مالك بن نبي (17) الشاهــــــــد

بقلم: نورالدين بوكروح - ترجمة عبد الحميد بن حسان

إذا كُنّا نعلمِ متى كتب بن نبي مذكراته، وعلى دراية بالتدابير والترتيبات التي التزم بها في ذلك، فيبقى علينا أنْ نتساءل عن الدافع الرئيسي والسبب الذي دعاه إلى اختيار هذا العنوان: “شاهد على القرن“. إنه عنوان يزيل عن تلك المذكرات طابعها الشخصي والذاتي إلى حدٍّ ما، فهي لم تَعُدْ تتعلَّق بصاحبها، بحياته هو. إنها حياة أيِّ شاهد على القرن، ويمكن أن تكون حياة أيّ شخصٍ آخر من جيل بن نبي. والدوافع التي تدفع بكُتَّاب المذكرات إلى عملهم هذا متنوعة، لكنهم عموماً يشتركون في الشعور بأهميتهم والرغبة في الانفتاح على الغير، وهو الشعور الذي يدعوهم إلى الرغبة في نقش الطريق التي سلكوها في ذاكرة الإنسان. ولا أعتقد أنّ هذا الجانب يمثل دافعا رئيسيا عند مالك بن نبي  ككاتب من كُتَّاب السيرة الذاتية.

ما السبيل إلى الحديث عن زماننا وعن قرننا وأهل قرننا دون الحديث عن أنفسنا ؟ بديهيّ أنّ ذلك لا يمكن إلاّ إذا فعلنا كما فعل بن نبي في تمهيده للكتاب الأول (الطفل) عندما راح يجتهد في تقليص مجال (الأنا) إلى حدٍّه الأدنى، وفي بَتْرِ العمل الكتابي مِن صاحبه والذهاب في ذلك إلى حدّ إيهام المتلقِّي أنّ الأمر يتعلّق بوثيقة عَثَرَ عليها بجانبه إثر أدائه لإحدى صلواته في مسجد من مساجد قسنطينة، أيَّاما قليلة بعد عودته إلى الجزائر في أوت 1963.

إنَّ هذا “التمرُّن على الواقعية”، والذي سبَّبَ لي اضطراباً عندما قرأْتُ هذا الكتاب لأول مرة في شبابي، يستحقّ النظر بتمعّن. وقد بدأ بن نبي في التمهيد بذكر الظروف التي أحاطت بعثوره على مخطوطة (الطفل)، إذ يقول: “كنتُ في الركعة الثانية من صلاة العصر. وإطالة السجود في هذه الركعة من عادتي ومن عادة بعض الحجاج الذين أتيح لهم أنْ يصلُّوا في مسجد سيدنا الحسين، قرب الأزهر، بالقاهرة. سمعتُ وقع خطى هادئة على البساط خلفي وأنا ساجد. وبعد ذلك ابتعدتْ تلك الخطى عني. وعندما اتّخذْتُ وضعية الجلوس اتجه بصري عفوياًّ جهةَ اليمين فرأيت غير بعيد عن ركبتي أوراقاً ملفوفة. أنْهيْتُ صلاتي على النمط المعهود، وبعد أنْ سلَّمْت اسْتَدَرْتُ خلفي فلم أجد أحداً، ولا أحد لا على اليمين و لا على الشمال. لقد اختفى الشخص الذي وضع اللَّفَّة بالقرب منِّي. وماذا عسى أن تكون هذه اللَّفَّة؟ كانت ملفوفة بعناية بواسطة ورق مُقوّى ملتصق. تأكّدْتُ أنّ اللفة تحتوي أورقا ثُمَّ فَضَضْتُ الأطراف الملتصقة الشفافة التي تُحْكِمُ اللفة. كانت أوراقاً مكتوبةً بخط رقيق لكنه مقروء جداًّ. وفي الصفحة الأولى رأيت هذا العنوان بخط أكبر وبحروف مستديرة: (مذكرات شاهد على القرن). قرأْتُ صفحةً، فصفحتين… أمرٌ غريب… فكل جزائريٍّ من جيلي إذا كان يُحسن استعمال اليراع باستطاعته أن يكتب مثل هذا. قرأْتُ صفحات أخرى، وأخيرا صادفْتُ اسماً قد يكون هو كاتب تلك الأوراق، الاسم هو: الصدِّيق. فَمَنْ عساه يكون؟ وهو يُعْلِمُنا منذ الصفحة الأولى أنه مولود بقسنطينة سنة 1905. فهو إذاً رجلٌ من جيلي. ولا شيء غير ذلك. هل ينبغي إعادة اللفَّة إلى صاحبها؟ ولأيِّ (صدِّيق) أُعيدها؟ ألا أكون بنشرها قد أَعَدْتُها له بشكلٍ ما، خاصة وأنه يُرَجَّحُ أنه يتمنى ذلك؟  ”

ولا يزول الغموض والإبهام عن هوية الكاتب بشكل تامٍّ إلاَّ في آخر سطر من الفقرة، إذ يقول: “لِيَتَلَقَّ القارىء إذاً هذا الكتاب كفكرة مِنْ لَدُنْ جزائريٍّ فضَّلَ أنْ يُخاطبه من وراء حجاب، ومِنْ دون أنْ يذكر اسمه“. وليس هذا الإجراء الطريف من قبيل التنميق الأدبي الهادف إلى إعطاء العمل جاذبية، بل هو تعبير عن شعور الكاتب بحرج حقيقي في الحديث عن نفسه. أَلَمْ يكنْ ينوي نشر كتاب “العفن” تحت عنوان مبهم وهو “مذكرات جيل” ؟ ونحن نحسُّ أنَّ بن نبي كانت تتجاذبه قيمتان، كلاهما ذات جوهر إسلامي،: القيمة الأولى هي واجب الشهادة الذي فرضه القرآن الكريم في قوله تعالى”وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..” (البقرة 143). والقيمة الثانية هي التزام الحياء الذي يحتلّ مكانة واسعة في التربية الجزائرية.

وشُعلة كلمة “الشاهد” انبجستْ في ضمير بن نبي بمناسبةِ مناقشةٍ جَرَتْ بينه وبين ضابط سامٍ فرنسي في قسنطينة، وهو الذي اقترح عليه سنة 1947 أن يتجنّد في مصلحة الخدمة الاجتماعية التابعة للشرطة. ونظرا إلى أنه وجد في هذا الاقتراح محاولة لإخضاعه للإدارة الاستعمارية ولتقويض ضميره،  فقد كان جوابه: “يا سيدي، إنني أنا الشاهد !”. وفي معرض سرده لهذه الحادثة، واصل بن نبي روايته قائلاً: ” تلك كانت المرة الأولى التي نطقْتُ فيها بكلمة “الشاهد”… وفي وقت لاحق فكَّرْتُ حتى في اتخاذها عنوانا لروايةٍ“.

إنَّ هذه الكلمة قد أشعلتْ لدى الكاتب شعلةً أضاءت له طريق مهمته الشخصية، فكان أنْ تبنّى تلك الكلمة طيلة حياته. ولا عجب أنْ نجد بن نبي قد وضع كتاب (العفن) تحت هذا الشعار عندما شرع في تحريره بتاريخ 01 مارس 1951، إذ يقول في التمهيد: “ما هذا الكتاب إلاّ شهادة أريد أنْ أتركها للأجيال القادمة. لكنني أكتبه بما يسمح لجيلي أن يطّلع عليه ويناقشه وينقده. فالشهادة لا تكون مقبولة إلاّ إذا تمَّتْ مراقبتها من طرف المعاصرين، وإلاَّ فإنها يمكن ألاَّ تعدو، من بعد الموت، إلا أن تكون كذبة مِنْ حياكة أحد الولوعين بالاضطهاد أو أحد الراغبين في مراتب المجد بعد الموت… إنني إذاً أحكي ببساطةٍ ما أعرفه لأنني عشته أو رأيته أو سمعته أو فكّرْتُ فيه” ولم يفارقه هذا الهاجس طيلة حياته.

يقول بن نبي في (ورقة مختارة) من  كتابه “وجهة العالم الإسلامي”، صادرة في جوان 1951، تحت عنوان (عشية ظهور حضارة إنسانية ؟)(1):  “الشاهد… قد يكون ذرَّة، لكنها ذرَّة ضرورية لاستمرار حركة عجلة التاريخ الإنساني. كل وجودٍ، وكل حدث، ما هما إلاّ قِطَعٌ أو ذرَّات من مصير الإنسانية”. ولمَّا ظهر هذا الكتاب في خريف 1954 يمكننا أن نقرأ فيه قوله: “التاريخ يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائماً بين عمله ومُثُلِهِ العُلْيا وحاجياته، ويؤدِّي في المجتمع مهمته المزدوجة كفاعلٍ وشاهد… إنّ العالم الإسلاميَّ ليس جماعةً اجتماعيةً منعزلة وقادرة على استكمال تطوّرها بمعزل عن الآخرين. إنه حاضر في المأساة البشرية كفاعلٍ وكشاهد في آنٍ واحدٍ”… وها هو بن نبي يؤكّد رسوخ هذا الشعور لديه في ملاحظة سجلها بتاريخ 25 مارس 1958: “قدْ تكون إرادة القدر اختارت أنْ تجعل منِّي، رغم كل توسُّلاتي، شاهداً أصابه القَرَف بسبب أمراض العالم الإسلامي الأخلاقية والاجتماعية”.

ونظرتُه إلى الثورة الجزائرية لا تحيد عن هذه الرؤية، إذْ لم يجدْ مناصاً مِنْ إعطاء عنوان “شهادة من أجل مليون شهيد” لنصٍّ موجَّهٍ إلى المجلس الوطني للثورة الجزائرية في فيفري 1962. فكان من الطبيعي إذاً أنْ تأتي الفقرة الأولى من الجزء الأول في “مذكرات شاهد على القرن” لتُبيِّن مكان هذا الشاهد في الزمان والمكان: “إنّ المولود سنة 1905 في الجزائر مولودٌ في لحظة قد يكون فيها حبل الشعور مرتبطاً بالماضي بواسطة ما تبقى مِنْ شهوده، ومرتبطاً بالمستقبل بواسطة صُنّاعه الرائدين. فبميلادي في هذه اللحظة أكون قد استفدْتُ مِنْ امتياز ضروريٍّ لأحْظى بحق الشهادة“.

تَوَجّهَ الرسول (ص) بخطبة حجة الوداع إلى الأمّة الإسلامية في مكة قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى، وقد أشْهد اللَّهَ على أنّه بلَّغ الرسالة بإرساء قواعد الإسلام. وكانت إحدى أواخر آيات القرآن الكريم أُنْزِلَتْ في هذا الظرف (“..اليوم أكملت لكم دينكم…”). وقد تأثَّر بن نبي بهذه المحطة التاريخية أيَّما تأثُّرٍ لأنه وجد فيها تنفيذا واقعياًّ للأمر الوارد في القرآن.

وفي تحليله لهذا الأمر في “فكرة كومنويلث إسلاميّ” راح يحاول تحديد التدابير الواجب اتخاذها لتنفيذه في قوله: “إنّ الشاهد هو بالأساس ذلك الفرد الحاضر في حياة الآخرين. وإنّ الشرط الأول في صلاحية الشهادة هو (حضور) الشاهد. ولذلك فعلى المسلم إذا أراد أن يضطلع بدور الشهادة فعليه أن يعيش في احتكاك بمشاكلهم. فحضوره ينبغي أنْ يُغطِّي أوسع مجالٍ كي تُغطِّيَ شهادتُه أكبرَ قدرٍ من الأحداث. وللعلم، فإنّ المسلم في وضعه هذا ليس في دورٍ مُسالمٍ تماماً: فمجرّد حضوره يؤثِّر في الأشياء وفي أفعال الغير. فالشاهد الحاضر يمكن أن يغيّر مسار الأحداث بمحض حضوره، وأنْ يتحاشى وقوع ما كان أمراً حتمياًّ. والحالُ أنَّ دور المسلم في حياة الآخرين لا يتوقف عند حدود ملاحظة الوقائع، بل يتعدّاها إلى تعديلها باتجاه الخير إن استطاع“.

لكن الحقيقة، إذا أردنا أن نذهب بعيداً في البحث، هي أنّ بن نبي لم ينتبه إلى فكرة الشهادة سنة 1958 ولا سنة 1947، فقد تشكَّلَتْ عنده انطلاقا من شعور انْتَابَهُ منذ نعومة أظفاره ولم يُفارِقْهُ طيلة حياته. هذا الشعور هو مِنْ قَبيل تحميل النفس كل المسؤولية، وسيتطوّر عنده إلى نوع من الإدانة الذاتية. وحَدَثَ ذلك بمناسبة تغلغله في الوسط البروتستانتي لـ (اتحاد الشبان المسيحيين) بعد وصوله إلى باريس ببضعة أسابيع في سبتمبر سنة 1930، وبمناسبة أجواء الدراسة التي اكتشفها عندما سجل نفسه في المدرسة المركزية TSF.

وحول هذا يقول بن نبي في (الطالب): “في هذا المكان والظرف استيقظ شعوري تُجاه كل المشاكل التي شغلتني طيلة حياتي… دخلْتُ من هذا الباب في حياة حضارةٍ سبق لي أنْ اجتزْتُ عتبتها يومَ دخلْتُ إلى (الاتحاد) لأول مرة… وبدخولي إلى المدرسة المركزية TSF صرتُ رجُلاً آخر يختلف مِنْ عدة أوْجُهٍ عن ذلك الرجل الذي نزل بباريس قبل ذلك بثلاثة أشهر. لم أعُدْ أحلُمُ بالأشياء البعيدة ولا بالحصول على الألقاب أو أنْ أحظى بمكانة اجتماعية، لم أعُد أحلم إلاّ بالعلم. وإذا كانت المدرسة المسجدية قد أثَّرتْ في تكويني فإنها لم تُحدد لي وِجهةً في الحياة. لكنني الآن صرْتُ أشعُرُ بأنَّ لي توجُّهاً. كُنْتُ أشعُرُ باني مُحمَّلٌ بكلِّ الخطايا، وبكلِّ مِحَنِ مجتمع يحاول أن يستيقظ. وأنا كبش فدائه. كُنتُ أحس بكلّ ثقل مسؤولياته، بانشغالاته وآماله. كان عليَّ أن آتي بأسباب يقظته مع دراساتي. وبناءً على ذلك فعليًّ أن أحرص على دراساتي بالقدر الذي يكفي لمواجهة الجهل والتردِّي اللذيْن يتخبط فيهما بلدي والعالم الإسلامي كلّه. فلا يمكن للإنسان أن يكون كبش فداءٍ في مجتمع دون أن يكون المتكفل بإعادته إلى جادة الطريق… وهكذا دخلت مدرسة TSF بتلك  الفكرة “.

وكان لهذا الشعور جانبه السلبي: فقد أحسَّ بن نبي في وقت مبكَّر بأنّ حياته ستكون حياة شخصٍ ممنوع أو مُحرَّم أو منبوذ، وأنه سيكون، وبسبب سعيه إلى إعادة حضارته إلى جادة الطريق، هدفاً لشرطة الاستعمار وللكتيبة الخاصة في شارع لوكونت، ولمصالح الحرب النفسية، وهدفاً لخصومه في الصراع الفكري، وللسيد “س” و “رجاله الآليين”، و”للغول ذي العشرة أرجل (Myriapode) “… وسيلقى هذا المصير طيلة حياته فعلاً.

وعندما كان يعود إلى تبسة لقضاء عطلة الصيف في تلك السنوات النيِّرة بين 1932 و 1935، حيث كانت جمعية العلماء تُشعُّ بنشاطها على كل أرجاء البلاد، آنذاك كان يشعر بالسعادة لِما لاحظه من ثمار الإصلاح. كان يرى في ذلك حِراكاً للروح الاجتماعية والتعاون الجماعي، وتلك هي مُحرِّكات التطور والتحضُّر. كان يرى في ذلك “نظاما للمبادرات الخاصة من شأنه أن يخلق دولةً داخل دولة في الواقع”. وكتب في مذكراته يقول: “تلك هي مميزات ميلاد مجتمع، وليست الكلمات التي تُصَبّ في مدارك الشعب من أجل طمسها وإبعادها عن النهضة الحقيقية. ولم نكن في تبسة آنذاك نشغل أنفسنا بمشاغل (الزعيم) وبانتخاباتهم، بل بقضايا الشعب وتوجيهه، وببناء المجتمع الجزائريّ“.

في سنة 1933 أُسِّسَتِ (فيدرالية مُنْتَخَبي قسنطينة Fédération des Elus de Constantine ) على يد مجموعة منتخبين محلّيين. وكان محمد الصالح بن جلول على رأسها، ونائبه فرحات عباس. وتُطالب هذه الجمعية بإدماج الجزائريين. أمَّا بن نبي فلم يكن يرى في ذلك إلاّ “تمويهاً إدارياًّ يهدف إلى تَلْهِيَةِ الرأي العام التابع لتيارالإصلاح والذي كان يهيمن على الساحة في الجزائر آنذاك“. وبالفعل، فإنّ الانتهازية الانتخابية ومعها (البوليتيك) و(مرضى الفكر/المتعالمين) و(الزعيم)، كلُّها أسقام ظهرت في تلك الفترة.

وهكذا جاء خطاب المطالبة ليعلو فوق خطاب الإصلاح، وجاءت عبادة الأشخاص بديلاً عن اعتناق الفكرة، والورقة الانتخابية بديلاً عن لباس الطلاسم الذي كان يرتديه المشعوذون في زمانهم. وكان لهذا الجوّ العام الجديد أثره في تغيير وجهات النظر، وشرع الناس في الإيمان بإمكانية الرقي إلى أعلى المراتب بل بوصولهم يوما إلى القمر، وأصبحت المطالبة بالحقوق في الخطاب العام بديلا عن الحث على القيام بالواجب. وإزاء كل هذا كان بن نبي في حالة إحباط شديدة، وازداد إحباطه قوةً عندما انضمَّتْ جمعية العلماء إلى حركة بن جلول سنة 1936، وصار أعضاؤها مِنْ مُرْشِديه. وهذا هو السبب في ابتعاد بن نبي عن العربي التبسي في تبسة، مُندِّداً “بوطنية الأسواق التي لا تنشغل بقضايا المجتمع“.

ولمّا عاد إلى تبسة سنة 1937 كان الوضع الذي عاينه أَمَرّ من المرارة: “لم أجد أثراً لتلك الجزائر التي كانت تسير بخطى وئيدة لكن مضمونة العواقب في طريقها إلى الحضارة تحت راية الإصلاح، وذلك منذ سنة 1925. ولم أجد أثراً لجوّ التضامن الذي كانت تتفتح فيه الضمائر لتعالج مشاكل ملموسة مثل القضاء على التفكير الخرافيّ، وتشييد مدارس من أجل تنشئة النفوس ورفعها فوق مستوى حياة ما بعد الموحِّدين، أي فوق مستوى القابلية للاستعمار التي هي الأساس السيكولوجي الذي انبنى عليه الاستعمار. لم يكن أحد يتكلم عن كل هذا، ولا حتى عن الله. الحديث كله كان يدور حول بلوم Blum … إنه التَّشرذم الشامل: فقد اختفت روح الإصلاح واختفت معها كل براعم المستقبل التي كانت فيه“. فالسياسة لا معنى لها عند بن نبي إنْ لم تكن مستوحاة من مُسلَّمات أخلاقية، وإنْ لم تكن تستهدف غايات حضارية. يقول في هذا: “كُنْتُ دوماً على قناعة باستحالة قيام وضع سياسيٍّ مِن دون قيام وضعٍ أخلاقيٍّ سابق له“.

وبالنظر إلى روح النقد والأسلوب اللاّذع الذي عاد بهما بعد إنهاء دراسته، فقدْ وجد بن نبي نفسه معزولا عن الأوساط الفكرية والسياسية الجزائرية السائدة في العهد الاستعماريّ. والحقيقة أنَّ اللُّبْس حدث في وقت مُبكِّر، إذْ ظهر سنة 1936 في ردِّ بن نبي (الذي لم يُنْشَرْ) على مقالة فرحات عباس الشهيرة والتي يقول فيها “فرنسا هي أنا”، ثُمَّ في لقائه مع الوفد المتمخض عن “المؤتمر الإسلامي الجزائري” في أحد الفنادق الكبرى بباريس، وانتقاده الصريح لهذا الوفد ـ وكان الإخوة بن ساعي معه في هذا الموقف.

وتعاقبت الأحداث حتى صار بن نبي الشاهد مُزْعِجا، إذ جلب لنفسه حقد الحاقدين بسبب عنفه الكلاميُّ ونقده الدائم وسخريته اللاّذعة، وكذلك بسبب تلك المصطلحات الجديدة والجارحة التي أبدعها، مثل (القابلية للاستعمار، ومرضى الفكر/المتعالمون، والزعيم والزُّوَيْعِم أو الزُعيّم  zaïms et zaïmillons، والعالم والعويلِم alem et alimillon والخائن والخُوَيْئِن traîtres et traitrillons…). وهم يردّون عليه مُتَّهمين إياه بأنه يسبح في فضاءات الفلسفة السوفسطائية في الوقت الذي يُرْهِق فيه غيره أنفسهم لمعالجة مشاكل الساعة، وينعون عليه بقاءه في معزل عن الحِراك السياسيِّ، وابتعاده عن الحركة الوطنية أولاً ثُمَّ عن حركة التحرير بعد ذلك. وبالنظر إلى أنَّ فكره لم يكن وطنياًّ صِرْفاً فقد راحوا يتَّهمونه بضعف روحه الوطنية. فخصومه حاقدون عليه لعدم اكتراثه بما يسمى بـ (القضية الوطنية)، وهو يرى أنه لم يفعل شيئا غير إدانة (البوليتيك) والانتهازية الانتخابية (التي، مع ذلك، أَوْشَكَ بن نبي أن ينغمس فيها سنة 1938 وسنة 1951).

وبعد الخلاف الذي وقع له في الجزائر، كان له خلاف آخر في القاهرة التي انتقل إليها في بداية شهر ماي 1956، والتي كانت مقراًّ لإدارة الثورة الجزائرية. وبما أنّ تلك الإدارة تتكون من أشخاصٍ كانت لهم سابق معرفة ببن نبي فقد كانوا يريدون إخضاعه لسلطتهم الجديدة ( مُمَثَّلةً في “الوفد الخارجي لجبهة التحرير” أوّلاً، وفي لجنة التنسيق والتنفيذ CCE ثانياً، ثُمَّ في الحكومة المؤقتةGPRA ثالثا) وينعون عليه انشغاله التام بمشاكل العالم العربيِّ الإسلاميِّ والنزعة الأفروآسيوية على حساب مشاكل الثورة الجزائرية. أمّا بن نبي فيحتجّ أمامهم بمعركته الشخصية القديمة ضد الاستعمار، وباستقلاله الفكري والسياسيِّ، وبسلطة كتاباته، كما يحتج ضمنياًّ بالسلطة التي كللته بها شهرته العالمية الجديدة.

ومع ذلك كان بن نبي يناضل بطريقته الخاصة. ففور وصوله إلى القاهرة عمل لبضعة أسابيع في “صوت الجزائر”، ثُمَّ طلب من إدارة جبهة التحرير أن تُرْسِله إلى الجبهة الداخلية حيث بإمكانه أن “يشتغل كإسعافيّ ويسجِّل تاريخ الثورة“. وقد نشر بيانا تحت عنوان “النجدة للجزائر SOS Algérie” أيام معركة الجزائر، وتُرْجِمَ البيان إلى العربية والألمانية.

وعشية زيارة جمال عبد الناصر لموسكو اتَّصل به بن نبي ليطلب منه تسجيل الوضع في الجزائر ضمن جدول أعمال محادثاته مع خروتشوف. وفي سبتمبر 1959 حرر رسالة مفتوحة موجهة إلى خروتشوف وإيزنهاور ليطلب منهما العمل على وضع حدِّ للحرب في الجزائر. وفي أكتوبر 1960 أرسل رسالة إلى خروتشوف يشكره فيها على إعانة كانت قدّمتْها النقابات السوفياتية للشعب الجزائريّ. وكانت له طيلة أيام الثورة علاقات مع المجاهدين الحقيقيين، وليس مع مَنْ كان دأبُهم العمل الانفراديّ.

وكانت له بعد الاستقلال اتصالات مع جيل جديد من القادة السياسيين الذين أنتجتْهم الثورة ولم تُنْتِجْهم الحركة الوطنية. وصار التواصل مع هذه القيادة ممكنا ،لأنه كان يعرف أفرادا منها منذ وجوده في القاهرة. لكن التهميش طاله تدريجيا بتحريض من التيارات (التّقدّميّة) التي كانت ترى أنه (رجعي) و(أصوليّ)، وكذلك باستفحال الخيارات الاشتراكية. وهكذا فُصِل من منصبه كمدير للتعليم العالي، وعُلِّقَتْ مساهماته في الصحافة، وحُوصِر في بيته، لكن ذلك كله لم يكن كافيا لإسكاته. فقد بادر بإيجاد نشاط خاص به، ووضع إطاراً تنظيميا لندوة كان يعقدها في بيته، وراح يُلْقِي المحاضرات، واستمرَّ في الكتابة…

وما ينبغي ألاّ نخفيه هو أنّ بن نبي كان يرى في نفسه إنساناً مكلَّفا بأداء مهمّة غير اعتيادية، بمقتضى الأمر القاطع الذي تحدّثنا عنه سابقاً، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنْ تعذَّر ذلك فأداء الشهادة واجب. وعلى أية حال، فهو نفسه لم يكن يخفي هذه النظرة عن نفسه إخفاءً كلِّيّاً. ففي حديثه عن الثلاثينيات من القرن الماضي جاء وصفُهُ للصورة التي كان يرى فيها نفسه، ومعه صديقه حمودة بن ساعي فيما يأتي: “انبثق وعيي وإحساسي بعيوب العالم الإسلامي ما بعد الموحِّدين وأنا أتحمَّل ذلك الدور المتمثل في أداء رسالتي بين جنسين بشريين مختلفين، وعقليتين متنافرتين، وشبيبتين متباينتين… لقد انتبهْتُ إلى أنَّنا، أنا وحمودة بن ساعي، كُنَّا مسكونين بدافع انعكاسي لإنقاذ الجزائر، وهو دافع خفيّ، لا شعوريّ وبريء. وإذا كان حمودة  يحب أنْ يرى نفسه في هذا الدور، فإني أعترف باني كنتُ أُعارضه في هذه النقطة“.

وكان بن نبي وصديقه بن ساعي آنذاك (حوالى سنة 1932) في أعلى الموجة، إذ فَرَضا نفسيهما في جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين (AEMNA ) التي مُنِح فيها منصب نائب الرئيس لبن نبي. فقد ألقى كلاهما محاضرات ناجحة جداًّ. وهما يمثلان تيار “الوحدة الإسلامية” داخل جمعية الطلبة الجزائريين. وفي هذا يقول بن نبي: “كنتُ إصلاحياًّ متحمِّسا، إلى درجة أنني تجرّأْتُ على اقتراح ابن باديس رئيساً شرفياًّ لجمعية الطلبة الجزائريين“. وبن نبي كان بالإضافة إلى هذا عضواً في “جمعية الوحدة العربية”، وهي منظمة غير شرعية أسسها جامعيون عرب، كما كان رئيسا لـ “الرابطة الفرنسية الشمال إفريقية” التي أنشأها رفقة أصدقاء من ( اتحاد الشُّبَّان المسيحيين). يقول بن نبي متحدثا عن فضائله وفضائل صديقه بن ساعي من الناحية الفكرية والأخلاقية: “كنتُ أرى في مجموع تلك الفضائل كُلاًّ قادراً على القيام بثورة روحية وفكرية وسياسية في الجزائر”.

وكانت زوجته الأولى  Pauletteقد اختارت اسم خديجة، وهي زوجة الرسول (ص) الأولى، وذلك بعد أنْ أسْلَمَتْ. أمَّا كتابه الأول “الظاهرة القرآنية” فجاء برهنةً على صدق النبوّة المحمدية وتفسيراً مُقْتَضَباً للقرآن. وعند حديثه عن “الهجرة” في مذكراته السرية كان يقصد خروجه من تبسة فاراًّ سنة 1952، إذْ قطع مسافة مائة كيلمتر كلها جبال ووهاد سيراً على قدميه مع رفيقه الطبَّاخ المسمّى “كالي الطيب”، وهو يُشَبِّهُ نفسَه بالرسول (ص) أكثر من مرّة في مذكراته.

والواقع أنّ حياته كانت نموذجاً لروح الواجب والانضباط الأخلاقي والاستقامة… كانت له عيوبه بالتأكيد، لكنها ليست عيوبا أخلاقية. بل يمكن القول إنّ الانضباط الأخلاقي قد تكون له انعكاسات سلبية على الصعيد الفكري، وهو روح النظام الذي لا يشكو من أي نقص ومن أي انحراف عند الآخرين. فالفضائل إذا كان فيها غلوٌّ في الصرامة يمكن أنْ تتحوّل إلى عيوبٍ عندما تُزْعِج ولا تقبل بأيِّ تأخير في الآجال.

ولم يكن ذلك الشاهد جاهلاً بعيوبه. كان يعرفها منذ سنين شبابه، وبقي يعترف بها إلى مرحلة متأخرة من عمره. فلمّا كان في المدرسة القرآنية، حيث بدأ ينظر إلى باطن نفسه لأول مرّة، خرج بتعريف مزدوج لنفسه بقوله أنه “محافظ من الناحية النفسية وثوريّ من الناحية السياسية“.وقد لاحظ قلّة مرونته في المناقشات الساخنة التي كانت تجري بين بَنِي جيله، وأنّ أسلوبه كان عنيفا، وفي هاتين الصفتين “تفسيرٌ لعدة أشياء في حياته“. وكان يعرف أن الأفكار المسبقة كثيرا ما تؤدي به إلى إصدار أحكام خاطئة، يقول: “إنّ أفكاري المسبقة قد تكون موروثة منذ طفولتي عن أسرة فقيرة في قسنطينة، وهي التي أدّتْ إلى خلق نوع من الغيرة والحسد بطريقة لاشعورية عندي إزاء العائلات الكبرى“.

ولمّا كان طالباً في باريس كان يشعر بأنه “مثال مُركَّب من التواضع الصادق والتعالي البريء“. ولمّا كبر صار يُحذِّر نفسه أحيانا من التمادي في الحيطة التي بدأتْ تستولي على شغافه. والشاهد على ذلك ما يقوله في هذه الملاحظة التي سجلها بتاريخ 27 أوت 1961: “يجب أخذ الحيطة إزاء الحالة النفسية التي تسيطر عليها الظنون”. إلاَّ أنّ مفكِّرنا لم ينتبه إلى أكبر عيب فيه إلاَّ وهو في الخامسة والستين من عمره، وهذا ما سجَّله في ملاحظة مؤرخة في 23 أوت 1969: “في هذه الصبيحة تبيّن لي، وأنا في مكتب البريد، تجعيدةٍ في مِزاجي… إنني كثير الاحتجاج. فأنا أغتنم كلَّ فرصة للاحتجاج وقد يكون ذلك من بقايا الفترة التي عاشها هذا البلد في جوِّ الاحتجاج ضدّ الوجود الاستعماريّ. فطيلة ثلاثين سنة كُنْتُ أحتجُّ على كل شيء وعلى لا شيء، وبقي شيء من ذلك في سلوكي”.

وإذا انتبه بن نبي إلى أنّ استنتاجاته كانت متسرّعة أو متناقضة ، فهو يحاول أن يبرر ذلك، كما في هذه الملاحظة المؤرَّخة في 06 فيفري 1970: “إنّها استنتاجات أملاها عليَّ ذلك النظام الشيطانيّ الذي يفرض عليَّ أنْ أقوم بتأويل كل ما يحيط بي“.

وبالنَّظر إلى ما سبق يمكن لنا أن نستنتج أننا أمام شاهد أتى ليُدْلِيَ بشهادته أمام محكمة التاريخ لكي يقول الحقيقة، وكُلَّ الحقيقة، وهو يعرف أن هذه الحقيقة لا يمكن أنْ تكون إلاَّ حقيقته هو، وهي كلمة رجل شريف لكنه ليس معصوما من الخطإ ككل الناس. لقد تحمَّل بن نبي وزر أفكاره إلى النهاية، لا بطريقة مَنْ يدَّعي الرُّؤْيا، بل بطريقة جاليليوس الذي بقي يتمتم بهذه الكلمات حتى بعد صدور الحكم بحبسه: “ومع ذلك فهي تدور”.

كان مهووساً بفكرة إيصال شهادته حول زمانه ، وتبليغ ثمرة بحوثه واكتشافاته لأجيال المستقبل. كان يريد أنْ يترك لهم شيئا أساسيا هو فكرُه. ذلك أنه عاش خائفاً على مستقبل العالم الإسلامي. وهذه ملاحظة كتبها في 22 ديسمبر 1958: “بدأتْ تتراءى لي تباشير عالم جديد وتاريخ إنسانيّ جديد وهما يُطِلاَّن من القرن العشرين. والمثقف المسلم مسؤول على إشراك الإنسان المسلم في تشييد هذا العالم الجديد، وعلى إدماجه إلى أبعد حدٍّ مع القوى الصانعة لتاريخه“. فهو على يقين من أن أفكاره تحتلّ مرتبة مرموقة، إذ يقول في ملاحظة مؤرخة في 14 ماي 1959: “أفكاري… أعتقد أنَّ العالم العربي والإسلامي كان في انتظارها”.


المراجع

1) عن جريدة La République Algérienne الصادرة بتاريخ 29 جوان 1951.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: