فكر مالك بن نبي (35) مالك بن نبي، عبد الرحمن الكواكبي وعلي عبد الرَّازق

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

إن ما يقصده بن نبي بـ”الروحي” ليس بـ”الديني” بالضرورة. فهو يستعمل هذا المصطلح بالمعنى الذهني والنفسي والطَّاقويّ. إنه يُقِرُّ بأنَّ الحضارة يمكن أن تنبني وتصمُدَ على أساس فكرةٍ غير دينية ومجموعة من الأفكار المتنوِّعة أكثر من قيامها على فكرةٍ وحيدةٍ. وهو يُفضِّلُ الروحيَّ على الزمني، ويفضِّلُ الروح على الكلمة، لكنه يعطي لهذه المصطلحات معنى في أعلى درجات الإنسانية: “إنّه يمكن القبول بوجود مجتمع  لا تتوفر فيه صياغة واضحة للروابط، وكذا المجتمع الذي يسير بدون قوانين. لكن مجتمعاً بدون حُبٍّ هو مجتمع أُلْغِيَتْ منه الروابط، وهو مجتمع يستحيل وجوده. إنَّ العالم اليوم يرزح تحت ثقل قوانينه، وهو يختنق. وما يُهِمُّ أكثر هو ما يؤكِّدُ وجود الرابط بين الإنسان ونظيره في الحقيقة، وليس ما يؤكد ذلك في المجال النظريِّ. وما يُهِمُّ أكثر هو الروح وليس الكلمة، هو القلب الذي يُبْدِع، والذي يُعْطِي، وليس العقل الذي يحسب ويُرَجِّح. إنه الحبُّ، والروح، والقلب، إنها النظرة الداخلية للإنسان، ومجهوده الذي يعلو فوق إنسانيته الشهوانية، إنه مجال الروح. أمّا القانون، والكلمة، والعقل، والنظرة الخارجية التي تحكم على الغير، فكل ذلك ما هو إلاّ حياة دنيا(1) “.

 

إننا نعرف أنّ بن نبي لم يكن يُعوِّلُ على الديانات لبناء المجموعة الأفروآسيوية أو النزعة العالمية. ففي الوقت الذي كان يفكر فيه في إمكانية قيام حضارة أفروآسيوية، كان يستبعد كل المقاييس الدينية من أساس تلك الحضارة. ولذلك فهو يتحدث عن العامل الأخلاقي الذي عليه أن ينشّط المُركَّب البيوتاريخي (bio-historique) ، حيث كان يتحدث عن الفكرة الدينية كمنشِّطٍ في كتاب “شروط النهضة” ((1949. إنّ الأخلاقيات مُعبّرٌ عنها هنا بطريقة أكثر “لائكية ” ادا سمحت لنفسي هده الصورة. فما كان يراه كقاسم مشترك بين الشعوب الأفروآسيوية هو المبدأ الإيديولوجي المتمثل في معاداة الاستعمار. لكن، كما جاء في كتاب “النزعة الأفروآسيوية “، هذه النزعة “يجب أن تؤسس أخلاقياتها على مبدإٍ إيجابيٍّ لا يُمكن أن يكون ذا جوهر ديني. كما لا يمكن أن يُتَصَوَّرَ الأمر كعملية ممازجة، بل هو عقد اخلاقيّ بين الإسلام والهندوسية من أجل الاضطلاع بنفس التوجّه الدنيويي”. وهو يضرب مثالاً بالغرب فيقول: “لقد قامت الحضارة الغربية في منطلقها على نظامٍ أخلاقيٍّ مسيحيٍّ أتاح لها الاتساق والدفع الكافي لانطلاقتها. لكن التطور جعل تلك الحضارة تُحَوِّلُ ذلك الأساس الإيديولوجي إلى نظام فيه مزيج منسجم من الفكر الكاثوليكي والفكر البروتستانتي، والفكر الحُرِّ والفكر اليهوديِّ. ونتيجة لذلك فلا داعي للسعي إلى تحقيق الاتساق والانسجام لا في المبدإ الوحيد، ولا في مزيج بين الأديان”.

وكان بن نبي قد ساند العلماء المسلمين الجزائريين في المعركة التي خاضوها من أجل فصل الدين عن الدولة، لكنه لم يكن ينظر نظرة تقدير إلى أولئك الفقهاء والقادة الدينيين  مثل الإمام يحي في اليمن، أو آية الله كاشاني الذي خان مُصدَّق، والذي يقول فيه: “كان كاشاني فكرةً ميِّتة وفيروسا داخلياًّ جاء لينسف التجربة التي ظهرتْ في الأفق للشعب الإيرانيِّ آنذاك. وإنّ هناك دلالة  كبيرة في أنَّ مصدق لم ينهزم على يد الاستعمار بل على يد القابلية للاستعمارالمتمثلة في شخص كاشاني وباسم الله”(” مشكلة الأفكار” 1971).

ومفكرنا يُنبِّه إلى اللُّبْسِ الحاصل في شخص رجال الدين بين الجانب الروحي والجانب الاجتماعي، ذلك أنّ العالِم هو صورة “الحقيقة الإسلامية”، ويقول في ذلك: ” إننا نحسّ بخطورة وتعسّف مَنْ يعمد إلى تشخيص الجانب الروحي وينزل بمرتبته كُلَّما ازداد (العالِم) نفسه بُعْداً عن المثل الأعلى أو الإتقان الذي يتمنى المجتمع أن يراه مجسّداً فيه. فما أكثر ما خابت الآمال بطريقة مأساوية وأدّى ذلك إلى ظهور مواقف مُؤْسِفة ومضادة للإسلام لأنّ المَثَل الأعلى قد انهار في أعماق ضمائر الناس بانهيار المرتبة التي كانوا يضعون فيها ذلك العالِم الذي سقطتْ قيمته في عيونهم فجأةً. إن هذا التشخيص من المظاهر المُقْرِفة في مأساة الضمير الإسلامي” . “النزعة الأفروآسيوية”. وإذا كانت المسيحية قد سقطت في شباك الفساد المتمثل في الألعاب السحرية عند القساوسة، فإن الإسلام قد دُفِعَ إلى الانحراف بواسطة فقهاء خاضعين للسلطة، وبواسطة جيل من الأئمة المصطنعين الذين يفسرون ويُفتون في الشوارع وفي المساجد، ومن “الأمراء”الذين خرجوا مِن العدم، والمشعوذين المشاغبين. كان الإسلام حقيقة جميلة، وسيبقى كذلك. أما الإسلاموية فقد جعلت منه حلما طوباوياًّ حزينا وخطيراً.

لقد سبق لنا أنْ أثْبتنا نوعاً من التوازي بين أفكار الكواكبي وأفكار بن نبي. ومع ذلك فهي ليست متطابقة في جميع الأحيان. فالكواكبي يمكن أنْ يُعْتبَرَ أول مُصْلِحٍ مُسلمٍ ندّدّ باللُّبْسِ الحادث بين الظاهرة الدينية والفعل السياسيّ خِدْمَةً للاستبداد بالحكم. والمؤكد أنّ ذلك كان هو السبب في طمس ذكره في المؤلفات التاريخية العربية. وقد مات مُغْتالاً بتحريض من السلطان العثماني وخديوي مصر لأنه طرح هذه المشكلة بشجاعة في وقت مبكّر. ولا بُدّ أنْ نذكر أن بن نبي لم يهتم بالكواكبي بالقدر الذي اهتمّ بمحمد عبده مثلاً. إنه يذكر الكواكبي في مذكراته ككاتب كان يهتم بقراءته في سنوات شبابه الأولى، وتحدّث عنه في “آفاق جزائرية” (1964) عندما استشهد “بمؤلفات كاتب غير مشهور، وهو الكواكبي، والذي كان كتابه (“أم القرى”) يُتَداوَلُ سِراًّ في الجزائر حوالى سنة 19200. لكن ذلك الكتاب لا يعدو أن يكون عملاً من وحيِ الخيال، أُخْرِجَ في شكل سيناريو لضرْبٍ من التجمّع الافتراضي عُقِد في مكة من طرف علماء بلدان الإسلام كلها. وحتى في ذلك التجمُّع لم يُطْرَق الموضوع إلاّ من زاوية الدفاع عن تلك البلدان، دون العناية بأي شكل من التخطيط أو الإعداد للتخطيط“.

لم يكن ذلك الحكم الذي أصدره بن نبي في حق الكواكبي مستندا إلى توثيق كافٍ، لأنّ عبد الرحمن الكواكبي كان بِحقٍّ، قبل بن نبي بنصف قرن، ذلك العقل الإيجابي الذي انشغل بالظروف الفكرية والسياسية التي ينبغي توفيرها من أجل الإعداد للنهضة. وانطلاقا من وعْيه بمسؤولية العلماء وثقافتهم التقليدية في انطماس العقول، فقد اعتبرهم أهم أسباب تأخر المسلمين، وراح يدعو إلى نوع من التخفيف من سلطتهم. يقول الكواكبي على لسان إحدى شخصياته في “أم القرى”: “إن الدين يفرض على المسلم أن يلتزم في كل شؤونه بأمر الله وليس بأمر الإمام، وهو مدعوّ إلى ممارسة مجهود التأويل بنفسه في مسائل أخرى، وذلك دون أن يثق في تأويل غيره، حتى ولو كان أكفأ منه“.

كان الكواكبي يرى في “رجال الدين” نظاما كنسيا شبه رسمياًّ متواطئا مع السلطة ومُحبِّذاً الطاعة التامة للمستبدّ، ليحصل بالمقابل على سلطة معنويّة رقيبة على المجتمع. كما حبّذ الكواكبي، قبل علي عبد الرازق بزمن طويل، فصل الدين عن السياسة، وقد أدى ذلك إلى إثارة حفيظة صديقه رشيد رضا. كان مدافعا عن المساواة بين أفراد الرعية في الأمبراطورية العثمانية بخصوص تولِّي الوظائف العموميّة، بغض النظرعن دينهم، كما كان يدعو إلى المساواة في الضرائب بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين، وإلى تعليم البنات، والفصل بين السلطات، ولم يكن يتردد في الاستشهاد بالكُتّاب الغربيين في كتبه. وسيعتبره جمال عبد الناصر فيما بعد كرائد للحركة الوطنية العربية والوحدة العربية(2).

ونظراً إلى أن الكواكبي لم يكن جاهلاً بتعدد المذاهب الفقهية وبالقطيعة بين السّنة والشّيعة، فقد دعا إلى تجاوز تلك الخلافات باستخدام “التلفيق” الذي يعني الاستئناس بمذاهب أخرى غير المذهب المُلْتَزَم به من أجل الوقوف على حلٍّ لمسألة دينية أو قضائية. وبُغْيةَ الحدّ من الارتباط بسلطة الفقهاء والعلماء اقترح الكواكبي إعداد مُدَوَّنةٍ خاصة بالعامة، بحيث يتمّ إحصاء الواجبات الدينية، والنوافل، والمحرّمات، والمكروهات. كما أوصى كذلك بتحرير قوانين خاصة بكل مدرسة فقهية، حيث يتمّ تحديد العبادات، والفرائض المستقاة من السُّنّة، والنوافل، والخطايا والكبائر، والأخطاء الطفيفة، والأفعال الواجب ردعها. وبُغْية رفع مستوى كفاءة العلماء، اقترح “حمل الحُكَّام على التعامل مع رُتبِ العلماء بنفس الطريقة التي يُتعامل بها مع رتب الأطبَّاء، بمعنى استحالة الممارسة الرسمية لمهام التعليم، والإفتاء، وإلقاء الخُطب، والإشراف الروحي على المؤمنين، إلاّ بالخضوع لامتحانٍ يُجْرى في المُدُنِ الكُبْرى“.

بعد أن اتّفق الممثلون الثلاثة والعشرون المجتمعون في مؤتمر “أم القرى” على أنّ أسباب الانحطاط تكمن في الجهل، واللاّمبالاة، والتشرذم المذهبي، وغياب أنظمة ديمقراطية قائمة على الشورى والتمييز بين ماهو دينيّ صرف وبين المسائل الاجتماعية والسياسية، عَمَدَ الكواكبي إلى طرح مسألة الحرّيات على لسان أحد الممثلين بهذه الصيغة: “إنّ مصدر الدَّاء هو ما نعانيه من نقص في الحرية… والحريّة تتبيّن لنا في أنْ يتكلم الإنسان ويتصرف حسب ما يبدو له، وهي تتضمن كذلك حرية التعليم، وحُرّية إلقاء المحاضرات، والطباعة، والقيام بأبحاث علمية. وهي، أي الحرية، تُنْتِجُ عدالة كاملة بحيث لا يخاف الإنسانُ شيئا من جبّارٍ أو مُضْطهِدٍ. وهي تؤدّي كذلك إلى ممارسة العبادة بكل أمان وإلى الشعور الداخلي بالأمان، وتحمي الكرامة والشرف، وتُحافظ على العلم ومحاسنه… إنّ الحرية هي أغلى نعمة عند الإنسان بعد الحياة”.

وبعد ذلك راح يصف بالتفصيل نوع الحكم الذي يجب على المسلمين أنْ يُقِيموه إذا كانوا يريدون أن يتخلّصوا من الاستبداد ومن الوضع المهترىء الذي وصلتْ إليه الخلافة المتمثلة في السلطة العثمانية : ” فهذا الحُكْمُ يجب أن يتجسّد فيه التمثيل السياسيّ للوطن، وليس تسلّط شخصٍ مع أتباعه. هذا الحكم يجب ألاّ يتصرف كما يهوى في الحقوق المادية والمعنوية للأمة، كما يجب ألاّ يسيطر على أفعال وأفكار المواطنين. إنّ مهامّهُ يجب أن ينصّ عليها الدستور، فالسلطة ليست للحكومة لكنها متعلقة بالأمة. وليس على هذه الأمة أن تطيع الحكومة طاعة عمياء. الأمة هي التي تقرر المصاريف الضرورية وتحدد الضرائب والموارد. للأمة الحق في أن تراقب الحكومة، والعدالة يجب أن تكون موافقة لما يراه القضاة وليس ما تراه الحكومة. ليس للحكومة حق التدخل في الدين ما لم يتم التطاول على قدرها. ولا بد من وجود نصوص واضحة تحدد مهام الموظفين، وصياغة القوانين من اختصاص جمعية مُنْتَخبة من طرف الأمة...”.

والمفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي لا يُحرِّض على قلب نظام الحكم العثماني بالقوّة، لكنه يطرح ثلاثة شروط مسبقة : أوّلاً، “إنّ الوطن الذي لا يُحسّ بالإجماع أو الأغلبية بالمعاناة الناجمة عن الاستبداد لا يستحقّ الحُرية“، ثانيا، “يجب ألاّ يُحارَبَ الاستبداد بالقوة، لكن بالحنكة وبالتدريج، فيجب تطوير الوطن في مجال الفهم والحصافة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلاّ بالتعليم“، ثالثاً، ” ينبغي قبل محاربة الاستبداد التفكير في إعداد النظام الذي يخلفه”.(3) وكان السلطان عبد الحميد المدعو بـ (الأحمر) قد قرر الحكم بالإعدام على كل من يساهم في توزيع كتب الكواكبي. ولا غرو، فهذا الأخير ، بالإضافة إلى آرائه الثورية، كان يرى أن الخلافة يجب أن تكون عربية لا عثمانية. كما أنه لم يتردد في التنديد بالمجازر التي ارتُكِبَتْ في حق الأرمينيين.

كان بن نبي يرى أن مشكلة الإطار المؤسساتي مشكلة ثانوية. ففي كتاب “فكرة كومنويلث إسلامي” طرح مسألة “الشكل المؤسساتي للإرادة الجماعية في العالم الإسلامي“، لكنه لم يُجازف بأية إجابة، إذ يقول: “إن مشكلة الخلافة يمكن أنْ يُنْظر إليها على ضوء المعطيات الحالية في العالم الإسلاميّ. ومَنْ يدري؟ فقد يتمكن الفقهاء من إعطاء تعريف جديد للإمامة آخذين بعين الاعتبار التشرذم السياسي والبُعد الجغرافي والاختلاف الجنسي في الأمة”. ذلك أنه كتب هذه الأسطر سنة 1958 في القاهرة، قريبا جدا من الأزهر الذي كان هو مستشارا فيه، فلم يكن لديه مفرّ من تقديم هذا التنازل بخصوص دور العلماء، بينما المعروف عن فلسفته في مجملها أنها ترفض مثل هذا التنازل. وعلى أية حال فقد التزم بن نبي الصمت بخصوص مسألة الخلافة بإحالتها على مؤتمر إسلاميّ على غرار ذلك المؤتمر الذي تخيّله الكواكبي.

وعلى خلاف بن نبي الذي فكّر وكتبَ في بلدٍ مُسْتعمَرٍ، عاش الكواكبي في إطار أخلاقي ، مؤسساتي وسياسي إسلاميٍّ، وهو الأمبراطورية العثمانية. كان يتوجه بكتاباته إلى النخب العربية المسلمة في عصره، وهي نُخب كان لها سابق تفاعل مع حركة النهضة، وهي تتمتع بحرية تعبير حقيقية. وقد أتيح له هو نفسه أنْ ينشر أفكاره في الصحافة السورية والمصرية وخاصة منها مجلة “المنار” الشهيرة التي أصدرها رشيد رضا. وكان مضمون كتاباته، مثل بن نبي، هو “أسقام المسلمين وعلاجها” كما جاء في عنوان مقال نُشِر له في مجلة “المؤيّد”.

إنّ ثورة الكواكبي إنَّما كانت ضدّ الاستبداد الذي اتخذ شكل فلسفة سياسية وتنظيم اجتماعي في البلدان الإسلامية منذ معركة صفِّين، إذ يقول:” لو أن الاستبداد الغربي كُتِب له أن يختفي يوماً، فستخلُفه حكومة ستعمل على إرساء مؤسسات تفرضها الظروف، أمّا الاستبداد المشرقي، لو اختفى فسيتبعه استبداد أكثر منه تصلُّباً. تلك هي الحال لأنَّ المشارقة لم يتعوّدوا أبداً على الاكتراث بالمستقبل القريب، فَهَمُّهم الأكبر هو ما سيكون بعد الممات“.

فالاستبداد إذاً ليس مجرّد نظام سياسيٍّ، لقد كان أشبه شيء بحالة نفسية عامة، أو حالة عقلية، أو استعداد ذهني، وهذا كله بسبب الفقهاء والعلماء الذين انبروا إلى إضفاء الشرعية عليه وتبريره في كتبهم وخُطبِهم وفتاواهم. يقول الكواكبي في مقارنته بين نظام الحكم المعمول به في البلدان الإسلامية وبين ذلك الذي أسسه الغربيون: “إنّ أهمّ شيء حققه التطور البشري هو تلك القوانين التي تشكِّل دساتير البلدان المنظَّمة تنظيما محكماً. فتلك البلدان تعتبر أنه لا وجود لقوة فوق قوة القانون، وتُسْنِدُ السلطة التشريعية للوطن، وبما أن الأمة لا يمكن لها الاتفاق على الخطإ، فهي تتيح للمحاكم محاكمة الملك والفقير على قدم المساواة، وهي تُنصِّبُ المسؤولين في الحكومة، وهم مدعوون إلى تسيير شؤون الوطن على نمط لا يسمح لهم بتجاوز الحقوق المتصلة بوظائفهم، وأخيرا فإنها تتيح للأمة إمكانية حراسة ومراقبة التسيير على يد حكومتها…”.

إنّ ما لاحظه بن نبي أنّ الأفغاني كان لديه تصوُّرٌ عاطفيّ حول الوحدة الإسلامية، ولذلك وجه له اللوم على عدم التخطيط لتحقيقها. أما الكواكبي فكان أول من فكر بوضوح ودقة فيما يجب أن تكون عليه وحدة الدول الإسلامية، وذلك أن تتّحد في فيدرالية يكون أعضاؤها دولا مستقلة وذات سيادة، إذ يتمّ تكليف كل دولة أو مجموعة من الدول بأداء دور مُعَيَّنٍ. ومما جاء في “أمّ القرى”: “إنّ المؤتمر، وبعد بحثٍ دقيق ودراسة مُعمَّقة للوضعية ومِزاج كل الشعوب والظروف المحيطة بها، والاطلاع على قدراتها، بعد كل هذا فإن المؤتمر قد قدّر أنَّ شبه الجزيرة العربية وسكانها يجب أن يتكفلوا بالسياسة الدينية… أما العناية بالسياسة، وخاصة منها الشؤون الخارجية، فيجب أن تُسْنَدَ للأترك. والإشراف على تسيير الحياة المدنية وتنظيمها، من الأحسن منحه للمصريين. أما تسيير الشؤون العسكرية فيجب أن يوضع تحت مسؤولية الأفغانيين والتركمان والكازاخستانيين والقوقازيين شرقا، والمغاربة وكذا سُكان إمارات إفريقية غرباً. أما إدارة الحياة العلمية والاقتصادية فأحسن من يتكفل بها هم الإيرانيون وسكان آسيا الوسطى والهنود والشعوب المجاورة لهم’’(4)

أمّا علي عبد الرازق الذي استفاد من بعض أفكار الكواكبي في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” (5)، فقد أدانه بن نبي دفعة واحدة متهما إياه “بالتراجع عن قيم الإسلام وأفكاره الأساسية  في انتقاده لمفهوم الخلافة“. وهو في كتاب “مشكلة الأفكار” (1971) الذي ورد فيه هذا الانتقاد، يُحِيل القارىء على كتابٍ لأنور عبد المالك (6)، وهذا ما يعني أنّ بن نبي يبدو أنه لم يقرأ كتاب علي عبد الرازق مباشرة بل قرأ ما قاله عنه أنور عبد المالك.

وُلِد علي عبد الرازق سنة 1888، وكان أبوه مُقرّبا من محمد عبده. كان يرتاد جامعة مصر التي أنشئت في تلك الفترة، ونال شهادة من جامع الأزهر. قضى عامين في أنجلترا. صار قاضيا في المحاكم الشرعية ابتداءً من 1915. في سنة 1923 صارت مصر مملكة دستورية بعد خروجها من الحماية الأنجليزية التي دامت ما يقارب نصف قرن. سنة 1924 ألغيت الخلافة في تركيا. وقد عبّر علي عبد الرازق عن رضاه بهذا الإجراء، على عكس موقف رشيد رضا. وبالاستناد إلى نص لابن خلدون راح علي عبد الرازق يبحث في موضوع الخلافة حتى وصل إلى نتيجة مفادها “ألاَّ أحد من علماء الدين الذين ادَّعوا أن مبايعة الإمام (الخليفة) واجب ديني، لا أحد منهم استطاع ان يأتي بآية قرآنية تدعم هذا الطرح. والحقيقة أنه لو وُجِد في القرآن الكريم نص واحد يُثْبِتُ هذا المنحى فإنّ علماء الدين لن يترددوا في إبرازه واستنباط أشياء كثيرة منه…”. فالخلافة عنده ليست واجبا مؤسساتيا، إذ لم يشرْ إلى ذلك لا القرآن ولا السنة: ” كانت الخلافة دوما، وهي لا تزال نكبة على الإسلام ومصدرا دائما للشر والفساد”.

وبعد أن نظر علي عبد الرازق في مختلف مظاهر رسالة النبي (ص)، وطرح هذا السؤال: هل كان النبي (ص) مَلِكاً ؟ أجاب قائلاً: ” لم يكن النبي إلاّ رسولا من الله كُلِّف بتبليغ دعوة دينية صرفة لا تشوبُها أية نزعة إلى السلطة، إنها دعوة لا يمكن تشبيهها بحملة تستهدف تكوين مملكة بالمعنى المقصود من هذا المصطلح عادةً… لم يكن ملِكا ولا مؤسس أمبراطورية، ولا حتى داعيا يلهث وراء تأسيس مملكة”. ويضيف أنَّ موسى ويوسف والمسيح لم يكونوا ملوكا كذلك. فهُمْ كانوا رُسُلاً من الله مثل محمد: “لو كانت إقامة الدولة مِن مهامّ النبي، فكيف يترك هذه المهمة في مثل هذا الالتباس إلى درجة أن المسلمين وجدوا أنفسهم في ظلام دامس حتى راحوا يقتتلون ؟ كيف لم يتطرق النبي لمشكلة خلافته على رأس الدولة، وكلّ المتحكمين في زمام الأمور في جميع الأزمنة والأمكنة يحرصون على معالجة هذه المسألة كأولوية الأولويات؟ وكيف لم يترك النبي للمسلمين ما يهتدون به في مثل هذه الحال؟ كيف يكون قد تركهم في هذا اللُّبْسِ التامّ الذي هيمن عليهم وكاد ان يودي بهم فورا إلى صراع دموي حتى قبل دفنه“.

إنّ الميزة الوحيدة التي تميّز محمدا (ص) عن غيره من الناس في نظر علي عبد الرازق هي كونه نبياًّ. والحال أن هذه الصفة لا تورث، وهي ليست بحاجة إلى خليفة. يضيف قائلاً: “إذا كان من اللاّزم تأسيس سلطة في أتباع محمد بعد وفاته، فكان يجب أن تكون من طراز جديد، وبدون أية علاقة بالسلطة التي كانت عند النبي. وغياب قيادة دينية بعد النبي شيء عادي ومعقول. كما يكون من المعقول أن تظهر سلطة من طراز جديد بدون أية علاقة بتبليغ الرسالة الإلهية ، وبدون أية سلطة على الدين، ليظهر بعد ذلك: حُكمٌ لائكيّ. ونظرا لكونها لائكية، فإن السلطة الجديدة لن تكون إلاّ سلطة زمانية أو (سياسية)، سلطة كتلك التي نجدها في أنظمة الحكم الزمانية ، وهي ليست بالسلطة الدينية. والواقع أن هذا ما حدث بالفعل بعد وفاة النبي. فقد أسس العرب دولة جديدة وحكما عربيا، بينما جاء الإسلام ليخاطب البشرية جمعاء، فهو ليس بالدين العربي ولا اللاعربي… أُسِّست دولة عربية لمساندة حكم العرب وخدمة مصالحهم وسمحتْ لهم بإخضاع بقاع واسعة من الأرض استعمروها واستغلوها بأتم معنى هاتين الكلمتين، تماما كما تفعل الشعوب القوية عندما تتوسم في نفسها القوة الكافية للشروع في الغزو والاستعمار“.

إنّ علي عبد الرازق يعرض في كتابه هذا طرحاً جديداً كلَّ الجدّة، لكنه طرْح مُقَدَّمٌ بطريقة علمية وشُجاعة. فهو يرى أن النبي لم يؤسس نظام حكم: “إن الإسلام هو رسالة من الله، وليس نظام حكم، وهو دين وليس بدولة… ولا داعي للبحث في القرآن عن إشارة صريحة أو ضمنية تدعم رأي المؤمنين بالطابع السياسي للإسلام… ولا داعي للبحث كذلك في الأحاديث...” . إنّ هذه الأطروحة تقطع دابر أولئك الذين كانوا يلوذون منذ زمن بعيد بِتَوَهُّمِ أنّ عودة الدولة الإسلامية الأولى هي الحلّ. فليس هناك أي نموذج جاهز ! وعلي عبد الرازق ينفي أن تكون المدينة المنورة دولة سياسية، فلم تكن سوى جماعة دينية: “إنّ الإسلام دعوة وجهها الله إلى الناس من أجل تحقيق الخير للعالم أجمع: مشرقاً ومغرباً، عرباً وعجماً، رجالاً ونساءً، أغنياء وفقراء، متعلمين وأميين. وقد أراد الله أن يقيم بواسطة هذا الدين وحدة روحية تشمل البشرية كلها وتجمع كل أصقاع الأرض. ولم يكن الإسلام على الإطلاق دعوة لصالح العرب، ولم يكن كياناً عربياًّ ولا دينا عربياًّ… إن هذه الوحدة العربية التي قامت زمن الرسول لم تكن وحدة سياسية مهما كانت زاوية النظر التي ننظر منها. لم يكن يبدو على تلك الوحدة أي مظهر من المظاهر الخاصة بالدول والحكومات. ولم تكن شيئا آخر غير جماعة دينية متطهرة ومتخلصة من أوشام السياسة. إنها الوحدة في العقيدة والمذهب الديني، وليست وحدة حكومية حسب تصورات حكم زمانيٍّ “.

إنّ ذكاء علي عبد الرازق وجرْأته في معالجة مسألة الخلافة والدولة الإسلامية لم يسبقهما نظير، وهذا ما بُفسِّرُ القهر والإقصاء اللذين سُلِّطا عليه سواء أكان مِن قِبَلِ الأسرة المالكة في مصر أو مِنْ قِبَلِ السلطة الدينية. لقد قام هذا الشيخ بإزالة الهالة الأسطورية والقداسة على مفهومٍ فرضَهُ معاوية، ومن خَلَفَهُ من الأمويين والعباسيين والعثمانيين، على الفكر والثقافة الإسلامييْن. وفي هذا الشأن كتب يقول:  “إننا نرى إذاَ أن لقب الخليفة هذا، وكذا الظروف التي رافقت استخدامه، كانت هي السبب في الخطإ الذي شاع بين جمهور المسلمين، والذي جرّهم إلى اعتبار الخلافة وظيفة دينية وإسناد مرتبة النبي ذاته إلى مَنْ يتولّى السلطة… وكان من مصلحة الملوك أن يُشيعوا مثل هذا الوهم في الشعب بغرض استخدام الدين كوسيلة للدفاع عن عروشهم واضطهاد معارضيهم. لقد عملوا في هذا الاتجاه بدون هوادة بمختلف الطرق إلى حدّ تلقين الإيمان بأن  طاعة الحُكَّام تُعادل طاعة الله، والتأليب ضدهم هو تأليب ضدّ الله… ولم يكتفوا بهذه النتيجة… بل إنهم جعلوا من المَلِكِ ممثِّلاً لله على الأرض، وهو ظِلُّه بين ظهراني مخلوقاته… وبعد ذلك تمّ إلحاق نظام الخلافة بالدراسات الدينية، ووُضِع في نفس المرتبة مع تعاليم العقيدة، وراح يدرسه المسلمون مع دراسة سلطات الله، ثُمَّ أصبح يُلقّنُ مثلما تُلقّنُ الديانة الإسلامية. تلك هي الجريمة التي ارتكبها الملوك، وتلك هي نتيجة تسلُّطِهم الاستبدادي: فباسم الدين أضلُّوا المسلمين، وباسمه أخفوا عنهم سُبُل الحقيقة، ومنعوا عنهم نور المعرفة. وباسم الدين كذلك مَلَكوا المسلمين وأذلّوهم ومنعوا عنهم التفكير في المسائل المتصلة بالسياسة. لقد شتتوهم باسم الدين وخلقوا مختلف أنواع العراقيل في وجه النشاط الفكريّ، إلى درجة منعهم من اكتساب أي نظام مرجعي خارج الدين، حتى في القضايا الإدارية الصرفة… وكل هذا أدى إلى قتل طاقات البحث الحية وطاقات النشاط الفكري بين المسلمين. فقد أصيب المسلمون بالشلل في التفكير السياسي والبحث في نظام الخلافة والخلفاء… والحقيقة أن هذه المؤسسة التي اصطلح المسلمون على تسميتها بالخلافة هي مؤسسة أجنبية تماماً عن دينهم، وكذا التشريفات، والسلطة، والإغراءات والتهديدات التي أحاطتْ بها”.

لقد بيَّن علي عبد الرازق الأسباب الحقيقية في تأخر العرب بعينٍ بصيرة وبشَجاعة، وذلك بزمنٍ طويل قبل أن تدُقَّ ساعة الإصلاحات في العالم العربي. ومع أنه كان هو نفسه عالِماً وقاضيا في محكمة إسلامية، فقد تمكّن، وبطرق لا نعرفها، مِنْ الانفلات من قهر الثقافة الإسلامية وأنْ يرتفع بعقله إلى مستوى الحلول التي لم يتمكن العرب إلى اليوم مِنْ حسم أمورهم بشأنها. كانت شجاعته فوق ما يُتَصَوَّر، إذ ختم كتابه بهذه الدعوة المُلِحَّةِ: “لا وجود لأيِّ مبدإٍ دينيٍّ يمنع المسلمين من منافسة الأمم الأخرى في العلوم الاجتماعية والسياسية كلها. لا شيء يمنعهم من هدم هذا النظام المهْتَرِىءِ الذي أذلَّهم وأنامهم تحت قبضته. لا شيء يمنعهم من تأسيس دولتهم ونظام حكمهم على أساسِ آخِرِ الإبداعات التي وصل إليها العقل البشريّ وعلى أساس الأنطمة التي ثبتتْ صحّتُها والتي تدلّ تجاربُ الأمم على أنها هي الأحسن”. ولم يدْعُ علي عبد الرازق إلى اللاّئكية كما ظنّ بن نبي، لكنه أراد أنْ يُبيّنَ أنَّ فصل الدين عن السياسة أمْرٌ تنصُّ عليه غايات القرآن الكريم.


مراجع

1) (محمد القدّيس (Mohammad le saint)

2) عن جان دايا Jean Daya : “فصل الدين عن الدولة”، دار النشر Sourakia House ، لندن 1988. وسعد زغلول والكواكبي: (عبد الرحمن الكواكبي: السيرة الذاتية) دار النشر بيسان، بيروت 1998.

3) عن ن. تابييرو N.Tapiero ، مرجع سابق.

4) عن ن. تابييرو N.Tapiero.

5) مرجع سابق.

6) عن ( مختارات من الأدب العربي المعاصر Anthologie de la littérature arabe contemporaine )، دار النشر Seuil ، باريس 1965.

7) ” لقد تحوّل الحكم إلى مملكة، مع المحافظة على غايات مؤسسة الخلافة فيما يتعلق بالالتزام بالدين ومذاهبه والعمل حسب الحقيقة. ولم يمسّ التغيير إلاّ الحوافز التي تحولت إلى عصبيّةٍ وتقيّدٍ بعد إذْ كانت دينية. تلك كانت الحال في خلافة معاوية ومروان وابنه عبد الملك عند الأمويين، وبعد ذلك استمرت الحال على عهد العباسيين إلى خلافة هارون الرشيد… ثٌمَّ اختفت غايات الخلافة ولم يبق منها إلاّ الاسم. وصار الحكم مملكة صرفة، إذ أُطْلِق العنان لاستخدام التقيّد والبحث عن الملذات…”  (مقدمة ابن خلدون).

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: