مالك بن نبي (18) بين المسكوت عنه والواضح-الغامض

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة عبد الحميد بن حسان -

إنّ مذكرات مالك بن نبي ليست مجرّد سيرة ذاتية، فهي تنطوي على عناصر غير معروفة تستكمِلُ فكرَه أو تضيء بعضاً من جوانبه. ونخُصُّ بالذكر دفاتره اليومية التي تغَطِّي الخًمْسَ عَشْرةَ سنةً الأخيرة من حياته، إذ أنها تكشف لنا عن الوجه الخفيِّ من فكره الذي لا ذِكْرَ فيه لعواطف غير مُعبَّر عنها والأحكام الظرفية وكلِّ ما كان يُعْتَبَرُ “غير لائق من الناحية السياسية” آنذاك. وبالإضافة إلى كون الملاحظات الواردة في تلك المذكرات فضاءًا سجَّلَ فيه بن نبي أنشطته اليومية وتأملاته، فهي في كثير من الحالات مقالاتٌ تَعَذَّر عليه نشرُها، أو آراءُ لم يكن بإمكانه المرافعةُ بها في محاضراته، أو إلهاماتٌ انْـتَـابَـتْـهُ لكنَّه لم يتمكن من البوح بها.

وبدلاً مِنْ كَتْمِ كل ذلك ودسِّه في أعماقه أو نَبْذِهِ باعتباره أفكارا مُسيئة، فقد فضَّل بن نبي صياغتها ثُمَّ إخفاءها في صفحات تلك الدفاتر السِّرِّيَّةِ التي كان شديد العناية بها لأنه كان على يقين من أنّ تلك الآراء والتأملات ستُكْتشَفُ يوماً، وبقراءتها ستطّلع الأجيال اللاّحقة على البُعْدِ الحقيقي لفكره. فقارىء مذكرات بن نبي سيكون له أن يطّلع على تاريخ حياته الفكرية الغنية بالتطورات اليومية، وهو في آنٍ واحد تصوير للمراحل التي مرت بها الجزائر في مسيرتها الحديثة، والمخاضات العسيرة التي شهدتْها الساحة الثقافية في العالم الإسلامي، والأحداث العالمية الكبرى التي شهدها القرن العشرون. إنها ليست سيرة ذاتية مستقلّة عن الأعمال الفكرية التي تركها المفكر، بل هي جزء لا يتجزَّأ منها.

إذا كُنّا نريد أنْ نستجيب لرغبة بن نبي في استكمال مسيرته الفكرية، فالبداية تكون من التعريف بها، واستخراج ما خفِيَ من فكره في أعماله التي لمْ يُتَحْ له فيها الفرصة أنْ يقول كلَّ شيءٍ في حياته. ذلك ما يجب التعريف به بناءً على رغبة بن نبي نفسه، وباعتباره آخر مقولة في فكره. كان مفكرنا حريصاً على حفظ هذا الجانب الخفي من فكره لفائدة هؤلاء الدارسين الذين يهتمون اليوم بدراسة أعماله. وقد أشار في مقدمة كتاب “وجهة العالم الإسلامي” شهرَ ديسمبر 1951 إلى  “مصير المؤلِّف الذي يلجأ عادةً إلى تقليص فكره كي يُتاح له نشره، والذي يكتب أحيانا دون أن يتمكَّن من النشر”، ويضيف قائلاً: ” وُلِدْتُ في بلد وفي زمنٍ أهلُهُ لا يفهمون إلاَّ شطراً ممَّا يُقال بأسلوب واضح، ولا يفهمون شيئا ممَّا لامناصَّ من التعبير عنه بالتلميح… إنني إذْ أخُطُّ هذه الأسطر أدعو الله بتمكيني من قول كل الحقيقة هنا بغير توريةٍ. ذلك أنني أخشى أنْ أجد نفسي يوماً كإنسان نذْلٍ قضى حياته متنكراً في صورة إنسان نزيه”.

ويبدو أنه كان يشعر بأن حدودا فكرية يتعذر على زمانه أنْ يتجاوزها، وهو يعبّر عن هذا الشعور في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المستعمَرة”، الذي ألّفه سنة 1957 ونشره سنة 1960: “هناك حقائق لا يمكن أنْ يُنْبَسَ بها إلاّ بعد موت أصحابها واحتمائهم بالثرى… فهذه الصفحات تعتبر اذن محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام “.وها نحن اليوم في قرن جديد، في ألفية جديدة، وظرف عقليّ وثقافي وسياسيّ جديد، وفي سياق عالمي جديد. وصار مجال حرية التفكير والتعبير والنشر في البلدان الإسلامية أوسع مما كان. وفكْر مالك بن نبي ليس حَرِياًّ بكسر أغلال زمانه فحسْب، بل إنَّ الوضعية التي يمرُّ بها العالم اليوم تتطلب اللجوء إليه باعتباره إسهاماً مفيداً في حلِّ مشاكله. وبعْدُ، أَلَمْ يُعْلِنْ بن نبي أنه سيعود بعد ثلاثين سنة ؟

ها هي إذاً دفاتره ومخطوطاته في متناول الجيل الجديد الذي أراد خصومُه أنْ يعزلوه عنه وأنْ يمحوا اسمه من سجلِّ التاريخ. فالقارئ عموما والباحث خصوصا يمكن لهما اليوم الاطّلاع على تلك العناصر التي كان يمكن اعتبارها كحلقات ناقصة في سبيل فهم أعماله التي بقيت لهذا السبب محكمة الاغلاق. فتلك الدفاتروالمخطوطات تنطوي على المادة الأولية التي انْـبَـنَـتْ عليها نظرة مفكرنا إلى قضايا عصره، كما نجد في ثنايا هاتين الوثيقتين لحظاتِ الحدس التي ولّدَتْ تلك النظرة، والإلهامَ الذي قاد مفكرنا إليها، والمُعَايَنَاتِ التي فجَّرَتْها… وفي كلمة واحدة: إنهما تفسيرٌ لفكر بن نبي وإيضاح له.

ويتعذَّر الحديث عن المسائل المسكوت عنها دون الحديث عن الآثار غير المنشورة لأنّ معظم تلك المسائل كامنة في  الآثار غير المنشورة. عندما شرعْتُ في معالجة أرشيفات بن نبي كنتُ متخوِّفاً من فكرة أنني سأقف أخيرا على مدى صحَّة الادِّعاءِ القائل بأنَّ جزءاً من آثاره قد فُقِد، وهو ادِّعاء تُدعمه تلميحاته إلى ذلك مع المقرّبين منه، كما يدعمه ما أشار إليه في سيرته الذاتية من عناوين لمْ تُنْشَرْ.

إنّ الخلاصة التي يمكن أنْ أصوغها حول هذا تتمثل فيما يأتي: إنَّ مِنْ بينِ الآثار الثلاثة غير المنشورة التي أشار إليها بن نبي في “آفاق جزائرية” وهي: “المشكلة اليهودية”، و “العفن” (Pourritures)، و (Le PAS Algérien )، لمْ يبق إلاّ هذا العنوان الأخير مفقودا. ويتضح من المقاربة التي تمكنْتُ من القيام بها أنَّ هذا العملَ المفقودَ دراسةٌ تتكون من حوالى خمسين صفحةً كَتَبَها مفكرنا سنة 1939 تلبيةً لطلب العربي التبسي، واستنادا إلى كتاب باللغة العربية لكاتبٍ سعودي عنوانُه “الصراع”.

وأنا أرى أنه كان من بين الوثائق التي سلّمها الكاتب للدكتور خالدي سنة 1939. والحالُ أنَّه لن يلتقي بالدكتور خالدي إلاّ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فماذا وقع للمحفظة التي سلّمها له بن نبي وبها تلك الوثائق؟ هلِ استرجعها صاحبُها؟ … إنَّ بن نبي لم يَعُدْ إلى هذا الأمر أبداً، لكنْ، بما أنه سجّل Le PAS Algérien في مكتبته من ضمن الأعمال التي لم تُنْشر بعدُ، فإننا نفترِض أنَّ النصَّ كان لا يزال موجودا عنده. والحال أنّ هذا الأثر لا وجود له بين الوثائق التي اطَّلَعْتُ عليها.

ومن الآثار الأخرى التي يمكن اعتبارُها مفقودةً، نصٌّ تحت عنوان “الإسلام واليابان في المجموعة الآسيوية“. وهو مقال في عشرين صفحة كتبه للمشاركة في مسابقة نظّمتْها السلطات اليابانية وأودعه بنفسه في السفارة اليابانية بباريس في أفريل 1941. وينبغي أنْ نتذكَّر هنا تلك الملاحظة التي قرأناها حول اختفاء الدفاتر المودَعة عند السيد مسقاوي سنة 1963، والإشارة إلى اختفاء الجزء الرابع من “العفن” لمدة أربع سنوات. وقبل ذلك كان قد أشار في ملاحظة مؤرخة في 19 ديسمبر1962 إلى سرقة وثائق من مسكنه في القاهرة. فتلك الآثار ضاعت بالفعل، وليس هذا من قبيل الادعاءات الباطلة.

والثابت عند بن نبي أنه لم يكن يستسلمُ للرقابة ولم يكنْ يُذْعن لها بإخضاع فكره لـ (النهج الصحيح) الذي تُمْليه عليه. فكان دوما يعود إلى ما لم يتمكّنْ من تمريره، بأسلوب مختلف وفي عمل جديد، كتاباً كان أو مقالاً. ومثال ذلك أنًّ ما لمْ يقْرأْه القارىء في “التاريخ النقديّ للثورة الجزائرية” وفي “شهادة من أجل مليون شهيد”، أو في “عودة إلى المنبع”، وهو مقال مُنِع نشره في Révolution Africaine في شهر أوت 1967، فقد قرأهُ دون أنْ ينتبه إلى ذلك في “آفاق جزائرية” أو في “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”. إنّ الصياغة قد تكون مختلفة، لكن المضمون أُتيحَ له أنْ يُنْشَر. أمّا ما لم يُتَحْ له ذلك فهو كامن في “المذكرات”. وأعتقد ختاماً أنَّ بإمكاني الجزم بأنَّ فكر بن نبي لم يضعْ منه أيٌّ عنصرٍ ممَّا يعتبرُ أساسيّاً.

لكنْ، يا للمفاجأة ! فسنُلاحظ أنَّ بن نبي قد مارس على أفكاره أحيانا نوعاً من الرَّقابة الذَّاتية. وبالفعل فلا يمكن لنا أنْ نغفل عن الفارق الشاسع من الناحية النوعية التي تمسّ بجوهر فكره، بين ما نقرأه في كتبه المنشورة وما نكتشفه في (الدفاتر) والأعمال الأخرى غير المنشورة التي يَمْنَحُ فيها نفسَه هامشاً أكبر من الحرِّيَّة. وهذا مثال عن ذلك: إنّ “مشكلة الأفكار في العالم الإسلاميّ” من أهمّ كتبه ومن أواخر ما نشره (في القاهرة شهرَ جويلية 1971). هذا الكتاب كان  بدأ بتحرير صياغته الأولى بين ديسمبر 1959 وجانفي 1960 بالقاهرة، ثُمّ تخلَّى عنه إلى أنْ ألحّ عليه الدكتور عمَّار طالبي ليعود إليه بين سبتمبر ونوفمبر 1970.

فإذا ما قارنَّا بين النسخة الأولى والنسخة الثانية، فإننا نلاحظ بعض التغييرات، وأحيانا نجد حذفاً كاملاً، مثلما حدث لهذه الفقرة: “إنَّ المدرسة الإصلاحية منذ محمد عبده لم تنتبه إلاّ قليلاً إلى أنَّ الذات الإسلامية قد سقطت في هُوَّةٍ. لكنَّ إخراجها من تلك الهوة يقتضي أحد أمرين: فإمّا أنْ يُبْعث فيها نَفَسٌ روحيٌّ جديد كما فعل لوثر وكالفن Luther et Calvin  في أوروبا، أوْ أنْ تحدث فيها ثورة فكرية كتلك التي قام بها ديكارت، وبمعنى آخر: يجب إعطاؤها دفعا خلاَّقا للأفكار بشكل من الأشكال. ولم تتمكن المدرسة الإصلاحية من الأمرين: فلا هي نجحت في إصلاح ولا قامت بثورة. بل وقعتْ هي نفسها في الهوّة وهي تصيح: إننا في الهوّة !”.

ويبدو أن بن نبي في هذا النصِّ يواصل نقده الذي بدأه في “وجهة العالم الإسلامي” للحركة الإصلاحية. لكنه في هذه الفقرة أضاف لذلك النقد خطوة أخرى تتمثل في اقتراح حلول يدعو فيها وبلهجة صريحة إلى الأخذ بتجربة الإصلاح التي خاضها لوثر وكالفن وديكارت (Descartes). وما لا بدّ من المبادرة بالإشارة إليه هو أنّ بن نبي لم يقصدْ باقتراحاته المساس بشؤون العقيدة الإسلامية كما حدث في التجربة البروتستانتية مع المسيحية، بل قَصَدَ الدعوة إلى ضرورة تحرير الذات الإسلامية من الأرثودوكسية التي أرْسَتْ قواعدها بظهور المدارس الفقهية الأربعة والتي أنتجتْ الثقافة الإسلامية الحالية.

إنّ ما قَصَده في هذه الفقرة (المحذوفة) هو المفارقة الموجودة بين نظاميِ الفكر الناتجين عن المسيحية والإسلام. فالمسيحية انطلقت من نظرة ضيّقة وغير واقعية إلى العالم ثمّ كان عليها أنْ تُصْلِح حالها أثناء مسيرتها، وبتحرّرها من سيطرة النظام الكنسي ومدرسة التعاليم القديمة تمكّنَتْ من تحقيق نهضتها. أمَّا الإسلام فقد انطلق من نظرة ليبرالية وعقلانية إلى الكون، ثمّ راحت روح الإسلام تنغمس في هوة العِلم التقليديِّ بالتدريج، وقَبِلَتْ بتدميرٍ داخليِّ طالها على يد الثقافة الإسلامية التي أخضعتْها لدوغماتية آلَتْ بها إلى العُقم التام.

أمّا في نسخة 1960 من هذا الكتاب “مشكلة الأفكار في العالم الإسلاميّ” فإنّ بن نبي يمثِّل لهذا التفكير بعَرَضٍ من أعراض الانحطاط، وهو ما يسميه (تردّي قيمة الأفكار)، إذْ يقول: “بإمكاننا قياس مدى هذا التردِّي بالمقارنة بين نموذج من الفكر الإسلامي ونموذج من أفكارنا المتردِّية. إنّ الإسلام قد أحلَّ المجهودَ الفكريَّ، أي المجهود الذي يخلق الأفكار، المكانةَ الأولى في تعاليمه من خلال حديث النبيّ (ص) القائل: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر”، فهذا نموذج من نماذج الأفكار التي قادت أجيال المسلمين الأولى في اكتشافاتها العقلية التي أثْرَتِ التراث العالمي في مجال الفكر الخالص، وفي مجال العلوم التطبيقية كذلك. لكن بعد مرور بضعة قرون من ذلك نجد أنّ المجتمع الإسلاميّ قد تبنّى فلسفة جديدة حول المجهود الفكريّ. والحقيقة أننا نجد تَعامُلَه مع الأفكار قد تغيّر تغيّرا جذريا، كما تدلّ على ذلك هذه الحكمة التي تتكلم عن القرآن وتقول: “تفسيره خطأ وخطؤه كفر”.

وينتهي بن نبي إلى هذه النتيجة: ” تلك هي الفكرة التي تمثّل مُمَانعةً نتج عنها بالفعل شللٌ تامٌّ لكل مجهود فكريّ في العالم الإسلامي الذي كانت في ماضيه أفكارُ القرآن الكريم بمثابة أسس لكل البحوث الفكرية ،مثل بحوث المعتزلة التي أثْرَتِ الفكر الإسلاميَّ”. وهذا التحليل نفسُه هو الذي أتاح لبن نبي أن يقول في “وجهة العالم الإسلامي” إنّ على العالم الإسلامي أنْ يستدرك تأخره سواء على صعيد الفكر القرآني أو الفكر الديكارتي.

ولا جواب لدينا إذا تساءلنا عن السبب الذي مَنعه من تكرار هذه الفقرة البريئة من كل تحامل، غير أنه يمكن القول أنّ خصومه قد تمكّنوا مِنْ إشعاره بعقدةٍ إزاء المسائل الدينية. وبدأ ذلك في الجزائر عند صدور “الظاهرة القرآنية” سنة 1947. وقد وقف الشيخ الأزهري دراز الذي عرفه بن نبي في باريس منذ 1935، وهومُحررمُقدِّمة الكتاب، ضد كل المحاولات الهادفة إلى إثبات النقص في معارف الكاتب الدينية من خلال بعض النصوص المقتبسة من نص الكتاب. ولأجل ذلك مُنِعَتْ هذه المقدمة من الكتاب عندما أُعيد نشره، إذْ عَمَد الكاتب إلى اختيار تقديم آخر بقلم محمود شاكر، وهو مصريّ أزهري آخر، في النسخة العربية التي ظهرتْ سنة 1958. وقد سجل بن نبي حينئذ هذه الملاحظة : “كُنْتُ على وشك أنْ أفهم أنّ بينَ علمائنا المشارقة من جهة، وبين المستشرقين على شاكلة ماسنيون من جهة ثانية، قاسم مشترك يتمثل في أنهم قليلو الحب لأمثالي الذين يندسّون في الدرسات الإسلامية اندساساً“. وبعد الجزائر كان له شأن مع المصريين، حيث نقم عليه (الإخوان المسلمين) بسبب النقد الذي وجهه إليهم، وراحوا يحاربون أفكاره في الخفاء.

ويذْكر بن نبي في ملاحظة مؤرّخة في أفريل 1969 أنَّ مجلة (الوعي الإسلامي) الصادرة في الكويت نشرَتْ مقالاً حوله، وصاحب المقال يُشِيدُ بعُلُوِّ مكانة بن نبي وبأهمية أعماله، لكنه ينْعى عليه: “قصورَه من جانب التكوين الإسلامي الذي كان يمكن أنْ يضعه في مصافِّ كبار مُفَكِّرِي الإسلام الحديثين مثل المودودي والأخويْن قطب ومحمد إقبال…” وبعد ذلك بأشهر قليلة جاء دور الطلبة الإخوان المسلمين في ألمانيا، الذين شنُّوا ضدّ فكره حملةً تشنيع واسعة. وقد دفعه ذلك إلى تسجيل هذه الملاحظة المؤرَّخة في 01 سبتمبر1969:”يبدو واضحا أنَّ آلة الإخوان المسلمين كلَّها صارت عجلةَ قيادةٍ قوية بين أيدي المخابرات الأمريكية وبين أيدي الصهيونية في مجال الصراع الفكري”.

والنتيجة المتمخِّضة عن ذلك ما نُلاحظه مِنْ تزايُدٍ في حيطته وتَحَفُّظِهِ، خاصّةً إذا قرأنا كُتبَه ومقالاتِه بالترتيب الكرونولوجي الذي صَدَرَتْ به، إذْ أصبح يُلْجِم لسانَه ويُفْقِدُ بعضَ أفكارِه ما تَحْمِلُهُ مِنْ أهمية باستعمال التلميحات التي يصعبُ فهمُها. وكأنِّي به في ذلك يلتزم بالتوقٌّف عند حدٍّ مُعَيَّنٍ أو عند عتَبةٍ معيَّنة، أو كأنّه لا يريد أنْ يتحمَّل دور المُجَدِّد ولا حتَّى دور المجتهد، رغم كونه أهلاً له. وتفسيرُ ذلك أنه لا يريد أنْ يُغامرَ في مجالٍ ممنوعٍ عليه. فعلماءُ الأزهر والزيتونة والقرويين وغيرها من معاهد التعليم الديني في العالم الإسلامي، هم وحدهم أصحاب الحقِّ في معالجة مسائل الإسلام. ولا أحد يعترف بالفرق بين ما هو دينيّ صِرْفٌ يمكن اعتباره بحقٍّ تخَصُّصاً مُسْتَقِلاًّ، وما هو اجتماعيّ يستلزم مؤهِّلات غير المؤهِّلات الموجودة عند “رجال الدين”.

والحالُ أنَّ بن نبي عُرِفَ منذ انطلاقته كعالِم اجتماع وكمفكِّر، بفِكْرٍ مُحلِّلٍ ناقدٍ، ولمْ يُعْرفْ كفقيهٍ أو داعية إسلامي. وهذه الوضعية جعلتْه يحتلُّ مكاناً غَيْرَ آهِلٍ no man’s land، أو ما يُشْبِهُ دارَ أيتامٍ فكرية: فَلاَ هو مِن (الحداثيين)، ولا هو من (الإصلاحيين). وهو نفسُهُ لمْ يكن يرغبُ أنْ يكون أو يظهر في صورة (عالِم) لأنَّه لمْ يكن يتَّسِم بتكوين (العلماء) ولا بتوجّههم ولا بمظهرهم الخارجيِّ. لكنّه إنْ لم يكن (عالما) بالمعنى المُتردِّي فهو عالم بالمعنى الذي كان يقصده القدماء بهذا المصطلح.

ويُصوّر بن نبي شعورَه إزاء الثقافة الإسلامية في كتاب “العفن” بمرجعية سنتي 1936 و 1937، فيقول: “وابتداء من هذا التاريخ، فإنَّ ثقافة الأزهر والزيتونة، تلك الثقافة التي تقتل الضمائر والنفوس، كانت عندي أبشع كارثة تهدِّد العالم الإسلاميَّ. ومنذ ذلك الوقت لمْ أزدَدْ، بكلِّ أسَفٍ، إلاَّ اقتناعاً بهذا الموقف. إذا أردْنا أنْ يحْيا الإسلام أو ينتعش، فعليْنا بقتل ما يُسمَّى اليوم بـ (الثقافة الإسلامية). تلك الثقافة التي تُعفِّن النفوس وتُذِلُّ الطِّباع وتُمَيِّعُ الضًّمائر وتُؤنِّثُ الفضائل. وأنا الآن مقتنع بهذا أكثرَ مِنْ أيِّ وقتٍ مضى”. ولم يتخلَّ بن نبي عن هذا الاقتناع، بل إنّه لم يزدَدْ إلاّ تمسُّكا به، ولم يزدد الاقتناع إلاّ رسوخا في ذاته، حتى ولو تَناقَصَ تصريحه العلَني به مع مرور الأيام.

وفي سنة 1949 كتب سلسلة من المقالات بلهجة أكثر اعتدالاً، وذلك غَدَاةَ ملتقى نُظم بتونس حول (الثقافة الإسلامية)، وكان من المشاركين فيه. وفي إحدى تلك المقالات يقول: “إنَّ أهمَّ انطباعٍ عندي حول ثقافتنا هو أنها بمثابةِ عِلْم الآثار (أركيولوجيا). إنَّ مقدِّماتنا المنطقية في مجال الفكر لم تتغيَّر منذ العصور الوسطى المسيحية. واستنتاجاتُنا هي نفسها في جميع الحالات منذ خمسة قرون أو ستة. ورغم أنَّ الفكر العربيّ كان ديكارتياًّ في بدايته، فإننا اليوم لم نبلغْ مقام تلك البداية بعْدُ. أمّا الحياة والتجربة فلا مكان لهما في أبحاثنا.إننا لا زلنا في مرحلة التعليم التقليدي التي تغلب عليها الاستفزازات الكلامية والقواعد المبدئية الصارمة. هذا التعليم الذي يكوّن عالِم الدين والفقيهَ هو تعليم لا تُرْجى منه أيَّة إجابة عن مشاكل العامة ولا مشاكل النخبة المثقفة. إنَّ قُصارى ما تستطيع ثقافتنا الإسلامية أنْ تُمثِّله هو إرادة التَّشبث بالحياة، لا العزم على المُضَيِّ إلى الأمام”(1).

ويواصل قائلاً: “إنّ تأخُّرَنا قياساً بعصر الذّرّة تأخرٌ فظيع… ولاستدراك هذه الفارق الزمني، لا يكفي استئصال الأفكار الميِّتة، بل ينبغي تحقيقُ احتكاكات مع الروح التقنية التي صارت عاملا في الزيادة من سرعة عجلة التاريخ، وتحقيق احتكاكات أخرى خارج المجال الإسلاميّ، مجالات تُولِّد الأفكار الجريئة التي تُوجِّه الإنسانية اليوم إلى توحيد ثقافتها ومصيرها”. وفي المقال الموالي للمقال السابق يضيف: “إنّ مصيرنا، بدْءاً من الآن، يجب أنْ يتحقق بالمعنى العالمي. فَعَلَى كل فرد منّا أنْ يحقق في ذاته ذلك (الإنسان الشامل) «l’omni-homme» ، حسب تعبير دوستويافسكي Dostoïevski، أو (مُواطن العالم) «citoyen du monde»حسب تعبير جاري ديفيس Garry Davis’’(2).

إنّ الدّليل على أنّ بن نبي كان يمارس الرقابة الذاتية على أعماله نجده بالمقارنة بين النصوص الأصلية والنصوص النهائية. وهناك مثال آخر نصادفه في فقرة من “وجهة العالم الإسلامي” نُشرَتْ ضمن أجزاء أخرى منه في شكل مقالات ظهرتْ سنة 1950(3)، وهذه الفقرة لا وجود لها في الكتاب المذكورعندما صدر سنة 1954، وهي التي يقول فيها: “إنّ الحركة الإصلاحية لم تتمكن من تغيير الذات الإسلامية، كما لم تتمكن من تجسيد الدين في الواقع الاجتماعي… إنَّ طرح هذه المشكلة بصراحة وبعمق يقتضي تحطيم الروح التقليدية وإزالة الأعشاش التي حضنتْ تلك الروح طيلة قرون، وهي: جامع الأزهر والزيتونة والقرويين. فهي فعلا أعشاش لطالما حضنَتِ الخرافاتُ فيها معطياتِها الخاطئة والمهلوسة الناتجة عن عصر ما بعد الموحِّدين”.

ولقد كانت لبن نبي بعض الأفكار التي تبدو جريئةً حول المرأة وحول النبي(ص) والشريعة، وذلك في مقالات نُشِرتْ بين 1949 و1954. وهناك فكرةٌ شُجاعة صاغها في كتاب “النزعة الأفروآسيوية”. فعندما اجتمع 29 بلداً من العالم الثالث في باندونغ شهر أفريل 1955 من أجل محاولة التحرر من نير الدولتين العظميين، والانطلاق باختيار ثالث، كان بن نبي يرى في ذلك أكثرَ من مجرّد تضامن سياسي. فهذه المبادرة في رأيه خيار حضاريّ جدير بإخراج العالم الثالث من التأخّر، وهو في الوقت ذاته طريق مختصرة للإسراع بإحلال النزعة العالمية. لكنه سرعان ما أدرك أنّ هذا التجمّع كان نشازاً وضعيفاً، وما ينقصه هو إسمنتٌ إيديولوجيٌّ. وفي ذلك المجال بادر باقتراح من خلال كتاب ( النزعة الأفروآسيوية) الذي كان قد بدأ في تأليفه قبل مؤتمر باندونغ. ولهذا اقترح تزويد هذا التيار بقاعدة مذهبية كان يأمل أنْ تصير بمثابة “إنجيل” للنزعة الأفروآسيوية.

وما في هذه القضية من جرأةٍ يكمن في أنّ بن نبي لم يكن يرى أنّ هذه القاعدة تكون وليدة عقيدة واحدة، بل هي مركّبة من الهندوسية (التي هي ليست ديانة سماوية بكتاب مُنَزَّل)، ومن الإسلام. يقول في هذا:”إنَّ التطوّر الذي يجب أن يتجاوز الاستعمار سيتجاوز التيار المعادي له بالضرورة. ونتيجة لذلك فإنّ النزعة الأفروآسيوية يجب عليها أنْ تُرْسِي أخلاقياتها على أساس مبدإٍ أكثر إيجابية، لكنّه لا يمكن أنْ يكون ذا جوهرٍ دينيٍّ، كما لا يمكن أن يكون محاولة لخلق مزيج من العقائد… بل هو معاهدة أخلاقية بين الإسلام والهندوسية من أجل تبنِّي توجُّهٍ واحدٍ على الأرض”. ورغبةً منه في تقوية هذه الفكرة المُدْهشة ضَرَبَ بن نبي مثالاً بالفكر الغربيِّ هذه المرة كذلك. يقول:”لقد تأسس الفكر الغربيّ في بدايته على قواعد النظام الأخلاقيّ المسيحيّ الذي أعطاه اتّساقا، وأعطاه دفعاً كافياً لانطلاقته. وبتطوُّر هذا الفكر تغيَّرَتْ تلك القاعدة الإيديولوجية وصارتْ مزيجاً من الفكر الكاثوليكي والفكر البروتستانتي والفكر الحرّ والفكر اليهوديّ. والكلُّ في انسجام تامٍّ. وبناءً على ذلك فلا مجال للبحث عن الانسجام والاتِّساق داخل مبدإٍ واحد، ولا في مزيج من العقائد”. وأقلُّ ما يمكن استنتاجه ممَّا سبق هو أنَّ بن نبي يرفض كلَّ احتكار أو سيطرة للإسلام، ولا يفكرّ في إمكانية التعايش مع الأديان والحضارات والفلسفات الأخرى فحسْب، بل وكذلك في إمكانية الاندماج معها، وهي فكرةٌ لا تزال رائدةً إلى يومنا.

كان بن نبي يرى المسلم كما يبدو لنا اليوم: “إنسانا منعزلاً جاهلاً بقيمِ الغيرِ، وضميراً منعزلاً لا يشارك في القضايا العالمية. هذا الضمير غائب عن النقاشات الدولية، وكذا عن حِراك الأفكار الناتجة عن الصدام بين العقائد الاجتماعية والفلسفية التي تُفَرِّق شمل الإنسانية في وقتنا الحاضر. وهذه النفسية المنعزلة تُجسِّد انعدام الفاعلية في العالم الإسلاميّ على المستوى العالمي“.

إنّها رؤى بالغة الجرأة، وهي تحمل حقائق لم يتعوّدْ المسلمون على سماعها، وتُهاجمُ طابوهات يَعَضُّ عليها المسلمُ بِنَاجِذَيْه. وما يمكن استنتاجه من أقوال بن نبي هو أنَّ الإسلامَ لمْ يَعُدْ قوةَ دَفْعٍ جماعيٍّ للمسلمين من النواحي النفسية والاجتماعية والسياسية، وأنه لمْ يَعُدْ موجودا كنظام سياسيٍّ، ولم يعُدْ يخاطب إلاَّ الميولَ الوجدانيةَ والدينية التكسُّبية لدى المسلمين. والنتيجة التاريخية التي أدَّتْ إليها هذه الظاهرة هي ما نراه مِنِ استشراء جملة من القوالب الجاهزة والسلوكات التي تُميِّز ما نُسمّيه اليوم بالإسلاموية.

جاء في مقال كَتَبَه بن نبي سنة 1972: “عندما يتحوّل الدّين إلى مجموعة من العبارات التي تُحفَظ عن ظهر قلب، وإلى مجموعة من الطقوس التي تُؤدَّى بطريقة آلية، فهو يقع بسهولة في مغبَّة الاكتفاء بممارسة الطقوس والرموز والإشارات، بدلاً من الاهتمام بدلالات كلِّ ذلك. فإذَا ما استولى الدال على مكان المدلول، تكون العودة إلى السِّحْرِ، وتسود مملكة أهلِ الوَرَعِ الممزوجِ بالنفاق، وأخيراً يُحْكِمُ المشعوذون قبضتهم على كل شيء”.

إنّ مالك بن نبي في مذكراته، كما في أعماله الأخرى، يبدو لنا مؤمناً كامل الإيمان. لكن تلك الآثار تعكس لنا كذلك اضطرابه ومُعاناته من مشاكل المسلمين، وبحثه الدَّؤوب عن حلول لها، مع حرصه على تفادي الصدمات كي لا يزداد انعزالاً. كان يعي منذ فجر حياته أنه سيعيش مُعلَّقا بين عالميْن وبين حضارتين. ولم يكن منسجماً مع أية مدرسة أو مُقارَبة مُهيمِنة في المشرق كما في المغرب. لم يكنْ يُعقَل أنْ يجد سنداً في أطروحات المستشرقين وتلامذتهم من (الحداثيين)، وهم البعثيون والماركسيون واللاّئكيون الذين كانوا يعتبرونه نزَّاعاً إلى الوحدة الإسلامية، ويعتبرونه وهّابياًّ وأصولياَّ. ولم يكُنْ يُعقَل أنْ يجد سنده في أطروحات العلماء التقليديين كذلك، لأنهم كانوا يرون فيه دخيلاً على عالَمِهم النموذجي، المُتزمِّت والغَيور.

إنَّ فكر مالك بن نبي، بناءً على ما سبق، يبدو لنا في قطيعة تامَّة مع ارتدادات الثقافة الإسلاميّة إذا ما درَسْنا ذلك الفكرعلى ضوء المسائل التي صرّح فيها برأيه، والشؤون الواضحة الغامضة، والمسائل التي لم يصرح فيها برأيه. إذْ ذاك يظهر لنا ذلك الفكر كبحث دؤوب عن مخرج من الورطة التي وقع فيها الفكر التقليديّ. وهو لم يفعل ما فَعَلَهُ اللائكيون الذين راحوا يَكِيلون الفكرَ الإسلاميَّ انتقاداتٍ تمسُّ بجوهره وبمظهره، ووقفوا موقفا مُعادِياً له، لم يفعلْ ذلك، بلْ حاول أنْ يفتح الباب أمام آفاقٍ جديدةٍ للفكرِالإسْلاميِّ منْ أجل إخراجه من الهوَّة التي حُبِسَ فيها إلى يومنا.


المراجع:

1) عن مقال تحت عنوان: << قطائع وتواصُلات ضرورية  Ruptures et contacts nécessaires>> نُشِر في La République Algérienne بتاريخ 11 نوفمبر 1949.

2) عن مقال تحت عنوان: << المزج والتركيب Syncrétisme et synthèse>>، نُشِر في La République Algérienne بتاريخ 18 نوفمبر 1949.

3) عن مقال تحت عنوان: << مثال رُوَّاد النهضة « L’exemple des précurseurs de la renaissance » نُشِر في La République Algérienne بتاريخ 01 ديسمبر 1950.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: