فكر مالك بن نبي (36) بن نبي وشارل جوستاف يونغ (C.G JUNG)

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

لقد درس بن نبي مؤلفات يونغ باهتمام شديد(1). وكان يرجع إلى نظريته حول “اللاوعي الجماعي”، وإلى مفاهيمه التي أطلق عليها مصطلحات مثل القناع (persona) و التمثيل الخيالي (anima )، كما كان يتبنى مصطلحاته ويستعملها. فممَّا نجده في كتاب “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلاميّ” )1971(، قوله:  “إن درجة الروح الاجتماعية تتفاوت، حسب نظرية يونغ، بالنظر إلى هذين النمطين: الفرد المتفتح يكتشف عالم الأشخاص بشكلٍ أسرع من الفرد المنطوي… وبالجملة فإن أوروبا ستقوم بتركيب الأشياء مع الأشكال، وتركيب التقنية مع الجمال، بينما سيقوم المشرق الإسلاميّ بتركيب أفكار الحقيقة والخير. إنّ هذا المخطط لا يجسّد مرحلة تاريخية ما، بل يجسد كل مراحل التاريخ الذي تشير ساعته بدقّتيْها إلى الإنبساطات والانقباضات في الحضارة العالمية. فتارةً يكون ازدهار ثقافة واندثار أخرى، وتارةً أخرى يكون العكس… ثُمَّ يكون ازدهار حضارة تتمركز فيها الأشياء حول فكرة تارةً، وتارة أخرى يكون ازدهار حضارة تتمركز فيها الأفكار حول شيء ما...”.

قدّم يونغ (1875-1961) أعماله في مشهدٍ تظهر فيه شخصيتان استعارهما من شاعر تراجيدي ألماني، وهو كارل سبيتلر  Carl Spitteler، الشخصيتان هما :

بروميثي Prométhée الذي يُذَكِّرُ بزرادشت، وأخوه إيبيميثي Epiméthée. وقد باع هذا الأخير نفسه مقابل مملكة. وعلى خلاف فاوست(Faust)  عند غوته(Goethe) ، فإن إيبيميثي لم يبعْ نفسه لـ لوسيفر (ميفيستوفيليس)Lucifer (Méphistophélès) ، بل باعها لِمَلَكٍ مِنْ ملائكة الخير. وانطلاقا من الشحنة الرمزية التي تنطوي عليها هذه الشخصيات الأسطورية راح يونغ يصقل مفهوميْه الشهيريْن اللذيْن يطلق عليهما مصطلحي (persona)، إشارة إلى الكائن الخارجي، و(anima ) ، إشارة إلى الكائن الداخلي. فالشخص المتفتح يقع في (persona)، والمنطوي يقع في (anima ). ولم يكتف بن نبي باقتباس وتكييف النموذجين النفسيين للمنطوي والمتفتح لوجهة نظره، بل اقتبس كذلك مبدأ تناوب الثقافات. فإننا نجد أن يونغ يرى تارةً ما نجده عند بن نبي من حديث عن الثقافة الغالبة على الحضارة، وهي الثقافة التي تتميز بالجهود الكثيرة المبذولة في سبيل القيم الأخلاقية والفكرية، وتارة أخرى نجد عند يونغ ما يطابق ثقافة الإمبراطورية، والتي تسعى إلى السيطرة على الطبيعة والتحكم في التقنيات وفي العالم.

وهذا التناوب بين الثقافات نجده عند الهنود تحت اسم ( فيتا كونتومبلاتيفا  vita contemplativa) و ( فيتا أكتيفا vita activa )، ونجده في الأسطورة اليونانية تحت اسم أبولون ودينوسيوس، ويظهر في الفلسفة الصينية في مظاهر المذهبين التاويTaoo  والكونفوشيوسي. وقد فضّلت اليونان الفكرة والعقل على حساب الإستعمال و الممارسة، واكتشفت المبادىء العلمية الأساسية لكنها لم تُطبِّقْها، وأعدّتْ نظرةً جمالية للعالم، بينما كانت الحضارة التي جاءت بعدها، وهي روما، قليلة الميل إلى العقل والعبقرية، لكنها لمعتْ بغزواتها ومؤسساتها وتنظيمها. وهذه هي الفكرة التي قَصَدها شبنجلر(Spengler) لمّا قال: “إنّ الروماني هو خليفة الحضارة الهيلينية… ولمّا كان هذا الروماني بدون روح، وبدون فن، ولكونه عنصرياًّ إلى درجة العنف، ومتشبِّثا بالنجاح العملي بدون هوادة، فقد كان بمثابة حاجز بين الثقافة الهيلينية والعَدَمِ. إنّ الفرق بين الروح اليونانية والذكاء الروماني كالفرق بين الثقافة والحضارة… وهذا لا ينطبق على العصور القديمة وحدها. فقد كان نموذج روح القوة المتجردة كُلِّياًّ من الميتافيزيقا يطفو على السطح باستمرار… إذ كان هذا النموذج وراء الإمبريالية البابلية والمصرية والهندية والصينية…”(1).

ومِنْ مُفارقات الزمن أنّ كلمة “ثقافة” (culture)ذات أصل روماني. وبالفعل، فقد كان شيشرون (Cicéron) هو أول من استعملها بالمعنى غير المباشر، أي ليدل على ما يتصل بالعقل. فمن وجهة نظر  علم الاشتقاق نجد أن كلمة colere »  التي اشتُقت منها كلمة culture تعني الصيانة والمحافظة والرعاية. ومن جهة أخرى فإنّ الإيطاليين هم رواد النهضة الأوروبية التي فتحت الباب أمام حداثة الغرب، بينما لم يلعب الإغريق دورا آخر غير الدور الذي لعبوه في العصور القديمة. فكلٌّ مِنْ جاليليوس وجيوتو(Giotto)، وليوناردو دا فينشي(Léonard de Vinci)، وميكائيل آنج(Michel Ange)، وبوتيسالي(Boticelli)، كلهم يمثّلون روح الانتصار في الغرب، وهم الذين حملوا تطلُّعاته الجديدة. لقد هيمنتْ السوفسطائية و الفلسفة التشاؤمية والأبيقورية (épicurisme)على الروح والعقل عند الإغريق، وأدتْ بهم إلى النفي النهائي من التاريخ.

ولمّا تحدّث بلوتارك  Plutarque عن الإغريق الذين ابتكروا الروح العلمية لكنهم أعرضوا عن استنباط التقنيات من تلك الروح، ضرب مثالاً بأرخميدس ” الذي كانت اكتشافاته كثيرة جداًّ، والذي كانت لديه مع ذلك روح من التعالي في الفكر والطبع حتى عقد النِّية على عدم ترك أي أثر مكتوب حول تلك الفنون التي بفضلها نال من المجد حتى اعتُبِرَ صاحب عقلٍ إلهي وفوق البشر. كان يرى أن الآلية المستخدمة آلية حقيرة… لم يكن يطمح في شيء آخر غير العلوم التي تتمتع صورتها وجمالها بقيمة في حد ذاتها، وبعيدا عن أي مقياس نفعيٍّ “(3). أما فيما يخص بالإنجازات التقنية في عصر أرخميدس فإن سينيك Sénèque يقول: ” لم يكن ذلك إلاّ ابتكارات لأشخاص من مرتبة دنيا… إنّ الحكمة تُكلِّلُ رؤوس النفوس العظيمة، إنها لا تُعلِّمُ المهارة اليدوية لأنها مُعلِّمة الروح “(4).

والإسلام في الترتيب التاريخي هو الذي جاء بعد الحضارة الرومانية. وقد جاء مُتَبَنِّياً لأعلى الفضائل والمثل العليا، لكنه لن يكون تقنياًّ ولا صناعياًّ. أما الحضارة الغربية التي جاءت بعده فستكون تقنية وصناعية إلى أبعد حدٍّ: ذلك أنها ستكون مادّية وإمبريالية. فقد انجذب الغرب منذ نهضته إلى الآفاق التي أتاحها له العلم. ومِنْ أعجب ما كُتِب خلال القرن 13م ما قاله روجي بيكونRoger Bacon ( 1214-1294): “سيأتي يومٌ تُصْنَعُ فيه مراكب بدون جدَّافين ويقودها رجلٌ واحد، وستشُقُّ العُباب كما تشقه أكبر السفن، بل وأسرع منها حتى ولو كانت مُثْخَنةً بالجداَّفين، ستُصْنَعُ سيارات لا يجرُّها حيوان، وهي تتحرك بقوة عجيبة مثل مراكب القمر عند القدماء، وستُصْنَعُ ماكنات طائرة تشق الفضاء كالطائر بواسطة رجل يجلس داخلها بإزاء تجهيزات مُدْهِشة، كما ستُصنعُ آلات تكفي لرفع أعظم الأثقال رغم صغر حجمها، وستُبْتَكرُ مُعَدَّاتٌ تُمَكِّنُ مِنْ السير فوق الماء أو في أعماقه بدون أي خطورة ” (5).

وإجابة عن السؤال القائل ” لماذا لم يظهر العلم الحديث في الصين؟” يقول أحد المتخصصين في الثقافة الصينية، وهو الإنجليزي جوزيف نيدهام  Joseph Needham، الذي ألّف كتابا في عشرين جزءا حول علم الصين وحضارتها:  ” إن قانون الطبيعة مشتق من القانون الإلهي. والحال أنّ الصينيين لم يكن لديهم على الإطلاق مفهوم حول إلهٍ خالق. فالمنتمي إلى ثقافة إسرائيل أو إلى الثقافة المسيحية أو الإسلامية، لديه تصوُّرٌ حول عالم التوحيد. أما الصينيون فلم تكن لديهم مثل هذه النظرة إطلاقاً، فقد تمكَّنوا من الاستغناء عنها. والفلسفات التاوية أو البوذية أو الكونفوشيوسية كلها لم تتساءل عن خلق العالم. ففكرة الخلق غائبة في هذه الديانات أو الفلسفات. إنّ فيها مفاهيم أخرى. فـ” التاو” يتصوّر إلهاً متأصِّلاً في العالم يُحرك كلَّ الأشياء بصفة داخلية، لكن ذلك ليس بالفكرة القائلة بوحدة الوجود. وعلى أية حال فإن التاوية لا تكترث بخراب العالم ولا بخلقه، فذلك لا يستحق التفكير فيه حسبها. وهناك عوامل فكرية أخرى تُعلِّلُ عدم ظهور العلم الحديث في الصين. ومثال ذلك مفهوم الزمن… فالصينيون يتبنون مفهوما للزمن الطوريّ مثل الإغريق وبعض الفلسفات الهندية…  وهنا يكمن الفرق الجوهريّ قياسا بالحضارات التي جاءت مع الكتب السماوية التي تعتبر الزمن خطِّياًّ “(6).

إنّ البراعم الأولى التي ستُوجِّه الإنسان الغربي إلى العمل موجودة في فكر المعلِّم إيكهارت Maître Eckhart ، وفي الأفكار التي جاءت بها النهضة والإصلاح. فتلك الفترة هي التي ظهر فيها “الإنسان الفاوستي”. وفي هذا يقول شبنجلر : “إنّ الثقافة الفاوستية هي ثقافة الإرادة… والأخلاقيات الفاوستية كلها إرتقاء، أي: شحذٌ للأنا، ومعالجة أخلاقية للأنا، وتبرير للأنا بالعقيدة والأعمال”(7) .  فستتعاون الأخلاقيات الكالفينية والروح الديكارتية  لكي تُشكِّلَ العالم الحديث وتُوجِّه الناس إلى إنتاج الثروة الإقتصادية والثراء الأخلاقي. ومعنى التقنية آتٍ مِنَ العزم على المشاركة في صُنْعِ الله على الأرض.

والمفكِّر الألماني باراسيلس Paracelse ( 1493-1541)، والذي قد يكون شبنجلر من المتأثرين به، هو صاحب نص شهير  يقول فيه: ” إنّ الطبيعة هي من البراعة في عملها بحيث ترفض أنْ تخدُمنا إذا كنا لا نتعامل معها بحسٍّ راقٍ. ذلك أنها لا تكشف لنا عن أي شيء كامل الصُّنع يكون على الإنسان أن يُتِمّه… إن الله لا يريد أن نترك صُنْعَهُ على حاله، بل يريد أنْ نُنَقِّب ونبحث عن أسباب وجود ذلك الصنع بين أيدينا. الله خلق الحديد، ولم يخلق ما يجب صنعه منه. وكل الفنون كامنة في الإنسان. ذلك ما قرره الله لأنه في خلقه يمضي دوماً إلى النهاية. والله أعطانا الخبز، لكن ليس كما يصنعه الخبَّاز، ذلك أنه للحصول على الخبز لا بد من وجود ثلاثة صُنّاع: المُزارع، والطحان، والخبَّاز…”(8).

ويتضح في هذا النص أن النجاح في الحياة الدنيا، والعمل المُتْقَن، والمكسب المشروع، كلها “علامة خارجية على حالة النفس المُطْمئنّة”. والقرآن الكريم يذكر “العمل الصالح” مرارا لكي يُعَرِّف العقيدة ويبين حدودها، بينما اعتبر المسلمون أن الأعمال الصالحة صدقات في مرتبة النوافل. أما الأخلاق العملية التي نشرتها الكالفينية(calvinisme)  والمذهب اللوثري (luthérianisme)، وبعدهما المذهب البوريتاني(puritanisme)، فهي التي سيتمخض عنها العالم الحديث، والثورة الصناعية، والتطور المستمر. وقد يخفى علينا أن الروح التقنية الغربية رأت النور في الدير بمناسبة تجارب إذابة الزجاج، وقولبة النواقيس، وصقل الحديد وصناعة الأرغن… وكانت القاعدة التي يؤمن بها الرهبان هي ” الصلاة والورشة“، والأنظمة التي كانت تسير عليها معابد الفرانسيسكانيين والبينيديكتيين والسيستيرسيين ستنال الشهرة بفضل إنجازاتها وجَوْدَةِ منتجاتها ( كالتجهيزات المائية، وصناعة الحديد والصلب، والنسيج، ودبغ الجلود، وصناعة الجعة، والمعادن، وبناء الكنائس…).

وهذا هو السِّرُّ في أن كثيرا من رجال الكنيسة كانوا من العلماء والمكتشفين في كل مجالات العلوم الدقيقة. وعلى خلاف ذلك كان العلماء الذين جاؤوا بعد أبي حامد الغزالي ( توفي سنة 1111 م) في العالم الإسلامي يغلقون أبواب الاجتهاد. فبعد العلماء الذين جمعوا بين العلوم الدينية والعلوم الدقيقة مثل ابن سينا وابن رشد وابن طفيل وابن النفيس، وكل الشخصيات الكبرى التي أسهمتْ في تطوير العلم خلال العصر الذهبي، بعد هؤلاء جميعا جاء جيل من علماء الدين والتصوف الذين انكبّوا على العلم الديني أو الخلاص الفرديّ المستقيل من كل الانشغالات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية أو العلمية. وانطلاقا من هذا صار انحطاط العالم الإسلامي حتميةً مؤكدة. وكانت الكلمة الأخيرة للمسيحي الذي كان يتبنى شعار أنَّ “المُلْكَ ليس في هذا العالم”، إذ سيطر على العالم، أما المسلم الذي كان يُفْترَضُ أنَّ المُلْكَ عنده قائم في هذا العالم، فقد تخلى عنه.

إنّ يونغ يؤكد أن الفضل يعود إلى (مبدإ الانقباض والانبساط) في اكتشافه للأنماط النفسية الأساسية لـ (التفتح) و (الانطواء)، كون الأول يعبّر عن تحرُّك الفرد باتجاه الموضوع، والثاني يعبر عن تحرك الموضوع باتجاه الفرد، ويقول: ” كل كائن بشري يتمتع بهاتين الآليتين، أي آلية التفتح وآلية الانطواء على السواء، وهيمنة أحدهما نسبيا لدى الفرد هي وحدها التي تمكِّننا من تحديد نمط الفرد… عندما نتفحص مسيرة حياة فردٍ ما، فإننا نلاحظ أن مصير الفرد يتحدد مرّةً بالنظر إلى بُؤَرِ اهتمامه، ومرّةً يتحدد بكيانه الداخلي، أي بفرديته الخاصة… وهاتان الوضعيتان المتضادّتان ليستا أوّلاً إلاّ آليتين متناقضتين، أي: مخرجٌ انبساطي باتجاه الشيء المستولى عليه، وتركيزٌ انقباضي تنفصل فيه الطاقة عن الأشياء المأخوذة “(9).

لكنّ يونغ لا يُقَدِّمُ لنا أي توضيحٍ حول أصل الإختلافات بين الأول والثاني. أهو ذو طبيعة بيولوجية؟ أم هو فطريّ؟ أما شبنجلر فيشير إلى أنَّ ” الإنسان المثقف طاقتُهُ تكون متجهة إلى الداخل، أما المتحضِّر فإلى الخارج… والإمبريالية حضارة صرفة. ومصير الغرب يتمثل في هذه الظاهرة التي لا رجعة فيها… فالميل إلى التوسّع مصير محتوم، وهو أشبه شيء بالمسِّ أو الروعة“(10). أما غوته فكان يسعى إلى تحديد الوسائل الكفيلة بتمكين الإنسان من الحفاظ على التوازن في القوى التي تُحرِّكُهُ وتتجاذبه بين الخير والشر. إن يونغ يرى أن تلك القوى تتحرك في اللاَّوعي، وهي تتكوّن من قسمين: أحدهما شخصي وثانيهما جماعيّ. وهو يُعيد إقامة الرابط بين اللاّوعي والحياة الروحية.

وقد اعترف يونغ بأن الكتاب الذي ألَّفه  شارل غوستاف كاروس C.G Carus  (1789-1869) ، وهو صديق لغوته، حول النفسية psychisme ، كان له تأثير على الفِكر. وفكرة اللاوعي أخذها يونغ من كاروس(11). وقبل غوته، كانت الصورة المستوحاة من حركة الانقباض والانبساط قد استُخْدِمَتْ في الفلسفة الإغريقية. فـ توينبي يذكر أمبيدوكل Empédocle  الذي كان يرى أن التغييرات المرئية على سطح الأرض سببها حركة المدّ والجزر اللتين تتخللهما قوى إضافية و إكمالية، وهي: قوة (الإدماج intégration ) التي يطلق عليها هذا الفيلسوف اليوناني اسم (الصداقة)، وقوة (التفتيت désintégration) التي يطلق عليها اسم ( الخِلاف ). وهاتان القوتان مُشار إليهما في الفلسفة الصينية بمبدأي “ين yin “، أي: سُحُبٌ داكنة (أي الظلام)، و “يانغ yang “، أي: شمس (أي النور). وهذه المسألة نجدها مصوغةً عند مونتيسكيو كالآتي: “المسألة كما نراها في نظام الكون، حيث توجد قوة تُبْعِدُ كل الأجسام عن المركز باستمرار، وقوة جاذبية تُعيدها إليه” 12.

عندما أراد بن نبي أن يُبيِّنَ انقسام الثقافات استشهد بروايتين شهيرتين، هما: “حي بن يقظان”، التي كتبها ابن طفيل خلال القرن 12م، و”روبنسون كروزوي” التي كتبها دانيال ديفو ستة قرون بعد ذلك(13). فهو يرى أن هاتين الشخصيتين تمثلان بالتمام تلك الإجابات التي أتى بها المشرق والغرب عن الفراغ الكوني. فابن طفيل، ذلك العقل النَّيِّر الذي ظهر في عهد الموحدين، قد ألف كتابه سنة 1169 لكي ينفي الأطروحة القائلة بأن العقل البشري غير مؤهل للوقوف على الحقيقة بوسائله الخاصة، وأن الوحي والعقيدة وحدهما هما القادران على الوصول إلى حقيقة الله. وكان تأليفه للكتاب إجابةً عن رسالة تستشيره حول “أسرار الفلسفة التنويرية”. وهو يبدو قريبا جداًّ من أطروحات المعتزلة الذين يعتقدون أنَّ العقل قادر على الوصول إلى الحقيقة باختصاصاته وبدون وحي، أي أن وجود الكون يفترض وجود كائن أعلى. وهو يذكر تلك الممارسة الطلسمية التي تستقي أصولها من “الدين الحنيف”. فابن طفيل ينتقد الغزالي ويؤيِّد ابن رشد.

إن قصة حي بن يقظان هي قصة رجلٍ تُرك و ألقيَ في البحر عند مولده (مثل موسى)، والذي أرسى في جزيرة مهجورة حيث التقطتْهُ غزالة. وانطلاقا من مختلف الظروف التي أحاطتْ بنموِّه راح يتدرج في بناء فهمه إلى أنْ تمكّن في سن الخمسين من إدراك فكرة الله التي اكتشفها في الذكاء وفي نظام الكون. وغير بعيد عن ذلك المكان ،في جزيرة يحكمها ملكٌ عادل و إسمه “سلامان”، كان هناك حكيم يُدعى”آصال” ملّ من العيش في مجتمع لا يكترث بالمبادىء الفلسفية.،فقرر أنْ يهاجر كي يعبد الله في وحدته ، فتوجّه إلى جزيرة حي بن يقظان. و بعد مرور بعض الأحداث التقى الرجلان، فقام آصال بتعليم اللغة لحي بن يقظان، ثمّ عرف بالتدريج أنّ هذا (الإنسان المتوحِّش) كان يعرف عن المبدإ الإلهي أكثر مما يعرفه هو.

عندما احتك آصال بحي بن يقظان فَهِمَ أن ما يعرفه عن الدين يمكن أنْ يُفْهم بطريقة أنقى ودون حاجة إلى العلم، وأنه يمكن أن نؤمن دون أن نطمع في الجزاء. ولذلك وقف موقف احترام بإزاء حصافة حي بن يقظان، ثُمّ اتفقا على الذهاب إلى جزيرة سلامان لكي يُعلِّما لسكان تلك المدينة/ الدولة ما أوتيا من حكمة. وكان حي وآصال يعتقدان أن الناس لن يكونوا إلاّ أشقياء في جهلهم بالحقيقة، وأنه إذا تمّ لهم الوقوف عليها اعتنقوا فلسفتهما. لكنهما سرعان ما أُصيبا بالخيبة وعادا إلى الجزيرة المهجورة. فقد كان حي شديد الاستنكار لكيفية استعمال الإسلام في الحياة اليومية. لكنه قبل أن يغادر تلك المدينة / الدولة حَرَصَ على نصح سلامان بترك الناس على ما هم عليه من الإيمان لأنّ الرعية لا تستطيع ولا تتطلع إلى معرفة الغايات الأخيرة أو أن تعيش بمستوى عالٍ من اليقظة.

وعلى خلاف زرادشت عند نيتشه، فإن حي بن يقظان لم يكن يسعى إلى تغيير أي شيءٍ في جمهور الناس الذين هم بحاجة إلى مُوِّجهين وحوافز لكي يؤمنوا. إنّ حي لم يتعلّم أي شيء من الإسلام الاجتماعي، بل إنه خاب فيه ظنه. وجزيرة الملك سلامان في هذه الرواية تمثِّل النموذج العملي والاجتماعي للإسلام، أما آصال، العالم الحكيم، فيمثل الطبيعة التأملية والصوفية. لكن يبدو أن ابن طفيل أراد أنْ يضيف إلى هذين النمطين النفسيين ملمحاً مستوحى من شخصية إبراهيم الخليل الذي يمثل الطائفة التي وصفها القرآن الكريم بـ”الحنفاء”. والمقابلة التي أجراها ابن طفيل ليست بين آصال وسلامان (التي لم يُذكر في الرواية إلاّ قليلا)، بل أجراها بين آصال وحي بن يقظان، فالأول يمثل الصوفي، والثاني يمثل الميتافيزيقي. ولا بد من الإشارة إلى أن هنري كوربان Henry Corbin يعبِّر عن مفهوم النموذج الكُلِّي بـ (الأصل)(14).

إنّ ما لفت انتباه بن نبي ليست هي هذه المظاهر التاريخية. إنّ أهم ما لفت انتباهه في حي بن يقظان هو القدرة على التحكم في القلق الناجم عن الوحدة، وذلك بواسطة التأمّل، وعند روبنسون كروزوي بواسطة العمل. وللإشارة أخيراً، فإنّ قصة حي بن يقظان جرتْ في جزيرة واقعة في المحيط قريبا من الهند التي هي البلد الذي تكون قد جاءت منه هذه الأسطورة. وقد قام روديارد كيبلين Rudyard Kipling كذلك بتحديد المكان الذي جرت فيه قصة (ماوغلي، طفل الأدغال) غير بعيد عن مكان قصة حي بن يقظان. وابن طفيل نفسه متأثر بكتاب لابن سينا الذي بدوره كان متأثرا بكتاب شهير في الهند القديمة.

وقد نالتْ رواية ابن طفيل نجاحا باهرا في أوروبا. وتُرجِمَتْ إلى اللغة العبرية خلال القرن 16م، وإلى اللاتينية سنة 1671، وإلى الإنجليزية سنة 1674، وإلى الألمانية سنة 1726. وكان ليبنيتز  (Leibniz)ممن قرؤوها وأُعْجِبَ بها، والغالب أن غوته كذلك، أو على الأقل يكون قد قرأ منذ طفولته صيغةً مُكيّفة للرواية. فالمعروف أنه كان على علم بكتب أولسنير  Oelsner، وهو أحد المستشرقين الغربيين الأوائل، كما أنه صاحب كتاب “حول آثار دين محمد” الصادر باللغة الفرنسية سنة 1810. والحال أن هذا المستشرق أثنى على رواية حي بن يقظان. وقد اعتُبِر غوته من المؤمنين بوحدة الوجود، كما اعتُبر من أتباع الأفلاطونية الحديثة، ومن الدهريين، بل ومن الوثنيين، وهذا كله من أجل تفادي الاعتراف بتأثّره العميق بالإسلام، إنْ لم نقُلْ أنه صار مسلماً من الناحية الفلسفيّة، وهو الذي يرى نفسه بهذه الصورة.

وكأنَّ الأوروبيين لا يريدون الإقرار بان أكبر مفكري ألمانيا، ذلك العقل الذي نال أوسع مجال من الإجماع والاحترام (حتى مِنْ قِبل نابليون صاحب الجبروت، والذي التقى به في إيرفورت سنة 1808(15))، بأنه يقبل بالفكر الإسلاميّ الأصيل والطبيعي والأصلي، وهو الفكر الذي استقى منه مذهبا ميتافيزيقيا يستجيب لمسعاه الروحي الخاص(16).


المراجع

1) نجد في دفاتره كذلك ملاحظة مؤرخة في 13 أوت 1969، يقول فيها: ” أنا عاكف على قراءة كتاب (نماذج نفسية) منذ أسبوع، وهو الكتاب الذي تنبعث فيه فكرة الله من اللاّوعي. فالأمثلة الواردة  فيه مثل المُعلِّم إيكهارت، تُثْبِتُ أن طبيعة الأوروبي  نفسها هي التي تُنْكِرُ هذه الفكرة. وحبَّذا لو أن يونغ قام بدراسة هذه الحقيقة التاريخية العجيبة والمتمثلة في أن أوروبا لم تكن مهداً لأية ديانة من الديانات الكبرى”.

2)  (أُفول الغرب Le déclin de l’Occident )، ترجمه عن الألمانية محمد تازروت، ج1.

3) مذكور في: ف. كلام  F. Klemm : (تاريخ التقنيات  Histoire des techniques )، دار النشر  Payot ، باريس 19666.

4) (تاريخ التقنيات).

5) المرجع نفسه. الفقرة نفسها.

6) عن ( شبكات الزمن) “Les grilles du temps”، جريدة le Monde الصادرة بتاريخ 06 جوان 1978.

7) يستعمل شبنجلر عدة عبارات للتعبير عن هذه الفكرة، ومِنْ ذلك: (الروح الفاوستية)، (العقل الفاوستي)، (المعاناة الفاوستية)، (الثقافة الفاوستية)… ولكي يبرز ما يقصده بهذه العبارات، يضيف قائلاً: ” إنَّ تاريخ أوروبا الغربية مصير مقصود، أما تاريخ الهند فهو مصير عشوائي”. وهو بهذا كان يريد أنء يُبْرِز الفرق بين (القدر) و (الصدفة). وبهذه الطريقة نفسها أقام مقابلة بين (العواطف الساحرة في الحياة العربية) و (الشعور الكوني الفاوستي).

8)  ف. كلام F. Klemm . مرجع سابق.

9) ش.ج. يونغ: ( نماذج نفسية Types psychologiques).

10) مرجع سابق، التمهيد.

11) عن ك. نوشيس K.Noschis  : (ش. ج. يونغ: حياته ومذهبه في علم النفس C.G. Jung : vie et psychologie )، دار النشر Presses polytechniques et universitaires romandes ، لوزان 20044.

12) مونتيسكيو، (روح القوانين) « De l’esprit des lois »..

13) يبدو أن دانيال ديفو تأثر بابن طفيل. لكن بعض المصادر الأخرى تذهب إلى أنه قام بتخريجة لقصّةٍ حقيقية لأحد البحّارة، وهو ألكسندر سلكيرك , Alexandre Selkirk الذي أنزله قبطان السفينة في جزيرة مهجورة تبعد بـ 6000 كلم عن السواحل الشيلية، حيث سيعيش أربع سنوات وأربعة أشهر حتى استرجعته إحدى السفن. وقد أشار بن نبي إلى هذا الرأي الثاني.

14) عن (تاريخ الفلسفة الإسلامية) دار النشر Gallimard ، باريس 1962.

15) يروي ليون بوتري Léon Pautré في كتاب (حوارات مع نابليون Entretiens avec Napoléon )، (دار النشر Belfond ، باريس 19699) هذه المحاورة بين  نابليون وغوته:

نابليون: يا سيدي غوته، أنا مسحور برؤيتك. إنك رجل بالفعل.

غوته: سيدي، إنني أرى أنّ جلالتكم تحرص على النظر في أصغر الأشياء أثناء السفر.

نابليون: إنني أعرف أنك أول شاعر تراجيدي ألماني.

غوته: سيدي، إنكم تشتمون بلدي، إننا نعتقد أن لدينا رجالاتنا، فلا شك أنكم تعرفون أمثال: شيلر، ليسينج وويلاند.

وبعد ذلك ذكر نابليون زيارته لـ إيرفورت التي صادفتْ زيارة ألكسندر قيصر روسيا، ثُمَّ طلب من غوته أن يكتب شيئا عن المصادفة التي جمعتْ الأمبراطورَيْنِ في نفس المدينة، وأن يُهدِيه لألكسندر. فأجابه غوته:

ـ سيدي، هذا ليس من عادتي، فعندما بدأتُ الكتابة التزمْتُ بمبدإِ تفادي كتابة أي إهداء حتى أتحاشى الندم على ذلك.

نابليون: إنّ كبار كُتاب قرن لويس 14 لم يكونوا هكذا.

غوته: هذا صحيح يا سيدي، لكن جلالتكم لا يمكن أن تؤكد أنهم لم يندموا على ذلك.

16) يقول شبنجلر: ’’ إنّ مكانة غوته في الميتافيزيقا الغربية لمْ تُفْهمْ إطْلاقاً. فهو لا يَحْظى بمجرّد ذكر اسمه عند الحديث عن الفلسفة. ويا للأسف ! إنه لم يُبَلْوِرْ مذهبه في نظامٍ’’ . عن: (أفول الغرب Le déclin de l’Occident ).

آخر التغريدات: