فكر مالك بن نبي (23) فشـل النهضـــة

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

إنّ كتاب “وجهة العالم الإسلاميّ” هو الذي خصّص فيه بن نبي أكبر قدر من الشروح لأسباب فشل النهضة سواء أكان ذلك في الجزائر أم على مستوى العالم الإسلامي، وذلك بدءاً بما بَدَرَ عن المثقفين المسلمين خلال القرنين 19 و 20 من تجاهل لظاهرة “الانحطاط”. ذلك أنهم كانوا يعتبرون أفول الحضارة الإسلامية مجرّد غفوةٍ يمكن الاستيقاظ بعدها في عافية تامة، وفي أسوء الأحوال يرون في ذلك تقهقراً في ترتيبهم الإستحقاقي قياساً بأوروبا، وهذا التقهقر يمكن تداركه  مع مرور الزمن وبالمال. أما هو فكان يرى الأمور بوجهٍ مُخالِفٍ تماماً، إذ أن المسألة أخطر مما يتصوّر هؤلاء. فهي ليست تعطّلاً مؤقتا في مسار التطوّر، وهي ليست مجرّد تقهقر في الترتيب، ولا هي نقص في المال، بل هي تدهْور فُقِدتْ فيه الحيويّة، وفُقِدتْ فيه كلُّ القيم الفاعلة اجتماعيا و تاريخيا. إنّ ذلك المجتمع المتمخض عن عصر الانحطاط، أي عصر “ما بعد الموحّدين”، هو الذي كان منبتاً للنهضة بوجهَيْها :  الاصلاحي و “الحداثي”. ولأجل ذلك ، فتلك النهضة كان محكوما عليها بالفشل منذ الإنطلاق. أمَّا المُصْلِحون فكانوا غافلين عن هذه المعطيات “الداخلية”، النفسية و الوجدانية، أو مستخِفِّين بها.

وكان بن نبي يرى أنّ السبب في هذا الفتور والضعف يعود إلى التكوين وإلى أسلوب التفكير لدى الرجال الذين قادوا حركة النهضة، ويقول: “لمْ يضْطلِعْ جمال الدين الأفغاني بدور المفكر الذي يغوص في أعماق المشاكل ويهيِّء لها الحلول. فهو لم يوظّف ثقافته الهائلة إلاّ كوسيلة تربوية في حركته الثوريّة. فقد كان أثر حركة الأفغاني نفسياًّ وفكرياًّ أكثر منه سياسياًّ في ذلك العصر المتميّز بالركود التام في أحوال العالم الإسلاميّ… وهو إنْ لم يكُنْ مديراً ولا مُنَظِّرا للحركة الإصلاحية الحديثة، فهو رائدها بفضل المجهود الذي بذله في استشفاف الانشغالات ونشرها طيلة حياته التي قضاها في الارتحال، ونحن مَدِينُون لهذا الإنجاز فيما نراه اليوم من جهودٍ نهضوية، وبفضل اجتهاده في إعادة ترتيب البيت الإسلاميّ سياسياًّ. غير أنَّ ذلك العمل كان مُوَجَّهاً إلى الجماهير والمؤسسات، ولم يكن مُوَجّهاً إلى الإنسان الذي كان يجب إصلاحه، ذلك الإنسان هو إنسان ما بعد المُوحِّدين. كان الأفغاني يتمتع بنظرة صائبة إلى التعفن الحادث في محيطه ، لكنه كان يرى أنه بالإمكان القضاء على ذلك التعفن بمجرد إلغاء إطاره المؤسساتي دون أن يضيع وقتاً في دراسة العوامل الداخلية للوضع. فمع كون جمال الدين الأفغاني رائد الحركة الإصلاحية، وهو يبقى ذلك البطل الأسطوري في ملحمتنا الحديثة، إلاّ أنه لم يكن هو نفسه “مُصْلِحا” بالمعنى الدقيق للكلمة. والشيخ محمد عبده هو الذي سيكون له دور أن يطرح مشكلة الإصلاح بجميع أشكاله ووجوهه. ومحمد عبده مصري أزهري، فهو ابن بلدٍ تربطه بالأرض صلة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ويعني ذلك أن مصر كانت على الدوام مجتمعاً، أي أنها تُمثِّلُ وسطاً يذوب فيه الفرد داخل جماعته، ويعيش متمتعا بحس مرهف تُجاه واقع المجتمع. فبعد أن اطّلع محمد عبده على مأساة المسلمين، كان عليه أنْ يُحَوِّلها إلى مشكلة اجتماعية، بينما كان جمال الدين الأفغاني بروحه القبَليَّة المُغامِرة ينظر إلى تلك المأساة من زاوية النظر السياسية. إنّ الإصلاح عند محمد عبده كان مشروطاً بإصلاح الفرد، وهو يستند في ذلك إلى النص القرآني، إذ يقول تعالى: “إن الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم“. إنَّ هذه الآية التي صارت نبراساً ينير طريق النزعة الإصلاحية ـ خاصة في شمال إفريقيا ـ تتضمن إفصاحاً قوياًّ عن المشكلة الاجتماعية بِرُمّتها، والتي يوجد عنصرها الأساسي على مستوى نفس الفرد المسلم. فما السبيل إلى تغيير تلك النفس؟ هذه هي النقطة التي برزت فيها روح محمد عبده المذهبية. فهو يرى أنّ إعادة صياغة العلوم الدينية الإسلامية أمر ضروري، وسينهج محمد إقبال هذا النهج فيما بعد. غير أنّ لفظ (العلوم الدينية) هذا هو الذي سيكون سببا في فشل الحركة الإصلاحية لأنه سيَحِيدُ بها عن الصواب في بعض مبادئها الأساسية، كالسَّلفية مثلاً. وبالفعل فإنّ العلوم الدينية لا تُعْنَى بمشكلة النفس إلاّ في مجال العقيدة والمذهب. والحال أن المسلم، حتى في مرحلة ما بعد الموحدين، لم يتخلَّ أبداً عن عقيدته. فقد بقي مؤمنا، بل متعبِّداً حتى فَقَدَتْ عقيدتُه فعاليتَها لأن إشعاعَها الاجتماعي انطفأ وَخبَا، وصارت منطوية على نفسها بنزعة فردية، ونتيجةُ ذلك أن إيمان الفرد صار منفصلا عن وسطه الاجتماعي. إنّ سيرة هذين الزعيمين النهضويين تنطوي على خلاصةٍ الأسباب التي حالت دون بروز الفاعلية في الجهود المبذولة التي لا تعدو كونَها إحياءً علوم دينية لم تطرح مسألة “وظيفة الدين الإجتماعية”، كما أنّها لم تشرع أبداً في التمييز بين الغث والسمين فيما يتعلق بالسُّنَّة”.

يقول بن نبي: “إنّ كلمة (السُّنّة) في اللغة العربية كلمة سحرية: فهي بإمكانها أن تشمل كل الخرافات والخزعبلات مصبوغة بصبغة الإسلام المَجيدة. فبينما كانت قوة (ميجي Meiji) الدافعة تنحو باليابان نحو التقنيات، بقيت قوة النهضة الإسلامية منحصرة في المجال الذي حَبَستها فيه الميول الطبيعية لدى إنسان ما بعد الموحِّدين ـ الذي لا يُعير اهتماما بالفعالية ـ  من جهة، والمعطيات الخاصة بالمؤسسات الثقافية التي فقدتْ غايتها الاجتماعية منذ أمَدٍ بعيدٍ”.

وانطلاقا من ذلك راح بن نبي يتنبَّأُ بالنتائج الوخيمة التي ستتمخض عن ذلك اللُّبْسِ الذي ستظهر ثِماره المُرَّة بعد ذلك في شكل خطاب إسْلامويٍّ وأعمالٍ إرهابيَّةٍ. وهو يقول: “وهكذا تَهَاوَى المَثَلُ الأعلى الإسلامي، الذي كان عنوانا للحياة والحركة، في ظُلُمَاتِ الغطرسة، وبالتحديد في الشعور بالاكتفاء، تماماً كما يحدث للمتعبِّد عندما يظن أنه بلغ حدود الإتقان بأداء الصلوات الخمسة دون أنْ يحاول إصلاح نفسه أو دفعها نحو الأحسن…إنه كائن كامِلٌ على الإطلاق، تماماً مثل الموت ومثل العدم. ولهذا صارت الآلية النفسية المتحكمة في تطوّر الفرد والمجتمع مُعطَّلةً بهذا الاكتفاء المؤدي إلى الخمول. فنحن في مجتمعٍ لم تُنْتِج الحقيقة فيه غير الظُّلم، مجتمع نخبتُهُ الأخلاقيةُ كائناتٌ راكدة في رداءتها وفي نقائصها التي لا تحتمل إصلاحاً. إنّ الفرق بين الحقيقة كمفهوم نظريٍّ بسيط يُضيء التفكير المُجرّد، وبين الحقيقة الفاعلة التي تُلْهِمُ أفعالاً ملموسة، فرقٌ جوهري. بل إنّ الحقيقة بوصفها عاملا من العوامل الاجتماعية يمكن أن تتحوّل إلى مصدرٍ للضرر عندما لا تُلهم الحركة وتشلُّها وعندما لا تتطابق مع دواعي التحوُّل، بل مع ذرائع الخمول الفردي والاجتماعيّ… إنّ هذا الشلل المعنوي الذي يعتبر أخطر مخلفات مرحلة ما بعد الموحدين بدون منازع، يُجمِّد المجتمع الإسلامي العاجز عن بذل المجهود الكافي لتحقيق نهوضه. أما الشلل الفكري فما هو إلاّ نتيجة لذلك الشلل المعنوي…” (“وجهة العالم الإسلاميّ”).

إنّ هذا النصّ يلقي ضوءاً ساطعا على حالة الفوضى النفسية التي يعيشها المسلمون دون أن يعرفوا طبيعتها وأسبابها. والبلدان الغربية التي تتواجد بها جاليات إسلامية تلاحظ آثار تلك الحالة في الحياة اليومية، وقد بدأ الانشغال يتنامى حول نتائج ذلك على مستقبلها. أما التفسير الذي يقدمه بن نبي في هذا النص فهو يوضح كثيرا من المسائل المتعلقة بسلوك المسلمين تُجاه غيرهم. والعبارة القائلة ” متسوِّلون ومتكبّرون ” تصوِّر المفارقة الناتجة عن تلك الحالة. وهي المفارقة التي تظهر في صور الكبرياء والوقاحة والشعور بالاستغناء عن الغير، بل والاحتقار الذي يظهر بدرجات متفاوتة لدى المسلمين تُجاه غيرهم، والذي سببُه ما وقع فيه المسلمون من خلطٍ بين الفكرة الإسلامية و ذواتهم.

والنوع الثاني من الشلل ناتج عن سابقه : إنه التقليد. فعندما تتوقف عملية التحسين الذاتي المعنوي والأخلاقي، ينتج عن ذلك حتما توقفٌ في عملية تعديل شروط الحياة، ويصير الإنسان عاجزا عن التفكير في ذلك التعديل والتخطيط له. ويؤول الفكر بالتدريج إلى حالة من الجمود والتسمّر في عالمٍ لا تفكيرَ فيه بسبب غياب الغاية الاجتماعية التي يُفترض أن يفكر فيها. يقول بن نبي في ذلك: “التقليد، أو النمطية الخُلُقية، يقتضي حتماً الإعراض عن الجهد الفكري، وعن ذلك الاجتهاد الذي كان بمثابة التعليمة الأساسية في الروح الإسلامية في عصر العظمة. أما “التجديد”الذي جاء بعد المجهود الذي بذله محمد عبده، فلم يكن بالأساس إلاّ تجديدا أدبياًّ لم يمنع من بقاء الفكر الإسلاميِّ رازحاً تحت وطأة تقليد خانق. أما من الجانب الإصلاحي فقد بقي ذلك الفكر مرتبطاً بالمواضيع القديمة، أي: علوم الدين، والفقه، والفلسفة، والتعليم التلقيني. ولم يحدُثْ أن تجاوز الفكر الإصلاحي تلك الحدود التي وضعها زعماء الإصلاح في كل المجالات السابقة… وحتى في تلك البلدان الإسلامية غير الواقعة تحت الوصاية الاستعمارية لم يُحقِّق الفكر شخصيته ولم يُثْبِتْ وجوده وقيمته الاجتماعية بوصفه وسيلة عمل وقاعدة أساسية للنشاط… وقد تكرّس هذا الوضع الذي فقد فيه الفكر فاعليته حتى تحوّل النشاط إلى شغبٍ و مرجٍ مُخْزٍ، وما ذلك إلاّ شكل من أشكال الشلل الاجتماعيّ. فكل عمل حقيقي له علاقة مباشرة بالفكر، وإذا ما غابت هذه العلاقة كان العمل عشوائياًّ لا انسجام فيه، وأصبح شبيها بالمجهود المبذول بغير طائل” (“وجهة العالم الإسلامي”).

ويستنتج بن نبي من ذلك أنه “لا ينبغي أنْ نتعجب مِنْ أنّ الفكر العربي لم يحقق معنى الفعاليّة بعدُ. ذلك أنّ سلطة الكلمات والأشكال تعطي طابعا سطحياًّ لكل محاولة لترجمة النهضة… إلى درجة أنّ بعض الحقائق الحيّة التي أعطتْ للحضارة الإسلامية وجهها المميِّز في الماضي، لمْ تَعُدِ اليومَ إلاّ حقائق ميِّتةً مدفونة في جُمَلٍ جميلةٍ وعِلْمٍ غزير. ويبدو أن المثل الأعلى لمْ يتغيّرْ منذ عصر الانحطاط: فالشِّعار الغالب هو (بئر العِلْم) التي يغرق فيها العلم ويفقد معنى دوره الاجتماعي… أما الثقافة فهي متجهة إلى التبجُّحِ بالماضي حتى صارت عملاً أركيولوجيا لا يصبو فيه المجهود الفكري إلى التقدم، بل إلى التقهقر“.

وفي وقت لاحق يأتي إدوارد سعيد  ليذكر  “سكينة السُّنَّة وهيبتها وجلالتها التي لا تَطَالها الأيدي”. ويُتابع قائلا: “إنّ بيت القصيد عند المثقف في الإسلام يكمن في إحياء الاجتهاد والتأويل الشخصي، ولا يكمن في التنازل الكلِّيِّ لمواجهة الطموح السياسي لدى علماء الدين والديماغوجيين الكاريزماتيين“ (1). و يعتبر المفكرالبريطاني توينبي Toynbee هذا الموقف بمثابة “خطيئة الشّرك”، ويقول : “إنّ الموقف السِّلبي الأعمى تُجاهَ الحاضر يأتي مِنْ النظرة الخاطئة إلى الماضي. وهذه النظرة الخاطئة في حد ذاتها بمثابة خطيئة شرك”. أمَّا محمد عبده فكان يُطلِق عبارة “أهل الجمود” على علماء زمانه. وقد كتب ابن خلدون قبله حول علماء الدين قائلاً ما معناه أنهم “يتشبَّثون بالماضي دون أنْ يفهموا أنّ الإتقان ليس وراثيا”(2)

و في نهاية الأمر اخْتُزِلَ طموح الإصلاحيين في حركة تقليد عبّر عنها بن نبي بقوله: “صارت هذه الحركة تصبو في النهاية إلى تزويد المجتمع الإسلامي بالوسائل الكافية للدفاع عن نفسه وتبرير وجوده، بدلاً من تغيير ظروف حياته الواقعية والأساسية… وهكذا انجرَّتِ النهضة إلى طريق نزعة التَّشْيِيء  (choséisme)… فلِتَبْرِيرِ وجودهم راح المسلمون يصقلون أداةً ذات حدّيْن: فَهُمْ يتصوّرون أو يُعيدون خلق مَذاق القيم الإسلاميّة من أجل مواجهة الإمبراطورية الثقافية الغربية. لكنهم إذْ يُواجهون الاستعمار بهذا الأسلوب يتركون عناصر القابلية للاستعمار على حالها“. ويضيف الكاتب في “آفاق جزائرية” قائلا: “إنّ الذين اطّلعوا مِنْ أبناء جيلي على كتاب “الإفلاس الأخلاقي للسياسة الغربية في المشرق” للمفكر التركي أحمد رضا، أو على آثار شكيب أرسلان، إنّما قرؤوا كتبا تدافع وتبرر، ولم يقرؤوا كتبا تبني وتوجِّه”.

فقد ذهبت الجهود الفكرية التي بُذِلَتْ في النهضة هباءً لأنها لم تكن إلاَّ ومضات تمجيدية أو جدلية، وكان عليها أن تتبلْور في شكل مذهب يوضح معالم النهضة. وفي هذا يقول بن نبي: “إنّ الإصلاح الجزائري نفسه لم يكن إلاّ جدلاً ضد الطرقية maraboutisme والاستعمار“. وبُغْيةَ فَهْمِ نقائص تلك الجهود كلها، فبن نبي يؤكد على “ضرورة تصوُّر لو أنّ أعمال ماركس وأنجلز أو لينين اكتفتْ بانتقاد المجتمع الرأسمالي، دون ان تُلْقِيَ بنظرتها على نقائص الطبقة العاملة، ولم تمتد إلى التفكير في كيفية بناء المجتمع الاشتراكيّ”.

وكانت علوم الدين ( الثيولوجيا) بمثابة مُضايَقة مزدوجة للعقول، لأنها جاءت مانعة رادعة في أغلب وجوهها. فقد عمدتِ (السَّلَفيّة) وعلومُ الدين ومعهما تيارُ التقليد إلى تقديس الماضي والتقليل من خطورة آثار الانحطاط، كما عمدتْ إلى إعفاء المسلمين من المسؤولية في مصيرهم التاريخي وتبرئتهم من كل خطأ، وأعْرَضَتْ عن تكييف مواقفها الفكريّة مع واقع العالم الحديث. وهي ـ أي السَّلفيَّة وما يتبعها ـ بذلك تكون قد أغلقت الطريق دون تطوُّرِ العقل الإسلامي وحصرتِ النهضة في الإشادة بالشعائر الدينية وأساليب الحياة الماضية. إنّ تلك الثقافة التي لا تؤمن بالسَّببية والإبداع وترفع من شأن تقليد نموذج سابق يدعو إلى “التواكل” (الاعتماد المطلق على الله) و”اليقين”، تلك الثقافة لم يكن بإمكانها إلاّ أنْ تُكرِّس العقليات المستسلمة، القَدَرِيَّة، والتي تعيش خارج ديناميكية التاريخ، عقليات اكتسبت نوعا من المناعة ضدَّ روح التنافس، وضدّ جهاد الإنسان من أجل قهر الطبيعة وتجاوز كل الصعوبات، وضدّ “الصراع التراجيدي” وروح المبادرة.

وهل كان بإمكان السلفية وما يتبعها أن تُنْتِج غير الزهد السوداوي، وانتظار يوم البعث، وعدم الاعتراف بأية مناقشة، والممنوعات والاستبداد ؟ فالله هو الملك، والمؤمن ما عليه إلاّ أن يعيش مثل النبات. أما المشاكل التي تُطرَح في ساحة التاريخ، وأمَّا الطبيعة والمنافسة الدولية، فإنّ الثقافة السلفية تُواجهها بفضائل بسيطة، مثل التضامن، والمساواة، والعدل، والخلود الموعود في الجنّة. وهي تواجه النقاشات الفكرية ب”إجماع العلماء”… وبناءً على ذلك فإنّ هذه الفئة التي لا رغبة لديها في النهضة، ولا إرادة، ولا منظومة مفاهيمية، هذه الفئة لا يمكن لها أن تضطلع بمسؤولية الإقلاع بالنهضة ثُمَّ قيادتها إلى برِّ الأمان. والحال أنّنا كُلَّما تطرّقنا إلى هذه المسألة كان لجوؤنا مباشرة إلى علماء الدين والمؤسسات المسؤولة عن القضايا الدينية، ولم يحدث أن لجأنا إلى الجامعات ورجال الفكر أو الباحثين لاستشارتهم حول النهضة. ونحن نعرف أن النهضة في بلدان الغرب لم يقم بها رجال الكنيسة، بل قام بها مُصلِحون ذوو عقلٍ متفتِّحٍ، وعلماء وفنانون ومفكرون وفلاسفة وقادة سياسيون.

غير أنّ الحركة الإصلاحية الإسلامية ليست هي وحدها التي تتحمل مسؤولية فشل النهضة. فالتيار الحداثي، وهو أخوها التوأم، يتحمل جزءاً كبيرا من المسؤولية في ذلك. وقد انكبّ بن نبي على دراسة الظروف التي أحاطت بتشكُّل هذا التيار، ويقول في ذلك: ’’ عندما اكتشفت أوروبا العالم الإسلامي لم تمْنحه من روحها ومن حضارتها إلاّ النزر القليل ممّا تقتضيه حياة المُعمِّر من مظاهرَ آنيةٍ للتَّرَفِ. ومع ذلك، فعلى صعيد الأهليّة (الأنديجانا) كان مِنْ إنجازاتها ما يُسمّى بمدرسة الأهالي (الأنديجانا)، وكانت نقطة انطلاق الحركة الحداثية من هذه المدرسة بالذات. فـ (المدرسة الحديثة école) على مستوى الحداثة هي بمثابة (المدرسة القرآنية) على مستوى الإصلاح. وممّا قامتْ به المدرسة القرآنية أنها نشرتْ فكراً إسلامياًّ بوجهٍ جديدٍ نسبياًّ، أما المدرسة الحديثة فقد أدخلتْ بعض العناصر الثقافية الجديدة إلى العالم الإسلامي. الأولى كان لها أنْ أحْدثتْ قطيعةً مع مرحلة ما بعد المُوَحِّدين، والثانية كان لها أنْ أحدثتْ اتصالاً بالفكر الغربيِّ… ومن جهةٍ أخرى فقد صار الأهليّ (الأنديجان) الذي التحق بالمدرسة الحديثة أخاً لذلك الذي ينتسب إلى المدرسة القرآنية: ونتيجة لذلك فنفس العادات الذهنية، ونفس الإرث الاجتماعيِّ اللّذيْن كانا يُميِّزان الحركة الإصلاحية سيَطْبَعَانِ الحركة الحداثية كذلك، والكلّ في مزيج من بعض العناصر الحديثة المأخوذة من الكتب أو من واقع الحياة الأوروبية كما تبدو من خارج أوروبا… والعقل الإسلامي كان منذ قرون عاجزاً عن الغوص فيما وراء ظواهر الأشياء، فهو لا يفهمُ بل يحفظ القرآن. فبعد أنْ رأى هذا العقل أنَّ بإمكانه الاستفادة من تلك (المنتوجات) الأوروبية راح ينهل منها دون أن يعرضها على غربال النقد. إنّ مِنْ طبيعة القِيَمِ أنّها تُناقَش، أمَّا الأشياء فهي تُسْتَخْدم. ولم يشغل المسلمون بالَهم بالتفكير في الكيفية التي أُوجِدَت بها تلك الأشياء، بل اكتفوا بالبحث عن كيفية الحصول عليها. وهكذا بدأت معالم المرحلة الأولى من الحداثة بالظهور في العالم الإسلاميّ الذي راح يتبنّى الأشكال دون الاهتمام بالمضامين. إنّ هذا الوضع أدّى إلى انطلاق تطوُّرٍ عشوائي تتزايد فيه حاجيات المجتمع  بينما وسائله ثابتة… وهذا التطوّر الظاهريّ لم يكن في حقيقته إلاَّ تمويهاً لتغيّرٍ شكليٍّ بسيط لِما انطوتْ عليه مرحلة ما بعد الموحدين مِن شكلها القديم البالي إلى شكلٍ حديث… فالحركة الحداثية ، في الواقع، لا تعكس أية فكرة واضحة المعالم. وهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون بَلْوَرَةً لحالة انبهار عابر. ولم تنهج حركة الحداثة مِنْ طريق واضحة إلاَ تلك الطريق التي حوّلت الإنسان المسلم إلى زبون مُقَلِّد تقليدا أعمى لحضارةٍ أجنبية تُرحِّبُ به في متاجرها أكثر مما تُرحب به في مدارسها” (“وجهة العالم الإسلاميّ”).

وكان بن نبي قد كتب في إحدى مقالاته قبل صدور “وجهة العلم الإسلامي” ما يأتي: “إنّ هذه الحركة لا تترجم مجهودا للبناء بل مجرد تراكم. ذلك أنّ النزعة الحداثية الإسلامية لا تبني حضارة بل تُراكمُ موادها فقط: فهنا طبيب، وهناك مختص في الصوتيات، وفي مكان آخر مهندس، وفي مكان أبعد جهاز راديو(3)“.

أمَّا على الصعيد السياسي فإنّ إنسان ما بعد الموحِّدين الذي نَعتَه بن نبي بأنه كائن جامد، هذا الإنسان بدا له أنه عاد إلى الظهور تحت مظهر الإنسان “الحداثيّ”. وهو يقول في ذلك: “إنّ الكائن الأميبي الذي لم يكن يملك قوت يومه تأثّر لحاله وأرسل زائدته الخلوية لاصطياد فريسة خيالية سمّاها (الحقّ). وهكذا ظهر (البوليتيك)، وهي زائدة خلوية لمجتمع يتضوّر جوعا لكنه لا يملك ما يسدّ به الرمق”. ويواصل بن نبي متصلبا لرأيه قائلاً: “إنّ الحركة الحداثية ليست موجهةً إلى أفعال ووسائل، لكنها موجهة إلى أنماطٍ وأذواق وحاجيات. وعندما يُحمّل مُمَثِّلوها مسؤولية ضعفهم للاستعمار، يظهر لنا أنهم يفعلون ذلك للتذرّع والتهرب من مسؤوليتهم. وعلى أيٍّ فإنّ هذه الذريعة قد استعملتها الحركة الإصلاحية التي لم تكن هي أيضا تحاول معرفة الأسباب الداخلية وراء نقائصها، وهي تُحمِّل مسؤولية تلك النقائص للسلطات السياسية الأجنبية. فكلا التيارين لا يحاول إيجاد حلّ لنقائصه، بل يسعى إلى إخفائها على الشعب…”

لكنّ بن نبي، وبحُكْمِ عَدْلِهِ يعترف لهذه الحركة بأهمّ إيجابياتها التي تتمثل في كونها حرّكتِ العقولَ، فيقول: “إذا كانت حركة الحداثة لم تأتِ بأية عناصر ثقافية على الصعيد الفكري‘ وذلك لعدم احتكاكها الحقيقي مع الحضارة الحديثة، ولعدم تحقيقها لقطيعة فعليّة مع مرحلة ما بعد المُوحِّدين، فإنّها كانت، بفضل بعض اقتباساتها من الغرب، سببا في ظهور حركة في الأفكار التي، وإنْ كانت قابلة للنقاش، فقد جاءت لتُحدِث إعادة نظر كُلِّيَّةٍ في المقاييس التقليدية“. فهو إذاً لا يُنكِرُ الإسهام الإيجابيَّ الذي جاءت به حركة الحداثة التي “نجحتْ في بلْورةِ الوعيٍ الجماعيٍّ الذي غاب عن البلدان الإسلامية منذ معركة صفّين، ومثّلت النقطة الإشارية التي إنْ لم تدُلّ على الهدف الأساسيّ، فهي تدلّ على بعض الأهداف الإجرائية نسبياًّ، والتي مِنْ شأنها أنْ تجتثَّ الجماهير الإسلاميَّة من لا مُبالاتها وجمودها” (“وجهة العالم الإسلاميّ”).

إنّ فشل النهضة لم يحرم المسلمين من إيجاد حلول لمشاكلهم فحسب، بل زاد الوضعية السابقة تعقيداً. يقول بن نبي :  “وهكذا نشعر وكأنّ طاقات كامنة حُرِّرَتْ دون أنْ يُخصَّصَ لها مكان أو يُسندَ لها دورٌ. فالعالم الإسلاميّ الحديث يتحرّك، لكن حركته تشبه حركة القارورة المُغلقة، أو أنبوب تجارب الكيميائي، حيث لا يمكن إرجاع التفاعلات الحادثة داخله إلى أي قانون مُحدَّدٍ. إنها مأساة الحركة التي تسعى إلى التحرر من الجمود، وهي مأساة العقل الذي يُصارع عدم انسجامه، والإنسان الذي لا يدري ماذا يجب أن يفعل بعد استيقاظه… إن العالم الإسلاميّ اليوم هو نتاجٌ هجين من أدرانٍ موروثة عن مرحلة ما بعد الموحِّدين، ومِن عناصر ثقافية وافدة وجديدة أتت بها حركة الإصلاح وحركة الحداثة. وهذا النتاج ليس حصيلة لتوجُّهٍ مدروسٍ أو تخطيط علميٍّ. إنه مُركَّبٌ هجين متكوِّن مِنْ موروثات غير مُصفّاة وعناصر جديدة غير منتقاة. إن هذا المزيج من عناصر آتية من مراحل تاريخية مختلفة ومِنْ ثقافات مختلفة، بدون أية رابطة طبيعية أو جدليّة، هذا المزيج كان سببا في ميلاد عالمٍ رأسُه من سنة 1949 ورِجلاه مِنْ سنة 1349، وأحشاؤه آتية من فترات واقعة بين هذين التاريخين”(“وجهة العالم الإسلاميّ”).

إنّ الطريق الخاطئة التي سارت فيها حركة النهضة أفْضتْ إلى حالة حرمان، وقد استشَفَّ بن نبي مِنْ وراء تلك الحالة بعض العوامل ذات الصلة بمسألة الاقتباسات التي تطرح مشكلة بيوتاريخية، وعوامل أخرى تتعلق بموقف المسلم إزاء المشاكل التي تواجهه والتي تطرح مشلكة ذات بُعْدٍ نفسيٍّ. يقول في ذلك: “إنّ المجتمع الإسلامي يواجه مشكلة الاقتباسات منذ قرنٍ: ذلك أن حركة النهضة أدَّتْ إلى كل أنواع التجديد والاقتباس، وهو في نفس الوقت مُكَبّلٌ بقيود نزعته التقليدية’’ (“وجهة العالم الإسلامي“).

وبن نبي يعترف فيما يتعلّق بالعامل الأول أنّ كل المجتمعات تعيش هذا التمازج بين العناصر التقليدية وبين العناصر المقتبسة من الثقافات الأخرى. لكن هذه العناصر المقتبسة يجب أنْ تُعالَجَ كي تتناسب مع العناصر التقليدية التي ستنضمّ إليها في ذات الفرد المتلقّي. ذلك أنّ الحياة الاجتماعية، شأنها شأن الحياة العضوية، تتحكّم فيها قوانين شبيهة بتلك القوانين التي تتحكم في عملية نقل الدم. وبمقتضى هذا القانون، فإنّ العناصر المميِّزة لثقافات مختلفة ليست قابلة للتبادل جميعاً وفي جميع الحالات. وفي ذلك يقول بن نبي: “إنّ العناصر الاجتماعية الجديدة لا يتمّ إدماجها في المجتمع المُسْتقْبِلِ إلاّ بتوفُّرِ شروطٍ مُعَيَّنةٍ، أي: الحاجة الماسّة أو الضرورة القُصْوى. والحالُ أنَّ المجتمع الإسلامي لم يُراعِ هذه الشروط منذ نصف قرنٍ. فهو يقتبس بدون أي مقياسٍ أو نقدٍ. وقد يكون ذلك بسبب الضغوط، وأكثر من ذلك بدافع التبجُّحِ والفراغ العقلي. فالالتباس والفوضى في المجال السياسيِّ هما نتيجة لعملية مزجٍ بين أفكارٍ ميِّتةٍ وموروثٍ غير مُصَفَّى مِنْ جهةٍ، وبين أفكارٍ مقْتبسةٍ وخطيرة جداًّ، خاصّةً وأنها اجْتُثَّتْ مِنْ سياقها التاريخي والعقليِّ المتمثل في الإطار الأوروبي… ويبقى أنّ تصفيةَ العناصر الميِّتةِ وتنقية العناصر الآيِلة للزوال هما عِمادُ النهضة الحقيقية” (“وجهة العالم الإسلاميِّ”).

وممّا سجّله بن نبي أنّ القدّيس توماس الأكويني Saint Thomas d’Acquin قد أدى في الحضارة الغربية دور المُنَقِّي الذي خلَّص الثقافة الأوروبية من تأثير الفلسفة الإسلاميّة، وذلك بالحرب التي شنّها ضدّ مذهب ابن رشد. أمّا ديكارت فكان له الفضل في ربط تلك الثقافة بالروح العلميّة بإدخال المنهجية والبرهان في العقلية الأوروبية. إنّ النهضة الإسلامية لم تطرح مشكلتها من زاوية نظر حضارية، أي “على صعيد أسُسِها وإرادتها وقدرتها، بل على صعيد إنتاجاتها“. وهكذا انجرّتْ هذ النهضة إلى نزعة التّشْيِيءِ والتراكم. فبدلاً من “المبادرة بتشييد حضارةٍ، رُحْنا نسعى إلى لملمة منتوجاتها. فما أُنْجِزَ في النهضة الإسلامية ليس بناءً، بل كان تجميعا للمواد. والسبب الذي منع النهضة الإسلامية من بلوغ النتيجة المرجوّة بعد مضيّ قرن كامل من انطلاقها، في الوقت الذي تمكنت فيه مجتمعات أخرى من تحقيق تلك النتيجة مع أنها انطلقت من نفس النقطة، ذلك السبب لا يكمن في نقص الوسائل، بل في غياب الأفكار”.

وقد وقف بيرنار لويس Bernard Lewis على نفس النتائج التي توصل إليها بن نبي قبله بشأن بعض النقاط، فهو يقول مُستعْرِضاً أسباب فشل النهضة الإسلامية: “كان العالم الإسلامي في عصر قوّته يحتقر الحضارات الأخرى، وكان يرى أنه في غنى عنها. فالمسلمون يتأفّفون من زيارة بلاد (الكُفَّار)، ولا يُعيرون اهتماما بلُغاتها وآدابها وأفكارها الفلسفية، ولذلك لم يقوموا بترجمة ما أنتجه العقل الغربي بين القرنين 11 و 14 إلى اللغات التي يستعملونها (العربية والتركية والفارسية)، واكتفوا بالكتب الخاصة بتقنيات الحرب. وابتداءً من القرن 18 راحوا يسعون إلى اكتساب التقنيات الغربية، لكنهم لم يهتموا بالأفكار الاجتماعية والسياسية. ذلك أنهم كانوا يرون أنّ التحديث يمكن أن يجري من دون الارتماء في أحضان الغرب، فلمْ يُبادروا بمراجعة منظومتهم القانونية بخصوص نظام الرّق والتعامل مع الأجانب إلاّ في وقتٍ متأخر. وكانوا يكرهون تجديد مؤسساتهم السياسية، إذ فضَّلوا الاستمرار في الحكم بنظام الاستبداد. أما النساء فلم يتم إدماجهنّ في الحياة الاجتماعية…’’. وكلّ هذه الانتقادات مؤسسة رغم ما عُرِفَ عن هذا المستشرق الأنجليزي الأمريكي مِنْ تحيّز ومِنْ مُعاداة للمسلمين(4).


مراجع :

1) إدوارد سعيد. ( عن المثقفين والسلطة Des intellectuels et du pouvoir)، منشورات Marinoorالجزائر، 20011.

2) المرجع السابق.

3) “عشية حضارة إنسانية ؟” A la veille d’une civilisation humaine ?’’. عن جريدة la RAالصادرة بتاريخ 01 جوان 19511.

4) ورد في مقال منشور شهرَ أوت 2005 بجريدة (Le monde diplomatique) حول هذا المستشرق ما يأتي : “ إنّ بيرنار لويس ذو وجهين مثل الإله الروماني  جانوس Janus . وهو جامعي بريطاني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ 19744، وصاحب عدة أعمال منشورة حول العالم الإسلاميّ. وهو متميّز بمساندته المطلقة للسياسة الإسرائيلية… ومنذ اعتلاء جورج بوش سدة الحكم صار مستشارا يُؤخذ برأيه. ونظرا لميله إلى تيار المحافظين الجدد، وخاصة منهم السيد بول وولفوويتز Paul Wolfowitz، فقد أشاد به هذا الأخير ـ لمّا كان كاتب دولة بالنيابة لشؤون الدفاع ـ  بمناسبة حفل تكريم أقيم له في تل أبيب شهرَ مارس 2002 قائلاً: ’’ لقد علّمَنا بيرنار لويس كيف نفهم تاريخ الشرق الأوسط المعقد والهام، وعلَّمَنَا كيف نوظف ذلك في الانتقال إلى المرحلة القادمة…’’. وبعد عام من ذلك كان بيرنار لويس هو الذي (قاد) الإدارة الأمريكية نحو (مرحلتها القادمة) في العراق. فقد بيّن كيف أنّ غزو هذا البلد سيكون بمثابة فجر يوم جديد، وأنّ الجنود الأمريكان سيتمّ استقبالهم كمحرِّرين… إن التقارير الصادرة باللغة الفرنسية حول أعمال بيرنار لويس تغضّ الطَّرْفَ عن تلك المعركة التي خاضها… كان الشرق الأوسط في حالة غليان غداة حرب السويس سنة 1956، إذ تنامتْ الروح الوطنية في كل مكان، أما الإسلاموية السياسية فقد كانت محصورة في حدود ضيقة. ومع ذلك فإنّ بيرنار لويس كان يحسّ بعزم الشعوب العربية على التحرر من الوجود الغربي لا بوصفه وضعا سياسيا، لكن بدافع كراهية الثقافة الغربية. وكان بيرنار لويس ثابتا في مواقفه مستهترا بالتغيرات التي تزلزل المنطقة، إذ عاد إلى فكرته المتعلقة بصدام الحضارات سنة 1990… وخلاصة الفكرة أنّ العرب يكرهوننا ليس بسبب أعمالنا لكن بسبب رفضهم لقيمنا المتعلقة بالحرية، ولأنهم فقدوا قوتهم منذ قرنين. وما تأميم قناة السويس على يد جمال عبد الناصر سنة 1956 إلاّ دليل على حقد المسلمين على الغرب. وسقوط نظام الشاه والثورة الإيرانية سنة 1979، ما هما إلا دليل آخر على ذلك. وقِسْ على هذا كُلاًّ من انتفاضات الشعب الفلسطيني ضد سلب أراضيهم، والمقاومة العراقية. أما الصراع في كوسوفو والبوسنة فهو دليل على رفض المسلمين لحكم الكُفَّار… إنه مؤرِّخ عجيب يمرّ مرور الكرام على الأحداث الفعلية، فيغضُّ الطَّرْف عن كل ما يتعلّق بالبترول، وهجرة الفلسطينيين، والتدخلات الغربية…’’.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: