فكر مالك بـن نبـي (21) القابليَّة للاستعمار

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة عبد الحميد بن حسان-

إذا كان بن نبي هو واضع هذا المصطلح الجديد، فإنّ الأطروحة التي يحملها ليستْ بالجديدة. فانطلاقاً من الحكمة العامَّة القائلة ’’ في الاتّحاد قوة’’ ، ووصولا إلى ما لاحظه المؤرِّخون الذين انْكبُّوا على دراسة انهيار الإمبراطوريات وأُفولِ الحضارات، فإنّ الجميع مُتَّفِقٌ على أنَّ الوطن أو الحضارة لا ينهاران بسبب الهجوميات الخارجية بقدْرِ ما ينهاران بسبب فقدان الاتِّساق الداخلي (بسبب الصراعات الدّاخلية، والانشقاقات الدِّينية، وغياب روح الجماعة، وتفكك الوحدة الوطنيّة). وإذا ما ضَعُفَتِ الروابطُ بين أفرادِ الجماعة، فإنهم يفقدون الرُّوحَ الجماعيَّةَ ويستقِيلون من المهامِّ ذات الصِّلة بالمصلحة العامّة. وحيثُما كانت روحُ الجماعة قائمةً فإنه بالإمكان الكلامُ عن وَطَنٍ، وعن رأْيٍ عامٍّ، وأغلبيَّةٍ صامتةٍ، وحكومةٍ وديمقراطيَّةٍ. أمَّا إذا غابَتْ تلك الرُّوحُ فلا يُمْكِنُ الكلامُ عن دولةٍ أو مجتمعٍ أو عن حَرَكيَّةِ تطوُّرٍ.

إنَّ أطروحة القابلية للاستعمار، والتي لم تكُنْ مُنْتَظَرَةً في سياقِ الوضعِ الجزائريّ أيامَ الوجود الاستعماري، كان لها وقْعٌ قويٌّ في أوساطِ الوطنيِّين، وأدَّتْ إلى ردودِ أفعالٍ عنيفةٍ من قِبَلِ المُثَقَّفين الذين وجدوا فيها إبْطالاً لنضالهم ضدَّ الاستعمار وتبريراً للوجود الاستعماريِّ. وصار بن نبيّ بمثابةِ خائنٍ لأنّ هذا المفهوم عُولِجَ على أنّه تعدِّي على الروح القوميّة والوطنيّة، وتشويهٌ لحقائق التاريخ، وإدانةٌ للجزائريّين، في الوقتِ الذي كان فيه الجميعُ يعتبر نفسَه ضحيّةً. وكأنه جاء ليقول لهم: إنّكم مُدانون مرّتين في كونِكم مُسْتَعْمَرين وفي كونِكم قابلين للاستعمار.

يقول بن نبي في “وجهة العالم الإسلاميّ”: ’’ هناك مسارٌ تاريخيٌّ ينبغي ألاّ نُهْمِلَهُ كي لا يغيب كُنْهُ الأشياء عن بصرنا ونكتفي برؤية مظاهرها. إنّ هذا المسار لا يبدأ بالاستعمار، بل يبدأ بالقابلية للاستعمار التي تُؤَدِّي إليه. وعلى أية حال فإنَّ الاستعمار هو، في حدودٍ مُعَيَّنَةٍ، أحسنُ نتيجة تتمخضُ عنها القابليَّةُ للاستعمار، لأنَّ الاستعمار يأتي ليعكس اتِّجاهَ التطوُّر الاجتماعي الذي أنتجَ الكائنَ القابلَ للاستعمار: فهذا الأخير لا يشعرُ بقابليته للاستعمار إلاَّ حينَ يقعُ بين بَرَاثِنِ هذا الأخير. وهُنا يجد نفسه مضطراًّ للخروج من الأهليّة (الأَنْدِيجَانَا) كيْ يصيرَ غيرَ قابلٍ للاستعمارِ، وهذه هي وجهة التفكير التي تسمح لنا بأنْ نعْتَبِرَ الاستعمارَ بمثابةِ (ضرورةٍ تاريخيَّةٍ). وهُنا لا بُدَّ مِنَ التَّمييزِ بين بلدٍ تعرَّضَ للغزو أو احتُلَّ احتلالا عادِياً، وبين بلدٍ مُسْتَعْمَرٍ.

ففي الأول يتوفّرُ ذلك التركيبُ بين الإنسانِ والأرضِ والزمنِ، وذلك يستلزم وجود فردٍ غيرِ قابلٍ للاستعمار. أمّا في الثاني فكلّ الظروف الاجتماعية المتواجدة تُفْصِحُ عن القابلية للاستعمار لدى الفرد: وفي هذه الحالة يتحوّل الاحتلالُ الخارجيّ حتماً إلى استعمارٍ. إنَّ روما لم تستعمرِ اليونانَ بل احتلَّتْها. وبريطانيا التي استعمرتْ 400 مليون من الهنود، لكونهم قابلين للاستعمار، لم تستعمرْ إيرلندا التي خضعتْ للسيطرةِ لكنَّها لمْ تتنازل عن أراضيها. وعلى نقيض ذلك نجد اليمن الذي كان مستقلاًّ على الدّوام، لكنه لم يستفدْ من ذلك شيئا لأنه صار قابلاً للاستعمار، بمعنى أنه صار عاجزاً عن بذل أيِّ جهدِ اجتماعيٍّ. وعلى أيّة حال فالفضل في بقاء اليمن مُسْتقِلاًّ يعود إلى صُدَفِ الأوضاع الدّولية. أمّا المغرب الذي بقي مُسْتَقِلاًّ إلى غاية 1912، فلمْ يستفِدْ مِنْ تجربة الجزائر المُتاخمةِ له والتي وقعَتْ تحت السيطرة الاستعماريّة منذ قرن. ولم يَبْدَإِ المغرب في بذل جهودٍ حقيقية للنهوض بفضل العزيمة التي بثَّها فيه سيدي محمد بن يوسف إلاَّ بعدَما وقع في الاستعمار.وهكذا فإنّ الاستعمار ليس هو السببُ الأول في نقائص الناس وخمولِ الأرواح في البلدان الإسلاميّة.

ومِنْ أجْلِ الوقوف على حُكْمٍ صائبٍ في هذا المجال، لا بُدَّ مِنْ تَتَبُّع مسار الاستعمار بدءاً بمَنْشَئِهِ، ولا نكتفي بالوقت الرَّاهِنِ، أي: ينبغي مُعالجة الاستعمار مُعالجة اجتماعية، لا سياسيّة. وعند ذاك سيتَّضِحُ لَنَا أنَّ الاستعمارَ يتغلغلُ في حياة الشعْبِ المُسْتَعْمَرِ كعامِلٍ مُتناقِضٍ يدفعُهُ إلى الخروج منَ القابلية للاستعمار. ويتجلّى ذلك أكثر عندما نلاحظ أنَّ القابلية للاستعمار تتحوّلُ إلى رفض نفسها في ضمير الشعب المُستعمَر الذي يسعى إلى الخروج منها بسبب الوجود الاستعماريِّ… والنتيجة المنطقية والبراغماتية التي تفرِض نفسَها هي أنّ التَّحرُّرَ من الاستعمار يجب أنْ يبدأ بالتحرُّرِ من سببه، أي: مِنَ القابليّة للاستعمار’’.   

إنَّ الذين قَصَدَهُمْ بن نبي بهذا التصويبِ الجريء قد فَهِمُوا منه تبرِئَةً للاستعمار. لكنْ بعد ردود الفعل الأولى والانتقاداتِ الموجَّهة له، جاء التحليل الذي كان بمثابة ضربةِ سَوْطٍ للضمائر لأنه كان كذلك دعوةً إلى مباشرةِ التحرير. وكَأَنَّ الكاتبَ يوجّه إليهم هذا التَّحدِّي: ’’برهِنُوا لأنْفُسِكُمْ أنَّكم لستُم قابلين للاستعمار !’’. وسيُثْبِتُ الجزائريون ذلك بعد بضعة سنينَ بأجمل صورة، إذْ كان عزمُ بعض العشرات من الرِّجال كافيا لانطلاق مسار التحرير. وبعد ذلك بثماني سنوات اختفى الاستعمار من الجزائر.

فما قصَدَهُ بن نبي بهذا المفهوم إذاً هو تبيينُ حالةٍ من العلاقات الاجتماعية، ونَمَطٍ منَ الروابطِ بين الأفراد، وآفةٍ اجتماعية مُعرْقِلة لكلِّ حركيّة اجتماعيّة… فكثيرةٌ هي الشعوب التي تحرّرت من نير الاستعمار خلال القرن الماضي وجدتْ حالتَها تزداد سوءاً وهي نفسها في تدهورٍ وتراجُعٍ إلى الفوضى والحرب الأهلية والمُناوشات القَبَليَّة. لقد تمكّنَتْ تلك الشعوب من الاتِّحاد ضدَّ العدُوِّ، ومن العمل الجماعيِّ المُنَسَّق. لكنها عادتِ إلى الفُرْقَةِ والرشوة والانقلابات بمجرّد أنْ تمَّ إجْلاء ذاك العدُوّ. وهنا تظهرُ القابليّة بوجهٍ جديد يتمثَّلُ في التَّأَخُّر، والتَّبَعيَّةِ للخارج، والمديونية، والعجز عن التكفل بالشؤون الخاصَّة…

لا وجود لعلاقة تأثير مُتَبادَلٍ بين الخِلاَلِ القوميّة وبين مفهوم الحضارة، كما أنَّ هناك فرْقاً شاسِعاً بين بطولةِ الأفرادِ وبيْنَ قدرتِهم على تأسيس مجتمعٍ ودولةٍ جديريْن بالحياةِ والاستمرارِ. فَقدْ تظهرُ علاماتُ الرَّخاءِ على المجتمع وهو في حقيقته مريضٌ إذا كانت شبكة علاقاته الاجتماعية مُصابَةً، مِثْلَما يُصابُ الإنسان بفيروس السيدا وهو مُعافى في ظاهِرِهِ. إنَّ المرض الاجتماعيَّ لا يُصيبُ الأفرادَ بل العلاقاتِ التي تربُطُهُمْ: فـ (الأنا) عند الأفراد ينتفخ، وتستفحل الرٌّوحُ الفردية على كيان المجتمع، ويتمرّد الأفراد على كلِّ قانون وقاعدة، وعلى الضوابط الاجتماعية، لا يَأْبهون بالمصلحة العامّة في سلوكهم، بل يحرصُ كلٌّ منهم على افتكاكِ ما استطاعَ مِنَ الجماعة. وعند ذاك يصعب، بل يستحِيلُ القيامُ بأيِّ عملٍ جماعيٍّ مُنسَّقٍ.

وحول هذا الوضع يقول بن نبي في “ميلاد مجتمع”: “إنَّنا عندما ندرُسُ الأمراضَ الاجتماعيةَ من جميع الأوجُهِ، الاقتصاديّة والسياسية والتقنيّة، فنحنُ في الواقع ندْرُسُ أسقامَ (الأنا) في المجتمع، وهي الأسقامُ التي تظهر في غياب فاعليَّةِ شبكتِهِ الاجتماعيّة. وإذا نسينا أو غفلْنا عن هذا الاعتبار ذي الطَّابَعِ النفسيِّ، فإنَّنا نكون قدْ حكمْنا على مظاهر الأشياء بدلاً من الحكم على كُنْهِها. ومِثالُ ذلك أنّنا نسعى إلى تطبيق حلول ذات طابَعٍ تقنيٍّ على الصعوبات الاقتصادية باقتراحٍ مِنْ مختصِّين أوروبيين، لكنّ تلك الحلول قد لا تكون فعَّالَةً لأنَّها لا تتناسب مع مُعْطَياتِ (الأنا) في البلدانِ الإسْلاميَّةِ“.

لقد أصدر بن نبي كتاب “شروط النهضة” سنة 1949، وتحدَّثَ فيه لأول مرّةٍ عن مفهوم القابلية للاستعمار بنبرةٍ تعليميّة كان الغرض منها تحسيسَ الجزائريين بأسباب تَدَهْوُرِهِمْ وقابليّتهم للاستعمار، ثُمَّ تبيينَ طُرُقِ ووسائلِ الخروج من تلك الحالة، وهذا ما أَطْلَقَ عليه اسمَ شروطِ النهضةِ. وهو يبدأ بالتمييز بين العوامل الدّاخلية في انعدام الفاعليّة، وهي عوامل راجعة إلى القابلية للاستعمار، والعوامل الخارجيّة التي تتعلّق بالاستعمار. ويُطْلِق مصطلح (مُعامِل التحقيرالذَّاتي  coefficient autoréducteur) على كلِّ الاستعدادات الذهنيّة التي يُحافِظُ بها الإنسانُ المُسْتَعْمَرُ على قُصورِهِ، ويُبرِّرُ بها عجزَه.

ويُلاحِظُ الكاتبُ أنَّ هذه العُقدة تظهرُ في الحياة اليوميّة في صورتين مِنْ صُوَرِ الذِّهان psychose ، وهُما: (ذِهانُ السُّهولة Psychose de la chose facile)، وهو شعور يؤدِّي إلى التَّصَرُّفِ الأعمى. و(ذِهانُ الاستحالة Psychose de la chose impossible)، وهو الشعور الذي يشُلُّ الحركةَ ويُعَبَّرُ عنه بمِثْلِ هذه العبارات: 1) إنَّنا لا نستطيع فعلَ أيِّ شيءٍ لأنَّنا جاهلون. 2) لا نستطيع القيام بهذا لأنَّنا فقراءُ. 3) لا يمكننا التفكير في هذا العمل بسبب وجود الاستعمار.

وبالإضافة إلى هذه الذَّرائعِ ،فإنّ الإنسانَ المُسْتَعْمَرَ يحتجُّ بطرحِ أسئلةٍ دقيقةٍ ومُحْرِجَةٍ، مثلَ: ماذا فَعَلَتْ تلك الإطارات المتعلِّمة الموجودة سَلَفاً في سبيلِ التخفيف مِنْ وطْأةِ الجهلِ ؟ ما مدى الفاعلية/ الفعاليّة الاجتماعية للإمكانات المالية المتوفِّرة لدى الأغنياء مِنَ المُسْلِمين ؟ وهكذا فإنّ آثار (مُعامل التحقيرالذاتي) تأتي لتُضافَ إلى آثار مُعامِل الاستعمار.

يقول بن نبي: “صحيحٌ أنَّ حرمان المُسْلم من الوسائل المرجُوَّةِ لتطوير شخصيته وتَحْيِينِ مهاراته سببُهُ الاستعمار. لكنْ عندما يُعْرِضُ المُسْلِمُ حتَّى عن الاستعمال الفعّال للوسائل المُتاحَةِ له، وعن بَذْلِ مجهودٍ إضافِيٍّ لرفع مستوى معيشته، ولو بوسائل بسيطة، وعندما لا يستغِلُّ وقتَهُ لتحقيق هذا الهدف، بل، على عكس ذلك، يبقى مُسْتسْلِماً لمخطط “الأنديجانا”(indigénat) والتَّشْيِيءِ(choséisme)  المُسلَّطِ عليه، مُساعِداً بذلك على نجاح التقنيّة الاستعمارية، فإنَّ سببَ كُلِّ ذلك هو القابليّة للاستعمار “ (مِن “وِجْهة العالَمِ الإسلاميِّ”).

والقاسم المشترك بين الإنحطاط والنهضة عند بن نبي هو إنسان ما بعْدَ المُوَحِّدين الذي لا يزال موجوداً بوجوهٍ مُخْتلِفةٍ. إنَّ أيَّة دراسةٍ حول العالم الإسلامي يمكن أنْ تُخْتَزَلَ في دراسةٍ نفسيةٍ لذلك الإنسان “الذي، مِنْ جهةٍ، كان بإمكانه أنْ يمُدّ يده ببساطة ليقبض على القمرـ وذلك عنده أمْرٌ سهلٌ ـ  لكنه، مِنْ جهةٍ أخرى، يُمْكِنُ ألاّ يُحرِّك أصبعه لطرد ذُبابة مِنْ على أرنبة أنفه، لأنَّ ذلك في نظره أمرٌ مُسْتَحيل”. ويصِلُ بن نبي إلى إعطاءِ مِثالٍ عن ذلك الذِّهان بالظَّرْفِ الذي “وَجَدَ فيه العربُ،سنة 19488،أنفُسَهُمْ فجأةً غارقين باستهتارِهِم المَرِح في قضية فلسطين التي كانت تظهر للقادة أمْراً سهلاً” (1).

ولمَّا كان بن نبي مُنْهَمِكاً في تأليف “شروط النهضة” كان يرى أنه بالإمكان تجنيدُ إمكاناتِ المجتمع لمحاربةِ الأمِّيَّةِ والفقرِ حتى في غياب الدولة. ذلك أنه كان تحت تأثيرِ نموذجٍ حيٍّ رآهُ بِأُمِّ عينِه وزاده اقتناعاً بآرائه. فبَعْدَ الاحتلال الفرنسي للجزائر صَدَرَ مرسوم كريميوDécret Crémieux  الذي يُسَوِّي بين اليهود والفرنسيين، ثُمَّ تَمَّ إلغاؤه سنة 1940، إذْ شرعَت السلطاتُ الفرنسيةُ بالجزائر في تطبيق قاعدة (العدد المحدود numerus clausus ) على اليهود في مجال التعليم. وبمقتضى تلك القاعدة تمّ طردُ زُهاءَ 20000 تلميذ يهوديٍّ من التعليم العام سنة 19411. وفورَ ذلك قامت المجموعة اليهوديّة بتنظيم نفسها لمواجهة ذلك الوضع وأسَّستْ شبكةً للتعليم الخاصّ في جميع المدن الجزائريّة من أجل التكفّل بتمدرس كل التلاميذ، ممَّا أدَّى إلى إبْطالِ مفعول قانون العدد المحدود الذي سنّتْهُ حكومة فيشي Vichy.

ويُقيمُ الكاتبُ مُقابَلةً بين هذا المثال وبين السياسة العقيمة المبنية على المُطالبة والتي ينتهجها السَّاسةُ الجزائريُّون وقتذاك. وحول هذا الشأن يقول في “شروط النهضة”: ’’ وعموماً، كان المقصود هو تطبيق مُعامل التحقير الذي يؤول إلى الحطِّ من وزنهم ( يقصد اليهود )* الاجتماعي والأخلاقي، وذلك في كل الأنشطة المتعلقة بحياتهم الفكرية والمهنية وحتَّى الدينيّة. لكن ردَّ الفعل من اليهود كان سريعاً: ففي كلِّ عائلة كانت تُعْطى دروسٌ مع دكاترة ومهندسين ومُحامين كمُعلِّمين مُتَطوِّعين. ولم تشهدْ مَعابدُ اليهود إقبالاً كالذي شهدَتْهُ في هذا الظرف، كما لم تشهد تجارتُهُمْ رواجا مثله. واستطاعت الجالية اليهودية أن تنتصر في تلك الظروف العصيبةِ رغم مُعامِل التحقير المُطبَّق عليها. فالأطفال اليهود لم يَضِعْ منهم أيُّ درسٍ، وآباؤهُمْ لم يخسروا أيَّ محلٍّ تجاريٍّ، والمعابد لم تخسر أيَّ مُرْتادٍ. لقد انتصر اليهودُ لأنهم اجتثُّوا مِنْ أنفسهم كلّ أسباب الخسارة أو التبذير أو الفُرْقةِ أو العبث. انتصروا على مُعامِلِ التحقير لأنهم تجرَّدوا من مُعامِلِ التحقير الذَّاتيِّ’’(2).

ولم يكن بن نبي هو الشخص الوحيد الذي لاَحَظَ هذا الفرق الجوهريَّ بين سلوك الجالية اليهودية ومثيلتها الجزائرية في مواجهة مِحَنِ التاريخ. ففي كتابٍ ألَّفَهُ يهوديان بعد خمسين سنة، نُشِرَتْ صورة للرسام فيليبوتو Philippoteaux يعود تاريخها إلى سنوات الاحتلال الفرنسي الأولى للجزائر، وهي مصحوبة بالتعليق الآتي :

” 1840.في شارع في الجزائر. مجموعة من العرب والمغاربة يتحادثون بهدوء. أحدُهُمْ بِشاربٍ ممشوطٍ وبهيئة الفُرْسان، وهو مُلْتَحِفٌ ببرنوس، والآخرُ يظهر بهيئة التاجر الحضَريِّ، والثالث يرتدي سروالا عريضاً مُنْتَفِخاً… وفي خلفيّة المشهد يَمُرُّ يهوديّ من الجزائر بقامةٍ غير واضحة وهيئةٍ دالّة على الحزْم. وكل شيء في جسمه يدلُّ على العَجَلةِ والانشغال… إنَّ المُفارَقة الكامنة في الوجود اليهوديِّ بالجزائر متجسدة بشكلٍ كاملٍ في هذه الصورة: ففي مُجْتمَعٍ يُواجِهُ كلّ نوايا الإمبريالية والغزو بالجمود الدائم، يظهرُ اليهودِيُّ في ذهابه وإيابه، وهو يذرع طريق جُوَا Goaوتامبوكتو Tombouctou، يحُطُّ رِحالَهُ في الواحات، ويتجوّل بسِلَعِهِ في قُرى السهل الساحليّ، ويُنشِّطُ فنادق السّاحل. وعندما انصرفتْ النُّخَبُ البربرية عن السَّعْيِ إلى إقامة سلطة سياسيَّةٍ قادرة على توحيد القبائل، بقي هوَ يصول ويجول في بلاد المغربِ دون أنْ يشعر بالنقص أمام الغربِ، ودون أنْ يَصْرِفَ نَظَرَهُ عن أراضيه الغنية. إنَّهُ رجُلُ الحَرَكَةِ. لكنَّهُ أيْضاً ذلك الذي يُخْتَزَلُ فيه تاريخ المغرِبِ الأوسط، وهو الذي تمكَّنَ، رغم الحروب والهجرة، مِنْ تحقيق الخصوصية الثقافية لذلك البلد، وهذا ما تصبو إليه كل تشكيلة اجتماعية تعرّضَتْ للانفجار...’’.

إنَّ إشكالية النهضة كلِّها تكْمُنُ في هذا التناقض: جمودُ الجزائريِّ المُسْتَعْمَرِ وسكينتُه، وحَرَكَةُ اليهوديِّ واشتغالُه، سواء أكان مُدْمَجاً أم مضْطهَداً، لكنَّه دوماً غير قابلٍ للاستعمار. والكاتبان يُريدان كذلك أنْ يُعْطِيَا صورةً عن حركية الجالية اليهودية في الجزائر، فيقولان: ’’ كانت شَرِكاتُ التعاون مُتعدِّدةً، ففي قسنطينة أكثر من عشرين شركة، بدءاً بـ (بيت حازوهار: بيتُ الزُّوار الفقراء) ووصولاً إلى شركة (العمل) التي تتكفل بتشغيل العُمَّال المُتَدَرِّبين. وكانت حركات الشبيبة المُسمَّاة: حاشومر هاتساير، درور، جوردونيا، بن آكوزا، تجلبُ أكثر مِنْ 2000 يهوديّ. أمّا مدارس التنظيم وإعادة البناء والعمل O.R.T ، ومدارس مؤسسات حَايَمْ فهي مُستمرة في أنشطتها. وبعْدَ هذا، فإنّ الحفلات الحميميّة هي التي تُجسِّدُ اتِّساق الجماعة، ومِنْ تلك الحفلات: الزيارات المُتبادَلَة بمناسبة (الميمونة)، الحجّ إلى قبر (الرّبّ) في تلمسان، و(سفر الغريبة) في عنابة، وهي زيارات تقوم بها عائلات بكامِلِها…’’(3)

وبِمَعْزِلٍ عن الاعتبارات الاستراتيجية الدّولية التي ساعدَتْ على تأسيس الدولة اليهودية في قلب العالم العربيّ، فإنّه لا بُدَّ من الاعتراف بتلك الدّوافِع القويّة والعزم العميق لدى اليهودِ لتحقيق هذا الهدف، فقد بقوا يُردّدون شعار: (العام القادم في القدس) منذ آلاف السنين. وجولدا مايير(Golda Meir)، الوزيرة الأولى الإسرائيلية السابقة، تروي في سيرتها الذّاتيّة هجرتَها إلى فلسطين سنة 1923 وهي في 23 من سِنِّها، وتذكرُ كيف احتكّتْ لأوّلِ مرَّةٍ بالعالم العربيِّ في الإسكندريّة التي وصلَتْ إليها على ظهرِ سفينةٍ. تقول: “كانت تجربتُنا الأولى في الشرق الأوسط و هو في أبشع صُوَرِهِ: زرافاتٌ مِن المُتسوِّلين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ألبِسَتُهُمْ باليةٌ، وهُمْ مُتَّسِخون، والذُّبابُ يُغطِّيهم…’’

وشاركَتْ جولدا مايير كمُلاحِظَةٍ في مؤتمرٍ دوليٍّ حول اللاَّجئين اليهود في إيفيان Evian-les-Bains  بفرنسا، وهو المؤتمر الذي تقرَّرَ بمُبادرة من الرئيس روزفلت، وهي تُعْطينا فكرةً عن العزم القويِّ الذي كان يُحرِّكُ اليهود في جيلِها مِنْ أجلِ تحقيق مشروع (النهضة اليهودية)، وهو المشروع الذي سطَّرَهُ تيودور هرزل (1860-1904) قبل ذلك بنصف قرن، تقول جولدا: ’’ كنتُ جالسة في تلك القاعة السَّاحرة، أُشاهِدُ ممثِّلي الـ 32 بلداً وهم يتتابعون على المِنصّة، وأستمِعُ إليهم وهم يُبيِّنون كمْ تمنَّوْا لو استطاعوا أنْ يمتصُّوا عدداً مُعْتَبَراً مِنَ اللاَّجئين، ولِكوْنِ تلك الأماني مُسْتحيلةَ التحقيق فقدْ عِشْتُ تجربةً مُرَّةً… هو مزيجٌ من الحزن والغضب والخيبة والبشاعة. كُنْتُ أتمنَّى لو استطعْتُ الوقوف لأصيحَ بأعلى صوتي في وجوههم جميعاً: ’’ هلْ حقيقةً أنكم تجهلون أنَّ هذه الإحصائيات تتعلّق بكائناتٍ بشريَّةٍ ؟’’. لقد فهمْتُ في إيفيان، ورُبَّما لأوّلِ مرّةٍ منذ طفولتي في روسيا، أنّ الشعب الضعيف لا يكفيه أنْ يُثْبِتَ عدالةَ قضيتِهِ ومطالِبِهِ. فكل وطنٍ يجب أنْ يأتي بإجابته الخاصة وبطريقته الخاصة عن السؤال القائل: (أنْ تكون أو لا تكون؟)، واليهود لا يُمْكِنُهم، وليس عليهم أنْ ينتظروا ترخيصاً مِنْ أيٍّ كانَ ليبْقوا على قيد الحياة’’.

وقبل أنْ تُغادِرَ إيفيان ، نظّمَتْ جولدا مايير ندوةً صحفيَّةً قالت فيها: “هناك شيء أتمنى أنْ أراه قبل أنْ أموت، وهو ألاَّ يبقى شعبي بحاجةٍ  إلى تعاطف الغير معه(4)’’. وإضافة إلى هذا فإنَّ ما نطَّلِعُ عليه في هذا الكتاب حول تصرُّفات القادة العرب يكشف عن مدى إصابة بن نبي في غضبه الثائر على” أنبوب الخيانة” (le pipe-line de la trahison)، على حدِّ تعبيره .

إنَّ النِّقاش حول القابلية للاستعمار يبدو أنّه لم ينتهِ بالنَّظَرِ إلى الوضعية السائدة في العالم العربيّ اليوم، بلْ لقد عاد بقوّة، وذلك بسبب احتلال العراق من طرف القوات الإنجليزية الأمريكية في أفريل 2003. فعندما أدان رجلُ الثقافة الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد احتلال العراق، أجابه رجل ثقافة عربيّ آخر، وهو خالد القشطاني في مقالٍ نُشِرَ في (الشرق الأوسط) بقوله:

“كلّ عمليات سبر الآراء تُثْبِتُ أنَّ أغلبية العراقيين موافِقة على الحرب والاحتلال والإدارة الغربية، وهي تتمنّى الإبقاء عليها في البلاد’’. ثُمَّ يتساءل عن الحصيلة التي حققها العرب خلال نصف قرنٍ من الاستقلال، وَوَقَفَ على نتيجة أنَّ ما تحقق هو التراجع إلى الوراء: ’’ والسبب في ذلك أننا بعد أنْ تَحَّررْنا من الوصاية الغربية رجعْنا إلى أصولنا التي يطبعُها التأخُّر… وقد وصَلْتُ إلى يقينٍ مُحْزِنٍ وهو أننا لا نستطيع بمُفْردِنا أنْ نستقل مركبة التطور في النقطة التي تركناها فيها خلال الأربعينيات، وذلك من أجل الارتقاء إلى مستوى الدول السائرة في طريق النموِّ. إنّنا لن نتمكّن مِنْ ذلك دون أنْ يتدخّل عامِلٌ خارجي يحمِلُنا، بل يقودُنا في هذه الطريق. فلولا ذلك العاملُ الخارجيّ الغربيّ لما تمكّن العراقيون من التخلُّصِ من نظام صدام حسين’’(5).

ويُمْكِنُ تشبيهُ هذا الكلام بالتصريحات التي أُدْلِيَ بها سنة 1930 بمناسبة احتفال فرنسا بالذكرى المئوية لاستعمار الجزائر، على لسان بعض الأعيان المحلِّيين، مثل: ’’مِنْ حقِّنا أنْ نفرح اليوم ونحمدَ الله على ما أنعم به علينا بإرسال هؤلاء الناس، الذين هم اليوم أصدقاءٌ لنا وإخوانٌ، والذين جاؤوا ليُحَرِّرُونا من الجهلِ بتاريخ 14 جوان 1830، وهو موعد تاريخي سعيد’’ (حاج حمُّو، مُعلِّم). وآخر يقول: ’’ لو أنّ العرب تعرَّفوا على الفرنسيين سنة 1830، لَزَيَّنوا بنادقهم بالأزهار’’ (باشاغا بوعزيز بن قانة)(6).

وفي السنة التي كان فيها بن نبي يحرّر  كتابه “شروط النهضة” أصْدر أرنولد توينبي Arnold Toynbee كتاباً يقول فيه: ’’ومرَّةً أخرى يُوَاجِهُ الإسلامُ الغربَ. لكنّ حالته اليومَ أخطرُ بكثيرٍ من الحالة التي كان عليها في أحْلَكِ لحظات الحروب الصَّليبيّة، لأنَّ الغرب الحديثَ لا يفوقه في السلاح فحسْب، بل يُسيطِرُ عليه حتى في مجال تقنيات الحياة الاقتصادية، وفوق ذلك فهو يسيطر عليه حتى في مجال الثقافة الرُّوحيّة، وهي القوة الداخلية الوحيدة التي تخلق وتُقَوِّي المظاهر الخارجية لِما نسمِّيه بالحضارة’’(7).

وفي اتّجاهٍ مُعاكسٍ لتوينبي كَتَبَ الأمريكيّ صامويل هونتينغتن Samuel Huntington بعد نصف قرنٍ في كتابه المشهور (صِدامُ الحضارات Le choc des civilisations) يقول: ‘“لم ينتصر الغربُ على بقيّة العالم بفضل تفوّق أفكاره وقيمِهِ ودينه، بل بسببِ تفوُّقه في استعمالِ العُنْفِ المُنَظَّمِ’’. وبالفعل، فإنّ العالم الإسلاميَّ لم يُهْزَمْ بمبادئ أخلاقية وفلسفيّة أقوى من مبادئه، بلْ هُزِم بسبب تحكّم الغير في العلوم والتقنيات، وفي المردودية والإنتاجية. لقد انهزم أمام أوروبا خلال القرون الأخيرة بنفس الطريقة التي انهزم بها الأتحاد السوفياتي أمام الولايات المُتَّحِدة في أواخر القرن العشرين، أي بالاستنزاف الاقتصادي والتفوّق التكنولوجيّ.

وبن نبي يرى أنَّ إحداث نهضة في وسطٍ اجتماعيٍّ مُتَدَهْوِرٍ يستدعي توفير ثلاثة أنواعٍ من الفعاليّة: فعاليّة الفكر، و فعاليّة العمل، و فعاليّة رأس المال. وقد أفْرَدَ فصْلاً لكل عاملٍ من هذه العوامل في كتاب “شروط النهضة”. وهذه الفعاليّات الثلاثة يجب أن تتكيّف في تركيب تتبنّاه فكرةٌ، دينيةً أو سياسية، وهي الفكرة التي تَبُثُّ روح الجماعة وروح الجُهدِ في الإنسان المُتَدهْوِرِ “الذي فَقَدَ كلَّ ما تَعَلَّمَهُ، وعليه أنْ يتعلَّمَ كُلَّ شيء مِنْ جديد، يتعلَّم حتَّى كيفية الضَّحِك وكيفيَّةَ السَّيْرِ في الشَّارع”.

وهو الذي اقترح على المجتمع السياسيّ في أواخر الأربعينيات فكرة تأسيس مجلس توجيه خاص بالثقافة، ومجلس توجيه خاصٍّ بالعمل، ومجلس توجيه خاصٍّ برأس المال. وماذا تعني فكرة التوجيه هذه ؟ يُجيب بن نبي قائلاً: “إنّها قوة المصدر، التناسق في المسيرة، وهي وحدة الهدف. فما أكثر الطَّاقات التي تفشل في الوصول إلى هدفها لأنها تُسْحَقُ بقوى أخرى مع أنها مِنْ نفس الأصل وتتجه إلى نفس الهدف”. لكنّ الكاتب يولي عنايةً أكثر للتوجيه الثقافيِّ، وهو يقول: “إنَّ توجيه الثقافة يعني تنظيمَ التَّعليمِ وتحديثَ محتواه، واستبعادَ الأفكار الميِّتة الموروثة عن عصر الانحطاط. الأمرُ يتعلَّقُ بتربية الجماهير وتعليمها كيف تعيش وكيف تتطوّر، والقضاءِ على ما في التقاليد والعادات والإطار الأخلاقي والاجتماعي التقليديِّ مِنْ كُلِّ ما هو ميِّتٌ أو آيِلٌ إلى الموت، وذلك كي نتركَ المكانَ لما هو حيٌّ وحيويٌّ… وبهذا التوجيه للثقافة والعمل ورأس المال يكون الإنسان الجزائريٌّ قد حقَّقَ الشروطَ الضروريةَ لتَفَتُّح حضارةٍ مُناسبةٍ لإطارِهِ الخاصِّ”.

هذا ما مِنْ شأْنِهِ أنْ يُعْطِي انطِلاقَةً لحركة النهضة في بلدٍ ما : تثقيف الجماهير، وتعليمُها كيف تصير واعية بمجتمعها، وتغيير أنواع الفلاحة، وتأسيس أُطُرِ عملٍ مُنظّمةٍ… وأخيراً فإنَّ أحسن الحُجَجِ المؤيِّدة لأطروحات بن نبي ليست تلك الانتقادات اللاَّذعة المبثوثة في أعماله والتي وَجَّهها للحركة الوطنية ، بل هي تلك الاقتراحات المتعلقة بحلول موضوعيّة قدّمها، وهذا على عكس ما يدّعيه الأب جان ديجو Jean Déjeux  في مقال أكّد فيه أنَّ ” بن نبي لم يأتِ بشيء على الصعيد المؤسساتي، ولم يُقدّمْ برنامجاً للإصلاحات الاجتماعية’’(9).

وكان الكواكبيّ مثل بن نبي في اهتمامه الشديد بلفعاليّة، وقد حاول أنْ يُعَبِّر عمّا سمّاه بن نبي بِذهان الاستحالة psychose de la chose impossible  وذهان السهولة psychose de la chose facilee . يكتب الكواكبي في “أمّ القُرى”: ” فمِن الغرارة في طبقاتنا كافة، مِنَ الملوك إلى الصعاليك، أنّنا لا نرى ضرورةً للإتقان في الأمور. وقاعدتُنا أنّ بعضَ الشيءِ يُغْني عن كُلِّهِ. والحقُّ أنَّ الإتقانَ ضروريٌّ للنّجاح في أي أمرٍ كان، بحيثُ إذا لمْ يكن مُسْتطاعاً في أمرٍ يلزِم ويتحتَّم تركُ ذلك الأمْرِ كُلِّياًّ والتَّحوُّل عنه إلى غيره مِن المُسْتطاع فيهِ إيفاءُ حقِّ الإتقان. ومِنَ الغرارة توهُّمُنا أنَّ شؤونَ الحياةِ سهلة، فنظُنُّ أنَّ العلمَ بالشَّيء إجمالاً ونظرياًّ بدون تمرُّنٍ عليه يكفي للعمل به، فيُقْدِمُ أحدُنا مثلاً على الإمارة بمُجرَّدِ نظره في نفسه أنَّه عاقلٌ مُدبِّرٌ قبْل أنْ يعرِفَ ما هي الإدارةُ عِلْماً ويتمرّن عليها عملاً ويكتسب فيها شهرةً تُعِينُهُ على القيام بها“.

وعبّر بن نبي عن شغفِه بالفعاليّة عن طريق تحديد ثلاثة أنواع منها يجب توفيرها في مسيرة النهضة: فعاليّة الفكر، و فعاليّة العمل، وفعاليّة رأس المال. وفعاليّة الفكر تنتج عن التوجيه الجيِّد للثقافة، أي إصلاح التعليم والتكوين. أمّا الكواكبي فهو يطرح مشكلة التكوين في كتاب “أمّ القرى”، ويذكر (التوجيه المهني) لفظاً، ويعطيه نفس المعنى الذي جاء عند بن نبي. فما كان مُجَرَّدَ حَدَسِ عند الكواكبي صار عند مالك بن نبي يتخذ شكل المعادلات والاستدلالات الرياضية.


مراجع

* ملاحظة بقلم المترجم.

1) عن: La fin d’une psychose.، مرجع سابق. ولو لم يكن بن نبي في غيبوبة أيام حرب أكتوبر لأُتيح له أنْ يُشاهد نهاية ذهان الاستحالة بتحطيم خط “بارليف” على أيدي الجنود المصريين.

2) قدّمَ جوزي أبولكير José Aboulker، زعيم المقاومة اليهودية ضدَّ نظام فيشي والاحتلال الألماني، ونائب شيوعيّ في الجزائر العاصمة،  تحيَّاته سنة  1986 لموقف الجزائريين إزاء معاناة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، فقال: “إنّ العرب لم يميلوا إلى أية جهة في الحرب. فتلك الحرب لم تكنْ حربَهُمْ. أمَّا مع اليهود فكانوا مثاليين. إنهم لم يكتفوا برفض الدعاية والأعمال المُعادية لليهود، وذلك ما كان يدفعهم إليه فيشي والألمان، بل إنهم لم يستسلموا للإغراءات. وهذا في الوقت الذي كانت فيه الأقدام السّود تتصارعُ على ممتلكات اليهود التي لمْ يشْتَرِها عربيٌّ واحد. فقد أُعْطِيَتْ التعليمة في المساجد: (اليهود في مِحْنَةٍ. إنهم إخْوانُنا). عن: (يهود الجزائر. Les Juifs d’Algérie).

3) المرجع نفسه.

4) عن (حياتي ”  Ma vie“) منشورات R. Laffont، باريس 1975.

5) عن « Courrier international »،رقم 670- باريس، سبتمبر 2003.

6) عن: أحمد مهساس، مرجع سابق.

7) عن (الحضارة في الامتحان “La civilisation à l’épreuve” منشورات Gallimard ، 1948.

8) منشورات Odile Jacob ، باريس 1997.

9) دفاتر شمال إفريقية (Cahiers nord-africains)، باريس 1972.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: