فكر مالك بن نبي (29) الاقتصاد والحضارة

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

أيمكن لنا اعتبار آراء بن نبي في الاقتصاد، والتي عَرَضَها في أعماله، كعناصر مُكوِّنة لنظرية اقتصادية ؟ لم يغلب ملمح رجل الاقتصاد ولا عالم النفس، ولا المؤرخ ولا عالم الاجتماع، ولا الفيلسوف ولا الجيوسياسي على شخصية بن نبي، فقد كان يجمع بين كل هذه التخصصات، شأنه في ذلك شأن كل أولئك الذين نعترف لهم بصفة مُفَكِّر. إنّنا بإزاء فِكْرٍ شامل: اجتماعي، نفسي، سياسي واقتصادي… و حصيلة كل هذه الأجزاء تعطينا فلسفة التاريخ عند بن نبي. إنه لم يفكِّر في الإقتصاد كعِلْمٍ، لكنه نظر إلى العامل الاقتصادي باعتباره عنصراً حيوياًّ في ازدهار الحضارة. وبما أنه انكبّ على دراسة حياة المجتمعات فلم يكن بوُسْعه أنْ يُهْمِلَ المظاهر الاقتصادية التي تلعب فيها دورا أساسياًّ. وإذا كان بالإمكان تعريف النظرية كنموذج تفسيريٍّ، صار بإمكاننا أن نتكلّم عن نظريةٍ للتطور عند مفكرنا.

إنه من غير الممكن أن نفصل فكر بن نبي عن حياته. وقد فرضَ الهاجِسُ الاقتصاديُّ نفسه عليه كشرطٍ أساسيٍّ في مسار النهضة. فكان مهتمّا بقضية الأراضي في الجنوب الغربي الجزائري منذ سنوات شبابه الأولى، بدليل أن هذا الموضوع كان هو سبب زيارته لابن باديس سنة 1928. وبعد ذلك بأشهر قليلة شرع في المغامرة الإستثمارية بمدينة تبسة، لكن أزمة سنة 1929 جاءت لتوقف مسيرته. وبعد ذلك اتجه إلى فرنسا من أجل متابعة دراساته العليا. ولمّا أنهاها عاد إلى تبسة حيث شارك في الأنشطة الاجتماعية والسياسية بهذه المدينة. وفي هذا الإطار قدّم محاضرةً حول التصحُّر سنة 1937، لأنّ الظاهرة لفتتْ انتباهه وأثّرتْ فيه منذ كان طفلاً يتنقل بين قسنطينة وتبسة.

وكان هدفه من تلك المحاضرة هو حمل المُزارعين في المنطقة إلى تكييف أنواع فلاحية أكثر مردوديةً من زراعة الحبوب، واقترح عليهم حلولا أخرى مثل زراعة التين البربري المعروف باسم (الهندي). وفي ذلك يقول: “ان هذه الشّجيرة تؤتي مردودها طيلة ثلاثة إلى أربعة أشهر في السنة. وهي لا تصلح غذاءً للإنسان وحده، بل حتى للحيوانات، إذ تُوفِّر لها علفا جيدا. وإضافة إلى ذلك فإن كون دورة نمو هذه الشجيرة سريعة يتيح إمكانية توفير مصدر غذاء للسكان المهددين بالمجاعة، وهذا في ظرف أربع سنوات من المجهود فقط”. وهو يُعْلِمُ المستمعين المندهشين لطرحه بأن هذه الزراعة يمكن أن تفتح الباب لظهور صناعة تتمثل في عصر (الهندي) لاستخراج الكحول الإتيلي  “الذي يمكن تصديره كما هو، كما يمكن تحويله إلى أيثر سولفيريéther sulfurique ’’.

ويؤكّد للمشاهدين المتعجبين انه أجرى التجربة بنفسه. ثُمّ يقترح إلى جانب ذلك محاولة جلب حشرة الصبغ الأحمر التي تعيش على التين البربري،  ” فالمنتوج الذي يُجْنى من هذه الحشرة مُرْبِحٌ جِداًّ، لأنها توفر الصبغ الأحمر (كارمين) الذي يبلغ سعره بضعة عشرات من الفرنكات للكيلوغرام الواحد’’. كما يقترح إمكانية أخرى كذلك: الصَّبَّار الذي يوفِّر مادة ثمينة، وهي الألياف ” التي يكون مردودها في الهكتار أحسن من القمح بالتأكيد” . لكنه بعد هذا بسنوات يسجل متذكِّراً أنه ” لم تكن مِنْ وسيلةٍ بين يديَّ غير يَقينِي بما أقول لإقناع المستمعين إليَّ… ذلك أنهم كانوا يتلقون خطابات حول حقوقهم، وأنا كنتُ أُحدِّثهم عن الواجبات، ويسمعون كلاما عن الانتخابات، وأنا كنتُ أُحدِّثهم عن العمل’’.

وفي سنة 1938 كان في مرسيليا يُعلِّمُ بعض العُمَّال الجزائريين. وقد نشرت إحدى الصحف حملة ضد ارتفاع أسعار الخرشوف المستورد من الجزائر. وكانت الصحيفة تقصد إقناع الفرنسيين بأن عمال الموانئ في الجزائر هم السبب في ذلك بتدنّي مردودهم الذي أثّر على ارتفاع أسعار الكُلْفة. وكإجابة عن ذلك كتب بن نبي رداًّ وأرسله إلى الصحيفة التي لم تنشره طبعاً. وهذه الحادثة أشار إليها في مقال كتبه سنة 1953، حيث ينتقد الاحتكار المطبق في النقل البحريّ على أيدي المعمِّرين في الجزائر:  ” يمكن أن نلاحظ خلال سنة 1938 نفسها مؤشرا آخر على احتكار النقل البحري المسلط على المعيشة في الجزائر بصفة سلبية. فلحوم الخيل بدأ استقدامها من الجزائر منذ تلك الفترة. كان ذلك كفيلا بتنشيط الإنتاج الجزائري الخاص بتربية الخيل في مصلحة المربّين الجزائريين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يؤدي ذلك إلى تنظيم الأسعار في السوق الفرنسية الداخلية في صالح المستهلك الفرنسي. والحال أن هذه الفائدة المزدوجة امْتُصَّتْ باحتكار النقل البحري. فالذي حَدَثَ هو تصحيح آلي لتسعيرات النقل، مما أدى إلى امتصاص الهامش في الأسعار بطريقة رياضية بين ضفتي البحر المتوسط. وهنا لم يكن بالإمكان تحميل عمال الموانئ الجزائريين مسؤولية ارتفاع أسعار البيف تاك، ذلك أن تحميل الحيونات على ظهر السفينة لا يتطلب تدخل هؤلاء العمال “.

عندما ظهر كتاب  ” شروط النهضة ” سنة 1949، كان من المتوقع أن يُخصص بن نبي لمسألة الأرض حيِّزًا واسعاً:  ” إن حالة الأرض في أيِّ بلدٍ تابعة لحالة الإنسان، فإن كان متدهور الحال تدهورت الأرض. والأرض الجزائرية متدهورة بسبب تدهور حالنا. فالصحراء تزحف، والأراضي التي كانت في الماضي خصبة وبها مراعي ممتازة أصبحت اليوم عبارة عن كفن من الرمال التي كانت في الماضي تتوقف قبل مدينة تبسة جنوبا، وصارت اليوم تغطيها وتتقدم إلى أبعد منها شمالاً بـ 50 كلم… في مثل هذه الظروف يمكن أن تتحول الجزائر العاصمة نفسها بعد قرن أو قرنين إلى واحة تُحيط بها بعض أشجار النخيل… وسبب كل هذا بالأساس هو تعرية الأراضي من الأشجار بوتيرة سريعة خلال العشريات الأخيرة. واختفاء الغابة من الشمال الإفريقي قصة قديمة بدأت مع الرومان. وعلى وجه التحديد منذ عهد الكاهنة التي حوّلتْ المناطق الجنوبية من هذه البلاد إلى أرضٍ محروقة… وللمشكلة علاقةٌ بالطقس. فقد قلّت الأمطار وصار الجفاف يُحْرِق الرمال. ومن هذين السببين تولد الصحراء القاحلة. وبطبيعة الحال فليس هناك غير حل واحد لهذه المشكلة، وهو: التشجير. كان بالإمكان أن يوجد هناك حل آخر لو أن البلدان المتحضرة لا تستعمل العلم من أجل التدمير بل من أجل تحسين ظروف الحياة. وبالفعل كان بالإمكان أن يوجد حلّ علميٌّ صِرْفٌ مأخوذ من اكتشاف الطاقة الذرية الداخلية l’énergie intra-atomique. ويكون ذلك باستغلال الـ 24.103 مليار من الحريرات التي يحتويها كل غرام من المادة، ليس في نسف مدنٍ بكاملها، بل في التبخّر الاصطناعي لمياه البحر. والتقنية الحالية بإمكانها أن تحلّ المشكلة، وذلك بأن تُساق السحب الاصطناعية وتُكثَّف في المكان المقصود باستعمال قوة الرياح بجانب عملية كيماوية. لكننا بعيدون عن كل هذا: فتفكيك الذرة مُستعمل في فن الموت، وليس في فن الحياة. تبقى إذاً طريقة واحدة، وهي التشجير. وفي هذا المجال لا بدّ أن نُغيّر الذهنيات. فهل يُمكِن أنْ تُقبَلَ في الجزائر فكرة غرس مئات الآلاف من الأشجار؟ “.

وقد قامت جريدة La République algérienne بنشر مضمون هذا الفصل تحت عنوان ” الجزائر تحت تهديد الصحراء” L’Algérie devant la menace du désert) (2). ليعود بن نبي إلى هذا الموضوع سنتين بعد ذلك في مقال بعنوان “مشكلة الأرض الجزائرية Le problème du sol algérien)(3)، حيث يقول:  ” يجب تكييف الزراعات بشكل أحسن مع الأرض… فالأجيال السابقة من المزارعين كلها اشتغلت لحدِّ الآن بزرع القمح والشعير. لكن هذه الزراعات تناقص مردودها، بل وللتدقيق صار كارثياًّ. فالأرض والمناخ في الجنوب القسنطيني كله، وخاصة تبسة،  لم يعودا قادرين ولا مستعدّين لإنتاج القمح والشعير…’’(4). وبعد ذلك بعام واحد شارك ابن نبي في نقاش أتاح له فرصة عرض مواقفه مُجَدَّداً(5). وعاد إلى هذا الموضوع ثانيةً في مقال تحت عنوان  ” من أجل إحياء حقيقي للأرض الجزائرية” Pour une véritable régénération du sol algérien)(6)، حيث ينتقد جمود المصالح الاستعمارية.

وبعد الإستقلال عاد إلى هذا الموضوع ليدعو إلى التعاون بين البلدان المغاربية في مشروع إعادة التشجير، واقترح  ” العمل على ربط الصلة بين بعض مناطق الضغط المنخفض في الجنوب الجزائري والبحر المتوسط عبر شطوط الجريد “، وضرب مثالا بصحراء كارا كوروم في جنوب الاتحاد السوفياتي ” التي تمّ تحويلها إلى حديقة “(7). وفي آخر كتبه الذي عنوانه (المسلم في عالم الاقتصاد) أعاد تقديم النصيحة التي قدمها في (النزعة الأفروآسيوية)، وذلك للاهتمام بأفكار أحد المختصين الفلاحيين الروس، وهو تيرينس مالتساف Terence Maltsev  حول كيفية استغلال الأراضي القاحلة أو شبه القاحلة ” وهذه الحالة تنطبق على أراض شاسعة في العالم الإسلامي، وعلى طبيعة الأرض في شمال إفريقيا “.

وقد تأكدتْ مخاوف بن نبي ونبوءاته بشكل واسع. فالمساحات الصالحة للزراعة في الجزائر اليوم تقدّر بـ 8.5 مليون هكتار من إجمالي ترابها المقدر بـ 238 مليون. وإذا كانت هذه المساحات الصالحة في 1962 تُقدَّر بـ 0.87 هكتار للفرد الواحد، فهي سنة 2000 تقدر بـ 0.25 هكتار، وستنزل إلى 0.15 سنة 2020 حسب توقعات الخبراء. أما عن نسبة التشجير فهي 1.5% . وللمقارنة، ففرنسا ذات المساحة المقدرة بـ 550000 كلم2، أي أقل من مساحتنا بـ 4.5 مرات، تتمتع بمساحة صالحة للزراعة تقدّر بـ 29 مليون هكتار، أي 54% من مساحتها الإجمالية.

وبعد عامليْ الإنسان والأرض، انكبّ بن نبي على دراسة العامل الثالث وهو الزمن الذي وجد فيه قيمة حضارية واجتماعية. وممّا جاء في ” شروط النهضة “: ” الزمن نهر قديم يشقّ العالم. فهو يمرّ عبر المدن ليغذّي اجتهادها بطاقته الأبدية أو يسلّيها في أوقات فراغها التي تمرّ سُدى. والزمن يُسْبِغ على مجال كل شعب وكلّ كائن من ساعاته الأربع والعشرين التي تمر كل يوم. لكنه يكون كـ(المال) في قومٍ، ويكون كـ (العدَم) في قومٍ آخرين. يمرّ الزمن ويدخل في التاريخ بالقيمة التي يُضْفيها عليه اجتهاد كل شعب… وفي الجزائر عندنا فكرة عن ذلك الشيء الذي نسميه (مُدّة) والذي يدخل في العدَم. لكننا لم نكتسبْ بعْدُ مفهوم الزمن الذي يدخل في التاريخ… إنّ الذي ينقصنا بشكل رهيب هو معنى المردودية والفعالية، أي معنى الحياة المعاصرة ” .

ورغم الوجود الإستعماري فإن بن نبي كان يسعى إلى عقلنة استغلال الإمكانيات الاقتصادية المتوفرة في الجزائر، وهو يطرح مشكلة رأس المال بقوله:  ” إنّ المال الوفير مِلْكٌ لشخصٍ. لكن هذا المال لا بد له من المميزات الديناميكية الخاصة برأس المال… ذلك أن رأس المال مِلْكٌ متحرِّكٌ بالأساس، وهو متجه إلى الاتساع لأنه ينمو خارج مجال اختصاص الشخص الواحد، ويمتدّ إلى أبعد من احتياجاته… والمشكلة المطروحة في الجزائر لا تتمثل في وفرة المال، بل في حركته… والأمر لا يتعلق بتوجيه (الأموال الطائلة)، بل باستعدادات الشعب المُراد تغيير صبغته الإجتماعية، وذلك باستثمار تلك الأموال في المشاريع الكفيلة بتحريك الأموال وخلق فُرِصِ الشُّغل. وعلى أيٍّ، فبإمكاننا ـ بفضل ما لدينا من دراية بالتجربة الأوروبية ـ أنْ نتفادى تجاوزات الرأسمالية ونتائجها الوخيمة، وذلك بالعمل على تكريس الطابع الديمقراطي للمال الجزائري أوَّلاً وقبل كل شيءٍ “.

والظواهر الحضارية عند بن نبي هي ظواهر ذات طبيعة طاقوية، وما التاريخ إلاّ تحقيق لحالات نفسيّة. وهو يقول في “وجهة العالم الإسلامي”: ” إن الإنسان في مرحلة الحياة النباتية بإمكانه أن يتكيف بأقل جهدٍ. فإذا أراد أن يُواجه البرد مثلاً، سعى إلى المحافظة على حُرَيْراتِهِ والتقليل من إنفاقها قدر المستطاع، وعليه فهو يبذل أقلّ قدر من الحركة بالتقوقع على نفسه. وإذا أراد أنْ يُواجه الجوع مدّ يده إلى ما تتكرم به الطبيعة تلقائيا:، فيأكل الجذور مثلا. إنها مرحلة نتكيف فيها بنوع من الجهد الثانوي. أما في مرحلة الحياة النشطة فإن الإنسان يكون على نقيض ما سبق لأنه يتكيف بجهد جهيدٍ، إذ يُنظِّمُ نفسه: فلمواجهة البرد عليه أن يُعِدَّ نظاما متكاملاً للتسخين، وإذا عزّ عليه ذلك في بعض الأحيان، فهو يتصرّف بطريقة مُغايرة، وذلك بإنفاق الحُرَيرات والقيام بحركات. ولسدّ حاجته إلى الغذاء يسعى إلى تكييف الأرض تقنياًّ بعد أن كان يأخذ منها غذاءه بدون مقابل في مرحلة الحياة النباتية. والحال أن هذا المرور من الحياة النباتية إلى الحياة النشطة هو الذي يمثل بداية الحضارة أو النهضة “. وبن نبي يُفسِّر التأخُّرَ بالظاهرة الطاقوية في قوله:  ” إنّ الضغط المنخفض في الفيزياء لا يمكن أن يُوَلِّدَ الإنارة، بل إنه يتسبب أحيانا في انطفاء المصباح. إذاً، فلا بُدَّ من توفُّر قدر مُعَيَّنٍ من الفولتات للحصول على نتائج معيّنة “.

ولكي يكون للفعل الاجتماعي أثره في الفرد لا بدّ أن يكون له إسقاط في شكل فعلٍ ذهنيٍّ. وإذ يتفق في هذا مع شبنجلر الذي يرى أن  ” كل حياة اقتصادية هي تعبير عن حياة ذهنية ” ، فإن بن نبي يرى أن الإقتصاد هو أولا وضعٌ نفسيٌّ، ذلك أن الأفكار على مستوى وطنٍ ما يكون وزنُها على الاقتصاد أكثر من العوامل المادية أو المالية، ويسجل ذلك بقوله: ” إنّ التعديلات ذات الطابع النفسي هي التي تجعل التعديلات الإقتصادية والسياسية تطفو على سطح الحياة الإجتماعية. فالوضع النفسي يسبق الوضع الإجتماعي ويؤثر فيه “.

والإقتصاد بعد ذلك سياسة مُعَدَّةٌ لكي تؤدي إلى حركية عِمادُها  أولويةُ الإنتاج على التوزيع وأولوية الواجب على الحق: ” إنّ السياسة التي لا تُحَدِّث الشعب عن واجباته، بل عن حقوقه فحسب، ليست سياسة بل هي ميثولوجيا أو تخريف مُظْلِمٌ. إنّ التطور، وكذا الإنجازات التاريخية الكبرى، تستعصي على الذين لا يحملون فكرة، أو مهمة، أو ’’حرارة’’ (بالمعنى الترموديناميكي الذي بموجبه لا وجود لـ ’’عمل’’ بدون ’’حرارة’’). تلك هي العوامل التي تقف وراء المعجزات الاقتصادية والنجاحات الاجتماعية. يقول بن نبي: ’’ ليس الإقتصاد قضية تأسيس بنوك وبناء مصانع فحسب. إنه أولاً وقبل كل شيء تكوين الإنسان وإيجاد موقفه المتجدد إزاء كل المشكلات… بالرغم من كون الإقتصاد صادراً عن العقل المُنَظِّر، فهو تجسيد مادي للحضارة “.

كان بن نبي في أصل تكوينه مهندسا في الكهرباء، لكنه صار متخصصا في علم الطاقة بفضل أفكاره التي يقول في إحداها:  ” إن قانون التبادلات الذي يتحكم في الحياة الاجتماعية لا يُخْتَزَلُ في مخطط بسيط للتوازن بين الإنتاج والاستهلاك: فمثل هذا التوازن يمكن أن يكون مُميتاً لأنه لن يتيح إلاَّ إمكانية استعمال المنتجات مِنْ دون أي نموٍّ في القوى المُنْتِجة. وأكثر من ذلك فإن مثل هذا التوازن لا يمكن حتى تصوُّرُه وقبولُه، وهذا هو معنى مبدإ كارنو Carnot في الترموديناميك الذي بمقتضاه لا تظهر الطاقة إلاّ إذا كان التَّمْكين، أي عملية تخزين للطاقة تؤدّي إلى تناقص في التَّمَكُّن، مثل الفرق بين درجتي حرارة في آلة حرارية، أو الفولتاج في آلة كهربائية. فما دَأَبْنا على تسميته بـ (الاحتياج) ينبغي اعتباره تناقصا في التمكّن على مستوى الطاقات الاجتماعية’’ (“وجهة العالم الأسلامي”)

إن العوامل التي تعتمد عليها الحضارة، أي (الإنسان، الأرض والزمن) يتم تحويلها إلى عوامل إنتاج. وبالإضافة إلى هذه العوامل الموضوعية، هناك عامل ذاتي ذو طابع نفسي وفكري، وهو الذي سيلعب دورا نشطاً. والحافز ليس هو “K”، أي (رأس المال)، بل هو “i”، أي (الفكرة). وهكذا يذوب الاقتصاد في نظرية للحضارة:  ” إن النظام الاقتصادي يهتدي بالقوى المعنوية التي تعطيه دلالة إنسانية وغاية تاريخية “. وانطلاقا من ذلك، فإن التعريف الذي أعطاه بن نبي للتأخّر لم يعُدْ تعريفا اقتصادياًّ، لكنه تعريف نفسي واجتماعي بالأساس:  ” إنّ التأخّر ليس إلاّ مظهراً واحدا من مشكلة الإنسان الذي لم يتعلّم كيفية التوظيف الفعَّال لوسائله القاعدية (الأرض والزمن)، أو أنه فَقَدَ تلك الكفاءة، مع تسجيل أن فعالية الإنسان هي التي تحدد مدى فعالية العوامل الأخرى. فالحدَّ من عدم فعالية الفرد هو إذاً حدٌّ للتخلف في المجتمع. ونتيجة لذلك فإننا عندما نُوازي بين التقدم والتخلف على المستوى الجماعي، أو بين الفعالية وعدم الفعالية على المستوى الفردي، ففي ذلك مقارنة للمستويات الثقافية بين ثقافة من جهة، وبين شيء ما يمكن اعتباره لا ثقافة من جهة أخرى ( هذا لكي نبقى أوفياء لمنهج التنظيمsystématisation الذي تبنّيناه)’’ (عن ” آفاق جزائرية “).

وعندما كتب مفكرنا ” النزعة الأفروآسيوية ” سنة 1956، خصص فيه فصلاً لـ ’’مبادئ الفعالية في اقتصادٍ أفروآسيوي’’، وفيه يعطي نفس التأويل لظاهرة التأخّر لدى الشعوب الأفروآسيوية: ” إنّ الحالة الإقتصادية في البلدان الأفروآسيوية لم تحْظَ بالتطور الذي حظيتْ به في بلدان الغرب، إنْ على مستوى العقل الباطن أو على مستوى حياة الإنسان المتحضر. فالإقتصاد في الغرب صار بالفعل، ومنذ قرون، قاعدة أساسية من قواعد المجتمع، ومعيارا رئيسيا في تنظيمه. أما في المشرق فقد بقي الإقتصاد في المرحلة الطبيعية غير المنظمة. فالمجتمع الشرقي لم يشعر في أعماقه بالحاجة إلى تأسيس نظرية اقتصادية، كما فعل الغرب، على غرار الرأسمالية والشيوعية. لم يشعر المجتمع الشرقي بهذه الحاجة بسبب حالة نفسية خاصة متشبثة بعقلية الزهد منذ قرون…”.

إنّ النظرية الإقتصادية الكلاسيكية مبنية على فكرة قاعدية تسمى (هومو إيكونوميكوس homo oeconomicus )، وهي حالة أوجدَتْها الطبيعةُ وبرمجَتْها لكي يسعى الإنسان إلى تحقيق سعادته بالحصول على المكاسب والأرباح.  وهذه الفكرة نفسها مشتقة من الفلسفة الإنسانية التي كرّستها النهضة في عودتها إلى الفكر القديم ووضعها الإنسان في بؤرة كل الإنشغالات. والحال أنّ هذه النظرة إلى الكون، والتي تمخضتْ عنها التيارات المادية، هي نظرة خاصّة بالغرب. فهذه النزعة المادية وهذا الميل إلى إرجاع كل شيء إلى الأرض، لن تعرفه حضارات الشرق الأوسط ولا حضارات الشرق الأقصى. ومع أنّ الفلسفة الديكارتية حاولتْ أن تجد وفاقاً بين العقل البشري و المبدإ الإلهي، فقد سبقتْها النزعةُ المادية والعقلية، والنزعة الإيجابية  positivismeهل الترجمة صحيحة؟ ، وكذا الماركسية.

جاء في الفقرة الأولى من مقدمة كتاب  “مشكلة الثقافة  ” “إنّ مختلف المشاكل التي دأبْنا على تصنيفها ضمن مصطلح (التخلف) هي في الواقع تعبيرات مختلفة لمشكلة واحدة تُطْرَحُ في كل بلدٍ متخلِّفٍ، إنها مشكلة الحضارة، شريطة النظر إلى هذه الكلمة من زاوية نظر محصورة، وأقصد بذلك أن تكون نظرتنا أقلّ تعميما من المفهوم الذي تعطيه لها الأنثروبولوجيا (علم الإناسة). وبعبارة أخرى فإن الحضارة ليست هي كل نوع من التنظيم في حياة الإنسان في أي مجتمع، لكنها شكل خاص ومُمَيِّزٌ للمجتمعات المتقدِّمة “. وكأنّ الصحافة الصادرة في شهر جوان 1958 أرادت أن تُزكِّي نظرته في تلك الاعتبارات، فقد نشرَتْ مقالاً حول المجاعة جاء فيه أن 18 حالة مجاعة من المجاعات التي تمّ إحصاؤها في التاريخ البشريّ ـ وعددها 34 ـ قد سُجِّلتْ في الهند، وآخرها كان سنة 1943 حيث بلغ عدد ضحاياها في البنغال وحدها مليونيْ ضحية استسلمتْ للموت دون أن تمتد أفواهها إلى أكل لحوم البقر. وقد سجل بن نبي في دفاتره ما يأتي: “إن هذه الملاحظة الثانوية تُبيِّنُ مدى صحّة الطرح القائل بأن العامل الاقتصاديّ لا يفسِّر التاريخ كله كون أنّ الجوع نفسه يٌقاوِمُ لدى الفرد بفضل آلية نفسية تتمرّد على كل القوانين الاقتصادية “.

وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت نظريات تطوُّريّةdéveloppementalistes  لتحصُر ظاهرة التطور في مسألة عوامل الإنتاج. وكانت الفلسفة السياسية الماركسية هي التي هيَّأت الطريق لهذه المقاربة خاصة وأنها كانت تبدو مؤكِّدة لفعاليتها في الإتحاد السوفياتي. وكان الإعتقاد سائدا بأنه يمكن الإكتفاء بكفاءة الخبراء. ولم يهتم بعض المُثقفين والإقتصاديين بدور الثقافة والحالة النفسية في إشكالية التطور إلاَّ بعد أن لاحظوا فشل تلك المقاربة الآلية. وكان بن نبي من بين الأوائل في هذا النهج الجديد. فعندما نظر إلى إعادة بناء ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية في آجال قصيرة جداًّ، لمْ يُؤمن بأن “مخطط مارشال” هو صاحب الفضل في ذلك، بل رأى أن الفضل يعود إلى حيوية الثقافتين الألمانية واليابانية. ولكي يُقوِّي رأيه راح يستشهد مراراً في مقالاته ومحاضراته وكتبه بنموذج الدكتور شاخت Schacht الذي، وبعدَ أنْ كان وراء الإنتعاش الإقتصادي في ألمانيا بين الحربين العالميتين، لم يتمكن من تحقيق نفس النتائج في أندونيسيا التي دُعِيَ إليها في وقتٍ كان فيه هذا البلد يتمتع بأحسن العوامل الزراعية والمنجمية.

ويقول بن نبي عن الإنبعاث الإقتصادي السريع والمُدْهِشِ في ألمانيا:  ” إنَّ ثقافة بلدٍ ما أقوى مِنْ عدد الآلات المتوفرة في كونها المقياس الوحيد لمستوى تحضُّره. فألمانيا لم تبق لديها آلات ولا ماركات ولا دولارات، ولا حتى سيادة وطنية في سنة 1945. لم يبق لديها إلاّ رأس مال واحد لا يطاله الدَّمار. فقد عجزت القنابل الفوسفورية والدبابات عن نسف ثقافتها. إنني لا أقول (عِلْمها) ولا (تقنيتها) اللّذيْن هما من بين الطلاسم التي تُشوِّهُ مفهوم (الثقافة) بإخضاع هذه الأخيرة لسلطة المدرسة أو المصنع. ذلك أنه في الواقع ليس العالِم ولا التقني هما اللَّذان أعادا بناء ألمانيا بعد 1945. فمعظم أولئك العلماء والتقنيين، مثل فون براون Von Braun، قد أخذهم الأمريكان والسوفيات كغنائم حرب. إنَّ الذي أعاد بناء ألمانيا هو روح المواطن الألماني: سواء أكان راعيا أو مُزارِعا أو عاملا في معمل الحديد، أو عاملا في الميناء، أو موظَّفا، أو صيدلياًّ، أو طبيبا، أو فنانا، أو أستاذا. وفي كلمة واحدة: إن الثقافة الألمانية هي التي أعادتْ بناء وطن غوته وبيسمارك. إنّ إنسان (المعجزة الألمانية) بعد الحرب ليس إيرهارد Erhard… فقبل الحرب وقبل إيرهارد وُجِدَ شاشت ووُجِدَتْ (معجزة ألمانية) أخرى. وهذه المعجزة ستتكرر ما دامت الثقافة الألمانية موجودة. وبإمكاننا ان نُضيف إلى هذا أنَّ حدود (المعجزة) هي حدود ثقافية لا يمكن فعل أي شيء خارجها. فقد رأينا ذلك بأم أعيننا مع الدكتور شاشت. ففي بعض البلدان الآسيوية حديثة الاستقلال، والتي استنجدت به، عَجَزَ عن إعادة صُنْعِ (المعجزة) التي صنعها وأُعِيد صنعها في بلده. ورغم الجهود التي بذلها والعبقرية التي استخدمها فلم يجْنِ من ذلك إلاّ شيئا من الخيبة. وبِوُدِّي أنْ أفتح قوسا لأقول لأولئك الذين يظنون أن المشكلة الاقتصادية لا تعدو أن تكون طلاسم لغوية، وأنها ليست حتى مسألة أرقام. وإلاّ فكيف نُفسِّر فشل شاشت ـ وهو أكبر ساحر في فن الأرقام ـ في مهامه الآسيوية ؟ ”

كان بن نبي يريد جلب الإنتباه إلى ضرورة خلق وعيّ اقتصادي بكل ما يقتضيه على مستوى البُنى الشخصية للفرد، وعلى مستوى عاداته ووتيرة أنشطته، ومواقفه إزاء المشاكل الإجتماعية. يقول المفكر:  ” سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، ينبغي أن نُحسن استغلال الوسائل المتوفرة لتحقيق أعلى مستوى من النتائج. والحال أن العكس هو الذي يحدث عادة في البلدان المتخلفة التي اجتمع فيها ضرران، هما: قلة الوسائل وسوء استغلال ما توفَّر منها بسبب حالات خلل في التكوين النفسي… فالنقص في هذه البلدان ليس في الوسيلة المادية فحسب بل في الإستعداد العقلي”.

بن نبي يصوغ مفهوم هذه الإعتبارات الخارجة عن الإقتصاد في المعادلة الشخصية، وهي اعتبارات ذات صلة وطيدة بفعالية السياسة الإقتصادية فيقول:  ” إنّ المبدأ الإقتصادي لا يكون له مفعوله التام وفعاليته الكاملة إلاّ في ظل شروط ذات صبغة اقتصادية صرفة… فهناك معادلة شخصية ذات أثر بالغ في تلك الفعالية، ولو كان ذلك بصفة ضمنية… والتقنية الإجتماعية، وكذا المبدأ الإقتصادي لا تكون لهما قيمة إلاّ إذا لم يدخلا في صراع مع معطيات المعادلة الشخصية التي يكون لها السبق في الوسط الذي نريد تطبيقهما فيه… فالأمر لا يتعلق بمعالجة معادلة اقتصادية فحسب، بل وكذلك بتكييفها مع معادلة شخصية معينة’’  (” المسلم في عالم الإقتصاد “). وإذا كانت المعادلة البيولوجية لدى الإنسان واحدة في كل مكان، فإنّ المعادلة الإجتماعية مِنْ جهتها  ” تتنوع من مجتمع إلى آخر، وتتنوع داخل المجتمع الواحد، وتتنوع كذلك من زمن إلى آخر، وهذا حسب درجة التطوّر أو التّخلف”. وهذه المعادلة يُسْديها المجتمع لأفراده لتكون كقاسم مشترك يُميِّز سلوكهم ويُحدِّدُ درجة فعاليتهم، حتى يصير معيارا اجتماعيا مُمَيِّزاً. وفي هذا يقول بن نبي:  ” إذا ما لاحظنا في بلدٍ سائرٍ في مخططِ تصنيعٍ أنه يمكن استيراد العتاد اللاّزم لتنفيذ ذلك المخطط، لكنه لا يمكن استيراد الوضع النفسي الملازم لذلك العتاد، فإننا بذلك نكون قد طرحنا مشكلة الثقافة’’ ( “مشكلة الثقافة “).

وبعد أن صارت الجزائر بلداً مُستقِلاًّ، صار الموضوع الغالب على مقالات بن نبي هو الإقتصاد والتطور والفعالية الإقتصادية. وفي الفترة التي كان فيها بن نبي يكتب، لم يكن للبترول وزنه الذي حظي به بعد ذلك في اقتصاديات البلدان المُنْتِجة وفي العلاقات الدولية بعد حرب أكتوبر 1973، وهو الشهر الذي كان فيه بن نبي على فراش الموت. وبعد أن تضاعفت أسعار البترول أربع مرات، ثُمّ ما جاء بعد ذلك من صدمات في سوق المحروقات، صارت الجزائر تتمتّع بموارد جديدة وغير متوقعة من أجل تمويل سياسة اقتصادية أقل ما يمكن أن يُقال فيها أنها كانت بعيدة عما كان يتمنَّاه بن نبي.

فقد تمّ رَهْنُ تطورِ الجزائر بهذا الرَّيْع وباللجوء إلى الإستدانة من الخارج. وبالموازاة مع ذلك كانت الفلاحة حبيسة سياسة قادتها إلى التفتّت وعدم الإستقرار والقضاء النهائي على مردودها. وقد بلغت هشاشة الإقتصاد الجزائري ذروتها بإضعاف التوازنات الداخلية ووضع ميزانية الدولة تحت رحمة سوق البترول. لقد أدت سياسة الوصاية على كل شيء إلى القضاء على روح المسؤولية لدى الفاعلين الإقتصاديين غير الرسميين، ولدى المواطنين، وأدت بذلك إلى تحميل الدولة كل المسؤوليات. وهذا ما أدّى إلى أحداث أكتوبر 1988، وهو التاريخ الذي دخلتْ فيه الجزائر في مرحلة الأزمة العامة التي شملت كل القطاعات (الإقتصاد، المالية، السياسة، والإيديولوجيا)، بجانب عنف إرهابيّ منقطع النظير في العالم كله.


مراجع:

1) مقال تحت عنوان ’’ من (الاتفاقات) إلى (التوسّلات)’’ « Des « ententes » aux conjurations »,. جريدة la République algérienne الصادرة بتاريخ 25 ديسمبر 19533.

2) جريدة la République algérienne الصادرة بتاريخ 11 مارس 1949.

3) جريدة la République algérienne الصادرة بتاريخ 01 جوان 1951.

4) جريدة la République algérienne الصادرة بتاريخ 01 جوان 1951.

5) مقال تحت عنوان (الإصلاح الزراعي في مصر) « La réforme agraire en Egypte »، جريدة la République algérienne الصادرة بتاريخ 26 سبتمبر 19522.

6) جريدة la République algérienne الصادرة بتاريخ 30 أفريل 1954.

7) ’’التخطيط والتخطيط المُصغّر’’« Planification et micro-planification » مجلة Révolution africaine الصادرة بتاريخ 20مارس 1968

8) ’’مشكلة الثقافة’’ « Le problème de la culture », مجلة Révolution africaine الصادرة بتاريخ 10 أفريل 1968.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: