كان ،و لم أتعرف على أيّ شخص، رغم مشاركتي في أشغال الملتقى الثالت الذي أُقيم في ديسمبر 1969 بـ”المدرسة العليا للأستاذة” (بوزريعة) التي كان يديرها المرحوم عبد الحميد مهري.

في الحقيقة لم يكن يهمني سوى بن نبي، فقد كنت أبعد ما يمكن عن أي شعور بانجذاب تجاه الناس الذين كانوا حوله. مشكلتي لم تكن روحية إنما كانت فكرية. هناك ، و على مدى أربع سنوات، عشت الأوقات الأكثر إثارة في حياتي من الناحية الفكرية في ظلِّ مالك بن نبي. كنا حوالي ثلاثين طالبا نرتاد دروسه بانتظام كل سبت تقريبا من الساعة الرابعة إلى الساعة السابعة مساءا.

كانت محاضراته مفتوحة في وجه أول قادم .لم يكن يطلب شيئا من أحد ، لا هويته، ولا سبب حضوره. لم يكن يهتم لعدد الحضور الذي لا يمكن أن يتجاوز العدد المذكور بسبب قدرة استيعاب المكان المخصص للمحاضرة (مساحته كانت في حدود 20 مترا مربعا). كان يقدم دروسه بالاستعانة بسبورة مدرسة، ومن حين لآخر، كان يطرح سؤالا أو اثنين و كأنه يريد التأكد من مدى متابعة الحضور له، لكنه كان يعي جيدا أنه، غالبية الوقت، كان الوحيد الذي يفهم الموضوع المطروح.

فيواصل درسه ، و يستمر في تقدمه، و هو يضحي من أجل مهمته، غير آبه بمتابعيه الذين ألف منهم حوالي عشرة وجوه فقط. صوته كان مرتفعا، قويا وأحيانا جهوريا. كان يرتدي في بيته غالبا منامة عليها لباس المنزل ، وأحيانا” قميصا” ناصعا تحت برنوس من نفس اللون، غالبا ما كان ذا مزاج مرح  وسريع الضحك ، ينحني برأسه إلى الخلف عندما تغلبه متعة ضحكة لا تُقاوم ،لكن بمجرد استئنافه للعمل، تصبح عيناه لامعتين وتنغلق فجأة ملامحه الناعمة و المرسومة بشكل جميل، فلا تبقى سوى سمة الجدية المطلقة على محياه.

كان رجلا إنسانيا بعمق، كان يجمع بين الحكمة و البراءة الطفولية في آن، كان منزله خاليا من الأثاث، لم تكن الكراسي التي كنا نجلس عليها متجانسة، يتشكل مكتبه الشخصي من خزانة بأبعاد متوسطة و مكتب يجلس خلفه ،حيث يعمل أو يستقبل الزوار. يتميز بوداعة ، طيبة واستقامة تأسرك من أول وهلة ، كان لا يغضب إلا إذا حُرِّف تفكير منطقي أو عُبِّر عن فكرة بشكل خاطئ، الأمر الذي كان يعيشه كاعتداء على الحق و الخير ، لكن انفعاله لا يدوم سوى لدقائق معدودة.

أتذكر في إحدى الأمسيات الرمضانية، عندما مررت مع زميلٍ لي لاصطحابه من منزله إلى المكان ،حيث سيلقي محاضرة .في لحظة ما،  تبادر إلى خاطر رفيقي، الذي جلس بجانبه في المقعد الخلفي للسيارة، أن يفتح حديثا معه، لكنه أساء طريقة فتح الموضوع. فانفجر بن نبي تحت وقع تفاجئنا و كأن صديقي الوقح قلل من احترامه. بالنسبة لي لم أغامر يوما بطرح أسئلة عليه، كنت أشعر و كأني قزم أمام الأثر الذي ينبثق منه ، فضلا عن أنه كان يكفيني مجرد أن أعرف أنه حيٌّ بيننا، في الجزائر و في عصرنا هذا.

عرفت العاصمة خلال تلك الفترة حياةً ثقافيةً حقيقيةً: محاضرات عموميّة، ملتقيات شعرية، مسرح، مراكز ثقافية أجنبية… لم أكن أضيع أيّا منها. من جهة أخرى ، بدأت أكتب بانتظام في القسم الثقافي لجريدة “المجاهد” باللغة الفرنسية ،حيث كان لديّ عمود خاص .و هكذا لاحظني الدكتور خالدي و من بعده بن نبي. فكنت أمضي وقتا طويلا مع الأول في عيادته أو منزله، لأنه كان يريد –الأمر الذي فهمته لاحقا- أن “يُكوّنني”.

تحت وقع الصدمة، اختطفه الموت فجأة في 26 مارس 1972 في سن 57 سنة، وكان أول يومِ أحد تغيّبتُ فيه عن “الصالون” الذي تعودت ارتياده والذي كان ينظمه في بيته كل أسبوع. و لقد مُنحت شرف كتابة تأبينيته. فأنجزته ثم قدمته ليومية ” المجاهد”.و عندما مررت إلى المطبعة في العاشرة ليلا لتصحيح نصي، أخذت معي نسخة عن مسودة طبع الصفحة الثامنة – و لا أعرف لماذا، فلم أفعل ذلك من قبل – حيث كان سينشر المقال المذكور مع شعر لمومو(حيمود براهيمي) (6) تحت عنوان “في ذكرى الخالدي“و الذي حرره ليلة أمس.عندما اشترينا الجريدة في اليوم الموالي، صفعتني مفاجأة عدم نشر لا خطابي و لا شعر مومو. إلى الآن مازلت أحتفظ بهذا الدليل الحيّ لمقص الرقابة التي مارسها أحمد طالب الإبراهيمي و الذي ساعده خالدي للوصول إلى المنصب الذي وصل إليه.

بالإضافة إلى المقال التأبيني، سلمتُ للجريدة خبرا موجزا عنونته” جنازة الدكتور خالدي” و الذي تم نشره لأني ذكرت فيه أسماء الشخصيات الرسمية التي حضرت الدفن، أمّا التكريم المحذوف الذي كتبته لخالدي فقد نشرته ،في ماي 1972، مجلة “الجزائري في أوروبا”« L’Algérien en Europe » التي كانت تصدر في باريس، وكان يسيرها عبد الكريم غريَّب. المقالتان الوحيدتان اللتان خُصصتا لوفاة خالدي كانتا تلك التي كتبها مراسل«Le Monde » في الجزائر والذي قدم خالدي كـ”العقل المدبّر في السلطة الجزائرية“،و آخر بقلم مثقف جزائري ،هو هاشمي العربي، في عدد من أفريل سنة 1972 لجريدة « Algérie-Actualité » عنونه “إلى خالدي، صفحة من التاريخ انطفأت“.

عندما أتذكر هذه الفترة و أقلب بين أرشيفي لأعود إلى هذه الصفحة التي تم حجبها ،لا أعمد إلى قراءة مقالي لكن إلى قصيدة مومو التي أقرؤها دائما بنفس المشاعر التي لم تتغير، شخصية سامية غريبة الأطوار، من أبناء القصبة ،و هاوية للسينما خالدة في الذاكرة الجزائرية.

و ها هي القصيدة كاملة :

” لكي تكون خالدا، لابد أن تطرق باب الموت،

الموت جليل كالاسم الذي لقبك به والداك ،يا عبد العزيز.

لو كان الموتُ مجرد وداعٍ، سيعود صديقيَّ المحظوظ ليفاجئنا بكلماته الطيبة،

ولو كان الموتُ إغفاءة عادية، سأكون سعيدا بأن أساعد على إيقاظه بعد أن يأخذ كفايته من النوم،

لو كان الموتُ مجرد غيابٍ عابرٍ، فسأنتظرُه في مكان لقائنا المعتاد دون استعجال،

لو كان الموتُ منجما للذهب، أعلم أن صديقي كان سيُعرِض عنه و يذهبَ ليموتَ بعيدا،

ولو كان الموتُ هو الموت، لأنه جُعل كي يتوفى البشر، فالموتُ سيتمسك بالحياة كي لا يموتَ هو،

لكن الموتَ هو كل هذا، بل و أكثر من هذا، هو خزّانُ الصداقة الذي يعزز أواصلَه بما وراء الزمنِ و التاريخ،

هو أيضا سرُّ الإنسان الذي سيَخْلُصُ إلى أن يرى بقلبه ما يجبُ أن يراه”.

حصلتُ أحيانا ،واعتبرهم أكبر تشريفات حياتي، على حظوة مرافقة مالك بن نبي و تقديمه للجمهور كما حدث ذلك مرة في مدرسة أشبال الثورة بالقليعة ،و أخرى في حلقة لضباط البحرية بالعاصمة. لقد حدث أيضا أن أمضيتُ ليال في بيته، بمرافقة زميل لي، لتأمينه و حمايته في الفترات الصعبة. وعندما كان يأتي ليطمئن أنه لا ينقصنا شيئا قبل إطفاء الأنوار، كنا نريد إبقاءه بيننا لفترة متحججين بذريعة أو بأخرى على أمل أن يحدثنا عن نفسه. لكنه كان يعرض عن ذلك. أمّا الشرف العظيم الذي كرمني به، فهو أن أوكل لي مسؤولية تحرير مقدمة كتابه ” مشكلة الثقافة ” أشهرا قليلة قبل وفاته.

علاوة على المقالات التي نشرتها في “المجاهد” بين 1972 و 1973، وإشرافي على تحرير مجلة « Alger-Réalités »، كنت أنشر من حين لآخر مقتطفات من كتبه و التي كانت بالنسبة لي أيضا طريقة لمساعدته ماديا. واكتشف ألان كريستلو(Allan Christellow)، الذي كان يدرّس اللغة الإنجليزية في عنابة في إطار التعاون الأمريكي، مالك بن نبي عندما اشترى في يوم ما عددا من هذه المجلة الشهرية.  لقد تعارفنا 30 سنة بعد ذلك وهو الذي حرر مقدمة كتابي “الإسلام بدون إسلاموية : حياة و فكر مالك بن نبي”.

عندما حصلتُ على الوثائق التي بقيت على حالها منذ وفاة مالك بن نبي، تفاجأت و أنا أجد بينها نص أحد مقالاتي الذي نُشر في “المجاهد” بتاريخ 27 أكتوبر1972  تحت عنوان” الإسلام: مادية أم مثالية ؟”.

أشار بن نبي أكثر من مرة ، وكرر في ملتقياته الجملةَ اللغز:”سأعود بعد ثلاثين سنة“. ثلاث سنوات بعد وفاته، قررت الجزائر أن تتخذ الإطار الدستوري المؤسس على الحزب الواحد. بعد انقلاب بن بلة في 1965، تم تسيير البلاد بدون دستور أو ممثلين في البرلمان. فسمحت السلطة حينها لبضعة أسابيع بنقاش وطني للتباحث حول الإطار الدستوري الجديد و عمله على شكل مشروع “خارطة وطنية”، مشروع دستور وانتخابات رئاسية. انتهزتُ هذه الفرصة الذهبية لحرية التعبير، فجمعتُ و نشرتُ مع زميلين لي خمسة نصوص لمالك بن نبي تحت عنوان” القضايا الكبرى” مرفقةً بمقدمةٍ و مجموعة حواشي لتسهيل القراءة. و كان سبب اختيار هذه المواضيع ما لها من علاقة مع الإشكاليات المطروحة في هذا النقاش الوطني. لدى شراء الأمريكي دافيد جونستون  (الذي كان رئيس الكنيسة البروتستانتية في الجزائر) لهذا الكتاب، اكتشف بن نبي. و تعرفتُ عليه سنة2003 ثم عرّفتُه بابن بلده آلان كريستلو،كما نشر السيد كمال عمر مسقاوي، و الذي لم أكن أعرف عنه سوى اسمه، هذا الكتاب بعدما ترجمه إلى العربية في دمشق بعد فترة وجيزة.

كلمة الختام:

أنجزتُ هذا العمل ، بعض الشيء من أجل بن نبي ، لكن توجهي الأكبر كان نحو الأجيال الجديدة داخل وطننا و خارجه، على أمل أن يُنشِّط اكتشاف فكر هذا الرجل نزعات ذات معنىً و ينجب عقولا عالمية تسجل حضورَ الحساسية الإسلامية في النقاشات الدولية.

السلسلة التي خصصتُها لفكر مالك بن نبي في 37 مقالاً وصلت إلى نهايتها. لقد تحقق هاجس و انشغال بن نبي:” ها قد عـاد”، يُهتم بأفكاره اليوم أكثر من الإهتمام بها و هو على قيد الحياة في الجزائر و في سائر العالم.

و استجابة لهذا الاهتمام المتجدد كنتُ قد اقترحتُ على جريدة ” لوسوار دالجيري” « Le Soir d’Algérie » هذه السلسلة التي نُشرت باللغة الفرنسية على مدى أربعة أشهر متواصلة مابين 22 أكتوبر2015 و 25 فيفري 2016 كل يوم أحد و خميس،حيث خُصص لكل مقال صفحتان كاملتان.

منذ جانفي 2016 عكف الموقع الفرنسي “أمة.كوم ” على نشر السلسلة لفائدة المتتبعين ، و منذ الفاتح من فيفري 2016 بدأ الموقع الإلكتروني “الجزائر اليوم” في نشر ذات السلسلة باللغة العربية كل اثنين بفضل الترجمة الجيدة و الكُفأة  للأستاذ عبد الحميد بن حسان.

و هاهي جريدة ” الحوار” تحوز السبق في الصحافة الجزائرية المعرّبة وتحمل على عاتقها نشر ذات السلسلة باللغة العربية على صفحات جريدتها الطبعة الورقية و موقعها الالكتروني في التزامٍ يوميٍّ منذ 29/05/2016 ،على صفحتين كاملتين و بإخراج جميلٍ جمالَ فكر مالك بن نبي. مجموع هذه النصوص متوفرة على صفحتي في الفايسبوك .

يبقى أمل ترجمتها إلى الأمازيغية ، الإنجليزية، ، الإسبانية ،الإيطالية،الألمانية، الصينية، الروسية، البرتغالية،الأردية، الخ، إذ أتمنى أن يتقدم متطوعون جزائريون أومن جنسيات أخرى لهذه المهمة. دون أن ننسى إمكانية كتابتها بطريقة برايل.


المراجع

جريدة “المجاهد” عدد 26 نوفمبر 1970

مقال” كتاب ليس للقراءة”«  Un livre… à ne pas lire ? », ، جريدة المجاهد عدد الفاتح من ديسمبر 1971

“الماركسية و العالم الإسلامي”« Marxisme et monde musulman »منشورات سوي du Seuil ، باريس 1972

منشورات الصداقة بالكتاب ، رونيي،1972 L’Amitié par le livre, Rennes.

(5) موريس طارق ماسكينو:” عودة إلى الجزائر  « L’Algérie retrouvée » “دار النشر فايارد،باريس Ed. Fayard, Paris 20042004.

(6)حيمود براهيمي (1918-1997) المعروف باسم”مومو” هو شخصية غريبة الأطوار من قصبة العاصمة الذي اشتهر بمآثره الرياضية الدولية في سنوات الأربعينيات قبل أن يُعرف في عالم المسرح ثم السينما و أخيرا الشعر و ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا).هو صاحب كتاب ” الهوية السامية”(منشورات باكونييه،العاصمة1958) « L’identité suprême » (Ed. Baconnier, Alger 1958),،”نور القصبة” (منشورات لوسفلد،1993) ( « Casbah lumière » (Ed. Losfeld, 1993وكتاب آخر لم يُنشر،كان يعرف ألبيرت كاميسو Albert Camus ميشال فالسان Michel Valsan  (كان تلميذ غينون Guénon-عبد الوحيد يحيى- الذي أصبح يعرف بـ “مصطفى عبد العزيز”).

أعمالي حول مالك بن نبي:

جمع وكتابة مقدمة و حواشي الخمسة نصوص التي نشرت تحت عنوان “القضايا الكبرى”.منشورا ت IPA ،الجزائر العاصمة 1976.

مقال” النظام البنبوي” في “المسارات المغربية” « Parcours Maghrébins », الجزائر العاصمة ، عدد فيفري 1987.

جمع و كتابة مقدمة 47 مقالا كُتبت ما بين 1953 و 1968 ،في كتاب بعنوان« Pour changer l’Algérie » ” من أجل تغيير الجزائر” منشورات SEC ،الجزائر العاصمة 1989. .

كتابة مقدمة كتاب “مشكلة الأفكار”« Problème des idées », منشورات SEC،الجزائر العاصمة 1991.

مقال ” الفكر الإقتصادي لمالك بن نبي”« La pensée économique de Malek Bennabi », ، جريدة الوطن عددي 18 و 19 اكتوبر 1992.

مقدمة كتاب” المسلم في عالم الإقتصاد”« Le Musulman dans le monde de l’économie », ، ،منشورات البرهان El-Borhane ، الجزائر العاصمة 1996.

فصل في كتابي ” الجزائر بين السيئ و الأسوأ”« L’Algérie entre le mauvais et le pire » باللغتين العربية و الفرنسية منشورات القصبة 1997.

“الفكر و السياسة لدى مالك بن نبي”« Pensée et politique chez Malek Bennabi »,  تدخل أثناء المؤتمر الدولي حول فكر مالك بن نبي ،أكتوبر 2003،الجزائر العاصمة.

مقدمة “وجهة العالم الإسلامي”، منشورات البراق Al-Bouraq ، باريس 2005.

مقدمة ” مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”« Problème des idées dans la société musulmane », ،منشورات البراق Al-Bouraq ، باريس 2005.

كتاب “الإسلام بدون إسلاموية :حياة و فكر مالك بن نبي”« L’islam sans l’islamisme : vie et pensée de Malek Bennabi », ،منشورات سمار Samar ، الجزائر العاصمة 2006.

تقديم “مذكرات شاهد على القرن: الطفل، الطالب،الكاتب، الدفاتر”.منشورات سمار، الجزائر العاصمة2007

“فكر مالك بن نبي”سلسلة من 37 مقال نشرتها جريدة لوسوار دالجيري ما بين 22/10/2015 و 25/02/2016،أعاد نشرها الموقع الفرنسي” أمة .كوم”، و نشرها باللغة العربية موقع “الجزائر اليوم” و جريدة ” الحوار” ما بين 29 مايو و11يوليو 2016.

آخر التغريدات: