بن باديس علم العشرات من الشباب في الجزائر

بقلم: د.يوسف القرضاوي-

يتناول د. القرضاوي في حلقة اليوم الدور الذي لعبه بن باديس في الجزائر ورؤية الإبراهيمي له ووصفه له بأنه باني النهضة وإمامها أعانه على ذلك استعداده الفكري وكمال أدواته. ثم ينتقل الى الإبراهيمي ودوره في قيادة سفينة التربية والتعليم فكان يوجه المعلمين ويؤلف في التربية حتى انه ألف كتابا باسم مرشد المعلمين.كما يتناول الجمعيات المقسمة على العلم والاحسان والادب والرياضة تبث في الامة النظام والإدارة واداب الاجتماع وديمقراطية الانتخاب. كما فتحت المحاضرات الحية أذهان الشباب العربي على تاريخ أسلافه وأمة كاملة كانت نهبا مقسما بين استعمارين متعاونين على ابادتها مادي متسلط على العقول وروحاني متسلط على  العقول.

شعب الجزائر مسلــم وإلى العروبة ينتسبْ                من قال حاد عن أصله أو قال: مات، فقد كذبْ

ومن حسن حظ الجزائر: أن الله تعالى وهبها رجلا مربيا من الطراز الأول، ومنحه من المواهب والملكات ما قاد به كتيبة التربية على بصيرة ووعي بالهدف المنشود، والمنهج المقصود، وأعد له من الرجال الكفاءة من يذلل بهم الصعاب، ويتخطى بهم العقاب. إنه الإمام ابن باديس الذي كان هدية الله للجزائر، كما يتحدث عنه الإبراهيمي.

ومن أراد أن يعرف أثر التربية والتعليم الذي قامت به جمعية العلماء، وبدأها الإمام ابن باديس، فليقرأ ما كتبه الإمام الإبراهيمي في البصائر، ونشر الكثير منه في (آثاره) التي نشرت بعد وفاته، وإن لم تستوعب كل ما خطه قلمه.

يقول الإبراهيمي في إحدى مقالاته أو دراساته عن جمعية العلماء ومؤسسها:

(وعبد الحميد بن باديس باني النهضة وإمامها ومدرب جيوشها: عالم ديني، ولكنه ليس كعلماء الدين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرّق في غيره من علماء الدين في هذا العصر، وأربى عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم، وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات، من فقه الإسلام وأطوار تاريخه، والإلمام الكافي بمعارف العصر، مع التمييز بين ضارها ونافعها، مع أنه لا يحسن لغة من لغاتها غير العربية، وكان التضلع في العلوم الدينية واستقلاله في فهمها. إماما في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله: قلم بليغ شجاع يجاري لسانه في البيان والسحر، فكان من أخطب خطباء العربية وفرسان منابرها، كما كان من أكتب كتابها.

وهو من بيت عريق في المجد والملك والعلم، يتصل نسبه الثابت المحقق بالمعز بن باديس، مؤسس الدولة الباديسية الصنهاجية، إلى صنهاجة القبيلة البربرية العظيمة التي حدثناكم عن دولها وأثارها بالجزائر، والمعز بن باديس هو جذم الدولة التي كانت بالقيروان، ويزعم بعض النسّابين أنها يمنية وقعت إلى شمال إفريقيا في إحدى الموجات التي رمى بها الشرق الغرب من طريق برزخ السويس في الأولين، كما رماه بالموجة الهلالية في الآخرين.

هذا الرجل النابغة يشهد التاريخ أنه واضع أساس النهضة الفكرية في الجزائر، وقد سلك لها المسلك العلمي الحكيم، وهو مسلك التربية والتعليم، وأعانه على ذلك استعداده الفكري وكمال أدواته، فتصدر للتعليم حوالي سنة 1914م ببلدة قسطنطينة التي هي مستقر أسرته من المائة السابعة للهجرة، وعمره إذ ذاك دون الخامسة والعشرين، فجمع عليه عشرات من الشبان المستعدين فعلمهم ورباهم وطبعهم على قالبه ونفخ فيهم من روحه، وبيانه، تطوعا واحتسابا، لا يرجو إلا جزاء ربه ولا يقصد غير نفع وطنه.

وكان - رحمه الله- يؤثر التربية على التعليم، ويحرص على غرس الفضائل في نفوس تلامذته قبل غرس القواعد الجافة في أدمغتهم، ويدربهم على أن ينهجوا نهجه في العمل للعروبة والإسلام، فما انتهت الحرب العالمية الأولى حتى تخرّج على يده وعلى طريقته جيل من الشبان، تتفاوت حظوظهم من العلم النظري، ولكنهم طراز واحد في العمل، وصحة التفكير، والانقطاع للجهاد.

وكان من طريقته في التربية: أن يرمي إلى تصحيح الفكر، وصقل العقل، وترقية الروح، وتقوية الخلق، وتسديد الاتجاه في الحياة، وأنه يستخرج من قواعد العلوم التعليمية قواعد للاجتماع، وينتزع منها دروسا في التربية والأخلاق.

فمن القواعد الإصلاحية المعروفة قولهم - مثلا- الفاعل مرفوع، والعامل يتقدم. فمن أمثال هذه الجمل المبتذلة الدائرة على الألسن في دراسة العلوم: كان يستخرج من معانيها اللغوية: نظرات اجتماعية طبيعية. ككون الفاعل العامل مرفوع القدر عند الناس، وككون العامل يجب تقديمه على الكسلان العاطل، في جميع المقامات.

وقد ذكر لي بعض من حضر درسه في قول صاحب الألفية: (كلامنا لفظ مفيد كاستقم). قال: سمعته يقرر القاعدة النحوية التي أرادها ابن مالك فسمعت ما أدهشني من التحقيق الذي لم يعهد من علماء عصرنا، بالأسلوب الذي لم يعهد من شراح الألفية سابقهم ولاحقهم، ما عدا أبا إسحاق الشاطبي، ثم انتقل إلى شيء آخر نقلني إلى شيء آخر، وسما بي من الدهشة التي ما فوقها مما لا أجد لها اسما، فكان درسا اجتماعيا، أخلاقيا، على ما يجب أن يكون عليه الحديث الدائر بين الناس، وأنه إذا لم يكن مفيدا في المعاش والمعاد: كان لغوا وثرثرة وتخليط مجانين، وإن سمّته القواعد كلاما، ثم أفاض في الاستقامة الدينية والدنيوية وأثرها في المجتمع، فعلمت أن الرجل يعمل على أن يخرج من تلامذته رجالا، وأنه يجري بهم على هذه الطرائق ليجمع لهم بين التربية والتعليم، وكأنه يتعجل لهم الفوائد، ويسابق بهم الزمن، ما دامت الأمم قد سبقتنا بالزمن.

وهكذا كان الأمر، فإنه أخرج للأمة الجزائرية في الزمن اليسير جيلا يفهم الحياة، ويطلبها عزيزة شريفة، ويتدرع إليها بالأخلاق المتينة، وقد كان يدربهم على الأعمال النافعة، كما يدرب القائد المخلص جنوده، ويعدهم لفتح مصرٍ، أو لقاء مصرع، ولتلامذته إلى اليوم سمات بارزة في إتقان الدعوة الإصلاحية، التي أعلنتها جمعية العلماء في حياته، وفي صدق الاتجاه، وفي إتقان صناعة التعليم على طريقته. وهم الرعيل الأول في الثورة الفكرية الجارفة، التي نقلت الجزائر من حال إلى حال.

وقد كان تعليمه والآفاق التي فتحها ذهنه الجبار، وأسلوبه في الدروس والمحاضرات، كل ذلك كان ثورة على الأوضاع التعليمية المعروفة في بلدنا، حيث ابتدأ التعلم، وتوسط فيها، وفي جامع الزيتونة حيث انتهى، ولم يكن علمه نتيجة دراسته التقليدية في البلدين، المحدودة بسنوات معدودة، وكتب مقروءة، على نحو ما في الأزهر، وإنما كان علمه نتيجة استعداد قوي، وذكاء خارق، وفهم دقيق، وذهن صيود لشوارد المعاني، غواص إلى نهاياتها، كما وصفناه في أول الحديث.

وحج في سنة 1913م ومر بالقاهرة ذاهبا وبدمشق آيبا وجاور بالمدينة ثلاثة أشهر بعد هجرتي إليها بسنتين، وكنا نجتمع في أغلب الليالي اجتماعا خاصا لا نتحدث فيه إلا عن القطر الذي يجمعنا وهو الجزائر، والبلد الذي يضمنا وهو قسطنطينة، والآمال التي تملأ نفوسنا، في ترقيته وإعداده للتحرير، فكنا نُجْمِع على أن لا وسيلة لذلك إلا العلم تنتشر أعلامه، والجهل ينقشع ظلامه، ثم تصور الخواطر لي وله مدارس تشاد للنشء وألسنة تفتق على العربية، وأقلاما تتشقق على الكتابة، فتصور لنا قوة الأمل، ذلك كله كأنه واقع نراه رأي العين. فإذا انتهينا من التصورات أخذني بالحجة، وألزمني بالرجوع إلى الجزائر، لنشترك في العمل، المحقق للأمل، وأقام لي الدليل من الدين على أن هذا العمل أشرف وأقرب إلى رضى الله من الهجرة، ولم أكن أنكر عليه هذا، ولكن والدي - رحمه الله- كان يأبى على ذلك، فكنت أتخلص بالوعد بالرجوع عند سنوح الفرصة.

ورجع هو من عامه، فابتدأ التعليم، وانثال عليه الطلبة من المقاطعات الثلاث، وقدّر الله فرجعت بعد سبع سنوات من افتراقنا، فوجدت عمله قد أثمر، وأملنا قد بدأ يتحقق، ووجدت الحرب قد فعلت فعلها في نفوس أمتي، فكان من آثارها حياة الاستعداد الفطري، الذي أماته الاستعمار في تلك المرحلة، التي عددنا لكم ما غرسته أيامها في نفوس الجزائريين من بذور خبيثة، كان من ثمراتها: تخدير الشعور، وإضعاف المعنويات.

وكان لرجوعي إلى الجزائر في نفس الشيخ عبد الحميد بن باديس ما يكون في نفس القائد اتسعت عليه الميادين، وعجز عن اقتحامها كلها، فجاءه المد لوقته، وتلقاني رحمه الله بمدينة تونس، مهنئا لي ولنفسه وللوطن، ومذكرا بعهود المدينة المنورة، ومبشرا بمواتاة الأحوال، وتحقق الآمال، فكانت مشاركتي له بالرأي والتفكير والتقدير والدعاية، أكثر مما هي بالتعليم والتدريب، لما كان يحول بيني وبين الانقطاع إلى ذلك من عوائق، وإن كنت شاركت في تحضير أذهان العامة للنهضة الكبرى بسهم وافر، بواسطة دروس ومحاضرات، ورجع أفراد من الإخوان الذين كانوا بالشرق مهاجرين، أو طلابا للعلم، وجماعة من تلامذة الأستاذ ابن باديس الذين أكملوا معلوماتهم بجامع الزيتونة، تنطوي نفوسهم من أستاذهم على فكره وروحه، ومن جامع الزيتونة على متونه وشروحه، فاستقام الصدد، وانفتح السدد، وتلاحق المدد، وكانت من أصواتنا مسموعة ما يكون من الصيحة رَجّت النائم، ومن أعمالنا مجموعة ما يكون من الروافد انصبت في النهر فجاشت غواربه، وكانت تلك بداية النهضة بجميع فروعها، والثورة الفكرية بتمام معانيها. أ. هـ.

وبعد الشيخ ابن باديس: قاد الإبراهيمي سفينة التربية والتعليم، فكان يعلم بنفسه أحيانا، ويوجه المعلمين، ويؤلف في التربية، حتى أنه صنف كتابا باسم(مرشد المعلمين) قدمه أحد أبناء الجمعية(الأستاذ محمد الغسيري) فقال:

(وضع أستاذنا الجليل محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء منذ سنوات، برنامجا حافلا للتعليم العربي بجميع أنواعه، وضمّنه أصولا عظيمة من علم التربية، وقد سألناه منذ عامين: أن يجرد لنا فصولا عملية تتعلق بالسنوات الست الابتدائية ففعل، وسلّمه لنا لنطبعه وننتفع به، وطالعناه فلم نجده كالبرامج المعتادة، وإنما هو (معلم مكتوب). فهو يأخذ بيد المعلم ويسير به خطوة بخطوة إلى الغاية لا يضل عنها ولا يجوز، وكأنما هو (ملقن) من وراء المعلم يملي عليه الكلام ويرشده إلى كيفية العمل. لذلك آثر جماعة من قدماء المعلمين تسميته(مرشد المعلمين).

العمل الجماعي: ضرورة وشرطاً

وإذا كان الشيخ الإبراهيمي يؤمن بالتوعية والتربية منهاجا للإصلاح، ولا يكتفي بمجرد الخطب الرنانة، والكلمات المسجوعة، أو الدعايات الحزبية، فإنه يؤمن كذلك، كما آمن شيخه ورفيقه وأسوته الإمام ابن باديس (بالعمل الجماعي) ضرورة وشرطاً للنجاح وتحقيق الرجاء.

فالعمل الفردي ـ مهما يصحبه من الإتقان والإخلاص محدود ـ الأثر، محصور القدرة، مقيد الإمكانات، ولكن إذا تضامّت الجهود، وتلاحمت القوى، أصبحت اللبنات المتفرقة بنيانا مرصوصا، يشد بعضه بعضا.

فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده، قوي بجماعته، ويد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وقد قال الله تعالى لموسى:سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَالرايةالقصص:35].

وفكرة الإمام ابن باديس ورفقائه هنا، هي نفس فكرة الإمام حسن البنا وإخوانه في مصر، حيث لم يكتف بالوعظ والإرشاد طريقا للإصلاح، ولكنه رأى أن العمل الجماعي المنظم ضرورة لابد منها لنصرة الإسلام وإحيائه وتجديد أثره في الأمة، ولتحرير مصر وبلاد العرب والمسلمين من الاستعمار وكل سلطان أجنبي لإقامة دولة الإسلام فيها.

توافق الإمامان على غير التقاء بينهما، وأنشأ حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، سنة 1928 أو 1929م وأسس ابن باديس جمعية العلماء سنة 1931م.

وإن كنت قرأت مقالة العلامة الإبراهيمي: أن فكرة الشيخ ابن باديس في إنشاء الجمعية، كانت أسبق من ذلك، فقد حاول أن ينشئ جمعية أطلق عليها: جمعية (الإخاء العلمي) سنة 1924م ولكن حالت الحوائل دون ذلك.

أسس ابن باديس جمعية العلماء للنهضة والإصلاح والتحرير، وكان نائبه ورفيق دربه البشير الإبراهيمي. وبعد وفاته كان أمينا على العمل الذي بدآه معا، وفيّا له، حريصا على أن يستمر في إيتاء أُكُله، وتحقيق أهدافه الكبيرة. كما كان حريصا أبلغ الحرص على أن يعطي كل ذي حق حقه، فيتحدث عن ابن باديس أنه: هو المؤسس والباني والبادئ، وأول من بذر بذور الإصلاح والتجديد، وأول من ارتفعت صحيفته بتحرير الجزائر ونهوضها وبنيانها من جديد. بل أول داعية إلى التجديد والإصلاح في المغرب العربي كله.

من آثار العمل الجماعي:

والعمل الجماعي أقدر على إنجاز المشروعات الكبيرة، وتحقيق الآمال الطموحة، مما لا يستطيع الأفراد - وإن بلغوا ما بلغوا - أن يحققوه. وها هو الإبراهيمي يعدد لنا في مقال له: ما قامت به (جمعية العلماء) من أعمال أصيلة ومنجزات جليلة (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)(الأعراف:58).مائة وثلاثون مدرسة عربية مجهزة بكل الأسباب المادية العصرية اللازمة للمدارس، وبجهاز آخر من المعنويات أعظم منها شأنا وأجل خطرا، وبجند من المعلمين الأكفاء قوامه: مائتان وخمسون معلما، من بينهم عشرات النوابغ في التعليم والإدارة، ومشحونة بزهاء ثلاثين ألف تلميذ من أبناء الأمة بنين وبنات، يتلقون مبادئ الدين الصحيح: عقيدة وأعمالا، ومبادئ العربية الفصيحة: نطقا وكتابة وإنشاء، ويتربون على الوطنية الحقيقية وعلى الهداية الإسلامية والآداب العربية، ويتكوّن منهم جيل مسلّح بالعلم، ثابت العقيدة في دينه ووطنه، قوي العزيمة في العمل لهما... ويزيد في قيمة هذه الحصون العلمية أن الأمة تملك أعياناً نحو الخمسين منها، وتملك الانتفاع بالباقي على وجه الكراء. وسبعة وثلاثون مدرسة أخرى شرعت الأمة الإسلامية في تشييدها في هذه السنة، وفيها ما يحتوي على ستة عشر قسما، وفيها ما تقدر نفقاته بخمسة عشر مليونا من الفرنكات.

ومعهد تجهيزي عظيم، يخطو إلى الرقي والكمال في كل يوم في نظامه وبرامجه وأساتذته وتلامذته. يؤوي من تخرجه تلك المدارس، ليزود الأمة منهم بالوعاظ والمرشدين وخطباء المنابر، ويزود الطامحين منهم إلى المزيد من العلم بالمؤهلات إلى ما يطمحون إليه.

وجمعيات بلغت المئات، مقسمة على العلم والإحسان والأدب والرياضة، تبث في الأمة: النظام، والإدارة، وآداب الإجتماع، وديمقراطية الانتخاب، وتعلمها كيف تناقش، وكيف تصوغ الرأي، وكيف تدافع عنه، وكيف تنقضه بالحجة، وكيف تزن الأفكار، وكيف تحاسب العاملين. وتدربها على التدرج من الإدارات الصغرى إلى الإدارات الكبرى. لأن الأمة التي لا تحسن إدارة جمعية صغيرة، لا تحسن بالطبع - إدارة مجلس فضلا عن حكومة، ولا كالجمعيات مدارس تدريب، ونماذج تجريب. ونواد بلغت العشرات، غايتها إصلاح ما أفسدت المقاهي والملاهي من أخلاق الشباب، وكلها ميادين للعمل، ومنابر للخطابة، ومستغلات للعلم والتعليم.

وآلاف من الشباب العربي المسلم كان كالمجهول في نسبه، وكالجاهل لحسبه، ففتحت المحاضرات الحية أذهانه على تاريخ أسلافه وفتقت ألسنته على آدابهم، فتقاسم على أن يقفو الأثر، ويجدد ما اندثر، وأقبل على العلم حتى إذا ضاقت به الجزائر فارقها كالنحلة، ترحل إلى المكان السحيق، لترجع إلى خليتها بالرحيق. وإصلاح ديني تمكن من النفوس وتغلغل في الأفئدة، فطهرها من الشوائب التي شابت الدين، ومن النقائص التي شانت الدنيا، وصحح العقائد فصحت القواعد، وصحح العزائم، فأقدمت على العظائم، وإذا صحت العقائد وصلحت النيات، ظهرت الآثار في العزائم والإرادات. وفضائل شرقية كانت مشرفة على التلاشي فأحيتها مدارسة القرآن وممارسة التاريخ، وإفشاء الآداب العربية، ونشر المآثر العربية.

وأمة كاملة كانت نهبا مقسما بين استعمارين متعاونين على إبادتها: مادي متسلط على الأبدان. وروحاني متسلط على العقول، فصححت حركة الإصلاح الديني عقولها فصح تفكيرها، واتزن تقديرها، واستقام اتجاهها للحياة. وإن تحرير العقول من الأوهام، سبيل ممهد إلى تحرير الأبدان من الاستعباد. هذا هو رأس المال الضخم الذي أثلته جمعية العلماء للأمة الجزائرية في بضع سنين، وغدت به البقايا المدخرة من ميراث الأسلاف). (وهذه هي الأعمال التي عملتها جمعية العلماء للعروبة والإسلام، فحفظت لهما وطنا أشرف على الضياع، وأمة أحاطت بها عوامل المسخ، فأصبحت أمة عربية مسلمة شرقية نضاهي بها أخواتها في العروبة والإسلام، بل نباهيهن بها.

وما شيدت جمعية العلماء هذا البناء الشامخ من الماديات والمعنويات ورفعت سمكه إلا بعد أن أزالت أنقاضا من الباطل والضلال تنوء بالعصبة أولي القوة والأيدي، وبعد أن نازلت جيوشا من المبطلين المضللين تكع عن لقائها الأبطال، وبعد أن لقيت من حماة الاستعمارين ما تلقاه فئة الحق من فئات الباطل: كانوا أكثر وأوفر، وكنا أثبت وأصبر، وكانت العاقبة للصابرين).

آخر التغريدات: