فكر مالك بن نبي (25) الإصلاح الجزائريّ والنهضــة

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة: عبد الحميد بن حسان -

وقف مالك بن نبي منذ سنة 1936 على نتيجةٍ مفادُها أن الإصلاح الجزائري قد فشل لأنه لا يتمتّع برؤية واضحة ومذهب مُحدَّدٍ حول العمل الواجب القيام به. إنّ العلماء لم يفهموا أنه لا تكفي الدعوة إلى الإسلام بِلُغَةِ الفنون الغنائية مُستعينين “بزَخَمٍ من الشواهد القرآنية والحكايات المؤثرة حول الحضارة الإسلامية”، بل المطلوب هو الشروع في عملية تغيير جذريّ على الصّعيد النفسيّ والثقافيّ، وهي العملية التي من شأنها أنْ تُوجِدَ الإنسان الذي يضطلع بتشييد الحضارة. وحركة الإصلاح كانت صائبة بالتأكيد، لكن كان عليها أنْ تتحرر من قيود “البوليتيك” التي جاءت لتُزوِّرَ معنى المعركة الواجب خوضها من أجل تحرير الجزائريين من القابلية للاستعمار وتحرير الجزائر من الاستعمار.

كانت سنة 1936 في نظر بن نبي بمثابة “معركة صِفِّين” ثانية في تاريخ الجزائر. فهذا الموعد التاريخي هو انكسارٌ للدفع الروحيِّ الذي كانت النهضة الوطنية تسير في رحابه. فتلك النهضة ستتحول بدءاً من هذه السنة إلى مُطالبةٍ بـ “الحقوق” وقد كانت قبله تعمل على خلق “الضغط ” اللاّزم للعمل، وكانت تُعلِّمُ الجزائريين معنى الواجب. وكان بن جلول في تلك السنوات يُمثِّلُ “المعبود” (l’idole)، كما كان مصالي، بعده، يمثِّل “الزعيم”. وهكذا استسلمت حركة العلماء لتيار الحركة الوطنية بدلاً من إضاءة طريقه وقيادته أخلاقيًّا، فوجدتْ نفسها حبيسة لعبة المطالب السياسوية، حتى جاءتْ سنة 1954 لتعصفَ الثورة ضد الاستعمار بالحركة الوطنية بمختلف أوجهها.

وبن نبي يَعتبِر الفترة الممتدة بين 1925 و 1936 بمثابة عصرٍ ذهبيٍّ، ويُسجِّلُ ذلك في كتاب “شروط النهضة” سنة 1949 قائلاً: “كانت فصول المُعْجِزة جاريةً عندما جاءت سنة 1936 المشؤومة. فلقد توقف التحوُّلُ وتوقفت النهضة فجأةً وغَرَقَا في سراب السياسة. وبدلاً من التنويه بـالواجبات في الخطب، صار الحديث كله يدور حول الحقوق، ولمْ يعدْ أحدٌ يعي أن المشكلة لم تكن بالأساس في الاحتياجات، شرعيةً كانت أو غير ذلك، بل هي في عاداتنا وأفكارنا وأفعالنا، وفي نظرتنا الاجتماعية، وفي جمالياتنا وأخلاقياتنا، وفي كل هذا الانحطاط المُسلّط على شعبٍ نائم. وهكذا صارت الجزائر بدءاً من سنة 1936 ساحةً ومحفلاً سياسيا تحوّلت فيه كلُّ مناضد المقاهي إلى منابر، بدلاً مِنْ أنْ تبقى ورشات لمجهوداتنا النهضوية المتواضعة ومجالاً لواجباتنا التقويمية… وجاء فيروس السياسة ليأخذ مكان فيروس الطُّرقيَّةِ، وصار الشعب الجزائريّ الذي كان يؤمن بالتمائم والتعويذات يلهث وراء الأوراق الانتخابية والأماكن في المجالس المُنْتَخَبَةِ، وهو يسعى إلى ذلك بنفس تلك العقلية الخرافية والتطرّف البعيد عن كل روح نقديّةٍ والمُجرَّد من أي جهد في اتجاه تغيير ذاته ووسطه. إنّ هذا الشعب الذي كان يؤمن بقدوم المُنْتَخَبِ في طائرته الخضراء صار اليوم يؤمن بالعصا السحرية التي ستُحوِّله إلى شعبٍ عظيمٍ بجهله وعيوبه المتنوعة ونقائصه وعربدته. فمنذ أشهُرٍ قليلة شوهد شابّ يصيح بأعلى صوته في مُظاهرة: (نريد حقوقنا ونحن على حالنا: بأوساخنا وجهلنا !)،وكان الحاضرون يُصفِّقون له. وانطلاقا من هذا الوضع وهذه العقلية المتردية سار المجتمع إلى الوراء، وتراجع إلى منطقته المُظْلِمة، وضاعت الجهود بسبب التشتت…“.

وفي مقابل هذه الذهنية يذكر بن نبي “المهاتما غاندي” الذي كان يقول لشعبه: “طالما أنّ القذارات تنهال من النوافذ على المارّة في شوارع بومباي أو كلكوتا، فإنّ الهند لا تستحقّ الاستقلال“. وهو يوضح فكرته في كتاب “وجهة العالم الإسلاميّ” سنة 1954 قائلاً: “إنّ ما يجب القيام به ليس تعليم الشعب بعض الكلمات والشعارات، بل تعليمه منهجية العمل وتقنياته. ولا فائدة مِنْ ترديد أنشودة الحرية على مسمعه، فهو يعرفها. ولا جدوى مِن الإلحاح في إعلامه بحقوقه، فهو يَعْلَمُهَا. ولا داعي من ادِّعاء تعليمه فضائل الاتحاد والتضامن، فقد تعلّم ذلك بحدسه وفطرته. وفي كلمة واحدة: لا يجب أن نكشف له عمَّا يعرفه، بل يجب أنْ نعطيه الطريقة الفعالة التي تُمكّنه مِنْ تحيين مواهبه ومعارفه في واقع اجتماعي ملموس. وبتعبير أدقّ، فإنّ ما يجب القيام به ليس تذكيره بحقوقه وحريّته، بل أنْ ندُلَّه على الوسائل التي تُمكِّنُهُ مِنْ ذلك، وهذه الوسائل ليست إلاّ تعبيراً عن واجباته. فما ينقص هذا المجتمع، مجتمع ما بعد الموحدين، ليس المطالبة بالحقوق، بل التوظيف التقني للإنسان والأرض والزمن من أجل إنتاج المُركّب الاجتماعيّ الذي يوَلِّد الحق بطريقة آلية… وممارسة عمل سياسي تعني بالفعل إعداد شروط التاريخ النفسية والمادّية، أي: إعداد الإنسان ليصبح قادرا على صنع التاريخ. إنّ الفرد الذي ظهر في مرحلة ما بعد الموحدين لن يستطيع ممارسة السياسة إلاّ عندما يخرج من حالة الأميبيا التي تنتظر الفريسة غير المضمونة. وسوف يخرج هذا الفرد من حالة المخلوق المحروم والمعرّض لكل ويلات الاستعمار عندما يقَلِّل من الكلام عن حقوقه ويُكْثِر من الكلام عن واجباته، ويقلل من الكلام عن ميثاق الأطلسي ويُكْثِر من الكلام عن موارده هو. وسيخرج من وضعية الفريسة السهلة عندما يُغيِّر من أساليب تفكيره وعمله اعتماداً على منطق براغماتي في العمل، ومنطق ديكارتي في التفكير، وعندما يتخلّص من الأوهام التي تشلّ نشاطه وتحدّ من فعاليته”.

إنّ ما كان يجري في حركة الإصلاح بالجزائر كان يجري في حركة النهضة في باقي العالم الإسلاميّ الذي تنتمي إليه الجزائر، وهي، أي الجزائر، في الغالب مجرد حقل تجارب للأفكار التي تظهر في المشرق. وقد رسم بن نبي ذلك في لوحةٍ واقعية جداًّ، إنْ لمْ نَقُلْ إنه أخضع الوضع للفحص بالأشعة. ففي تمهيد جديد لكتابه “وجهة العالم الإسلاميّ” سنة 1970 ، وبعد أن أشار إلى أن تأليف الكتاب جاء غداة ما حدث في فلسطين مِنْ إعلانٍ عن قيام دولة إسرائيل، كتب يقول:“ألَّفْتُهُ بُغْيَةَ أخْذ العِبْرةِ مِنْ هذه الأحداث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أردْتُ أنْ أّصوغ مِنْ هذا الظرف العصيب حصيلة الأفكار التي كانت مُتداولة في العالم الإسلاميّ والتي أدَّتْ به إلى الأزمة الحالية… وما كانت تلك الحصيلة إلاّ بيانا للنقائص التي كان المسلمون يتمرّغون فيها… فبعد مُضيِّ ربع قرن لا تزال مشكلة العالم الإسلاميّ على حالها، كما كانت مطروحة سنة 1948… فهذا الكتاب إذاَ يُوَفِّر اليوم وسيلة، ولو أنها غير كاملة، لقياس مسار تطور العالم الإسلامي على مدى ربع قرن. وماذا يمكن قوله عن حاضرنا؟… لقد سجّلْنا بالتأكيد بعض التغييرات النسبية في المظهر، لكن الجوهر بقي على حاله. فالقابلية للاستعمار لم تتغيّر، وكُلُّ ما في الأمر أنها صارت بوجه جديد. فانظروا إليها مَلِياًّ لتروها جميلة تتبختر في هذه البلدان العربية المستقلة استقلالاً أعرجا لترتمي في أحضان رفيقها الدائم، وهو الاستعمار الذي صار فارسها الخادم في تلك الصالونات المُحَوَّلة إلى مكاتب دراسات لتكنوقراطيتها المزعومة. وانظروا إليه هو لتروا كيف صار يُتْقِنُ التقريظ بالكلام الحلو لعشيقته القديمة لاستدراجها إلى اتباعه وتقليده وإيقاعها في مِجرفته المُغْرِيةِ وفي بهاء صدره المهْترىء… وكانت الطرقية هي أوّل الزائرين لـ (الرجل المريض) المسلم، ولم يكن بإمكانها أن تعالج مرضه ولا أنْ تُمِيته لتُرِيحه. ولم تأتِ حركة كمال أتاتورك ولا حركة البعث بأي جديد، وكل ما قاما به هو زيادة الوضعية تعقيداً على تعقيدٍ. أمّا السَّلفية والوهابية فلم تتركا غير ذكريات أليمة لِتعفُّنٍ شاملٍ“.

وبإمكاننا تصوّر الثمن الذي دفعه بن نبي بسبب كتابته لهذه الأسطر، وهو الذي كان في شبابه يرى في السلفية والوهابية “مرحلة جديدة في طريق التحضُّر“. ويواصل في هذا النص نفسه قائلاً: “لقد سبق أنْ تعرَّض العالم الإسلاميّ لهزّات سنة 1948 وهزَّات جوان 1967. والمؤكَّد أنَّ الهزة الثالثة ستُغْرِقُهُ إنْ لمْ يبادر المسلمون باستباق الأحداث المأساوية الحاضرة، واكتفوا بمسايرته بخطى وئيدة. فزماننا لم يَعُدْ فيه أمَلٌ لحدوث التقاءٍ بين المجتمع ووجهته التاريخية بالصدفة. فاليوم لا بدّ أنْ نعرف هدفنا البعيد منذ اللحظة التي نخطو فيها خطواتنا الأولى”.

والنهضة كانت في نظر الإصلاحيين إحْياءً لقيمٍ أخلاقية وثقافية من شأنها أنْ تُعيد للعالم الإسلامي عظمته القديمة. أما في نظر الحداثيين فهي تستهدف التحديث على الطريقة الغربية، وهي السبيل الوحيدة التي تؤدي بالبلدان العربية الإسلامية إلى أمجاد جديدة. ولم تشهد هذه البلدان في الواقع نهضة عامة، وكلّ ما جرى كان عبارة عن حركات محلِّية وجزئية، أو حركات وطنية تحريرية. ففي تركيا وإيران مثلاً، كان الهدف ـ سواء عند رجال الدين أو عند اللاّئكيين ـ هو تحقيق نهضة وطنية. وقد فشلت النهضة بمفهومها الإصلاحي لأنها ظهرت في شكل حلمٍ، ولم تظهر كمسار أعمال ملموسة. فتأثيرها من الناحية الفكرية لم يمتد إلى عمق الذهنيات، ولم يمسّ بالطابوهات القديمة. كانت النهضة مجرّد خطاب وشعرٍ. أما من الناحية السياسية فكانت أُمنية تَعَبُديَّةً أو دعوةً إلى إعادة تشكيل الأمة، مِنْ دون عزمٍ على تقديم مبادرات لتحقيق الالتحام والاندماج باتجاه التطوّر، ومِنْ دون تحديد مقاييس الانسجام وتحقيق الاتساق في المنظومات القانونية، أي: مِنْ دون تبنِّي مُقاربة براغماتية كما حدث في أوروبا بعد ذلك.

لقد انطلقت النهضة كردِّ فِعْلٍ على حالة حرمان وعلى رفضٍ للواقع، ولم تنطلق كوعْيٍ بأنَّ التغيير الجذريَّ أصبح ضروريا. لم تكُنْ اعترافاً بالنقص في ذواتنا وفي أفكارنا وفي أنماط سلوكنا. كان رأسمالها في المنطلق قائماً بالأساس على العنجهية والرغبة الجامحة في الانتقام من الغرب. وعلى أيّة حال فإنّ انسداد الاجتهاد ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي (ق 5هـ) قد أدّى إلى استقالة العقول ووقوع المسلمين في حالة نفسية وفكرية لم يَعُدْ لهم فيها أيُّ هدف يسعون إلى تحقيقه: فلا استجابة لأيِّ تَحَدٍّ، ولا ابتكار لتقنيات من شأنها أن ترفع المردود في مختلف الأنشطة، ولا محاولة لتغيير أنماط الحياة… فقد كان الرضوخ للتقاليد البالية والاستقالة من حلبة التطور أمام الآخرين، كان كل ذلك بمثابة مهدٍ للقابلية للاستعمار وللاستعمار. أما اليوم فصار ذلك سببا في الجمود والشعوذة والإرهاب.

وكانت المسائل التي انطلقت منها حركة الإصلاح منذ زمن ابن تيمية، ثُمَّ منذ ق 18م/ ق 12 هـ ، تنطوي على إرادة إثارة مشاكل ملموسة مثل: التحرر من الاحتلال الأجنبي، وتبنّي أنماط الحياة العصرية في البلدان الإسلامية. وقد تحقق الهدف الأول بنجاح نسبيّ، أما الهدف الثاني فلم يتحقق لأنه تبيّن أن أنماط الحياة الحديثة تستلزم إعادة النظر في بعض الأمور التي لم يكن أحد يقبل بأن يمسّها التغيير. وهكذا ساد الغموض في مصطلح النهضة منذ البداية. فالنهضة تعني اليقظة، ولا تعني الميلاد من جديد. وهو اختيار يكشف عن موقف ساذج إزاء خطورة المشاكل المطروحة، وهو موقف لم يضع بالحسبان أهمّ شيء ينتظر المسلمين: وهو ضرورة إيجاد وضع جديد تماما، وليس ترقيع ما هو ميِّت. وهذا هو السبب في أنّ النهضة فشلتْ في إحداث تجديد اجتماعي، اقتصاديٍّ أو سياسيّ، واكتفت عموما بالأخلاق والخُطَبِ الرَّنَّانةِ.

صحيحٌ أنَّ حركة النهضة في البلدان الإسلامية كانت مُحاصرةً باستراتيجيات الاستعمار الفرنسي والإنجليزي والروسيّ (في عهد القياصرة، ثُمّ في عهد الشيوعية)، وكان من نتائج ذلك سقوط الأمبراطورية العثمانية واحتلال البلدان العربية والإسلامية وظهور الحركة الصهيونية. لكن النهضة فشلتْ في تطوير البلدان العربية الإسلامية حتى بعد تحقيق الاستقلال. فحركة البعث، التي تمثل التوجه اللائكي في النهضة، لمْ تُفْلِحْ في توحيد العراق وسوريا اللتين تنتميان لهذه الحركة، بل إنها أدّتْ إلى المواجهة الصارخة بين هذين البلدين. كما أن الحركة الإسلامية، التي تمثل التوجه الديني لم تُفْلِحْ في إيجاد أية ديناميكية من شأنها أن تؤدي إلى اندماج البلدان الإسلامية في مسار التطوُّر الحديث.

فما هي الحصيلة التي يمكن الوقوف عليها بخصوص هذه النهضة التي سُخِّرَ لها ما سُخِّرَ مِن الطاقات الفكرية والسياسية طيلة ما يقارب القرنين من الزمان؟ الواقع أنه لمْ يبقَ مِمَّنْ يتحدّث عن النهضة والإصلاح أو (الصحوة) إلاّ الحركات الإسلامية. فقد أُهْمِلت هذه المصطلحات بعد تحقُّقِ الاستقلال لأنها لم تَعُدْ تُعبِّرُ عن تطلُّعات الأوطان الإسلامية الحديثة التي انتبهت إلى أنها ليست مُتَّفقة في نظراتها إلى مصالحها.

وقد صار اليوم جلِياًّ أنه لا وجود لنموذج موحَّدٍ للمسلم، وأنّ أتباع الإسلام ليسوا متشابهين، وأنّ السُّنِّيِّين لن يتخلَّوا أبداً عن مُعْتقداتهم الخاصة، وأنّ كلَّ فريقٍ يعمل بمعزل عن الآخر، بل إنه يعمل ضده أحياناً مِنْ أجل تحقيق مصالحه الوطنية أو القَبَليَّة أو الطُّرُقيَّة، وحماية حدوده وتوسيع قطاع تأثيره. إنَّ البلدان الإسلامية مختلفة في انتماءاتها القَبَليَّة ولُغاتها وأساليب حياتها وتفكيرها ومصالحها الإستراتيجية، ولا يوجد بلد مسلم يبدو عليه الاستعداد للتخلّي عن خصوصياته ويُضحِّيَ بها على قربان فكرة وهمية، هي فكرة “الأمّة الاسلامية”.

وكان للأحقاد التاريخية الراسخة بين المسلمين دور في توسيع الشرخ بينهم، ذلك أن الحرب نشبت بينهم مراراً (كالحرب بين الأتراك والفرس، وبين العرب والأتراك، وبين العرب والفرس، وبين الجزائر والمغرب، وبين باكستان وبنغلاديش، وبين ليبيا ومصر، وبين التحالف الأمريكي العربي والعراق سنة 1991، وبين التحالف العربي السعودي واليمن…). ومعظم البلدان الإسلامية همُّها الأوحد هو الحفاظ على انسجامها الوطني (مثل العراق وسوريا وتركيا وإيران والسودان) لأنها مهددة بعودة النعرات القبَليَّة ،التعصُّب المذهبي (الشيعة والسُّنّة مثلاً) وتعدد الديانات (مثلما هي الحال في لبنان والسودان ومصر). والحرب بين بلدين مسلميْن لا تعني بالطبع أن الإسلام يُحارِبُ الإسلام، بل تعني أنّ هناك تطاحناً بين عصبيات قبلية أو بين مصالح الدّول.

إنَّ المبادرات والمحاولات المترددة التي ظهرت منذ القرن 18 قصد التحديث كانت من فعل الحكومات، ولم تكن تستهدف إلاّ الدولة ورموزها، أي: الجيش والدبلوماسية والمدارس الكبرى… أما المجتمع فلم يكن معنياًّ بتلك المبادرات ولم يكن يستفيد منها إلاّ النزر القليل. ونتيجةً لذلك فقد بقيت تلك الإصلاحات بمثابة تراكم لـ (الأشياء) التي لم تمنع من اكتساح البلدان العربية الإسلامية من طرف القوى الاستعمارية.

والملاحظ أنّ النموذجين الياباني والصيني يحتلاّن في العالم الإسلاميّ مكانة محترمة، والمسلمون يفكرون في كيفية استلهام هاتين التجربتين. ويسود الاعتقاد بأن النجاح الذي حققه هذان البلدان يُعْزى إلى السياسات المُنتهَجَة، والحقيقة أنَّ وراء هذا النجاح أسباباً ثقافيةً ونفسية وفكريّة، إضافة إلى النظام الاجتماعي الذي يعيش اليابانيون والصينيون في ظلِّه. والواقع أن الذي حدث في الصين واليابان لا يُفَسَّرُ بأنه عودة إلى الحضارتين اليابانية والصينية القديمتين، بل إنها عودة لليابانيين والصينيين بوجهٍ جديد، وذلك بفضل انسجامهم مع أنماط الحياة الجديدة بعد أن كانت تلك النماذج في البدء أجنبية وغريبة عليهم.إنّ معظم البلدان الآسيوية قد حققت نجاحا في تطوّرها الاقتصادي والاجتماعي، لكن البلدان الإسلامية منها لا ينطبق عليها هذا الحكم ( وقد نستثني من ذلك ماليزيا وتركيا وأندونيسيا) رغم ما تتمتع به من خيرات معدنية وزراعية عظيمة. فظاهرة التطوّرلم تجد في عقول تلك المجتمعات المجال والقوة لكي تظهر إلى الوجود. ذلك أنَّ ” القدرة على تكييف الأفكار ليست واحدة في مجتمعين مِنْ أصول ثقافية مختلفة”.

وبدلاً مِنْ أنْ تؤدِّيَ الجهود المبذولة في إطار النهضة والإصلاح إلى ميلاد ديناميكية اجتماعية، لم تتمخض إلاّ عن ضربٍ من التراكم والتشييءٍ، ولم تُنتِجْ إلاّ تطوّراً مُبعْثر الأجزاء، لأنَّ الناس لا يتعاطون مع البُعْدِ الاقتصاديّ كتعليمةٍ مقدَّسة. وانطلاقا من ذلك ففكرة التطوّر لم يكن بإمكانها أنْ توجِدَ فيهم التحمُّس الكافي. وبما أنّ البُعدَ الاقتصادي لم يكن ذا أثر عميق في حياتهم، فقد تعذّر أن يُمثِّلَ لديهم قدرة اندماج. وبما أنه لا يعكس مفاهيمهم الدينية وتصوّراتهم الميتافيزيقية فقد تعذَّر أنْ يؤثر في توجّهاتهم العامة. فالمجتمع المتمخِّض عن ثقافة تعطي الأولوية للعالم الآخر ولا تتوكل إلاّ على الله في كل الشؤون، هذا المجتمع لا يمكن أن يجد لنفسه مكانا في نموذج متمخض عن فلسفة متفتحة على العالم الخارجي ومُتّجهة صوب عالم الأهداف والإنجازات التاريخية.

إنّ النفسية الدينية المتولِّدة عن تقليد السَّلَفِ لا تؤدِّي إلاَّ إلى الزهد في الحياة الدنيا والإقبال على الآخرة. فاهتمامها بالبعث والنشور أقوى من اهتمامها بالنهضة، واهتمامها بعودة المهدي المنتظر أقوى من اهتمامها بإعادة خلق أحداث التاريخ الحقيقي. وإذا كانت النهضة الأوروبية عودةً إلى التاريخ القديم وإلى عصور الأنوار العقلية قبل أن تتخذ أشكال الثورة الفكرية والفتوحات التكنولوجية المُدْهِشة، فإنّ نهضة العالم الإسلاميّ كانت عودة إلى علوم الدين ونظام الحكم الديني. أما المعركة التي جرتْ بين التقليد والحداثة فلم تُسْفِرْ عن انتصار طرفٍ على آخر، بل تمخّضتْ عن حالة “لا منتصر ولا منهزم”. لقد فشلتْ النهضة والإصلاح سياسياًّ لأنهما لم يهتماَّ إلاَّ بالتحرير، وفَشِلَا فكرياًّ لأنهما لم يهتماَّ بالانفتاح الفكريّ. إنّ النهضة كانت تعني عند العرب مجرّد الإنعتاق من السيطرة العثمانية، ثُمّ تأسيس أنظمة حكم استبدادية.

ولو أردنا أن نُعبِّر بلغة البيولوجيا عن فشل النهضة في البلدان الإسلامية لتكلّمْنا، مع عالِم البيولوجيا الأمرييكي جوناس سالك Jonas Salk  عن “غياب المُنبِّهات الثقافية أو الأنظمة، ممّا أدّى إلى فشل تطوّر القدرات الجسمية المُعبِّرة عن الإمكانات الجينية“. إنّ الاستعداد للتكيّف في الجسم الحيّ ناتج عن قدرته على العيش والتطور مع التغيّرات التي تطرأ على وسطه. إنَّ الإنسان في تطوّره البيولوجي والاجتماعي والثقافي خاضع لقواعد أو قوانين واحدة. وتلك هي القواعد التي يتقرر بموجبها اتجاهُ التطور، أي نحو الأعلى أو نحو الأسفل، وذلك حسب درجة مراعاة القواعد. وقد سجّل جوناس سالك Jonas Salk  أنّ “النظام المُتَّبَع في الطبيعة موجود كذلك في مسار العوالم البيولوجية… فالتطوّر يحدث، سواء أكان ذلك بيولوجياًّ أو ميتابيولوجياًّ، من خلال سلسلة من الآليات التي تؤدِّي بالضرورة إلى (التحوّل mutation). والتحوّل يستلزم ظهور معلومة جديدة بشكل عفويّ… ففي الميدان الميتابيولوجي تظهر إدراكات جديدة من حين إلى آخر، ولها آثار مُشابهة لتلك الآثار التي تنجم عن المعلومة البيولوجية التي تنتقل من جيل إلى جيل بوسائل ثقافية…”(1). وبإمكاننا أن نستنتج من هذا أن إمكانات التطور لدى المسلمين قد تمّ تجميدها على أيدي أولئك الذين يتحكمون في السلطة الدينية، أي في أدوات التحكم في الذهنية المسلمة، والذين منعوا عليها كل تطوُّرٍ باتجاهٍ أشكال جديدة ومركَّبة. والحال أن استمرار الحياة مرهون بتلك الإمكانات. فهل بإمكاننا تصوُّرُ برنامج جيني لدى جنسٍ ما يُقرِّر بنفسه أن يُصْدِرَ أمْراً بمنع البحث عن التطور في اتجاه أشكالٍ جديدةٍ ؟ ومع ذلك، فإن هذا ما حدث في العالم الإسلاميِّ خلال مُنْعَرَجِ القرن 19.

إنّ الجسد الإسلامي بالصورة التي يظهر بها اليومَ أمام الحضارات الأخرى، لا يبدو عليه أنه مبرمج ليتطوَّر. فهو يبدو وكأنه وصل إلى طور الاكتمال منذ عهد الدولة الأولى بالمدينة المنوّرة، لم تفتح الثقافة الإسلامية أبوابها في وجه أنظمة الفكر الأخرى، ولم تنكب على دراسة فلسفاتها، كما لم تبذل أي مجهود في تحليل النهضة الغربية أو الصينية أو اليابانية أو الهندية، ولم تهتمّ بإسهامات العلوم الجديدة: كالفيزياء الفلكية والبيولوجيا والهندسة الجينية، وعلوم الإعلام الجديدة… إن الثقافة الإسلامية بقيت ترمق كل ذلك من بعيد، دون أن ينتابها أي شعور أنها معنية بما وصلت إليه تلكم العلوم من فتوح. فالعلوم الدنيوية لا مكان لها في الثقافة الإسلامية، بل إنها مُحْتَقَرة. أما “العلم الديني”، الذي يكاد يكون مجرّدا من أية فائدة، فهو الأمر الوحيد الذي لا يزال يثير الحماس والإقبال. وصار الخوف من “البدعة” يُبْعِدُ علماء الإسلام من كل نقاشٍ أو تساؤلٍ أو حيرة. وفي هذا يقول بن نبي: ” لقد تبوّؤُوا مرتبة الكمال، مثل الموت ومثل العدَمِ“.

ورغم أوضاعهم المُزْرِية فإنّ المسلمين يجدون ما يتبجّحون به أمام الآخرين: إنهم يمتلكون الحقيقة، وهم دائماً على حقٍّ، كما أنهم يُمثِّلون الدين المُخْتار. والواقع أنّ هذه الحجَّة لا قيمة لها إلاّ في تقديرهم هُمْ. أمَّا في تقدير الآخرين فهم في أدنى الدرجات. فهم يعيشون من الناحية الذهنية في قوقعة معزولة، بل فيما يشبه المحمية، وهم بعيدون كل البعد عن هموم الساعة. لماذا يبحثون عن الجديد ،الذي يعتبرونه تقهقرا ،و انتهاكا لحرمة الماضي الكامل؟. والله هو الرازق، وهو موجِّه البشرية، كما أنه وراء كل الأحداث… فيا له من فكر سلبيّ، مستقيل، وغير مسؤول…

وكُلَّما حاولت فئة من العقول الواعية والشُّجاعة، في أي بلدٍ من بلدان الإسلام، أنْ تصوغ أفكارا جديدة، كان جزاؤها معارضة عنيفة يغلب عليها طابع التكفير. وبين أيدينا عدّة أمثلة من القرن الماضي، مثل علي عبد الرازق، أو عبد الرحمن الكواكبي، أو محمد عبده الذي تمكن بصعوبة من تمرير بعض الفتاوى حول القرض البنكي والزّيّ الأوروبيّ واللحم الحلال. وانطلاقا من هذا فإن الملاحظة التي سجلها فرديناند لو Ferdinand Lot تكتسي كامل دلالتها، إذ يقول: “إنّ تكييف مجتمع مسلم مع الحياة الحديثة مهمة تتجاوز طاقة البشر. فالدين في هذا المجتمع لا يتوقف عند حدود معروفة، ولا جدوى من محاولة وضعه في مكانه المناسب،لأنه موجود في كل مكان و لا يوجد في أيّ مكان في آن واحد”.(2)

إنّ المسلمين لا يستفيدون من عثراتهم ومن أزماتهم، بل ينتظرون ريثما تهدأ العاصفة دون أن يُغيِّروا شيئا في تصوّرهم للأشياء. إنهم يأنسون إلى النسيان حتى تأتيهم عاصفة جديدة تُخْزيهم. وكثيرا ما تعلو أصواتهم، بل إنّ بعضهم يُشْهِرُ سلاحه، لكن الآلية الذهنية والاجتماعية القابعة في أعماقهم لا تتقبل أيَّ تغيير جذريّ في النظام الذي تسير عليه تلك الآلية. وفي النهاية يوكَلُ الأمر لله الذي سينتقم للمسلمين يوم الحساب. فما عليهم إلاّ الانتظار والصبر الذي يكتسي عندهم قيمة خاصة لأنه من الخلال الكريمة لدى المؤمن. المسلمون يقفون إزاء فشلهم في الميدان العسكري، وكذا الاقتصاديّ والسياسي، وفشلهم في استقلالهم وفي محاولتهم امتطاء مركبة الحداثة، يقفون إزاء كل ذلك بسلبية تامة، دون أن يتحرك لهم إحساس أو شعور. ورتبة (ماريشال) لا وجود لها في إسرائيل التي انتصرتْ في كل الحروب، لكنها موجودة عند العرب الذين خسروا كلَّ معاركهم. المسلمون لا يسعون وراء أية غاية، بل ينتظرون قيام الساعة حتى تثبت براءتهم ويثبت انتصارهم وفوزهم في المحاكمة التي بدأتْ في الحياة الدنيا. والنتيجة من كل هذا أنه لا بدّ من الإقرار بأنَّ النهضة الوحيدة التي يؤمنون بها هي نهضتهم يوم القيامة.

ومهما يكن فإنّ العالم الإسلامي لم يكن في الموعد مع نهضته وإصلاحه، لأنّ تلك النهضة لم تكن في مجملها سوى شطحات خطابية عقيمة. وقد قال ثلاثة من المثقفين في كتابهم المشترك: “قرنٌ ذَهَبَ هباءً منثوراً”. ونحن نكاد نقول: أَلْفيةٌ ذهبتْ هباءً منثوراً !


مراجع

1) جوناس سالك، “استعارات بيولوجية ” Métaphores biologiques) منشورات Calman-Lévy، 1975.

2) فرديناند لوت، ( نهاية العالم القديم وبداية القرون الوسطى La fin du monde antique et le début du Moyen-Age)

3) جان لا كوتير، غسان تويني، وجيرار خوري: (قرنٌ ذهبَ هباءً منثوراً Un siècle pour rien) منشورات Albin Michel، باريس 2002.

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: