فكر مالك بن نبي (20) انحطاط العالم الإسلاميّ

فكر مالك بن نبي (20) انحطاط العالم الإسلاميّ

بقلم نور الدين بوكروح - ترجمة عبد لحميد بن حسان -

إنّ معظم المؤرخين متفقون على أنّ انتكاسات الحضارة الإسلامية بدأت ثلاثين سنة بعد وفاة النبيّ (ص)، عندما أقْدَمَ بنو أمية على الطعن في شرعية خلافة الإمام عليّ، وآلَ الأمرُ إلى معركة صفَّين كما هو معروف. وكانت بداية الفتنة الكبرى التي أخرجت أمّة الإسلام من الوضع الأخلاقيّ، الاجتماعي والسياسي الذي أرسى الخلفاءُ الراشدون الأربعةُ قواعدَه. وقد نَجَمَ عن الانقلاب الذي قام به معاوية انقسامُ المسلمين إلى فِرَقٍ مُتناحرة: السُّنِّيون الذين تبعوا معاوية، والشِّيعة الذين تبعوا علياًّ، والخوارج الذين لم يعترفوا بهما معاً.

وهذا الانقسام لا يزال موجوداً إلى يومنا. لقد تسبّب معاوية في انقسام المسلمين جماعيا وفردياًّ، فمنهم منْ اتخذ الولاء للسلطة مذهباً، ومنهم مَنْ بقي وفياًّ للسُّنَّة التي لا يزال عهدها قريبا منهم، وهي سُنَّة التداول على السلطة، مِنْهُم مَنْ ثَبَتَ على طريق الأخلاق ومنهم مَنِ انْجرَّ وراء المصلحة، مِنْهمْ مَنْ اتّخذ المسجدَ منبراً للإشادة بالسلطان الجائر ومِنْهُمْ مَنْ التزم بخاصّة نفسه. وقد أسفرتْ معركة صفِّين عن مقتل 40000 مسلم، وهو عدد هائل إذا عَلِمْنا أنَّ عدد المسلمين زَمنَ وفاة النبي (ص) كان 124000 نسمة(1).

وكانت لبن نبي حُجَجُهُ في اعتقاده أنَّ تلك الفتنةَ سيكون لها أثر بالغ ودائم في اللاشعور الجماعي لدى المسلمين، إذ يقول: ’’لقد تمّ تشويه النظام السياسي الإسلامي على يد المستبدّين الذين استولوا على السلطة بعد الخلفاء الراشدين. فالمُواطن الذي كانت له كلمته في كل ما يتعلق بمصالح الأمة صار تابعاً ينحني أمام التعسّف، أو مُسانداً يتشدَّق بمدح المتعسِّفين. وإنّ انهيار النظام السياسي الإسلامي هو انهيار المسلم الذي صار محروماً مِنْ مهمته المتمثلة في القيام/الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر. لقد تمّ كسر عُرَى الضمير وبدأ المجتمع الإسلامي يغرق تدريجيا في عصر ما بعد المُوَحِّدين الذي صارتْ فيه القابلية للاستعمار تفتح ذراعيْها للاستعمار’’( مِنْ مُقدمة كتاب “وجهة العالم الإسلاميّ” في طبعته الثانية سنة 1970).

ممَّا سبق يتَّضح لنا أنَّ الأمر يتعلّق بحدث تاريخي جسيم يتمثّل في المواجهة الشَّرِسة التي جرتْ بين سلالة الرسول (ص) وبين أشهر زوجاته وأقرب الصحابة منه، حيث جرى القتال بين أفراد العائلة الواحدة، حيث عادت العصبيات القبَلية التي حاربَها النبي (ص)، وتَحَطَّمَتِ الوحدة التي أسسها بينهم. كانت حرباً أهلية بأبعاد مأساوية لأنّ المتقاتلين كانوا قريبي عهد من عصر الوحي. وفي هذا يقول بن نبي: ’’إنَّ القرآن بوصفه نظاماً فلسفياًّ كان علماً يتجاوز أفق النفسية الجاهلية بشكل واضح. وقد نتجتْ عن ذلك قطيعةٌ بين أولئك الذين اعتنقوا الفكر القرآنيَّ، وبين مَنْ بقي متمسكاً بالعُرْف والتصوّرات الاجتماعية والظروف المعيشية التي مَنَعَها القرآن. إنّ هذه الظاهرة هي عمق التاريخ الإسلاميّ منذ ثلاثةَ عشرَ قرناً، إذْ طالما اختفَتْ وراء ظواهر التاريخ، لكنّها سرعان ما تطفو إلى السطح بمجرد نشوب خلافات بين المسلمين، وذلك بمناسبة كل الأزمات التي مرّت على المجتمع الإسلاميِّ’’. (وجهة العالم الإسلاميّ).

لقد تلقَّتْ تلك الحضارة الفَتِيَّةُ ضربةً وهي في أولى مراحل صعودها، وهي المرحلة التي يطلِقُ عليها بن نبي مصطلح ’’مرحلة النفس’’ لأنّ الضغط الروحي الذي يُحرِّك فاعِلِيها مرتفعٌ جداًّ. إنها اللحظة التي تكون فيها فكرةُ القوةِ في أَوَجِّها. وبعد معركة صفِّين بدأ الضغط يتناقص بالموازاة مع حركةٍ أفقيةٍ بدلاً من الحركة العمودية التي كانت مِنْ قبلُ. ونظراً إلى أنّ الحضارة فقدتْ القوةَ الدافعةَ فَقَدْ راحَتْ تخبو شيئا فشيئا حتى توقفتْ نهائيا. يقول بن نبي: ’’إنّ ذلك الموعد التاريخي الذي يبدو أنه لم يَحْظَ بالاهتمام الكافي، على الأقل بوصفه محطة هامة في تاريخ الأفكار الانفصالية في العالم الإسلاميّ، هو مع ذلك تاريخ في أعلى درجة من الأهمية لأنه يمثل المنعرجَ التاريخيَّ في الإسلام، ويكاد أن يكون بمثابة نهايةٍ لملحمته الروحية، وبشكلٍ ما بدايةً لانحطاطه أو على الأقل إرهاصاً أولا لذلك… فلمْ تعُدِ الحضارة تتطور في عمق النفس البشرية، بل على سطح الأرض التي ستُسلِّط على الحضارة جاذبيتها من أصقاع الصين البعيدة إلى المحيط الأطلسي. فبعد معركة صفّين بدأ عصر الفتوح العلمية بظهور أسماء اخْتَرَقَتْ شهرتُها الآفاقَ، من مثل الكندي والفارابي وابن سينا، وأبي الوفاء وابن رشد…إلخ وصولاً إلى ابن خلدون الذي سطع نورُ عبقريتِه المُكتئبة ليضيءَ أواخرَ الحضارةِ الإسلامية… وهكذا فإنّ المسلم الذي كان مُحرِّكاً لحضارة نيِّرة، راح ينغمس في مرحلة المناوشات المتنوعة وحروبِ الطوائف والغزوات، إلى أنْ وجد نفسه في الحالة التي نراه عليها اليوم…” (وجهة العالم الإسلامي).

وكان العهدان الراشديّ والأموي هما الفترةُ الزمنيةُ التي حَقَّقَتْ فيها الحضارةُ الإسلاميةُ أهمّ الفتوحات على الصعيد الجغرافيّ. أمّا العصر العباسيّ الذي امتدّ على مدى أكثر من ثلاثة قرون، فكان عصر الإبداع الفكريّ  (132-656 هـ/ ق8- ق12 م ). فقد ازدهرت العلومُ وازْدَانَ الأدب بأجمل الأعمال الأدبية، ونشطت حركةُ ترجمةِ أهمِّ الآثار من الفكر اليوناني (هيبوقراط، جاليان، أفلاطون، وأرسطو…)، وذلك ما أعطى دفعا للفلسفة الإسلامية. والخلفاء العباسيون الذين شهدت عصورُهم تلك الحركةَ هم: المأمون(2) والمعتصم والواثق (198 – 232 هـ/ 813 – 8477 م )، ويعني هذا أنّ تلك الحركة كانت في عصور الخلفاء الذين كانوا من أنصار مدرسة المعتزلة (وهي مدرسة ذات نزعة عقلية). ويُلخِّص بن نبي هذه الفترة بقوله: ” بإمكاننا القولُ إنّ عصر الفارابي كان هو العصر الذي ابْتَدَعَ فيه المجتمعُ الإسلامي أفكاراً، وأنّ عصر ابن خلدون هو العصر الذي تمّ فيه نقلُ تلك الأفكار إلى أوروبا، أمَّا بعد ابن خلدون فإن المجتمع الإسلامي لم يعُدْ قادراً لا على إنتاج الأفكار ولا على نقلها إلى الغير“. (مشكلة الثقافة).

وابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي لم تَعُدْ هناك حضارة إسلامية واحدة بل حضارات إسلامية: عربية، فارسية، تركية، مغربية… ولمْ تَعُدِ الحضارة الإسلامية النَّيِّرة إلاّ صورة باهتة لتلك التي شُيِّدَتْ لتبقى خالدةً، وبن نبي لا يُطْلِق عليها اسم “حضارة” إلاَّ على مَضَضٍ. وأكثر مِنْ ذلك فإنه عَمَدَ إلى إخراج الإمبراطورية الماغولية، والفارسية الصفوية، وملحمة تيمورلنك، والحقبة العثمانية مِنْ حيِّز الحضارة الإسلامية.

أمّا الانحطاط على الصعيد الفكريّ والذِّهني فإنّ الكاتب يصفه بأنه “العجز عن تجاوز مُعْطيات الواقع، والمُضِيِّ إلى أبعد من المعلوم، وقطع مراحل تاريخية جديدة، وخلق الجديد وامتثاله’’(وجهة العالم الإسلاميّ). إنّ أبواب الاجتهاد قد أوصِدَتْ منذ عهد الأشعريّ والغزاليّ. وذلك هو مصدر ذهنية الحتمية القَدَريَّة، وانطواء المجتمع على نفسه، ونهاية البحث والابتكار اللَّذيْن لا يوجدان إلاَّ إذا توفّرتْ روح النقد التي تحملهما. وهكذا آلت الأفكار التي زرعها الأشعريّ والغزالي ومَنْ جاء بعدهما مِن خَلَفٍ مُكمِّل إلى عقلية الحتمية القدرية، وإلى الشعوذة وعبادة (الأولياء الصَّالحين)، وإلى ’’ فرار اجتماعي جماعي’’. يقول بن نبي في ملاحظة سجلها في (مجالس دمشق): “هكذا اتفقنا بالإجماع على تعطيل عقولنا في كل ما يتعلق بأنشطتنا الفكرية والأرضية والسماوية“.

ومهما يكن فإن معركةَ صفين لم تكن حادثا عابراً، بل كانت سابقة ستتكرّس كُلِّيةً فيما بعدُ في صورة أُسَرٍ حاكمة وراثياًّ، أو ديكتاتورياتٍ مدنية أو عسكرية، أي في صورة الاستبداد. إنّ أوّل جريمةٍ ارتكبها معاوية هي الانقلاب الذي دبّره ضدَّ علي بن أبي طالب باستعمال المكر والرشوة. وجريمته الثانية تتمثل في وضع أسس الحكم الوراثي المستبد عندما أرغم الناس على مبايعة ابنه يزيد. لكنْ لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ الذين جاؤوا بعد معاوية (العباسيون وغيرهم) لم يحاول منهم أحدٌ أنْ يصحح هذا الجنون أو أن يتبنَّى شكلاً من أشكال الحكم “الديمقراطيّ”. بل إنّ معاوية نفسَه قد يبدو أحسن ممن جاء بعده في هذا المجال لأنه تفادى ادّعاء السلطة الدينية على الأقلِّ، بينما تَلَقَّبَ بعضُ مَنْ جاء بعده بـ (ظِلِّ الله على الأرض)، وبعضهم بـ (الإمام المعصوم).

يقول أليكسي دو توكفيل Alexis de Tocqueville في وصف آثارِ الاستبداد على الصعيد النفسيَ والاجتماعي: “إنه يُجرِّدُ المواطنين من كل عاطفة مشتركة، ومن كل حاجة مُتَقَاسَمة، ومن كل حاجة إلى التفاهم، ومن كل فرصة للعمل جماعياًّ. إنه يحشرهم ـ إنْ صحّ هذا التعبير ـ في الحياة الخاصة. وبما أنّ المواطنين على استعداد للانزواء فإنّ الاستبداد يقوم بعزلهم كليّةً، فتَبْرِدُ علاقاتهم الحميمية لأنّ الاستبدادَ جمّد قلوبَهم’’(3). ويُقَدِّم بن نبي وصفا مُدْهشا لتمزّق نسيج العلاقات الاجتماعية، وهذا التمزق هو منشأ الانحطاط والقابلية للاستعمار: “إنّ العُقد التي كرّستْها الثقافةُ والعُرْفُ القديمُ تصير عاجزة عن الاستجابة لمقتضيات الحِراك الاجتماعيّ العاديّ، ويؤدّي ذلك إلى نوع من الشلل الذي لا تظهر آثارُه إلاّ بمناسبة الأحداث التي يمرّ عليها المجتمع وتحوّلات مؤسساته’’. والانحطاط وراثي مثل بعض الأمراض، إنه ينتقل من جيل إلى آخر بواسطة جراثيم تتمثل في التصوّرات الذهنية والعادات والتقاليد… وفي هذا يقول بن نبي’”إنّ كلَّ تعديل يُصيب عُقدة نفسيةً، ينتج عنه تعديل مُطابق له على الصعيد الاجتماعي، سواء أَكان ذلك خيراً أم شراًّ(4)… إنّ الأفكار عبارة عن ميكروبات تنقل الأمراض الاجتماعية عبر الزمن وتسهر على استمرارها...”.

يعتبِر بن نبي سنة 1369م هي السنة التي تقلّصتْ فيها الحضارة الإسلامية. وهي تُمثِّل نهايةَ دورةِ حضارةٍ بدأتْ بالخليفة أبي بكر الصِّدِّيق وانتهتْ بالموحِّدين. وبإمكاننا القولُ إنّ الحضارة الإسلامية شهدَتْ داخل هذه الدورة الكبرى دورةً عربية صِرْفة ( وهي تمتدّ من تأسيس الدولة الإسلامية الأولى إلى مجيء العبَّاسيين سنة 132 هـ/ 750 م)، ودورة عربية فارسية ( من 132 هـ/ 750 م إلى غزو الماغول سنة 656 هـ/ 1258 م)، ودورة عربية بربرية في إفريقيا الشمالية وإسبانيا في عصرَيْ المرابطين والموحِّدين، ودورة عثمانية ( من 1517 م إلى 1924 م ).

هذا بالإضافة إلى عدة دورات أخرى  بين تلك الأدوار، وهي ذات طابع جهوي، وظهرَتْ في كلٍّ من الهند وآسيا الوسطى. وما سيحدثُ هو الاتجاه إلى الخلف والتقهقر، ذلك أنَّ الإنسان المتحضِّر الذي فَقَدَ قوة الدفع المُحضِّرة صار عاجزاً عن تمثُّلِ الأفكار الجديدة وابتكارها، ولَمْ يَعُدْ قادراً على إعْمال عبقريته في مجال الأرض ومجال الزمن. وبعْد أن كان يعيش حياة اجتماعية صارت حياته نباتية، وتفتّتَ التركيب الأساسي المتكوّن من (الإنسان ـ الأرض ـ الزمن). اختفى المسلم المتحضر وأخذ مكانَه “إنسانُ ما بعد الموحِّدين” الذي تتجسد فيه القابلية للاستعمار.

وقد رسم ابن خلدون الذي عاصر وشهِد أُفُول تلك الحضارة في لوحة مؤثِّرة للغاية بقوله : “وقُطْرُ المغرب وإنْ كان في القديم دون إفريقية، فلمْ يكن بالقليل في ذلك. وكانت أحواله في دولِ المُوحِّدين مُتَّسعةً وجِباياتُهُ موفورَةً. وهو لهذا العهدِ قدْ أَقْصَرَ عن ذلك لِقُصُور العمران فيه وتناقصه. فقدْ ذهبَ مِنْ عمران البربر فيه أكثرُهُ ونَقُصَ عنْ معهودِهِ نقصاً ظاهراً محسوساً، وكادَ أنْ يلحق في أحواله بمثل أحوال إفريقية بعد أنْ كان عمرانه مُتَّصلاً من البحر الروميِّ إلى بلادِ السُّودان في طول ما بين السُّوسِ الأقصى وبرقة. وهي اليوم كلها أو أكثرها قفار وخلاء وصحارى إلاَّ ما هو منها بسيف البحر أو ما يقاربها من التلول….(ص159) فإذا تراجع عمرانها وخفَّ ساكنُها قلَّت الصنائع لأجل ذلك وفقدتِ الإجادة في البناء والإحكام والمعالاة عليه بالتنميق، ثُمَّ تقِلُّ الأعمال لعدم الساكن، فيقلّ جلب الآلات من الحجر والرخام وغيرهما، فتفقد ويصير بناؤهم وتشيدهم من الآلات التي في مبانيهم، فينقلونها من مصنعٍ إلى مصنعٍ لأجل خلاءِ أكثر المصانع والقصور والمنازل بقلة العمران وقصوره عما كان أوَّلاً. ثمَّ لا تزال تُنقَل من قصرٍ إلى قصرٍ ومن دارٍ إلى دارٍ إلى أنْ يُفْقَدَ الكثير منها جملةً. فيعودون إلى البداوة في البناء واتخاذ الطوب عوضاً عن الحجارة والقصور عن التنميق بالكلية، فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدر، وتظهر عليها سيماء البداوة، ثمَّ تمرُّ في التناقص إلى غايتها من الخراب(ص 156)…… و من هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها حتى إن الأنهار و العيون ينقطع جرايانها في الفقر لما أن فور العيون إنما يكون بالأنباط و الامتراء الذي هو بالعمل الإنساني كالحال في ضروع الإنعام فما لم يكن أنباط و لا امتراء و غارت بالجملة كما يجف الضرع اذا ترك امتراؤه.و أنظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنها لم تكن.(ص 165-166)…...المغرب و الأندلس و استبحر عمرانهما و كان فيهما للعلوم و الصنائع أسواق نافقة و بحور زاخرة.و رسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما و ما كان فيهما من الحضارة فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها (ص 188)…..فإن نقص المال في الغرب و افريقية فلم ينقص ببلاد الصقالبة و الافرنج و ان نقص في مصر و الشام فلم ينقص في الهند و الصين .إنما هي الآلات و المكاسب و العمران يوفرها او ينقصها. (ص 168)…..بغداد و قرطبة و القيروان و البصرة و الكوفة  لما كثر عمرانها صدر الإسلام و استوت فيها الحضارة،كيف زخرت فيها بحار العلم و تفننوا في اصطلاحات التعليم و أصناف العلوم و استنباط المسائل و الفنون حتى اربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين.ولما تناقص عمرانها و ابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها و التعليم و انتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام (ص 190)” (5)

إنها لحظة رهيبة من الفراغ التاريخي، حيث يَـتَـسَـمَّـرُ كلُّ شيء في مكانه وكأنّه تحت تأثير روح شِرِّيرة. لكنّ بن نبي يقف إزاء الوضع مثل الساحر الذي يتهيَّأ للقضاء على تلك الروح الشِّرِّيرة، ويقدّم لنا إضاءات حول خبايا هذا الوضع العجيب في ملاحظةٍ سَجَّلَهَا في “مشكلة الثقافة”:” عندما ظهرت أعمال ابن خلدون في العالم الإسلاميّ لم يكن بإمكانها أنْ تُساهمَ في تطوره الفكري ولا تطوره الاجتماعيّ لأنها في ذلك الظَّرْف كانت تُمثِّل فكرة معزولةً عن الوسط الحقيقيّ. وعلى أيّة حال، ففي مثل ذلك الظرف ليست الفكرة وحدها هي التي تفقد دلالتَها الثقافية وقدرتَها على إبداع الأشياء، بل وبالمقابل فإنّ الشيء نفسه يفقد القدرة على توليد الأفكار. ومثال ذلك أنّ تُفاحةَ نيوتن ما كان لها أنْ تخلقَ فكرةَ الجاذبية لو سقطَتْ على رأس أحد أجداد نيوتن من عصر غليوم الفاتح بدلاً من رأس نيوتن نفسه، وكلّ ما سينتج عنها في هذه الحالة كتلة من السّماد، لأنّ جد نيوتن كان سيأكلها بكل بساطة. فمن الواضح إذاً أنّ الفكرة والشيء لا يكتسيان قيمةً ثقافيةً إلاّ في ظروف مُحدَّدَة، ولا يصيران مصدراً للثقافة إلاّ من خلال المصلحة العليا التي بدونها يَـتَـسَـمّر (عالمُ الأفكار) و (عالمُ الأشياء) كحال المتاحف، ويفقدان كل قيمة اجتماعية حقيقية. وبإمكاننا تأويل تلك المصلحة العليا بالنسبة للفرد كرابط عضويّ يربطه بعالم الأفكار وبعالم الأشياء .

وعندما يغيب هذا الرابط فإنّ الفرد يفقد التحكّم في الأفكار وفي الأشياء معاً. إنَّ الفردَ يكتفي بالمرور على سطح الأشياء دون أن يخترق كُنْهَهَا، وهو يمرّ مرور الكرام على الأفكار دون أن يتعرّف عليها. وهذا الاحتكاكُ السطحي لا يُوَلِّدُ أيّ تساؤلٍ ولا أيَّ مشكلٍ. إنّ الذي دفع نيوتن إلى مساءلة التفاحة هو ارتباطه بها بمصلحة عليا. ولو كان أحدٌ مكان نيوتن في زمن آخر، أَلْفَ سنة قبل ذلك مثلاً، لاكتفى بالتهام التفاحة بسبب غياب المصلحة العليا وقتذاك في المجتمع الإنجليزي الذي لم يولدْ بعْدُ. وعلى نقيض ذلك ففي المجتمع الإسلاميّ لم يكن أحد يملك القدرة على مساءلة فكرة ابن خلدون حتى القرن 19 م لأنّ ذلك المجتمع كان قد فَقَدَ المصلحة العليا التي تٌوجِّه نشاطه الفكريّ والاجتماعيّ. وابتداءً من ذلك العصر صار المسلم يمرّ على سطح الأشياء دون أن يخترق كُنْهها، ويمرُّ مرور الكرام على الأفكار دون أن يفهمها لأنه فَقَدَ كلَّ رابط بهما معاً. ولم تَعُدْ تنجمُ عن احتكاكه بالواقع الاجتماعي تلك الصدمة العنيفة التي تُؤدِّي إلى تغيير الواقع وإلى تغييره هو كذلك’’.

شَهِدَتْ سنة 897 هـ الموافقة لسنة 1492 م سقوط غرناطة، وهي آخر إمارة إسلامية في أوروبا، كما شهدتْ اكتشاف القارة الأمريكية، وهو الاكتشافُ الذي يُعْتبر بدايةً للعالم الحديث. ولمْ يَعُدِ المسلمون في موقع القوة الذي يسمح لهم بفرض الإسلام على غيرهم. بلْ إنّ العكس هو الصحيح، إذْ أصبح غيرُ المسلمين هُمُ الذين يدعون المسلمين إلى التخلّي عن عقيدتهم. ففي سنة 1461 م طلب البابا “بــي الثاني” Pie II من السلطان العثماني أنْ يدخل في المسيحية قائلاً:  “إنك بدون شك أعظمُ ملك في العالم. ولا ينقصك إلاّ شيء واحد، وهو الاعتماد. إنك لو تَقَبَّلْتَ قطرات من الماء فسيكون لك السلطان الكامل على كل هؤلاء الجبناء الذين يتزَيَّنون بتيجان مُقَدَّسة ويتربَّعون على عروشهم المباركة. كُنْ لي قسطنطيناً جديداً وسأكون لك سيلفاستر جديدا. إنّك لو دخلْت في المسيحية فسنبني معاً وضعاً عالمياًّ جديدا قِوامه روما والقسطنطينية التي هي لك في الوقت الراهن(6)’’.

وفي الوقت الذي بدأَتْ فيه تباشير الحداثة تلوح على العالم كان العالم العربي داخلا في مرحلة انحطاطه. وبتعبير آخر: كانت أوروبا في نهاية القرون الوسطى، وكان العالم الإسلامي في بدايتها. فقد توالت الهزائم وتتابع سقوط الأراضي والبلدان الإسلامية في أيدي الأجانب منذ سقوط طليطلة سنة 478 هـ الموافقة 1085 م، وسقوط قرطبة سنة 1236 م، وبلنسية سنة 1246 م، وإشبيلية سنة 1248 م، وجبل طارق سنة 1462… وتمّ التوقيع على أولى اتفاقيات الاستسلام من طرف الأمبراطورية العثمانية مع فرنسا منذ سنة 1535 م، وتلَتْ ذلك اتفاقيات أخرى مع الأنجليز والإيطاليين الذين كانوا يُنافسون التجارة الإسلامية في البحر المتوسط بفضل سُفُنِهِمُ المتطوِّرة.

وهكذا بدأ توافد التُّجَّار وتأسست مكاتب الصفقات في أهمِّ الموانئ التي تٌسهِّلُ تحويل مراقبة الطرق التجارية، وخاصة منها طريق الهند الشهيرة، إلى الدول الأوروبية. وقد وصلت الأمبراطورية العثمانية إلى أوجّ قوتها في عهد السلطان سليمان القانوني (1520-1566). وبعد استشهاده في إحدى المعارك بدأتْ مرحلة الأُفُول. فقد كان ابنه سليم الثاني (1566-1574) سِكِّيراً مثل يزيد بن معاوية، إذْ تعرّض أسطولُه لهزيمة في ليبانت Lépante سنة 15711م. وقد علّلَ قائد البحرية العثمانية هذه الهزيمة النكراء بقوله: ’’كانت المواجهة  بين أسطول الأمبراطورية وأسطول الكُفَّار الأشقياء، لكن مشيئة الله قضت بأنْ يكون النصر حليفهم’’(7).

وفي الوقت  الذي كان فيه الغربيون منهمكين في تحسين معلوماتهم ومعارفهم حول بلاد الإسلام، كان المسلمون لا يكترثون بأساليب تفكير الغربيين وطرق معيشتهم وكيفية عملهم. وقد سجّل المستشرقُ الأنجليزيُّ الأمريكيُّ بيرنار ليويس Bernard Lewis هذه الملاحظة: ’’ كان المسلمون شديدي التحفظ في الانتقال إلى أوروبا. لأن الفقهاء المسلمين أفتَوْا بأنَّ المسلم لا يمكن أن يحافظ على إسلامه في بلاد الكُفَّار. وكانت هناك مشكلةٌ مطروحةٌ بخصوص سقوط إسبانيا: فهل يجوز للمسلمين الذين سقطت بلادهم بين أيدي المسيحيين أنْ يبقوا فيها ؟ وعن هذا التساؤل كذلك يُجيب كثير من الفقهاء بالنفي’’.

إنَّ الغرب قد تمكّن من الخروج من طور التوحّش، ودخل في طور الاكتشافات والتطور بفضل النهضة الأوروبية. وبعد أن أخذ من الفكرِ الإسلاميِّ ما يمكن أن يفيدَهُ راح يتحرر من وِصَايَتِهِ ويبحث عن آفاق جديدة. ذلك أن الإصلاح الذي تمَّ في أوروبا قد حرر الإبداعَ الفلسفيَّ والتقنيَّ. أمَّا العالم الإسلامي فقد كان غافلا عن كل التحوّلات الذهنية والتقنية والعسكرية التي حدثت في تلك الأصقاع التي ينظُرُ إليها شَزَراً لكونها أرض الكفر. إنّ تمكُّنَ النمسا وروسيا وبولونيا من هزم الأتراك وأخذِ أراضيَ شاسعةٍ منهم كان بفضل الاتحاد. أمّا توسُّع الإسلام في العالم فقد توقَّف نهائيا.

عند ذاك انتبه العثمانيون إلى ما حققته أوروبا من قوة عسكرية وتقنية، فشرعوا في تطبيق أُولَى الإصلاحات. وقد وصف بيرنار ليويس Bernard Lewis الظروف المعنوية والنفسية التي أحاطت بعودة الوعي هذه قائلاً: “يبدو أن الواقع التاريخي على مدى قرون قد كرَّس النَّظرة التي كانت عند المسلمين  إلى العالم وإلى أنفسهم. فالإسلام كان يمثِّلُ أعظم قوةٍ عسكرية، وجيوشُه كانت تغزو أوروبا وإفريقيا والهند والصّين في آنٍ واحدٍ. وكان يمثل أقوى اقتصادٍ في العالم بسيطرته على التجارة في قسطٍ كبير من سلعها، وذلك بفضل شبكة اتصالات واسعة في آسيا وأوروبا وإفريقيا… أمّا في الفنون والعلوم فكان بإمكان الإسلام أنْ يعتزَّ بأنه بلغ مستوى لم تبلغْه البشريةُ قبلَه إطلاقاً… وانقلب الميزان فجأةً… لكنَّ المسلمين لم ينتبهوا إلى ذلك الانقلاب و لمدة طويلة… فالنهضة الأوروبية، والإصلاح، والثورة التقنية، كلُّ ذلك حدث دون أنْ ينتبه إليه المسلمون… وجاءت المواجهة المسلّحة لتكشف عن الأسباب العميقة التي تقف وراء اختلال التوازن في القوى… فروح الاختراع والحركية اللَّذَيْن شَهِدَتْهُمَا أوروبا هما اللَّذان كانا يُوَسِّعان الهوَّة بين المعسكريْن’’.

وقد ثبت أنّ أسباب الانحطاط الثقافي في تاريخ الإسلام تكْمُنُ في عدم ظهور أيِّ عالِمٍ مسلم بعد مخترع المبدإ اللوغاريتمي، وهو عالم الرياضيات الجزائري ابن حمزة المغربي، صاحب كتاب (تحفة الأعداد في الحساب) الذي ظهر باللغة التركية في عهد السلطان مراد الثالث (1574-1595)(8). وتلك هي النتيجة التي وصلت إليها الندوة الدّولية التي نُظِّمَتْ حول هذا الموضوع في مدينة بوردو الفرنسية في جوان 1956. وفيما يأتي خلاصة عن مسلسل وقوع العالم العربي والإسلامي بين براثِن الاستعمار: في سنة 1799 وقّعتْ بريطانيا معاهدةً مع إسطنبول مقابل مزيد من التنازلات. في 1802 حظِيَتْ فرنسا بنفس الامتيازات. في سنة 1819 اتخذ البريطانيون مواقعَ لهم في البحرين. في سنة 1830 احتلّ الفرنسيون الجزائر وحوّلوها إلى مستعمرة. في سنة 1839 استولت بريطانيا على عدن وشاطىء القراصنة في الإمارات العربية. وفي 1856 مكّنَ مؤتمر باريس القوى العظمى من وضع يدها على موارد الأراضي العثمانية ومن المراقبة المالية لمداخيلها. أمّا سنة 1859 فهي سنة احتلال فرنسا لموريطانيا. وسنة 1864 دخل الإسبان إلى الصحراء الغربية. وفي سنة 1881 وضعتْ فرنسا تونس تحت حمايتها. أمّا مصر فجاء دورها سنة 1882 لتقع تحت الحماية البريطانية بسبب الصعوبات المالية التي كانت تتخبّط فيها. وبريطانيا هي التي فصلَتْ الكويت عن البصرة سنة 1899. أمّا في بلاد فارس فقد اغتيل الشاه نصر الدين سنة 1896 بسبب تقديمِه امتيازاتٍ في استغلال البترول والصيد لروسيا، وامتيازات في استغلال التبغ لبريطانيا. في سنة 1912 وقع المغرب تحت الحماية الفرنسية بينما غزتْ إيطاليا ليبيا.

وتمَّ التوقيع سنة 1916 على اتفاقيات سايكس ـ بيكو ـ سازانوف، في مدينة سانت بترسبورغ، بين فرنسا وبريطانيا وروسيا. في سنة 1917 أعلن بالفور عن حق اليهود في أرض فلسطين. وأخيراً تمّ التوقيع على معاهدة سنة 1919 بين بريطانيا وإيران، وبموجبها تُسْنَدُ مهمة مراقبة أموال إيران لبريطانيا.

وهكذا وقع العالم العربي الإسلاميُّ كلُّه تحت السيطرة الاقتصادية والمالية الغربية، وقُضِيَ على الحضارة الإسلامية قضاءً مُبْرَماً، وبقي الأمرُ كذلك حتى جاء العنف والتحدّي الاستعماري ليوقظ ضمائر المسلمين: “إنّ يقظة العالم الإسلامي فجأةً من نومه الذي دام ستة قرون أو سبعة في مطلع القرن العشرين، تلك اليقظة لمْ تأْتِ بغيرِ سبب. فَمَنِ الذي أَشْعَرَهُ بأنَّ ساعة الاستيقاظ حانت ؟ قدْ يكون هناك مَنْ جاء فهشَّم الباب وهزَّ أركان البيت هزاًّ ثُمَّ استولى على كثير من الأشياء الثمينة والبُسُطِ الناعمة التي كان بالإمكان أن نبقى نائمين عليها بخشوع… إذا كان هذا هو فعل الاستعمار فينبغي أنْ نعترف بأنه هو الذي أَيْقَظَنا بعنفه ، لكنْ ليسقطْ في الهاوية أولئك المترفون الذين ينامون بعد وجباتهم الغنية…’’ (  شروط النهضة).


المراجع:

1) عن أبي الفداء الذي ذكره ج.هـ بوسكي G.H Bousquet في (كلاسيكيون من علوم الإسلامClassiques de l’islamologie). وإضافة إلى هذا فإن المودودي يُفيدُنا في كتابه l’Etat idéologique بأنَّ ’’الحروب التي خاضها الرسول (ص) خلال خمس سنوات من أجل فتح بلاد العرب لم يتجاوز عدد ضحاياها الـ 1200 قتيلٍ من الجانبيْن’’.

2) عندما استسلم الأمبراطور البيزنطيّ ميشال الثاني للخليفة الأموي المأمون، طلب منه هذا الأخير تسليمه كتب الفلاسفة التي لمْ تُتَرْجم إلى العربية بَعْدُ كتعويض عن خسائر الحرب بينهما.

3) ألكسي دو توكفيل  Alexis de Tocqueville، (النظام القديم والثورة L’Ancien régime et la révolution)، منشورات دار Mouyer، باريس 1967.

4) إنَّ يونج Jung هو الذي اكتشف (العُقد ) التي يُعرِّفها بأنها ’’ صور وجدانية مُزَوَّدة باتِّساق داخليٍّ متين’’. ولمالك بن نبي تعريفه الخاص لـ (العُقدة النفسية) التي هي بمثابة رسوخ للعادات والتقاليد والأذواق في البُنى الذهنية والسلوك. إنّها ترجمة لكل ما يورثُ عن المجتمع: ’’ إنها الدافع الذي يقوم بالتغيير الفوريِّ للعادة، حسنة كانت أو سيئة، أو العُرْف السائد، أو الفعل الملموس، جميلاً كان أو قبيحاً’’. إنَّها النموذج الأعلى، أو الفكرة التي تندمج مع أخلاقياتنا الشخصية في صورة ذهنية باهتة لسلوكنا الاجتماعيّ. (عن:’’مشكلة الأفكار’’. نسخة 1960).

5) مقدمة ابن خلدون.

6) جاك أتالي Jacques Attali: ’’1942’’. منشورت Fayard، باريس 1991.

7) النصّ مذكور في (ماذا جرى؟  الإسلام، الغرب والحداثة) « Que s’est-il passé ? L’Islam, l’Occident et la modernité »، بيرنار ليويس Bernard Lewis، منشورات Gallimard، باريس 2002.

8) عن أشغال الندوة، منشورة تحت عنوان: ’’الكلاسيكية والأفول الثقافي في تاريخ الإسلام «Classicisme et déclin culturel dans l’histoire de l’islam’’منشورات G.P Maisonneuve et Larose،باريس 1977.


المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: