فكر مالـك بـن نبـي (22) النهضـة

فكر مالـك بـن نبـي (22) النهضـة

بقلم نورالدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

إنَّ بن نبي، ذلك الشَّاب الذي اكتسب ثقافة واسعة بشؤون الحياة خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، صار يهتمُّ بالحركة الإصلاحية التي كان يقوم بها عبد الحميد بن باديس في قسنطينة بالذات. وقد وصلتْ فكرة ُ النهضة إلى الجزائر بين سنتي 1914 و 1922 بعد عودة الطلبة الجزائريين الذين تابعوا دراساتهم في تونس أو القاهرة أو الحجاز، مِنْ أمثال ابن باديس، والطيب العقبي، والعربي التبسي، والبشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي وغيرهم، هذا بالإضافة إلى ظهور الصحافة باللغة العربية وانتشار كُتُبِ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي والطهطاوي…إلخ.

وقد أُتيح لبن نبي أن يحتكّ بالتيار الإصلاحي الحداثي ذي التكوين الفرنسي عن طريق مطالعته للصحف الصادرة بالفرنسية. وكان هذا التيار يُطالِبُ بالحقوق، ويطلب إدماج الجزائريين وإلْحاق الجزائر بفرنسا. ولم تكُنْ هذه المقاربة المُزْدوجة خاصةً بالجزائر. فقد ظهرت النهضة في البُلْدان العربية وفي شمال إفريقيا وفي شبه القارة الهنديّة بهذا الوجه المُزْدوج المُكوَّن من النزعة الإصلاحية ذات الجوهر الدينيِّ مِنْ جهة، ومِنَ النزعة الحداثية ذات الجوهر العِلْمانيِّ من جهة أخرى. وهاتان النزعتان لا تزالان تُمَثِّلان أهمَّ التيارات المُتصارعة في النقاش الفكريِّ والسِّياسيِّ في البلدان الإسلاميّة إلى اليوم.

وكان بن نبي خلال الثلاثينيات هو المثقف الجزائريُّ الوحيد الذي يُميِّز تمييزاً صريحا بين الطبيعة السِّياسيّة والطبيعة الحضارية للمسائل، وهذا ما سيكون سبباً في خلاف حادٍّ بينه وبين الحركة الوطنية بأوجهها الثلاث ( جمعية العلماء، والإدماجيون، والوطنيون). فحيثُ كان هو يرى ضرورة إصلاحِ الأفكارِ، وضرورة التربية الاجتماعية للأفرادِ، لم يكُنْ مُنَشِّطُو الحركة الوطنية يرون سِوى حقوقاً سياسيّةً ينبغي المُطالَبَةُ بها. والمشكلة عنده ذاتُ طابع نفسيٍّ، ذهنيِّ، ثقافيٍّ وتربويّ، وهي تتطلَّبُ مُقاربةً تستهدِف تغيير عقلية الإنسانِ المُستعمَرِ الرَّازح تحت رزيئة فكرة الأنديجانا  « indigénisé » ، لتصيرَ عقليَّةَ إنسان مُتحضِّرٍ. أمَّا الآخرون فالحكاية كُلُّها تُخْتَصَرُ في المُطالبة بحقوقٍ والحصول عليها مِنْ أجل تحقيق الاستقلالِ الذي ستُحلُّ به كلُّ المشاكِلِ.

والنهضة في نظر بن نبي لن تأتي من الخُطبِ الدِّينيَّةِ أو من خُطَبِ المُطالبةِ بالحقوق، لكنّها تأتي منْ التحوُّلِ الذِّهنيِّ، ومن التغيير الجذريِّ للعقليَّات، ومن ثورة اجتماعيَّةٍ، وتلك هي الانشغالات التي يجب أن تحْتَلَّ مكان الصَّدارةِ في كلِّ عملٍ سياسيٍّ. وهو يصِفُها باعتبارها  “لحظَة انتقالٍ مَهِيبَةٍ في مسار التاريخ، مِنْ مرحلة جمودٍ فوضويَّةٍ لدى الأشخاص والأشياء إلى مرحلَةِ التنظيم والتركيب والتوجيه… يجب القضاء على ما في التقاليد والعادات، وما في الإطار الأخلاقيِّ والاجتماعيِّ التقليديِّ، مِنْ كلِّ ما هو ميِّتٌ أوْ آيِلٌ إلى الموت، لكي يُفْسَحَ المجالُ لِما هو حيٌّ وحيويٌّ”.  ويدعو إلى روح جديدة بقوله: “تَغيُّرٌ جذريٌّ من أجل إحداث قطيعة مع التوازن التقليدي، توازن الانحطاط في مجتمع يبحث عن توازن جديد، توازن النهضة” (“شروط النهضة “، 1949).

لكنّ رجال السياسة في زمانه لم يكونوا يُدْرِكون عمق المشكلة، وكانوا يُؤْمِنون بإمكانية معالجتها بمجرّد تقليد الغرب في المجال التقنيّ، أيْ في مجال “الأشياء“. جاء في نسخة سنة 1960 من كتاب “مشكلة الأفكار”: “إنّ نهضتنا في البدءِ لم تستهدِف المراجعة الجذريَّة لأفكارنا المُدْمَجة من أجل إعادة تكييفِها مع نماذجنا الموروثة من جهة، وتكييفها مع النماذج الغربية من جهة ثانية، كما فَعَلَ اليابانيّون. لم يكُنْ في استعداداتنا العقلية الموروثة عن عصر الانحطاط ما يسمح لنا بالقيام بذلك. ونتيجةً لذلك فإنَّنا لمْ نُمهِّدْ لنهضتنا بنقاشٍ حول الأفكار، واكتفينا بالنقاش حول الأشياء. وقد بدأتِ النهضة عندنا بخطى وئيدة خلال منتصف القرن 19، بعد انتشار فكرة أنّ أوروبا متفوقة علينا في مجال الأشياء، أي: البنك، والمصنع، والمخبر، والمدرسة، والمدافع، والبنادق… لمْ نكنْ ندْرِكٌ أنها تفوّقتْ علينا بتصوُّراتها وفلسفتها الاجتماعية، وفي كلمةٍ واحدة: تفوَّقت علينا بقوَّة الخلفية الإيديولوجية التي تدْعمُ عالم الأشياء عندها“.

ويبدو أنَّ المسلمين لم يفهموا هذا الفرق الدّقيق إلى يومنا.

عندما شَرَع بن نبي في عرْضِ وجهة نظره في كتاب “شروط النهضة” انطلقَ مِن النقطة التي دخل فيها العالم الإسلاميُّ في عصر الانحطاط. يقول: “إنّ الشعب الجزائريَّ لا يعيش في سنة 1948 بل في سنة 1368، أي في النقطة التي كان فيها تاريخه كلّه عبارة عن فرضيّة بسيطة. وعلى أية حال فإنَّ هذا ينطبق على كلّ الشعوب الإسلامية. إنّ المشكلة هي مشكلة حضارةٍ لحظةَ ميلادها، وازدادت استفحالا بآثار الانحطاط”.

وهنا يستشهد بقوله تعالى “إنّ الله لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم “، وهذه الآية هي بمثابة أساس للنهضة، والكاتب يطرح حولها تساؤلين: هل هذه الآية صحيحة من وجهة النظر التاريخية؟ وهل يمكن تطبيق مضمونها على وضع الجزائر؟ وهو يجيب قائلاً: ’’ إنَّ فعالية الدين من الناحية البيوتاريخية فعاليةٌ دائمة، وهي ليست حِكْراً على ظهورها من الناحية الكرونولوجيّة. فظهور الدّين على الصّعيد النَّفسيِّ يمكن أن يتجدد، بلْ أنْ يدوم ويستمرّ إنْ لم نخْرُجْ مِن ظروف الحياة المُطابقة لِتَعَالِيمِهِ“.

لكنْ ما السبيل إلى النهضة؟ ومن أين يجب أنْ نبدأ؟ وهنا يتجلّى لنا ما عُرِفَ عن بن نبي من قدرة على التخطيط للحضارة، والتسيير العلميّ للموارد البشرية في أعلى المستويات. وإذا كان معظم سابقيه أو مُعاصريه قد توقفوا عند حدود الخطاب الدينيّ، بل وحتى الخطاب السياسيِّ الصِّرْفِ، فإنّ بن نبي قد تبنَّى خطاب (الميكانيكيّ) الذي يشتغل بإصلاح أعطاب التاريخ. وهكذا راح يؤسس لمنهجٍ فكريٍّ مُتَّجهٍ إلى تطبيق  الفكرة الخالدة : ” لا يصلح آخر هذه الأُمَّة  إلاَّ بما صَلُحَ به أوَّلها’’. فالمسلمون لن يتأتَّى لهم أنْ يُصْلِحوا حالهم إلاَّ بالإسلام.

وبما أنّ الجزائر كانت تحت الاحتلال الفرنسي فإنه من غير المُفيد الاعتماد على مؤسسات الاستعمار التي لا يُهِمّها إلاّ الاستثمار من أجل مصالحها. فالأرض منجم للخيرات والأهالي (الأنديجان) يدٌ عاملة تكاد تكون مجانية. ولذلك كان على بن نبي أنْ يلعب دور الحكومة، فراح يرسم مُخطَّطاً للعمل على المدى البعيد. وذلك المخطط يتضمّن تكوين الموارد البشريَّةِ (الإنسان)، واستخدام الموارد الطبيعية (الأرض) استخداماً اقتصادياًّ، وتنظيم العمل تنظيماً صناعياًّ (الزمن).

إنّ النهضة التي ظهرتْ في العالم الإسلامي لا تعود جذورها إلى “ثورة الجُنْد الهنود” العاملين لحساب الجيش الأنجليزي سنة 1858 فحسب، بل تعود إلى فترة أبعد من ذلك. فمنذ القرن 14 م دعا ابن تيمية إلى “إصلاح الراعي والرعيّة”. وقد ألَّف كتابه الذي لا يزال مرجعاً إلى يومنا، والذي عنوانه “كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرّعية”، وذلك بين سنة 1309 و1314 م. وبعد ذلك بأربعة قرون جاء محمد بن عبد الوهاب (1703-1792) ليُحْيِيَ أفكار ابن تيمية ، إذْ أُتيحَ له أنْ يكتشف فِكْرَه في سوريا عندما كان طالبا فيها.

اشتغل محمد بن عبد الوهاب بالدعوة في شبه الجزيرة العربية، ثُمَّ في العراق وإيران. وكان يدعو إلى العودة إلى نهج السلف، والتخلي عن البِدَع، كما كان مُعارِضاً للشعوذة والطُّرُقيّة والعقلية القَدَريَّة. وقد التقى بشيخ قبيلة درعية، وهو محمد بن سعود، وكان له درعاً حامياً وتلميذاً. وأدّى هذا التحالف بينهما إلى احتلال بلاد نجد كلِّها، ثُمّ استوليا على مكّة والمدينة. وبعد موت محمد بن عبد الوهاب تبنّت الأسرة الحاكمة التي ورثت العرش عن سعود (الذي كان متزوجا بإحدى بنات ابن عبد الوهاب)، تبنّتْ مذهبه أساسا لدولتها. لكنَّ هذه المملكة السعودية الأولى انهارت سنة 1818 تحت ضربات إبراهيم باشا (وهو ابن محمد علي باشا) بطلب من العثمانيين.

وفي الفترة ذاتها ظهرت في الهند حركة إصلاحيّة بتوجّهٍ حَدَاثيٍّ بقيادة شاه ولي الله (1703-1762) الذي دعا إلى التقارب بين القيم الإسلامية والقيم الغربيّة. وقد تمّ التواصل بين هاتين الحركتين، خاصة بمناسبة موسم الحج أو بواسطة الطلبة العرب الدارسين في دلهي، وكان في ذلك فرصة للموازنة بين الأطروحتين.

أمّا مِن الناحية التنظيمية فإنّ العثمانيين هم أول من شرع في تطبيق مجموعة من الإصلاحات بهدف استرجاع مكانتهم أمام أوروبا. وفي سنة 1798 جاءت حملة نابليون على مصر التي كانت ولاية عثمانية منذ سنة 1517 ، وكان الهدف من الحملة هو قطع الطريق إلى الهند في وجه الأنجليز. وجاء ردّ فعل الأنجليز بمهاجمة المواقع الفرنسية، وساعدهم في ذلك كل من العثمانيين والمماليك. وفي سنة 1799 ترك نابليون بونابرت قيادة الحملة لأحد نوابه، وعاد إلى فرنسا. وقد اضْطُرَّ الفرنسيون إلى الانسحاب من مصر سنة 1801 بعد أنْ هزمهم التحالف الأنجليزي العثماني. هذا فيما يتعلق بالوقائع العسكرية.

أمّا مِنْ زاوية النظر الثقافية فإنّ حملة نابليون أتاحتْ الاحتكاك المباشر بين الحضارتين لأول مرةٍ، وأدّتْ إلى صدمة في عقول النخبة المصريّة. وكان محمد علي الذي وصل إلى الحكم سنة 1805 بمساعدة المماليك قد انقلب ضدّ الأتراك والعثمانيين، وشرع في حركة تحديث لبلاده ابتداءً من سنة 1810. وهاجم الوهابيين سنة 1812 واستولى على المدينة وجدّة ومكة والطّائف. ونظرا لكونه مُعْجَبا بالحضارة الفرنسية فكان يأمل أن يجعل من مصر دولة حديثة ومستقلّة. ودام حكمه ثلاثا وأربعين سنة أرسى خلالها قواعد الدولة المصرية الحديثة.

وجاء ابنه إبراهيم باشا ليُوسِّع من دائرة التحديث الذي امتدّ إلى سوريا ولبنان وفلسطين، حيث أقرَّ المساواة بين الأديان الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية). وبعد غزوه لليمن وشبه جزيرة كريت، تحوَّل إلى قلب الإمبراطورية العثمانية، فاستولى على كونيا، وتقدّمَ حتى صار على بُعْدِ 100 كلم من العاصمة التركية، ثُمَّ عاد أدراجه بعد تلقّيه أمراً بذلك من أبيه. وكان باستطاعة محمد علي أنْ يُطِيح بالسلطان محمود الثاني الذي أحسّ بأنّ نهايته اقتربتْ، لكنه لم يفعلْ ذلك رغم إلْحاح ابنه إبراهيم الذي كان على أحرّ من الجمر في انتظار استكمال مشروعه. وذلك هو الظرفُ الذي وقّعَتْ فيه إسطمبول معاهدات دفاع مع روسيا وبريطانيا مُقابل تنازلها عن أراضٍ شاسعة لهما.

وفي سنة 1839 حاول الجيش العثماني استرجاع سوريا لكن إبراهيم باشا هزمها. وبعد موت محمود الثاني خلفه ابنه عبد المجيد وهو في السابعة عشرة من عمره. وفي سنة 1840 تحالفت كل مِنْ بروسيا وروسيا وانجلترا وهاجمتْ سوريا ولبنان وانتزعتهما من سيادة مصر التي صارتْ بعد هزيمتها تابعةً لإسطمبول. توفي محمد علي سنة 1848 في الثمانين من عمره، وبما أنّ ابنه إبراهيم كان قد توفي قبله بمدة قصيرة، فقد اعتلى العرشَ حفيدُهُ عباس الذي أفْسد في مدة قصيرة ما أنجزه جده محمد علي طول عمره. ذلك أنّ عباس كان تحت تأثير الأوساط الدينية التي أوعزت إليه بغلق المدارس الكبرى التي أسسها سلفه العظيم، وتجميد سياسة الأشغال الكبرى مع طرد المتعاونين الأجانب. وراح التعليم العام ينهار ومصر تتباطأ خُطاها(2).

أمّا في تركيا فقد شرع السلطان عبد المجيد في تنفيذ سياسة “التنظيمات”  التي تهدف إلى التحديث، وهي مستوحاة من السياسات الأوروبية. وهكذا صدر سنة 1839 مرسوم يُقِرّ المساواة بين أهل الإمبراطورية كلهم ( مسلمين، مسيحيين ويهوداً) أمام القانون. وفي سنة 1840 تمّتِ المُصادقة على قانون جنائي بَعِيدٍ عن الشريعة الإسلامية في الوقت الذي تأسس فيه البنك العثمانيّ. وفي سنة 1850 أُعْلِن عن قانون تجاريٍّ جديد، وأمرَ السلطان بإلغاء الجزية. ولمواجهة هذه الإصلاحات صدرتْ فتوى مناقضة لها من مكة ومعها دعوة إلى الثورة على السلطة العثمانية. وانتابت حمى الإصلاحات الأوساط الحاكمة في الدول الإسلامية، وهذا ما أدى إلى عودة الأمل في نهضة حقيقية.

و نتيجة لظهور الطباعة في كل من مصر وتركيا صارت الأفكار والمعارف تتَبادل بسهولة. كما ظهرت الصحافة المكتوبة في مصر سنة 1828، وفي إسطمبول سنة 1832، وفي 1847 بالجزائر، وفي 1848 في طهران، وفي 1855 ببيروت، وفي 1868 في العراق، وفي 1875 في اليمن… وظهرت البعثات الدينية المسيحية في بلاد المسلمين، وأُرْسِلَتِ البعثات العلمية إلى أوروبا، وازدهرتْ حركة ترجمة الكتب في تركيا ومصر والعراق. وفي سنة 1861 أصْدر السلطان عبد العزيز قانونا مدنيا جديدا وأسس “رابطة جالاتاساراي Galatasaray ” من أجل تعليم اللغة الفرنسية. أما في سنة 1866 فقد نصّب الخديوي في مصر مجلساً استشاريا مكوَّناً من خمسة وسبعين عضواً تمّ انتخابهم بالتصويت غير المباشر. وقد توقفت هذه الحركية الإصلاحية في تركيا سنة 1871 تحت ضغط الأوساط الدينية.

وفي تلك السنة نفسها أصدر باي تونس دستورا ينصّ على تأسيس مجلس من ستين عضواً، ثُمّ عيّن خير الدين باشا وزيرا أول . وهذا الأخير يُعَدُّ هو مؤسس الدولة التونسية الحديثة، وهو الذي أسس المدرسة الصديقية التي صارت تُعلِّم العلوم الدقيقة واللغات الأجنبية لأوّل مرة، والتي تخرّجتْ منها الأجيال التي ستقود حركة تحرير تونس وتُشيِّد الدولة التونسية المستقلّة.

وفي سنة 1876 أسّس السلطان عبد الحميد الثاني برلمانا بغرفتين، وأجريت أول انتخابات تشريعية في العالم الإسلامي بعد ذلك بسنة، وهذا استجابة لمطالب حركة (الشبان العثمانيين) الذين كانوا يسعون إلى التوفيق بين الإسلام والأفكار الغربية. أما في الهند فقد قام السيد أحمد خان بهادور (1817-1898)، وهو تلميذ شاه ولي الله، بإدخال الإصلاحات الأولى التي استوحاها من النموذج البريطاني، وأسس مدرسة آليجارت الأنجليزية الشرقية l’Anglo-Oriental College سنة 18755. وكان ينتقد المقلِّدين الذين ردّوا عليه باتهامه بالنزعة المادّية. وهو مؤلف عدّةِ كتبٍ كان لها أثرها في أعمال عبد الرحمن الكواكبي. أما في بلاد فارس فقدْ عَمَدَ الشاه نصر الدين خلال فترة حكمه ما بين (1848-1898) إلى انتهاج سياسة الانفتاح على البلدان الغربية وقام بعدّة زيارات إلى أوروبا.

إنّ المعطيات السابقة لا تُنْسينا أنّ جمال الدين الأفغاني الفارسي هو الذي سيكون له أن يوقظ الضمائر في العالم العربي الإسلاميّ ويُمهّد الطريق لظهور التيار الذي سيمثله كل من محمد عبده ورشيد رضا وشكيب أرسلان وعبد الحميد بن باديس. وقبل هذا الظرف كانت حركة التحديث مسألة تخصّ الدول وتستهدف مؤسساتها، أما بعد ظهور هذه الحركة فقد صارت المسألة تشغل كل المثقفين والنّخب السياسية التي تكوّنتْ في خضمِّ تلك اليقظة. وعندما حلّ الأفغاني في مصر سنة 1872 تعرّف على محمد عبده في خان الخليلي، وكان هذا الأخير آنذاك يمرّ بأزمة روحيّة حادّة، لكنه عندما استمع إلى الأفغاني وتأثر به اكتشف بطلان النموذج التقليدي وعدم صلاحيته، وراح يتحمس للبحث عن نموذج جديد يجمع بين مبادىء الإسلام والمنهج العقلي الحديث. وهكذا بدأ يتعلّم الفرنسية ويقرأ بعض الكتب الأوروبية. وعندما تأسست جريدة الأهرام سنة 1875 كان من بين المساهمين فيها.

نُفِيَ الأفغاني من مصر سنة 1879 من طرف الخديوي توفيق، أمّا محمد عبده فقد مُنِع عليه

النشر في الصحافة وفُرضت عليه الإقامة الجبرية في القرية التي كانت مسقط رأسه. وبعد ذلك بعام واحد استرجع حريته وعُيِّن مديرا للجريدة الرسمية التي أشرف عليها مدة عام ونصف. راح يناضل من أجل نظام دستوريّ ومن أجل تحديث نظام التربية في مصر. وفي سنة 1882 اندلعت ثورة العقيد عُرابي ضدَّ سيطرة الأنجليز على الدولة المصريّة، وكان محمد عبده من مؤيدي تلك الثورة. ولذلك حوكمَ وقضِي عليه بالنفي. أقام بضعة أشهرٍ في بيروت ثمّ التحق بالأفغانيِّ في باريس، وافترقا مُجدَّداً سنة 1884. وعاد عبده إلى لبنان التي أقام فيها إلى سنة 1889، وهناك شرع في تأليف “رسالة التوحيد”. ولمّا عاد إلى مصر عُيِّن في مجلس إدارة الأزهر وفي المجلس التشريعيّ، ورُقّيَ سنة 1899 إلى مرتبة مُفتي.

ويطرح محمد عبده في كتاب “رسالة التوحيد” الذي نُشِر سنة 1897 رؤية ليبرالية وعقلانية للإسلام ويتأسف على أنَّ “المسلمين قد أصبحوا بسِيَرِهِمْ حُجَّةً على دينهم’’. وهو يسعى في هذا الكتيب ذي المائة صفحة إلى تحرير عقل المسلم من التعليم المذهبي التلقيني قائلاً: “كما أجمعوا على أنَّ الدين إنْ جاء بشيءٍ قدْ يعْلُو عن الفهمِ، فلا يُمكِنٌ أنْ يأتِيَ بما يستحِيلُ عند العقل“.

وهو يُقرر أنّ القرآن هو المصدر الصحيح للإسلام إضافةً إلى عدد محدود جدا من الأحاديث النبوية الشريفة، ويستنتج من ذلك أن على العقل أن يتفحّص الدليل الذي تستند إليه المذاهب الدينية وقواعد السلوك، وذلك من أجل التأكد من أنها صادرة من الله. يقول: “ولا يقضِي عليه (على العقل) ذلك بقبول ما هو مِنْ باب المُحال المُؤدِّي إلى مِثْلِ الجمعِ بين النَّقيضيْنِ أو بين الضِّدَّيْن في موضوعٍ واحدٍ في آنٍ واحدٍ… فإنْ جاءَ ما يُوهِمُ ظاهِرُهُ ذلك في شيءٍ ما الواردُ فيها وَجَبَ على العقْلِ أنْ يعْتَقِدَ أنَّ الظَّاهِرَ غيرُ مُرَادٍ، وله الخيارُ بعدَ ذلك في التَّأويلِ’’. ويمضي محمد عبده إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبر “’إنهم ( أي الأنبياء ) مِنَ الأُمَمِ بمنزلةِ العقولِ مِنَ الأشْخاصِ، وأنّ بعثتهم حاجة مِنْ حاجاتِ البشريَّةِ“. وهو يرفض مبدأ التقليد الأعمى للسلف قائلاً: “فإنَّ التقليد كما يكونُ في الحقِّ يأْتِي في الباطِلِ. وكما يكون في النَّافِعِ يحصُلُ في الضَّارِّ. فهو مَضَلَّـةٌ يُعْذَرُ فيها الحيوانُ ولا تُحْمَلُ بحالِ الإنسان’’(3). ومن المصلحين الذين ينتمون إلى نهج محمد عبده: رشيد رضا، شكيب أرسلان، عبد الحميد بن باديس، وكل الذين جاؤوا بعده ليحاولوا تقويض أركان النموذج التقليدي.

إذاً، فالنهضة في بدايتها كانت حركة سياسية تسعى إلى تحرير الوطن الإسلاميّ من الاحتلال الماغولي في عهد ابن تيمية، ومن الاحتلال العثمانيّ في عهد محمد بن عبد الوهاب، ومن الاحتلال الأوروبي خلال القرن العشرين. وفي أواسط القرن 19 ظهرت في سوريا حركة فكرية مُعارِضة للوجود العثماني بسوريا. وهي حركة كانت تنشطها جمعيات وجرائد تشرف عليها أغلبية مسيحية، وهي تدعو إلى الوحدة العربية وإلى اللاَّئكية. ومِن بين هؤلاء النُّشطاء الذين يُدْعَوْن بـ “النهضويين”: سليم رمضان، حسين بيهم، حنين الخوري، سليم بطرس البستاني، إبراهيم اليازجي… ويبدو أنّ الأمير عبد القادر انضمَّ إلى إحدى تلك الجمعيات رفقة إسكندر الأزعر وأديب إسحاق.

تلك هي الظروف التي أتيح لأحد أقطاب إصلاح المنهج الفكري الإسلامي أن يتكوّن فيها ويبرز، إنه عبد الرحمن الكواكبي الذي تأثّر منذ شبابه بمقال ألفه البستاني تحت عنوان: “لماذا نحن في تأخر؟”. وهو المقال الذي اعتبر فيه أن الأوضاع الدينية والاختلافات العرقية هي السبب الرئيس في تأخر العرب. وكانت هذه الحركة تعطي الأولوية للنهضة (العربية)، وعرفت أوج تطورها في الفترة الممتدة من الخمسينيات إلى السبعينيات تحت عنوان (البعث العربي). والنهضة العربية لا تتخذ مبادىء الإسلام مصدراً، بل تتجه إلى مهاجنة الماركسية. وكان هدفها هو وحدة العالم العربي، وذلك ما جعلها تبتعد عن تركيا وبلاد فارس. وجاءت الحركة الناصرية (بقيادة جمال عبد الناصر) كإحدى أهمّ صورها، وأهمّ منها حزب البعث الاشتراكي الذي أسسه السوريون مثل ميشال عفلق وصلاح الدين بيطار، والذي سيجسد تلك الإيديولوجية في كل من سوريا والعراق.

ولا بد مِن الإشارة إلى أن بن نبي لم يعتبر برامج التحديث التي قام بها محمد علي، ولا ما قام به العثمانيون ولا الفرس ولا الأفغان، كجزء من المجهودات التي بُذِلَتْ في النهضة. فقد كان يعتبر الفترة الممتدة من ابن خلدون إلى جمال الدين الأفغاني ظلاماً دامساً. كما لم يكن يُعير أيَّ اهتمام لما يسمى بـ (النهضة التيمورية) التي ظهرت في القرن 15م، ولا بـ (النهضة العربية). وكان يتجاهل الهوّة الفاصلة بين السّنّة والشيعة تجاهلاً باهراً. ذلك أنه كان يُسْنِدُ للنهضة مهمة مزدوجة وشائكة، وهي: استدراك التأخر إزاء الفكر القرآنيّ وإزاء الفكر العلميِّ الحديث. وهو يقول في ذلك: ’’ إذا كان الانحطاط طفرةً، فالنهضة، على نقيض هذا، هي مجهود العالم الإسلامي على الصعيد النّفسيّ، وهي حركة العقل الإسلاميّ من أجل استدراك تأخره إزاء الفكر القرآنيّ والفكر العلمي الحديث’’ (“وجهة العالم الإسلاميّ”).

وهو يرى أنه لا سبيل إلى تغيير الإنسان إلاّ إذا تعاملنا مع ذهنيته ومعتقداته. يقول: “إنَّ الإصلاح الديني ضروري في بداية كلِّ تحوُّلٍ اجتماعيًّ’’. وهو يأمُل منْ هذه النهضة أنْ  “تُجَدِّدَ الإنسانَ على هدْيِ السُّنة الإسلامية الحقيقيَّة وتجربة الفكر الدِّيكارتي” (“وجهة العالم الإسلاميّ”). فلا بدَّ إذاً مِنْ القيام بثورة ذهنية مزدوجة، أي: إزالة تأثير المدارس المذهبيّة التي سلَّمتْ بالأمر الواقع بعد معركة صفِّين، ثُمَّ إيجاد شروط تحرير العقل من أجل تحقيق التفتح العلمي والتقدّم الاقتصاديِّ. لكنْ، أين السبيل إلى “تنقية النص القرآني من أدْرانه الثلاثة: الدينية، والشرعية والفلسفية ؟” وهو إنْ لمْ يدْعُ صراحةً إلى إصلاح التعليم فهو يُلمِّحُ إلى ضرورة إعادة النظر الجذرية في التعليم عند المسلمين، وإلى التحرر من الثقافة الإسلامية التقليدية التي لا زالت مٌسيطرةً على العقول في العالم الإسلامي، والتي جاءت الإسلاموية الأخيرة تشخيصا لها.

وقد فهِم بن نبي في وقت مبكر أنه لا التيار الإصلاحيّ ولا التيار الحداثيّ بِقِادِرَيْنِ على إخراج العالم الإسلاميّ من انحطاطه. والسبب الأول في فشل النهضة حسب رأيه يكمن في غياب وحدة التصوّر بين هذين التيارين منذ الإنطلاقة. فنظراً لأنهما ظهرا في شكل حركتين مختلفتين، لم يكن بإمكانهما أنْ يخلُقا مسعىً منسجما، بل أدّيا إلى رسمِ مَسْلَكَيْن مختلفين. جاء مسلك الإصلاح ليقترح العودة إلى الماضي دون الانتباه إلى أن ذلك الماضي نفسه يطرح إشكالية، بينما كان مسلك الحداثة يُفضِّل تبنِّي أفكار ونماذج لا صدى لها في الذهنية الإسلامية. وبن نبي يرى أن المسلك الأول يقترح أفكاراً ميّتة كحلول، أما المسلك الثاني فهو يقترح أفكاراً قاتلة. ولم يكن هذان التياران مختلفين فحسْب، بل سيسعى كلٌّ منهما للقضاء على الآخر، ليبقى المشكل في النهاية قائماً برُمته.

والسبب الثاني في فشل مسعى النهضة مرتبط بمسألة اختيار النموذج، إذ تمّ تحاشي الاختيار خوفا من الاصطدام بالثقافة التقليدية، وهذا ما أضفى على حركة النهضة صور التراكم والتشْيِيء والممازجة. يقول بن نبي: “إنّ العالم الإسلاميّ لمْ يحْصُلْ له بعدُ أن اختار لا المنهج ولا النموذج. وبالنظر إلى تعدد القواسم التي تٌقرِّبه من حوض البحر المتوسط، كُنَّا نتوقع أن يلتفت العالم الإسلاميّ إلى الغرب مع إسهامه في تصحيح النموذج الغربي بنموذجه الأصيل، أو في تكييفه مع تطوره الخاص آخذاً بعين الاعتبار تأخره من جهة، وأساليب الزيادة في سرعة عجلة التاريخ التي أثبتت نجاعتها في أماكن أخرى من جهة ثانية… إنّنا عندما نُلْقِي نظرةً عامة على النهضة الإسلامية ينتابنا شعور باهت بأن الغرب هو موجِّهها. لكننا عندما أردنا أن نُقَلِّدَ هذا (السيد) لم نقْتفِ آثار مِقَصِّ المُعَلِّمِ إلاَّ بالتقريب. فمَنْ أراد أنْ يستفيد مِنْ تجارب التاريخ عليه أن يعْرِف نفسه ويعرف نموذجه كي يتقيّد بحدود الحريات الضرورية التي تكفل له الوصول إلى تحقيق ذاته، لا أنْ يُنْتِجَ صورة منقولة عن غيره. فالمسألة ليست مسألة نقل لتجربة ما، بل يجب تلخيص تلك التجربة والوقوف على ما فيها من عناصر أساسية، أو عالمية“ (“النزعة الأفروآسيوية”).

والسبب الثالث في فشل النهضة الإسلامية يكمن في غياب مصدر الإلهام والتوجيه الشامل في كلا التيارين المتصارعين. يقول بن نبي: “السبب المشترك في الخطإ عند كل من الحداثيين والإصلاحيين يتمثل في أنّ كِلَيهما لم يتوجّه إلى مصدر إلهامهما. فالإصلاحيون لم يعودوا إلى أصول الفكر الإسلاميِّ، والحداثيون لم يعودوا إلى أصول الفكر الغربيِّ. أما على الصعيد النفسي فلا بدّ من التمييز بينهما: فـ (السَّلفيُّ) يتبنّى مفهوم النهضة كفردٍ. فإنْ لم يحقق الشروط الفعلية للنهضة بطريقة منهجية فإنّ الهدف الأساسي لا يُفْلِتُ من دائرة انتباهه. إنّه كامل الوعي بمحيطه إلى درجة أنه لا يُطالب فيه إلاَّ بالواجبات، تاركاً المطالبة بالحقوق للحداثيين. أما عند الحداثي فإنّ مفهوم النهضة بحدّ ذاته غائب أو ثانويّ، إذ لا يلتزم إلاّ بالشؤون السياسية في كل ما يخص حياة بلده… فالمسألة عنده لا تتعلق بإعادة إحياء العالم الإسلاميّ، بل لا تعدو أن تكون محاولة لإخراجه من ورطته السياسيّة الحالية… وبالفعل فإن الحركة الحداثية لا تعكس أيّ مذهب بعينه، وهي تستعصي على التعريف إنْ على مستوى الوسائل أو على مستوى الأهداف، ذلك أنها في الحقيقة لا تعدو أن تكون بَلْوَرَةً لحالة حماس’’ ( “وجهة العالم الإسلامي” ).


المراجع :

1) منشورات ENAG، الجزائر 1990.

2)عن: جيلبار سينوي Gilbert Sinoué ، (الفرعون الأخير  Le dernier Pharaon، منشوراتPygmalion، باريس.

3) رسالة التوحيد، محمد عبده، www.al-mostafa.com، الصفحات: 103، 5، 67، 13.


المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: