فكـر مالك بن نبـي (27) ميتافيزيقــيّةُ التــاريــخ

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

كان مالك بن نبي، على غرار هيجل Hegel، يرى أنّ  ” زاوية نظر العناية الإلهية يمكن قبولها والتعرّف عليها “. فالتاريخ يُحرِّكُهُ نظامُ توقيت غير مرئيّ في اتِّجاهٍ مُحَدَّدٍ، وهو اتجاه الحضارة العالمية والالتحام الختاميّ بين البشرية والألوهيّة. إن هذا النظام يعمل بشكل غامض من أجل ظهور روح عالمية ويتطور باتجاه نقطة (أوميجا)، وهي النقطة التي تختزل إرادة الله. وهذه المسيرة تنطلق من الهمجيّة وتنحو باتجاه المجتمع، ومن الوحدات التاريخية التي تُمثِّلها الحضارات إلى التوحيد على المستوى العالمي.

وإذْ ذاك سيبدأ التطور الثقافي الذي سيأخذ مكان التطوّر الطبيعيّ، وسيأخذ بيد البشرية إلى طريق الوحدة الشاملة بين عناصر الجنس البشري، وإلى “ تجديد الصِّلة ” بالله، تلك الصلة التي قطعها الإنسان في غير ما مرّة. ومالك بن نبي مُتَّفق تماما مع هيجل الذي يرى أنَّ ” تاريخ العالم، بكل ما تأتي به أحداثه من تغييرات في كل سنة، هذا التاريخ هو مسار التطور وهو تحقيق للروح ـ أي العِلْمُ بالدين الحقّ ـ ، وهو تفسير لوجود الله في التاريخ… إن التاريخ العالمي هو تمظْهُرٌ لسيرورة الألوهية، وهو تلك المسيرة المتدرجة التي بها تتعرف الروح على حقيقتها وتحقِّقٌها… إنّ الشعوب في التاريخ، ومميزات أخلاقياتها الجماعية، وتشكُّلها، وفنّها، ودينها، وعلمها، جميعاً تمثِّل تجسيدا لمسيرتها المتدرِّجة…’’ ( “العقل في التاريخ “).

إنّ حالة العالم بواقعه ومظاهره، في نظر بن نبي، لا يمنع من الاطلاع على أفق الظاهرة الروحية. فهو ليس حبيس الأحداث الآنية، ويؤمن بوجود ” مخطط شامل ” يُضْفِي على التاريخ وعلى تعاقب الأحداث معنى ميتافيزيقياًّ. إنّ مفكِّرنا  “غائيّ” (يهتم  بالغايات  finalistee) النزعة، وهو يهوى النظر إلى مستقبل الظواهر لكي يقرأ دلالتها الشاملة، وهذا بدلاً من معالجتها بالنظر إلى الماضي، فذلك لا يفيد كثيرا في فهم دلالتها الحقيقية. إن التاريخ عند بن نبي ليس تتابعا بسيطا للأحداث وآثارها التي تحددها أسباب، لكنه تيار حيويّ تسيِّره غايات، وهذه الغايات إنْ لم تكن مرئية ومُدْركة فهي مفهومة. وإذا كان الإنسان يصنع التاريخ فإنه لا يفهمه إلاّ إذا وصل إلى غايته وصار في ماضي الزمان.

وفي هذا الشأن فإن بن نبي مُسْلِمٌ أوّلاً وخلدونيّ النزعة ثانياً. فالتاريخ يجب ألاّ يُرى من زاوية نظر الأسباب وحدها، بل كذلك من زاوية نظر الغايات والأهداف التي يسعى إلى بلوغها. إنّ السببية لا تفي بمقتضيات فهم الإنسان. وفي هذا يقول: ” إنّ الأرض لا تدور من أجلنا أو بسببنا“1.

إذا كان المسلمون قد نزلوا بالإسلام إلى مرتبة الطقوس الدينية، فإن بن نبي يرى فيه إمكانية لحلّ مشاكل العالم. وإذا كان العِلْم بالمفهوم الديني التقليدي يتجه إلى الفرد وتبيين المكاسب والجزاء الذي يناله من الإيمان وعبادة الله، فإن بن نبي يصبو إلى معرفة غاية التاريخ الختامية. إنّ الظاهرة التاريخية ينبغي أن تلتقي مع المصير الختامي للإنسان. وقد تنبّه ابن خلدون إلى أنه إذا كانت الحضارات تتعاقب فإنّ الظاهرة الحضارية مستمرة في مسيرتها، وهي في ذلك تُسْدي بمكاسب الحضارة من الواحدة إلى الأخرى، وتحثّ الحضارة الحالية على تجاوز ما بلغتْه الحضارة الغابرة وفقاً لقانون عامّ للتطوّر يُشبِّهه ابن خلدون بإرادة الله أو ” سُنَّة الله “.

وقد تبنّى بن نبي النزعة العالمية في نظرته منذ ظهور فكره على الساحة الفكرية. والتعريف الذي قدّمه للحضارة في كتاب ” شروط النهضة ” (1949) هو في المقام الأول تعريف ميتافيزيقي. فهي تبدو له مثل ” دورة جَرَمٍ مثاليٍّ حول الأرض، يبزغ من سَمْتِ كل شعب بالتداول… والعناية الإلهية هي التي توجّه مسيرة الحضارة الثابتة، والتي تتوالى حِقَبُها رغم كل النزعات الظلامية، والشعوذة وأشكال الاستعمار والنزعات الإمبراطورية السياسية “. وفي وقتٍ كان قد فرغ فيه من تحرير كتاب ” وجهة العالم الإسلامي “، بين 1949 و 1950، ها هو يقول بجرأة منقطعة النظير قياسا بوقته: ” إنَّ مراحل معيَّنة، مثل النزعة الوطنية، قد تبدو لنا ضرورية، لكنها في الحقيقة لا تعدو أن تكون أفكارا بالية تجاوزها الزمن… وكل من الاستعمار والنزعة الوطنية مُدان “.

ولم يبدُ أي تغيير في موقف بن نبي حتى بعد ذلك بأربع سنوات، أي في فيفري 1953، إذ يقول: ”عندما نتكلم عن أي شكل من النزعة الوطنية فنحن نعرف أننا نتكلم عن عُقدة مُعيَّنة تدخل في تكوينها عصبية معيَّنة وغلظة قلب معينة. وبهذه الجوانب السلبية فإن الروح الوطنية أقرب ما تكون من الإنغلاق على النفس، وخنق العقول والأرواح، وتضييق للقلوب. فتلك هي الصورة التي تظهر بها الروح الوطنية بوجوهها السلبية، سواء أكان ذلك في أوروبا أو إفريقيا الشمالية أو أمريكا. وقد كُناَّ في مرحلة تميزت بكون الظروف الإجتماعية مُهيَّأةً لظهور النزعة الوطنية في صورة الخيبة. وتلك الخيبة تعود خاصة إلى شعور المسلم بالوحدة في إطار نظام (الأهالي) الأنديجانا. إنّ إنغلاق النزعة الوطنية يعْزى إلى تلك الوحدة القاتلة التي نشأتْ فيها “(2). وفي سنة 1956 ما زال يؤمن بأنَّ ” النزعة الوطنية الإقتصادية، مثلها مثل النزعة الوطنية السياسية، هي نزعة تجاوزتها الأحداث الراهنة، فالإقتصاد متجه إلى النهج الإشتراكي على المستوى الداخليَ، وإلى التدويل على المستوى الخارجي “.

وقد تكهّن بن نبي بهيمنة النزعة العالمية(3) وغايتها، وكذا النزعة الإنسانية التامة، وستنتج هاتان النزعتان عن سلسلة من العمليات التركيبية السابقة والتي تتكفل بإنجازها شعوب معينة مع نُخَبِها. ومفكرنا لم يكن ممن ينتظر أن تكتمل الأشياء بذواتها، ولا أن يبادر الغير بالتدخل من أجل التغيير، بل دخل في معترك المأساة الإستعمارية التي كانت بلاده غارقة فيها، وكان من بين أمانيه أن يتمّ تركيب المجموعة الجزائرية من عُنْصُرَيْها العربي والفرنسي. فقد عبّر عن ألمه وهو يرى أنّ كِلا الجماعتين يُسْهِم في توسيع الهوّة بالحفر من الجانبين في مقال تحت عنوان: ” إلى الضمير المسيحيّ “، إذ يقول : ” إنّ ما يقوم به هؤلاء الحفّارون يبدو لي أمراً فظيعاً… وكل الوسائل الكفيلة بإيقاف هذا العمل موجودة بين يدي الإدارة. لكن مَنْ بيدِهِ سلطة القرار ؟” (4). وهو يرى أنّ ” الأطروحة الإستعمارية والأطروحة الوطنية لا يمكن لهما أنْ يُفْلِتا مِن هذا المسار الحتميّ” الذي ستنتج عنه “المجموعة الجزائرية “( la communauté algérienne)، ويضيف قائلاً:  ” الأمر يتعلّق بتوحيد وَضْعَيْن معيشييْن في وضع معيشيٍّ إنساني وعام واحدٍ، كما يتعلّق بالخروج من حياتين منعزلتين عقيمتين إلى حياة جماعية أكثر خصباً… إنّ الحقيقة الجزائرية يجب أن تتحقق، وستتحقق حتماً حسب النظرية الهيجلية حول التركيب، والتي ستخْلُفُ الأطروحة الإستعمارية و نقيضتها الوطنية “ (5).

إنّ بن نبي، رجل العلم والإيمان، والذي كرّس حياته للبحث عن تركيبات لتجاوز التناقضات والعداوات، قد أحسَّ بـ ” المجهود الغامض الذي يُبْذلُ من أجل تحقيق تركيب عالمي يسير عالمنا باتجاهه، سواء أكان ذلك بوعي أم بغير وعي، تركيب مُنكبٌّ على اكتشاف وحدته وتحقيقها في كل المجالات ” (6). ومع ذلك فإن الحرب الباردة في أوجِّها، والعالم منقسم إلى معسكرين، والصين في مواجهة مع الولايات المتحدة في كوريا… لكن بن نبي من جهته ينظر إلى أبعد من هذه الأحداث، وإلى أبعد من أفق القرن العشرين. والتركيب عنده يعني إلغاء آثار أطروحة بآثار أطروحة مضادة لها، وهو التناقض الذي سيَسمح بالخروج إلى إدماج الأطروحتين، والتوحيد بين أحسن ما لدى الشعوب، وارتقاء جميع الأطراف إلى ” كلمة مُوَحَّدةٍ ” حسب المفهوم القرآني. ذلك هو الأسلوب الذي يؤمِنُ به بن نبي بإمكانية الدمج بين الرأسمالية والشيوعية، وهذا باهتمام الرأسمالية أكثر بالناحية الاجتماعية، ومحاولة الشيوعية تبنّي النهج الديمقراطيّ.(7).

ولِسُوءِ الطَّالع، فإنّ ما قد يصحَّ في الفلسفة قد لا يكون كذلك في السياسة. فلمْ يتحقق أيٌّ من التركيبين اللذين سبقت الإشارة إليهما، إذ ستكون مواجهة مسلحة دامية بين الفرنسيين والجزائريين، أما الشيوعية فإنها ستنهار بنفسها بعد هذا بخمسٍ وثلاثين سنة. وتعليقاً على مشروع الدستور الجديد الذي جرت مناقشته في مصر، يقول بن نبي في مقال تحت عنوان ” نهاية ذهان “: “هذا يعبِّر عن استعداد المسلمين للدخول بشرف في التطور العام الذي يبدو أنه سيصل في مستقبل قريب، وحتماً إلى ظهور العائلة البشرية مُوَحَّدَةً، ويسودها السلام “. وقد اخطأ بن نبي في هذه النقطة كذلك، إذ لم يسجل الإسلام دخوله في التطوّر العام الذي سيؤدي إلى ظهور العائلة البشرية، وبقي بعيدا عن ذلك، واكتفى بالاهتمام بالعائلة السماوية.

كان بن نبي يعتمد على مرجعيات أخلاقية ذات مكانة سامية، مثل غاندي وبرتراند راسل وتوينبي وإيماويل مونيي وروبرت أوبنهيمر، وذلك لإقتناعه بأن الوضعية الجديدة إنْ لمْ تَقُدِ العالم إلى حربٍ تقضي عليه، فإنه سيدخل في مرحلة التاريخ الموحّد، إذ يقول: ” إنّ وحدة التاريخ البشريّ متحققة خلال القرن 20 بشكل لم يعُدْ فيه أي مكان للنظرة التقليدية إلى “الوحدات التاريخية” المستقلّة التي تفْهم كل واحدة منها معزولة’’ (“النزعة الأفروآسيوية”). وهو يرى أن الحضارات قد أدّت أدوارها في رفع الإنسان إلى مستويات مختلفة من درجات الثقافة والتقدم، وأنّ على كلٌّ منها ،و بدءاً من الآن، أنْ تشرع في مرحلة التقارب الذي سيؤدي إلى الحضارة الموحدة الوحيدة.

ومِمَّا جاء في كتاب ” وجهة العالم الإسلامي”: “ يبدو أنَّ الحقبة التي نعيشها بما فيها من علامات دالَّة وبما فيها من كِبار الشهود، هي حقبة التحوّل الجذريّ في مسيرة البشرية. يبدو أنها الحقبة التي يجب على البشرية ـ بعد تجاوزها للعصر الحجريّ الحديث كمرحلة أولى في تاريخها وارتقائها إلى مرتبة الحضارة ـ يجب عليها أن تتجاوز الآن المرحلة الثانية التي سترفعها إلى مستوى حضارة الإنسانية الشاملة. وطبيعي أننا بهذه الخطوة لن تتراءى لنا الطريق التي علينا أن نقطعها لكي نبلغ الهدف، ولن تظهر لنا الصعوبات التي تنتظرنا. فالذين سيكون عليهم أنْ يقودوا الشعوب باتجاه تلك الأهداف سيكون عليهم أن يعالجوا مشاكل صعبة بكل تأكيد. لكن التاريخ سيساعدهم على حلِّها ما دامت سياستهم مُسايرةً لمنطق التاريخ “.

إنّ مثل هذا الإعلان قد يبدو ساذجاً حتى في أيامنا. هذا مع أنّ بن نبي يبدو واعيا بالواقع العالمي المحيط به، إذ يقول:  “إنّ الظروف الحالية هي من التناقض بحيث أنّ حظوظ التطور العالمي في اللحظة الراهنة تبدو منقسمةً بالتساوي بين الإحتمالين. فإذا كان التطور العلمي والإقتصادي قد أعداَّ العالم ليدخل في مرحلة الإتحاد، فإنّ الأفكار، على نقيض ذلك، تُسْهِمُ في الإبقاء على كل أسباب الفُرْقة والصراع. وفي هذا أقوى تعبير عن الطفرة الدائمة بين الوعي الرجعي والوعي التقدُّميِّ. لكننا في وقتٍ أصبحت فيه هذه الطفرة غير مناسبة حتى لحياة الجنس البشريِّ”.

وفي كتاب “النزعة الأفروآسيوية” يتكلم بن نبي بلسان المؤمن إذ يقول: “إنّ البشرية قد دخلتْ في مرحلة أصبح فيها على التاريخ، ولأول مرة، أنْ يطرح مشكلته بطريقة ميتافيزيقية تماماً… إنَّ المشكلة الجوهرية التي تُطْرحُ على ضوئها كل المشكلات الأخرى، هي مشكلة خَلاَصِ الجنس البشريِّ… وفي تصوّر المؤمن الذي يرى أنّ الإنسان هو صورة لخالقه، نجد تركيبا بين الإنسانيِّ والإلهيِّ على مستوى مُعيَّنٍ. أمّا الحقيقة الميتافيزيقية في إطار هذا الفكر فهي تعلو على غيرها، لكنها لا تنفي الحقيقة الواقعية… والحل الواقعي موجود في حتمية التاريخ لأنه لا وجود لمخرج آخر غير العدَم“.

كان بن نبي يُكِنُّ لغاندي إجلالاً صادقاً لأنَّه كان يجد فيه محطّ إلهام وحكمة بدعوته إلى تأسيس “فيدرالية عالمية”. وكان برتراند راسل يحلم بتشكيل “حكومة عالمية”، وتوينبي يقترح “نظاما تعاونيا لحكومة عالمية”. أما مونيي Mounier فكان يتحدث عن “شمولية التاريخ”… وإنّ اتفاق هؤلاء الأعلام حول فكرة واحدة كان يقوِّي إقتناع بن نبي فيما كان يذهب إليه:  “إنّ العقل البشري لا طائل منه إذا لم يكن موافقا لمسار الأحداث التاريخية التي تضْفي على التاريخ إرادة الله… بل إن هذا العقل يصير آثماً لو حاول تغيير مجرى التاريخ كالذي يحاول أن يُعارض إرادة الله… والعلماء لا يريدون أن يقعوا في خطإ  محاولة توجيه التاريخ. إنهم يكتبونه بقراءة ماضيه، ويمتنعون عن قراءة مستقبله ومحاولة فهم اتجاهه. والمؤكد أنه يستحيل القيام بقراءة سابقة للأحداث، ومَرَدُّ ذلك هو الغموض الذي يطبع كتابة غايات الله. لكنّ أنواراً تأتي من حين إلى آخر لتشق هذا الغموض وتكشف عن وجهة التاريخ” (“النزعة الأفروآسيوية”).

أما وجهة النظر التي كان بن نبي يميل إلى تبنّيها فهي تلك التي تأخذ الماضي والحاضر بعين الاعتبار من أجل استنتاج المستقبل. يقول في ذلك: “من الأنسب تبنّي وجهة النظر الكونية من أجل فهم المعنى الشامل للتاريخ. والإنسان هو الشرط الأساسي في كل حضارة، والحضارة عنصر ملازم لوجود الإنسان. ولو تمّ تناول أبسط الأحداث في بُعدها الإنساني الشامل لاكتسبت تعقيدا ذا دلالة… والحدث الواحد يمكن أن يخصّ وجودين مختلفين وأن يرتبط بمسارات أحداث مختلفة. و هذه الملاحظة تتأكّد وتصحّ أكثر كلّما ازداد الحدث تعقيدا وتَجَاوَزَ حدود الفرد أو حتى حدود المدينة والوطن. وبعض الأحداث التاريخية تتمرّد على إطار التأويل العقليّ المؤسس على المعطيات البشرية الآنية، وعلى المصلحة المادية أو الأخلاقية أو السياسية. يبدو أنَّ تلك الأحداث تنتمي إلى نظام غير عقليّ يقف إزاءه العقل الديكارتي عاجزا عن فهم محتواه” (“وجهة العالم الإسلامي”).

وبعد هذا يقترح بن نبي التأمل على ضوء كل ذلك في نموذج ملحمة تامرلان Tamerlan (1336-1405) ، إذ يقول: “إن إخضاع تلك الملحمة لموازين العقل سيُمكِّن بالتأكيد من جمع عناصرها وإحداثياتها ووضعها في إطار العلاقة التي تربطها بالبطل المركزي. والحال أنّ تلك العناصر العقلية الخاصة بالرجل ومعطياته الشخصية لا تعطينا تفسيرا مُقْنِعاً لأعماله ومنجزاته. وبالفعل فإن هذا الرجل لم يكن مجرد عسكري غليظ القلب، فالإعتبارات الدينية والسياسية، وكذا عبقريته العسكرية والإدارية، كل ذلك يجعل منه شخصية مُعقَّدَةً، لكنها واضحة المعالم. ومع ذلك فإننا نجده ينهال بسيفه على جيوش توغتميش التي كانت على أهبة الاستيلاء على أوروبا، كما انهال بسيفه ـ ليس على الصين التي ورثها عن سابقه جنكيزخان، ولا على الهند التي سيحتلها وارثُه بابير ـ لكنه سينهال على الأمبراطورية العثمانية التي كانت جيوشها بتعداد خمسمائة ألف جندي تتأهب للإنقضاض على فيينا. فلماذا سلك تامرلان هذا السلوك الفريد ؟ ” (“وجهة العالم الإسلامي”)

شرع بن نبي في دراسة التأويلات التي أعطاها توينبي لتلك الأحداث والنظر في الحكم الذي أصدره على تامرلان عندما وصف فعله بأنه “ضلال” (9). وفي ذلك يقول بن نبي: “إن هذا الكاتب الإنجليزي يبدو أنه لم يلاحظ الأهمية القصوى لهذا “الضلال” عند الإمبراطور التتاري في التاريخ العام لاحقاً. ذلك أن سيف تامرلان هو الذي فتح الطريق أمام الحضارة الأوروبية الصاعدة آنذاك، وذلك في وسط  الأخطار المحدقة بغروب الشمس على العالم الإسلامي… أيمكن، بعد هذا كله، أن نتحدث عن “ضلال” تامرلان؟ ألا ينبغي أن نرى فيما حدث دليلا على أعلى درجات الوعي، بتجاوز حدود ذكاء تامرلان نفسه؟ ”

وبعد تعبيره عن معارضته لتوينبي، عاد بن نبي إلى تفكيره في قوله: “للوقوف على تأويل شامل للأحداث، تأويل مُطابق لكل محتواها، يجب ألاّ ننظر إليها من زاوية نظر السببية، لكن من زاوية نظر غاياتها القصوى في التاريخ. والحال أننا بذلك سنضطر أحيانا إلى قلب المنهج التاريخي رأسا على عقب، كما سيكون علينا أن ننظر إلى الأحداث باعتبار مستقبلها، لا انطلاقا من ماضيها، أي بالنظر إلى غايات الأحداث، وليس بالنظر إلى بداياتها. فلكي نفهم ملحمة تامرلان مثلاً يجب أن نتساءل عن مصير أوروبا لو أن طوغتاميش Toghtamish احتلّ موسكو، ثمّ فرسوفيا، ولو أن باجازيت Bajazet احتلّ فيينا ، ثمّ برلين. لو حدث ذلك لوقعت أوروبا حتما تحت نور الإسلام المنتصر. وفي هذه الحالة ألن يبرز إلى الوجود مسار آخر تماما للتاريخ؟ سنرى ذوبان النهضة الأوروبية ـ التي كانت في بداياتها ـ فيما يمكن تسميته بـ (النهضة التيمورية). لكن هاتين النهضتين كانتا مختلفتين. ومع أنهما على قدم المساواة في العظمة، فإنهما لا تحملان نفس الدلالة التاريخية. الأولى كانت بمثابة فجر جديد طلع على عبقرية جاليليوس وديكارت، والثانية جاءت كلحظة غروبٍ لشمس الحضارة الإسلامية. الأولى كانت بداية لوضع جديد، والثانية كانت نهاية لوضع سابق. فلم يكن بوسع أيٍّ كانَ أنْ يحمي العالم من الليل الدامس الذي سيحل على الحضارة الإنسانية كلها لو أن تامرلان لم يتّبع إلاّ نوازعه الشخصية“.

ويختتم بن نبي الفصل الأخير من كتاب “وجهة العالم الإسلامي” بهذه القراءة الميتافيزيقية لدور تامرلان في مصير البشرية قائلاً: “لماذا عَمَدَ تامرلان إلى منع باجازيت وطوغتاميش من غرس الإسلام في قلب أوروبا ؟ لقد فعل ذلك لكي تتمكن هذه القارة الأوروبية من استكمال المجهود الحضاري الذي صار المجتمع الإسلامي عاجزا عن الاضطلاع به لأنه كان في آخر أنفاسه منذ القرن 14. إنّ ملحمة هذا الإمبراطور التتاري تلقي الضوء على إحدى غايات التاريخ لأنها وصلت إلى نهاية مُطابقة لاستمرارية الحضارة وبقائها، ولكي تتعاقب مراحلها ويتمَّ التناوب بين أجيال العبقريات على طريق التطور. فالطور الحضاري يولد في ظروف نفسية وتاريخية مُعيّنة وينمو فيها، وإذا ما تجاوزت الحضارة تلك الظروف يتوقف الطور، ويبدأ طور جديد في ظروف جديدة سيأتي يوم يتمّ تجاوزُها هي كذلك. ذلك هو القانون الذي يخطّ، منذ آلاف السنين، هذه “الطريق الصاعدة عبْر مرتفعٍ متدرج بلُطْفٍ”، والتي ترتقي فيها البشرية بهدوءٍ. فغاية التاريخ تلتحم مع غاية الإنسان“.

وبإمكاننا أنْ نضيف إلى مثال تامرلان الذي اتخذه بن نبي وسيلة لتجسيد فكرته، مثالين آخريْن، نستقيهما من تاريخ الماغول: أولهما هو مثال هولاكو (1217 ـ 1265) الذي هاجم ابنَ عمه بركة خان، ملك الجيش الذهبي، سنة 1262، بينما أسْدى بحمايته للجماعات المسيحية، خاصة منها النستوريين Nestoriens. وثاني مثال هو فشل الماغول في غزو اليابان. فقد تمكّن الماغول من بسط سيطرتهم على أصقاع واسعة من الكرة الأرضية، كما تمكنوا من التمركز في الصين حيث أسس كوبيلاي خان (1215 ـ 1294) مملكة أسرة (يوان)، وذلك بعد أنْ طُلِب من اليابان أنْ يخضع لسلطته. وفي سنة 1273 قرر هذا الخان العظيم أن يغزو اليابان، وتمكّن من الاستيلاء على بعض الجزر اليابانية. ولأسباب لا تفسير لها في التاريخ إلى يومنا قام الماغول بإيقاف غزوهم لليابان فجأةً. وفي سنة 1281 جرتْ حملة ثانية بجيش تعداده 100000 جندي أبحروا في أسطول أرْسَتْ سُفُنُهُ في عدّة مواضِع من أرخبيل اليابان. دامت المعارك شهرين، وفجأةً هبّ إعصار التيفون على مواقع المعركة وشتَّتَ القوات الماغولية، لكي ينجو اليابان من دمار شامل ومؤكَّد، بل ومن احتلال. وقد أطلق اليابانيون اسم (كاميكاز) على هذا الإعصار، والكلمة تعني (الريح الإلهية)(10). وقد اقترحْتُ في إحدى الحصص التلفزيونية منذ مدة قصيرة، أن تُطبَّق مقاربة مالك بن نبي من أجل فهمِ لغزٍ آخر لم يتمكن المؤرخون من تفسيره إلى يومنا هذا، وهذا اللغز هو رفض حنّبعل تدمير روما التي توقّف عند أبوابها بعد انتصاره في (كان) سنة  216 قبل الميلاد. وتفسير ذلك أن قرطاج التي تطاول بها العمر كان عليها أنْ تفسح المجال لروما ذات الطموح لأنها حاملة مشروع حضاريٍّ جديد.

إنّ المخطط الإلهي يعني منطق التاريخ، ويعني هدفا محدّدا مُسْبقاً تَسِيُر باتجاهه البشرية بشكل حتميٍّ عبر (خيط آريان fil d’Ariane) غير مرْئيٍّ. هل كان لا بد أن يمُرّ كل شعبٍ بمساره التاريخي الذي أوصله إلى وضعيته الراهنة بناءً على مرسومٍ صادرٍ من داخل ذلك الشعب، أمْ أنَّ تاريخ الأمم والحضارات ليس إلاّ حصيلة للحتميات الناجمة عن معتقداتها واختياراتها وسياساتها ؟ هل اخترنا تاريخنا بأنفسنا أم أنه مفروض علينا ؟ وماذا يمكن أن يكون ذلك (الهدف الديني) عند الرجوع إلى القرآن في سورة الشورى إذ يقول تعالى:  “ولو شاء الله لجعلهم أمَّةً واحدة، ولكنْ يُدْخِلُ مّنْ يشاءُ في رحمته، والظَّالمون ما لهم مِنْ وليٍّ ولا نصير” (الشورى،8). ويقول تعالى في سورة الحج:  “ولكلِّ أُمَّةٍ جعلْنا مَنْسَكاً ليذْكُروا اسمَ اللهِ على ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمةِ الأنعامِ،فإلهُكُم إلهٌ واحِدٌ، فَلَهُ أَسْلِموا، وبَشِّرِ المُخْبِتين” (الحج، 34 ). أليس هناك تناقضاً بين هذه الآيات التي تُقدِّم مبدأ الاختلاف باعتباره ناتجا عن إرادة الله، وبين (النزعة العالمية) التي يؤمن بها بن نبي ؟

ونحن هنا بإزاء موضوع نقاش موغلٍ في القِدَم: فهل يمكن تصوّر توحيد شامل للعالم ؟ هونتينغتون  (Huntington) يُعبّر عن تشكيكه في المشروع، لكنه لا يستبعده أو ينفيه، فهو يقول: “إنّ فكرة جماعة بشرية موحّدة لم تعُدْ إلاَّ حلماً بعيد المنال… فالعالم سيجد نظاما على أساس الحضارات الموجودة، وإلاّ فإنه لن يجد ذلك النظام“. أمَّا آلان توران Alain Touraine، فبعد أن طرح هذا التساؤل (“هل بإمكاننا أنْ نعيش معاً ، متساوين ومختلفين؟”) وهو التساؤل الذي اتخذه عنوانا لكتاب، يجيب قائلاً: “إنَّ حلم إخضاع جميع الأفراد لنفس القوانين العقلية والدينية والتاريخية العالمية، هذا الحلم كان يتحوّل في كل مرّةٍ إلى كابوس، وإلى وسيلة للهيمنة“.

لكن عكس هذا الوضع ليس مما يدعو إلى الإطمئنان. وفي هذا المجال يتابع عالم الاجتماع الفرنسي طرحه قائلاً: “إنّ التخلّي التام عن مبدإ الوحدة، وقبول الإختلافات بدون حدود يؤدي إلى التفرقة وإلى  الحرب الأهلية“(11). أما فيرناند برودال Fernand Braudel فهو يرى أن الحضارات “شخصيات دائمة في لعبة التاريخ، وهناك احتمال ضعيف أن يأتي يوم تأخذ حضارة واحدة مكان تلك الحضارات”’ ويُتابع قائلاً: “إنّ انتصار حضارة واحدة متفرّدة لا يعني بالضرورة انهيار الحضارات الأخرى. فهذه وتلك تتحاور ويُضاف بعضها إلى الآخر، وتتمايز… إنّ هناك محاولة لدفع العالم إلى الوحدة بقوة، وهو في ذات الوقت يبقى منقسما بالأساس”.12. أمَّا جاك أتالي Jacques Attali فهو يرى أن العالم متجه إلى ما يشبه “حضارة الحضارات التي لن تكون بشكل واحد، ولا دمجا لكل الحضارات حول النموذج الغربيّ الوحيد واللاَّئكي، ولا تشنُّجا لكل حضارة حول نفسها، لكنها ستكون رُكاما عملاقا سيُتاحُ فيه لكل واحد مجال لاختيار نظام قيَمه بالدمج بين عناصر فلسفات وإيديولوجيات وأنظمة سياسية وثقافات وديانات، وهذا حسب رغبته“13.

إنَّ العراقيل التي تقف في طريق العولمة ذات طابع ثقافيّ، فالمخاوف القديمة لا زالت مسيطرة على العقول، والشعوب والأوطان أُسِّستْ على مفاهيم القبيلة والجنس والحدود والمِلْكية، ولذلك لن يستطيعوا بناء نظام عالمي بمفاهيم وطنية ودينية وانتمائية. ذلك أن هذه المفاهيم تفترض بقاء الاختلاف ووجود (عدوّ). وكانت الحدود الجغرافية والذهنية والسياسية هي التي تحمي الديانات في الماضي، والديانات هي التي أسست أساليب حياة خاصة. أمّا اليوم فقد تقلّص المجال الجغرافي، وتحطّمت الحدود الذهنية، واخْتُرِقَت الحدود الجغرافية، وصار الناس من مختلف الثقافات يعيشون معاً. فما السبيل إلى جعل تعايشهم سلمياًّ لا يصبو فيه أحد إلى فرض قيمه ومعتقداته على غيره ؟ هل يكون ذلك بتوحيد العبادات ؟ أم يكون بتجاهلها تحت غطاء لائكية عالمية ؟

لقد دافعتْ كل الشعوب عن مفاهيمها وعن مصالحها، وعضَّتْ عليها بالنواجذ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ إدماج الإقتصاديات الوطنية لم يعُد اختيارا، بل هو أمر مفروض: فرضَتْه قوانين السوق ولم يدْعُ إليه الفلاسفة. والعولمة لا يمكن منعها ولا توجيهها، بل يجب مرافقتها، وتهيئة الطريق لها، وتكييف الأفكار والثقافات الغالبة في العالم مع هذه النهاية الحتمية المتمثلة في توحيد الجنس البشري. وقد بدأت المصالح المشتركة بين الناس بالبروز، ومنها: التلوُّث، الإحتباس الحراري، نضوب بعض الموارد وعدم تجدّدها…

غير أن الطريق الموصلة إلى الوضع العالمي الذي تصوره بن نبي كأفقٍ وكغايةٍ قصوى للتاريخ، هذه الطريق ستمُرّ على مزيد من الحروب والمآسي، وستسقط ضحايا. والدعوة إلى العولمة اليوم تشبه الدعوة إلى الرأسمالية في الماضي، أي بمنطق السيطرة وقضاء الأقوياء على الضعفاء. والمنظمات متعددة الأطراف مثل (ONU, OMC, FMI, BIRD…) تبقى حبيسة القوة (الفيتو في هيئة الأمم، الدعم الاقتصادي المنافي للتبادل الحرّ، التدخل في الشؤون الداخلية للدول، التدخلات العسكرية…). وقد ظهرتْ أشكال للمقاومة الفردية، أو في مجموعات صغيرة، وذلك من أجل تحدّي منطق القوة وتنبيهه إلى أنّ أضعف وأصغر مخلوق يمكن أن يقضي على أقوى مخلوق، تماما مثلما أن الذبابة تُفْقِدُ الفيل توازنه. فالمؤسسات المتعددة الأطراف، ومناطق التبادل الحر، والعُمْلة الموحَّدة تُحقِّق اليوم ما لم يحققه الإسكندر الأكبر والأنبياء وكبار الملوك. إنّ أهداف العلم والتكنولوجيا تتلخص فيما يأتي: تحسين ظروف العيش، إطالة معدل العمر، ربح الوقت، التقليل من المعاناة، الإستفادة من الترفيه…إلخ. أما من الناحية الأخلاقية فالأهداف هي: العيش في الحرية والكرامة والعدل. وإنّ التطور لم يُغيّر في الإنسان شيئا، وكل ما هناك أنه أعطاه مزيدا من الوسائل لفعل الشر أو الخير.


المراجع :

1) من مقال تحت عنوان: “عشية حضارة إنسانية” ـ 4″ « A la veille d’une civilisation humaine – 4 »,  ، جريدة  la République Algérienne الصادرة بتاريخ 29 جوان 19511.

2) مقال تحت عنوان “من ضمير إلى ضمير” « De conscience à conscience », ، عن نشرية le Jeune Musulman الصادرة بتاريخ 13 فيفري 19533.

3) ظهرت هذه الكلمة لأول مرة في كتابات بن نبي في مقال تحت عنوان “عشية حضارة إنسانية؟” ظهر في جريدة la RA الصادرة بتاريخ 13 أفريل 19511. وقد وضعها بن نبي بين قوسين، وهذا قد يعني أنه اقتبس الكلمة من غيره ولم يبتدعها. والواقع أن هذه المقالة ما هي إلاّ اقتباس (مُعدَّل تعديلا طفيفا) من الكتاب الذي سيصدر تحت عنوان “وجهة العالم الإسلامي”. وقد أشار بن نبي في كتابات سابقة إلى كتاب يبدو أنه تأثر به كثيرا، وهو” عالم واحد” « One world » (Le monde est un) لصاحبه Wendell Wilkie (1892-1944)، وهو محامي ورجل أعمال، ومُرشَّحٌ سابق للرئاسيات الأمريكية سنة 1940 ضد روزفلت. وقد ألف الكتاب المشار إليه بعد أن قام بجولة حول العالم بالطائرة سنة 1942.

4) جريدة La RA الصادرة بتاريخ 10 فيفري 1949.

5) مقال تحت عنوان: “التركيب المحتوم” « La synthèse inéluctable » جريدة la RA مؤرخة في 01 ماي  1953

6) “أطروحات حديثة للتصوف في الإسلام” « Thèses modernes et la mystique en islam », نشريةle JM الصادرة بتاريخ 08 ماي 19533.

7) مقال تحت عنوان: “التركيب المحتوم” « La synthèse inéluctable », جريدة la RA مؤرخة في 01 ماي 19533.

8) نشرية Le JM مؤرخة في 27 مارس 1953

9) عن “حرب وحضارة”،« Guerre et civilisation », دار النشر Gallimard، باريس، 1953.

10) أثناء الحرب العالمية الثانية مات ما يقارب 5000 كاميكاز خلال أقلّ من سنة واحدة في الأعمال الانتحارية ضدَّ القوات البحرية الأمريكية.

11) دار النشر  Fayard باريس 1997.

12) عن “طموحات التاريخ”،« Les ambitions de l’Histoire »,  دار النشر de Fallois، باريس 1997.

13) عن “معجم القرن 21 Dictionnaire du XXI° siècle“ دار النشر . Fayard باريس 1998.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: