فكر مالك بن نبي (24) العُلماء الجزائريون

بقلم نورالدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

التقى مالك بن نبي بالإمام عبد الحميد بن باديس، وهو أشهر وجوه الحركة الإصلاحية الجزائرية، لأول مرة في مارس 1928، أي في الثالثة والعشرين من عمره. كان ذلك في مقر جريدة “الشهاب ” بقسنطينة. كان بن نبي عائدا مِنْ آفلو حيث كان يشتغل مترجما في المحكمة منذ ما يقارب السنة. وخلال تنقلاته عبر أرجاء منطقة آفلو رفقة القاضي الذي كان مُلْحقاً به، استولى على اهتمامه مشكِلٌ يتمثل في أراضي (العرش) التي لم تمتدّ إليها يد الاستعمار بعدُ. لكن تلك الأراضي كانت مُعَرَّضَةً للسلب لأنها لم تكن محمية بعقود ملكية. ولم يجْرِ اللقاء بابن باديس كما كان يرجو بن نبي، لأنه عندما فاتَحهُ في موضوع تلك الأراضي كان الشيخ المُبجّلُ يُنْصِتُ إليه باحترام وتقدير، لكنه لم يفهم من المشكلة شيئا. وقد تأثَّر بن نبي لذلك أيَّما تأثُّرٍ.

ولمّا حقَّق اليسار الفرنسي انتصاره الأول في الانتخابات التشريعية التي جرت سنة 1936، قام ليون بلوم  Léon Blum بتشكيل حكومته من الجبهة الشعبية. أما في الجزائر العاصمة فكان يجري الإعداد لحدَثٍ هامٍّ يتمثل في تشكيل المؤتمر الإسلامي الجزائري المتكون من جمعية العلماء المسلمين، وفيدرالية المُنْتَخبين، والحزب الشيوعي الجزائريّ. وكان الهدف من ذلك هو لفت انتباه السلطة الجديدة إلى الأوضاع السائدة في الجزائر. أما نجم شمال إفريقيا بقيادة مصالي الحاج فقد قرر عدم المشاركة في هذا الاجتماع الذي جرى بتاريخ 07 جوان 1936 في قاعة كبيرة للسينما بحي باب الوادي. وكان عدد المشاركين أربعة آلاف مشارك. وتمخّض الاجتماع عن “ميثاق لمطالب الشعب الجزائري المسلم” الذي طلب إلغاء قانون الأهالي (الأنديجانا)، وإلحاق الجزائر بفرنسا، واستقلالية الدين، وترسيم اللغة العربية.

إنّ ابن باديس هو صاحب فكرة عقد هذا المؤتمر، إذ أعلن عنها بتاريخ 03 جانفي 1936 في مقال منشور في جريدة (La Défense)، وهي لسان حال جمعية العلماء وناطقة بالفرنسية. وكان الشيخ يرى أن الفرصة سانحة مع بروز اليسار الفرنسي لإعداد قانون أحسن للجزائريين. وقد تبلورت الفكرة عندما بادرت فيدرالية المنتخبين وجمعية العلماء بنشر “نداء إلى المسلمين الجزائريين” من أجل عقد مؤتمر. ومما جاء في الميثاق المصادق عليه في النهاية : المطالبة بإلغاء القوانين الاستثنائية، وإلغاء هيئات “الحكومة العامة” (Gouverneur général)، والبلديات المختلطة (communes mixtes) ، والمندوبيات المالية (Délégations financières) ، وإلحاق عمالات الجزائر الثلاثة(départements)  بفرنسا، والإبقاء على قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، وحرية تعليم اللغة العربية، والتعليم الإجباري للأطفال من كلا الجنسين، والمساواة مع الفرنسيين في الحقوق والواجبات، وحق الانتخاب على قدم المساواة مع الأوروبيين في التصويت العام، التمثيل في البرلمان الفرنسي، وإرسال وفد من المؤتمر إلى باريس لتقديم نسخة من الميثاق للسيد ليون بلوم، رئيس المجلس.

وجرى استقبال الوفد الذي ترأَّسه الدكتور صالح بن جلول، وهو رئيس فيدرالية المنتخبين المحليين “الأهالي” (الأنديجان)، بتاريخ 23 جويلية 1936 لدى رئيس الحكومة ليون بلوم والنائب موريس فيوليت Maurice Viollette. وقد تعجب بن نبي الذي كان يتابع دراسته كمهندس في الكهرباء، ومعه مجموعة من الأصدقاء من الطلبة المسلمين المغاربة، مِنْ هذه المبادرة السياسية. ولذلك قرروا زيارة الوفد الذي نزل في إحدى الفنادق الكبرى بباريس، وهناك لاحظوا المفارقة الشاسعة بين منظر الشيوخ بـ (عباياتهم) البيضاء وبين ذلك المكان الذي يزدحم بالنجوم والخَدَمِ. وكان لهم لقاء مع الشيخ ابن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي، ومع رجُلَي السياسة فرحات عباس وبن جلول، ومع الصحفي الأمين العمودي. ووجّه  بن نبي كلامه للعلماء مُعبِّرا عن خيبة أمل مجموعته التي لم تفهم كيف أن هذا التجمع من الأحزاب وقع في خطإ المطالبة والاستجداء بعد أن كانت تلك الأحزاب معقد آمال الجماهير. وممّا قاله لهم : “ماذا تريدون أن تفعلوا هنا؟ إنّ الحلَّ في الجزائر ! الحلّ بين أيديكم وليس بأيدي الحكومة الفرنسية…”

واغتنم بن نبي الفرصة ليوجه سؤالا على انفراد إلى الأمين العمودي، مدير جريدة  La Défenseحول السبب الذي منعه من نشر رده على فرحات عباس (الذي كان قد نشر منذ بضعة أشهر مقاله المشهور حول “الأمة  الجزائرية” والذي جلب له التقريع طيلة حياته، وحتى بعد الممات)، فأجابه العمودي قائلا: ” ليس من المعقول أن نحطم الساسة وهم قليلون عندنا”. وتلك هي اللحظات التي فقد فيها بن نبي كلّ إيمانه بحركة الإصلاح، وستكون تلك اللحظات كثيرة في حياته. ومثل هذه الفرص كانت سببا في إصداره أقسى الأحكام على العلماء. ومما كشف عنه في مذكراته الخاصة : “منذ سنة 1936 أقمْتُ حِدادي الفعليّ على العلماء الذين أرى أنهم عاجزون عن فهم فكرةٍ أو إبداعها بقدر عجزهم عن تطبيقها”.  وبالفعل، فإنّ علاقته بهم صارت متدهورة للغاية.

والقاسم المشترك الذي يجمع بين بن نبي والعلماء هو فكرة أنّ الإسلام هو العنصر الأساسي في النفسية الجزائرية، غير أنه يختلف معهم بكونه يرى أنّ الإصلاح ليس أدباً أو خطابا داعيا إلى المزيد من التعبّد، بل هو منهج عمليّ يهدف إلى إخراج الجزائريين من العقلية القدرية، ويُعلِّمهم روح الجماعة التي تجعل منهم عناصر واعية وفعالة في طريق الانبعاث الحضاري. وهذا الاختلاف المتعلق بوجهة نظر كل طرف فيما يخص كيفية التكفل بإشكالية النهضة سيكون مصدرا لسوء تفاهم بن نبي على الدوام مع كل وجوه الحركة الوطنية (العلماء، وفيدرالية المنتخبين، ونجم شمال إفريقيا، والشيوعيون…). ويقول في هذا الشأن: “كنت أرى المشاكل من زاويةِ حضارةٍ، بينما هُمْ كانوا يرونها من الزاوية السياسية“. وسيزداد خطابه حِدّةً فيما بعْدُ، ليُبيِّن أنَّ ما يعتبره هؤلاءِ سياسةً ما هو في الحقيقة إلاَّ (بوليتيك) وديماغوجية خاوية ومُطالبة عقيمة ومخادعة للمواطنين… فَوَجْهُ الحضارة عنده يجب أنْ يكون أولى من وجه السياسة، وهو المعنى المُتميِّز الذي لم يفهمه ساسة الحركة الوطنية. لقد كان بن نبي متصلِّباً مع جميع الأطراف، ومع ذلك فقد ساهم في كل الأعمال التي جرت ضد الاستعمار في تلك الفترة. والواقع أنَّ ما جرى كان مِنْ قبيل ذلك التشنُّج الأبديّ بين “الفيلسوف” و”السياسيّ”، أكثر من كونه تنافساً بين رجلٍ واحد وتيارات سياسية مضادة له.

ولم يَسْلَمْ مِنْ كلامه اللاَّذع أيٌّ مِنْ زعماء التيارات المختلفة، بما في ذلك العلماء الذين، مع ذلك، كان يجد نفسه قريبا منهم. غير أن ذلك القرب لم يكن إلاّ من الناحية الأخلاقية، أما من الناحية الفكرية فقد وجد نفسه بعيدا عن تحاليلهم ومنهجهم كلَّ البُعْدِ. يقول في هذا الشأن: “كانوا يريدون الإصلاح بوسائل الفصاحة العربيّة، ويريدون القيام بإصلاح كإصلاح علماء النَّحْوِ… لم يستوعبوا شيئا من مأساة الإسلام الموغلة في القِدَمِ”. وعلى نقيض ذلك، فقد وجد صعوبة كبيرة في التغلّب على التحذيرات التي استوحاها من “الحداثيين” الذين أطلق عليهم مصطلحا جديدا هو”المهووسون فكرياًّ/أوالمتعالمون– les intellectomanes بغرض تثبيط عزيمتهم.  وسيكون انتقاده شديدا للغاية في حق هذه التشكيلة من الحركة الوطنية المتكونة من جناح الطبقة الشِّغِّيلة وجناح البورجوازية، وبينهما حركة إصلاح عَمِلَتْ ـ إلى حدود سنة 1939 ـ على إيجاد التوازن بينهما قبل أنْ تميل في النهاية بشكلٍ كُلِّيٍّ إلى (المُنتخَبين).وبن نبي يذكر ذلك في مذكراته غير المنشورة قائلاً: “وهكذا اتخذ التيار الوطني صورته التاريخية الأولى بجناح من طبقة عُمَّالٍ مُهَيَّئين ليتحوّلوا إلى بورجوازيين في باريس وليربطوا علاقات طيبة مع اليسار الفرنسي، وبإزائه جناح البورجوازية التي كانت على استعداد للوقوع في شباك الاستعمار. أما تيار الإصلاح فكان يحاول أن يجد لنفسه طريقاً بين هذين الجناحيْن دون أن يُخامِره شكٌّ في أنه سيبتعد مُستقبلاً عن البورجوازيين أخلاقيا، وسيُنْبَذُ مِنْ طرف جناح طبقة العمال… كُنْتُ دوْماً مُقتنعا بأنه يستحيل إيجاد وضعٍ سياسي دون التفكير مسبقا في إيجاد وضعٍ أخلاقيٍّ”. وقد تلقّى بن نبي رد الفعل من كلا الطرفين عندما أتيحتْ لهما الفرصة.

وانعقد المؤتمر الإسلامي ثانيةً بعد العودة إلى الجزائر العاصمة، وذلك بتاريخ 02 أوت 1936، مِنْ أجل الاستماع إلى التقرير الخاص بمحادثات باريس. وضمَّ هذا التجمّع عشرة آلاف مشارك. ومِنْ دون دعوة أو سابق إشعار دخل مصالي إلى الملعب دخولا أدْهش الجماهير، وطلب الكلمة لِيُعْلِنَ في خطابه أنَّ منظمته تُسانِدُ المطالب المُقدَّمة، لكنه أضاف على ذلك: المُطالبة بالاستقلال التامّ والفوريِّ للجزائر ! أمّا حكومة الجبهة الشعبية فقد أخذت بعين الاعتبار الميثاق الذي تمّ الاتفاق عليه، وأعدّتْ مشروع القانون الذي سيبقى معروفا في التاريخ بـ (مشروع بلوم-فيوليت)، لكنه لم يحْظَ بمناقشة البرلمان الفرنسي بسبب المعارضة الشديدة للمعمرين في الجزائر(1).

وخلال هذه الأثناء عَلِم بن نبي أنَّ الشيخ العقبي تمّ اعتقاله بعد مقتل مفتي الجزائر، الشيخ محمد بن دالي كحول، وهو من المعارضين لجمعية العلماء، فأرسل له رسالة مساندة. أما رئيس فيدرالية المنتخبين فقد تخلّى عن الطيب العقبي وأعلن أنّ منظمته قطعتْ كل علاقة مع جمعية العلماء التي “صارت أيديها مُلطَّخةً بالدماء“. وواضح أنّ الأمر يتعلّق بمؤامرةٍ منسوجة من أجل كسر المؤتمر الإسلاميِّ الجزائريِّ، لأنه أول محاولة للمِّ شمل القوى السياسية الجزائرية في مواجهة الاستعمار. وبن جلول نفسه هو الذي أعلن في إحدى الصحف الفرنسية قائلا: “مِنْ دون فرنسا لنْ أكون إلاّ سمَّاشاً (أي:بطّالاً مُتفرِّغاً)”. أما الطيب العقبي فراح يبتعد عن أقرانه ويميل إلى اتخاذ مواقف مُساندة للإدارة الاستعمارية بصفة علنية، وانتهى به الأمر إلى الانسحاب كلياًّ من جمعية العلماء سنة 1938. وعندما توفي ابن باديس حاولت الحكومة العامة أن تفرضه كرئيس لجمعية العلماء، لكنها لم تنجح في ذلك لأنّ البشير الإبراهيمي هو الذي حظي بالاختيار وهو رهن الإقامة الجبرية في أفلو.

عاد بن نبي إلى تبسة رفقة زوجته بولات Paulette ( Khadidja خديجة) ليجد مدينته التي عَهِدَها مهْداً مِنْ مِهادِ تيار الإصلاح، قد تغيّر توجّهها، وصار تيار المطالب السياسية والطموحات الانتخابية هو السائد. وعبَّر عن خيبته إزاء ذلك قائلاً: “لا أثَرَ لتلك الجزائر التي كانت منذ سنة 1925 تسير بخطى وئيدة، لكن آمنة، في طريق الحضارة تحت راية الإصلاح. ولا أثرَ لجوّ الاتّحاد الذي تزدهي فيه العقول وهي مُنْكَبَّة على معالجة المشاكل الحقيقية، أي: نبذ التفكير الخرافيّ، وتشييد المدارس من أجل القضاء على الأمّيّة، وبناء المساجد لرفع مستوى النفوس لتتجاوز مخلفات مرحلة ما بعد الموحِّدين، أي القابلية للاستعمار التي هي الأساس النفسي للاستعمار. حديث الناس لمْ يعُدْ يدور حول ذلك كله، ولا حول الله، بل كان منصباًّ على بلومBlum… وحتى وَالِدِي الذي كان أشرف إنسانٍ عرفْتُه، صارت بحوزته بطاقة مناضل اشتراكي… إنه التشرذم العام: فقد تَرَكَتْ روحُ الإصلاح الساحةَ وأودتْ معها بكل براعم المستقبل التي كانت تحملها… والعلماء أنفسهم كانوا نموذجا مُتَّبَعاً في ذلك. فبإمكانك أنْ ترى بأم عينك بيرنار لوكاش Bernard Lecache والعربي التبسي متعانقين في تبسة كأنهما أَخَوَان…”.

كان كل الناس يُقدِّسون “الرّجُلَ الفذَّ”، الرجُل الذي أرسلتْه العناية الإلهية، وهو الدكتور صالح بن جلول، أشهر رجالات عصره. ولم يكنْ بن نبي يستسيغ ذلك إطلاقاً، وكان كثيراً ما يتشاجر مع العربي التبسي بسبب هذه الظاهرة. ولمّا وُجِّهَتْ له دعوة لإلقاء محاضرة في قاعة الحفلات بتبسة، اختار موضوع “زحف الصحراء” الذي كان يشغله وكأنه يهدد حياته الشخصية. وكان السائل الوحيد الذي وجه له بعض الأسئلة هو… محافظ الشرطة بالمدينة. وحاول بن نبي أنْ يؤثِّر في بعض أثرياء المدينة لإشراكهم في مشاريع صناعية مُقدِّماً لهم عدَّةَ أفكارٍ، مثل: محطة لتوليد الكهرباء، مصنع لصناعة ورق الحلفاء، مصنع للإسمنت، معمل لدبغ الجلود، تربية النحل، لكن جهوده ذهبت سُدى. وكتب حول ذلك في مذكراته غير المنشورة: “حيثُما حللْتُ بين الشباب أو بين الشيوخ، خاصة في النادي الذي أُسِّس مؤخراً، كان موضوع حديثي الوحيد هو الصناعة والعلم. والحقيقة أنني كنتُ أُلْقي دروساً بأتمِّ معنى الكلمة، وهي دروس مبسطة وخالية من الصيغ العلمية، حول كيفية صناعة الزجاج، أو حول الحاشدة، أو صناعة الورق، أو الجير المائي، أو الصَّابون، إلخ“. وقد زاره محافظ الشرطة المذكور آنفا ليطرح عليه بعض الأسئلة حول نواياه.

وكان بن نبي ينوب عن العربي التبسي في تقديم الدروس التي كانت تعطى في النادي الثقافي بتبسة. ولم يكن في تفاهم تام معه بسبب ميله إلى المهووسين فكرياًّ أومرضى الفكر/المتعالمون intellectomanes)  (lesوهُمْ أعضاء فيدرالية المُنْتَخَبين. فقد كان يرى أنّ هذه الفئة تقوم بنسف ما حققه تيار الإصلاح طيلة عشرين سنة من العمل. فما كان العلماء يرونه سياسةً راقية يحملها جزائريون “متقدمون” على عاتقهم، كان هو لا يرى في ذلك إلاّ (بوليتيك) في أدنى المراتب لأنها تعمل على تكريس نزعة الأهلية (الأنديجانا) والشعوذة. كان ينعى على “قادة النهضة الجزائرية” هؤلاء أنهم لم يكونوا يُجسِّدون إرادةً لتشييد حضارة، بل إرادةً لمجرد رفع المطالب. وهو يسجل في مذكراته الخاصة: “إنّ ما كان يصدمني دوما هو “البوليتيك”، هو ذلك الشيء الذي يُقال ويُكرَّر، لكنه لا يُنْجَزُ أبداً لسببٍ موضوعي، وهو كون ذلك الشيء الذي يُقال لا يطرح مشكلة الوسائل أبدا لأنه لا ينتهج أيَّ مذهبٍ… لم أكن أرى في أي مكان، سواء أكان عند العلماء أو عند مصالي أو ابن جلول، أيّ أثرٍ لِما يُسمَّى بالسياسة، لأنَّ السياسة ليست أقوالاً، بل هي أفعال”.

تمَّ اعتقال مصالي الحاج بتاريخ 22 أوت 1937 مع مجموعة من رفاقه ( مثل مفدي زكريا، حسين لحول و محمد خيدر…) بتهمة “التحريض على أعمال فوضى ضد سيادة الدولة”، وحُكِمَ عليه بسنتين سجناً. وفي أكتوبر من السنة نفسها نُظِّمتْ انتخابات محلِّية، وشارك فيها حزب الشعب الجزائري (الذي ظهر بدلا عن نجم شمال إفريقيا الذي تمّ حلُّه من طرف الإدارة الفرنسيّة)، كما شاركتْ فيها التشكيلات السياسية الأخرى. وكانت تلك مناسبة اشتدّ فيها التنافس والتناحر بين مختلف توجّهات الحركة الوطنية، وكان القاسم المشترك بينها هو الطموحات الانتخابية والطعن في المنافسين.

وبعد هذا الظّرْف بإثنتيْ عشرة سنة قدّم بن نبي في كتاب “شروط النهضة” الصادر سنة 1949، صورة بشعة للمجتمع الجزائري حسب ما كان يراه آنذاك، فقال: “في بلدٍ مُسْتعمَرٍ مثل الجزائر لا وجود لطبقات اجتماعية، بل هناك صنفان من البشر: الصنف الأول الذي يعيش في المناطق العمرانية الحضرية يتكوّن من البطّال الذي لا عمل له، ومن التاجر الصغير الذي يبيع بعض التوابل والمتاع الرخيص، ومِنَ الشاوش العامل في الإدارة الاستعمارية، ثُمَّ من قِلّةٍ قليلةٍ من المُحامين والقُضاة أو الصيادلة. أمّا الصنف الثاني الذي يسكن الأرياف، فيتكوّن من البدويِّ ومن الفلاّح الذي لا يملك عربةً ولا قطعة أرضٍ. الأول هو (الإنسان الصغير minus habens) الذي يتّصف بكل معاني الصِّغر. والثاني هو (إنسان الفِطْرة l’homo natura) الذي يتصف بكل معاني الفقر. لكن الفقر يكون في أغلب الأحيان أنقى وأشرف من الصَّغار. ذلك أن ساكن الحضر قد قَبِلَ بحياة (الإنسان الصغير)، مُتحمِّلاً بهذا كل عوامل الانحطاط التي كانت سببا في أُفُولِ الحضارات التي تعاقبت على أرض بلاده منذ عهد القرطاجيين. إنه إنسان يحمل في باطنه روح الانحطاط لأنه يعيش دوما بنمط الانحطاط الحضاري، كلّ شؤونه ينتابها النقص: ناقص في متاعه وفي نمط حياته وفي أفكاره وفي تطوره. إنه ذلك الإنسان الذي لن يحقق هدفه أبداً لأنه ليس بنقطة انطلاق الحضارة مثل (إنسان الفطرة)، ولا هو نقطة الوصول مثل إنسان الحضارة. هو حال مُعلّقة في مسار التطوّر، وفي التاريخ، وفي الحضارة. إنه (الإنسان الصغير) بكل المعاني، هو إنسان أنصاف الأشياء، والذي انكبّ على فكرة ـ وهي فكرة الإصلاح ـ وجعل منها نصف فكرة ثُمّ أطلق عليها اسم (السياسة) لأنه لا يقوى إلاّ على نصف المجهود وعلى نصف التفكير وعلى نصف المرحلة. وها هو نصف الإنسان هذا يعمَدُ اليومَ إلى جعل المشكلة الجزائرية نصف مشكلة في حَضْرَةِ نصفِ الجمعية الجزائرية التي نصفُها الثاني أوروبي استعماري، والتي اتخذ منها الاستعمارُ حلبةً للتنافس على فصاحة الخِطاب بين أنصاف المثقفين…”.

وقد طارت شهرة بن نبي عند صدور هذا الكتاب بعد كتاب “الظاهرة القرآنية”، 1947) وكتاب (“لبيك”، 1948). وفي سبتمبر 1949 دُعِيَ إلى تونس للمشاركة في أشغال مؤتمر حول الثقافة الإسلامية، وهذا للمرة الثانية. وكانت الرحلة من مدينة تبسة إلى تونس مناسبة أُتيح فيها للمفكر أن يلاحظ ما في السلوك الاجتماعي من دعوة إلى التأمل العميق، فسجّل ذلك مُتسائلاً: “هل في أذهاننا مفاهيم صحيحة حول الأشياء التي نستعملها عادةً في حياتنا؟ هل نحن على علمٍ بما يعنيه استخدام كل هذه الأشياء والتقنيات التي نتعاطاها؟” وسيكون هذان التساؤلان نقطة انطلاق لفكرة مقال اختمرتْ في ذهنه(3). ودخل إلى تونس وهذه التأملات تدور في خاطره.

وعند عودته سجّل انطباعاته حول المؤتمر في سلسلة من المقالات. ومما جاء في ذلك: “ينتابني شعور بأنّ ثقافتنا ما هي إلاّ أركيولوجيا. فمُقدِّماتنا المنطقية الفكرية لم تتغيّرْ منذ القرون الوسطى المسيحية، وكذلك استنتاجاتنا هي نفسها منذ خمسة إلى ستة قرون. ورغم أنّ الفكر الديكارتي كان منطلقا للفكر العربي، فنحن لا زلنا بعيدين عن هذا المنطلق، إذْ لا مكان للحياة الواقعية والتجارب اليومية في تعاملاتنا. إننا لا زلنا في عهد التعليم التلقيني الذي تطبعه الخُطَبُ التحريضية والعرائض المبدئية. إنّ تعليمنا هو تعليم رجل الدين والفقيه، وهو تعليمٌ عاجزٌ عن الإتيان بأية إجابة، لا عن انشغالات عامة الناس، ولا عن انشغالات النخبة المثقفة. فأقصى ما يمكن أن تُمثِّلَهُ (ثقافتنا الإسلامية) هو إرادة البقاء على قيد الحياة، لا إرادة التغيير”(4). ولنا أنْ نتخيّل كيف كان أثرُ هذا الكلام في أوساط العلماء! أمّا بن نبي فلم يكن يهتمّ بذلك، إذ شرع في تأليف كتابه الرابع المُعَنْوَنِ بـ”وجهة العالم الإسلامي”.

في سنة 1950 قام بن نبي بنشر “رسالة مفتوحة إلى السيد المفتي الكبير العاصمي”(5) . وهي الرسالة التي يُدافع فيها عن الشيخ البشير الإبراهيمي ويُشِيدُ بالنتائج التي حقَّقَتْها جمعية العلماء المسلمين في مجال التعليم (130000 متمدرساً في 300 مدرسة). وكانت الجمعية وقتذاك تُصارع من أجل تمكين الإسلام من الحصول على نفس المكانة التي كانت عليها الديانتان المسيحية واليهودية، وذلك بتطبيق مبدإ فصل الكنيسة عن الدولة بشكل يمنع ـ حسب قول بن نبي “تعريض المسجد ـ وكذلك الكنيسة ومعابد اليهود ـ لمراقبة الإدارة مثلَما تُراقَبُ محلات بيع المشروبات”. وقد استَدْعَتْهُ الشرطة بسبب ذلك.

وكان بن نبي ينشر بعض المقالات بالعربية من حين إلى آخر في جريدة البصائر، وهي لسان حال جمعية العلماء، كما كان يوقِّع على بعض مقالاته الصادرة في جريدة La République algérienneباسمٍ مُسْتَعارٍ هو (بن كبير)، وهي الجريدة التي كان مساهما فيها منذ سنة 19488. وسجل الملاحظة الآتية حول العلماء في مذكراته: “إنّ ما يُسجّل مِنْ محامد نهضة البلاد في هذه الفترة هو النجاح التام الذي حققه البشير الإبراهيمي في إقامته في بلاد المشرق، حيث أنهى على وجه الخصوص ترتيب شؤون البعثة العلمية هناك. فالفضل يعود إلى الجهود التي بذلها في تَوَجُّهِ كثيرٍ من الشباب الجزائري إلى بغداد أو القاهرة من أجل استكمال دراساتهم. ويبدو أن الإدارة جدُّ قلقة لهذا الشأن“.

وهو غير راضٍ عن العلماء لأنهم رفضوا منحه صفة تمثيلهم في باريس حيث كان يأمل الاستقرار والتفرّغ لإكمال عمله الفكري مستعينا بالمكتبات الباريسية. يقول في مذكراته بمرارة: “لقد ضحّوا بي عمداً… إني وجدْتُ، كمثقف، من العداوة والإهمال والعرقلة لدى السادة العلماء ما لم أجده لدى الفرنسيين”.  وفي مقال نشره في La république algérienne عاماً بعد هذا كتب يقول: “لقد كرّستُ جزءاً كبيرا من حياتي للعمل الإصلاحي، وشهدْتُ شهادة حق عدة مرات لصالح المجهود التعليمي الذي قامت به جمعية العلماء. كما أني تناولْتُ الكلمة في المؤسسات التابعة لها بقسنطينة وغيرها دون أن أكون عضوا في هذه الجمعية. والحق أنّني لمْ أُدْعَ للمشاركة في تسييرها الإداري رغم أنني طلبْتُ منهم ذلك عندما اشتدّت الأحوال في حلبة الصِّراع الإيديولوجي/ الفكري؟”(6).

ولم يكن بن نبي في نقده للعلماء والثقافة الإسلامية عموما يقصد إلاّ تلك التصوّرات الخاطئة التي يحملونها. وهو لا يريد مناوشتهم بالضرورة، لكنه يحاول أن يدفعهم إلى التفتح على نظرة جديدة إلى العالم. إنّ حركة الاستشراق في إدانتها للإسلام كانت تستند إلى تلك النقائص لتُقَوِّي أطروحاتها. ومع ذلك فإنّ بن نبي قد أشاد بابن باديس مِراراً، وأمثلة ذلك ما جاء في:

– مقال له نُشٍر في « Le jeune musulman »  بتاريخ 24 أفريل 1953.

– “وجهة العالم الإسلاميّ”، حيث يشير إلى “شخصية ابن باديس الفذّة التي امتدّ إشعاعها ليُنِيرَ ضمائر الشعب”.

ـ “الصراع الفكري في البلدان المستعمرة”(7)، حيث يصفه بأنه “المجاهد الأكبر في الجبهة الإيديولوجية”.

– مقال له نُشِر في مجلة « Révolution africaine »  في شهر أوت 1967، حيث كَتَبَ يقول:” لم يَخُض ابن باديس المعركة بتحفظات ولا بحسابات (الزعيم)، لكنه خاضها بكيانه كله وبحماس العالِم الروحاني… ومِنْ إنجازاته أنه أحيا قيمة ثقافية إسلامية أصيلة، وجسّدها في ذاته وهو يخوض المعركة، ولم يفعل ذلك وهو قابع في برجه العاجي”.

ـ وأشاد بابن باديس كذلك في شهر ماي 1970 في مجلةٍ صادرةٍ عن مسجد جامعة الجزائر(8).


مراجع :

1) إنه نص قانوني يتكون من ستة فصول، وهو ينص خاصةً على منح الجنسية الفرنسية للنخبة الجزائرية، أي لبضعة آلاف من الأشخاص.

2) مؤسس (الرابطة الدولية ضد معاداة اليهود) التي صارت تسمى فيما بعد (الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة اليهود).

3) مقال تحت عنوان: ’’ الشيء والمفهوم’’« La chose et la notion », ، صادر في جريدة « la République Algérienne » بتاريخ 14 أكتوبر 19499.

4) مقال تحت عنوان: ’’قطيعات واتصالات ضرورية’’« Ruptures et contacts nécessaires »,  صادر في جريدة « la République Algérienne » بتاريخ 11 نوفمبر 19499.

5) « la République Algérienne »   الصادرة بتاريخ 08 ديسمبر 1950.

6) مقال تحت عنوان: ’’ شيء من النّقد… لكنه بنَّاء”« De la critique… mais constructive »,  صادر في جريدة « la République Algérienne »   بتاريخ 22 جانفي 1950.

7) منشورات دار العروبة، القاهرة، 1960.

8) عن سلسلة “ماذا أعرف عن الإسلام” Que sais-je de l’islam.”

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: