مالــك بن نبي (16) المــذكــرات

بقلم: نورالدين بوكروح - ترجمة عبدالحميد بن حسان -

إنَّ مذكِّرات مالك بن نبي تعكس سيرته، ولها تاريخها الخاص بها كذلك. ولا تتوفر لدينا معلومات دقيقة حول الظرف الذي بدأ فيه تحريرَها، لكن يبدو أنّه بدأ يُعِدُّ العُدَّةَ لذلك في وقت مبكِّرٍ جداّ بتسجيلِ بعض المُلاحظات فيما يشبه الدفتر الشخصي الذي سيكون مادّة لتلك المذكِّرات في الوقت المناسب. وبعض آثار هذا الدفتر الشخصي نجدها في أرشيفه، وهي عبارة عن وُريقات منفصلة مكتوبة بخطِّ اليد، ويعود تاريخها إلى سنة 1936. وهذا يدلُّ على أنه قد بدأ يُسجِّل أفكاراً وانطباعات مِنْ وحْيِ الأحداث والحياة عموماً، مع حرصه على تأْريخها.

مّا ما نعرفه مِن بن نبي مباشرة فهو أنه بدأ في تحرير الجزء الأول من مذكراته تحت عنوان (الطفل) بتاريخ 05 ماي 1965. ويُستفاد من دفاتره في هذا الشأن أنه وصل إلى الصفحة 49  يوم 19 ماي، وإلى الصفحة 103 في 05 جوان، وإلى الصفحة 148 في 18 جوان. وفي 27 جوان 1965 آن له أنْ يُعْلِن بارتياح: ” أنْهَيْتُ للتوّ الجزء الأول من مذكراتي التي أنوي نشرها في كتب منفصلة، وهي متسلسلة حسب المراحل الثلاثة لحياتي“. ويعني ذلك أنه استغرق أقلّ من شهر لكي يُوافينا بحكاية حياته بين 1905 و 1930، مُفصَّلةً ومُنمّقة بألوان التعبير التي تنبض بالحياة. لكنْ، هل كان ذلك ممكناً لولا توفُّر مسودَة أو بعض المعالم، خاصَّةً إذا نظرنا إلى ذلك الحجم الهائل من الأحداث والذكريات المثبتة في هذا الكتاب، ونحن نعرف أنه كان في الستِّين من عمره آنذاك ؟

ويُفيدُنا بن نبي في مخطوطة غير منشورة تحت عنوان ( العفنPourritures)-بأنّ السلطات الاستعمارية أيام اندلاع الحرب العالمية الثانية قد شدّدت الحراسة على الأوساط السياسية الجزائرية. ففي مدينة تبسة قامت الشرطة بتفتيش بعض البيوت . ويقول الكاتب في هذا الشأن: “كانت الشرطة قد بدأت حملات التفتيش لدى جميع الناس. ولهذا رُحْتُ اتَّخِذ احتياطاتي، فوضعْتُ وثائقي في حافظة وسلَّمتُها لـ خالدي الذي استودعها عند أمه الشُّجَاعَة“. ماذا عسى أنْ تكون تلك (الوثائق) سوى تقارير ملاحظاته ومسودات متنوعة؟ وهو يفيدنا كذلك بأنه طلب من أخته إحراق (دفاتر ملاحظات)، وقد أحْرَقَتْها فعلاً.

أمّا الجزء الثاني من مذكراته (الطَّالب) فهو يؤكِّد أنه شرع في تأليفه بتاريخ 21 فيفري 1966، وفَرِغَ من ذلك في 21 جويلية 1967. يعني ذلك أن هذا الجزء استغرق تأليفه أكثر من سنة ونصف من العمل. والواقع أنّ ابن نبي لم يصرف كل هذه المدة في تأليفه لأنني عرفتُ ـ ابتداءً من 1990 ـ عندما اطّلعْتُ لأوَّلِ مرَّة على مخطوطة كتاب (العفن )، أنَّ (الطالب) لم يكن إلاَّ فصلاً من الفصول الأربعة التي تتكون منها تلك المخطوطة ذات الـ 373 صفحة حُرِّرَتْ بين 01 مارس 1951 و 20 جوان 1954. ولا شيء يُثْبِتُ أنَّ تاريخ 20 جوان 1954 والصفحة 373 يُعْلِنان عن النهاية الفعلية لهذا المخطوط. بل على عكس ذلك، فكلّ شيء يدُلُّ على أنَّ تلك النهاية ليست طبيعية لأنّ الحكاية توقفت فجأةً، وهذا ليس من نهج بن نبي الذي دَأَبَ في مؤلفاته على الإشعار ببداية الكتاب وبنهايته(1).

وينبغي أنْ نعرف أنّ الفصلين الأوّلين من كتاب (العفن) لم يَسْلًمَا من الحرق مثلما حدث للدفاتر، التي أُحْرِقَتْ سنة 1951، إلاَّ بأعجوبة. والفضل في هذا يعود إلى عضويْن من جمعية العلماء، هما عبد الرحمن شيبان وإبراهيم مزهودي، وهما من أصدقاء بن نبي. فقد سمِعاهُ يقول إنه ينوي حرق هذين الفصلين خوفاً مِنْ أنْ تطّلع عليهما شرطة الاستعمار التي كانت تتابعه عن كثب، وهُنا تدخّل مزهودي وأخذ الفصلين من الكاتب عُنْوةً وهو يقول: ” يجب أنْ يبْقَيَا للتَّاريخ !”.

وهناك ميزة أخرى في مخطوطة كتاب (العفن): فابتداءً من الصفحة 338، أي من تاريخ 06 أكتوبر 1953، نلاحظ أنّ بن نبي انتقل من الأسلوب الأدبي إلى رؤوس أقلام في درجة عالية من الإيجاز، وهي مؤرّخة. وهذا الأسلوب سيستمرّ عليه الكاتب في دفاتره بعد ذلك إلى وفاته، فًلمْ يَعُدِ الكاتب يهتمّ بتنقيح الأسلوب فيما تبقَّى من مذكراته. وقد يعود السبب إلى كونه لا يرغب في ذلك أصْلاً، أو إلى أنه كان يرى أنَّ نشرها أمْرٌ غيرُ واردٍ إطْلاقاً. ومع ذلك فقد كان منشغلاً بهذا الجانب، إذ نقرأ له ملاحظة سجَّلها بتاريخ 31 مارس 1970، يقول فيها: “إنني أفكّر في (مذكرات شاهد على القرن) التي أتمنّى بشدّةٍ أنْ أَفْرغ من كتابتها رغم خيانة القابلية للاستعمار وماكيافيلية الاستعمار“.

وقد نشرتُ سنة 2007 السيرة الكاملة لمالك بن نبي في كتاب يتكون من 550 صفحة  في دار النشر (سمر Samar) تحت عنوان: ( مذكرات شاهد على القرن: الطفل، الطّالب، الكاتب، والدفاتر). إنّ هذه السيرة الذاتية المُفْتَتَحة بمقدِّمة مُطوّلة مِنْ تحريري قدْ عُرِضَتْ على عائلة بن نبي قبل نشرها من أجل الحصول على موافقتها. والكتاب يتكوّن من جزأين معروفين، وهما: (الطفل) الذي نشِر باللغة الفرنسية سنة 1965 في الجزائر، ونشِر باللغة العربية سنة 1969 في دمشق، و (الطَّالب) الذي نشِر باللغة العربية سنة 1970 في دمشق. هذا بالإضافة إلى جزأين لم يسبق نشرُهما، وهُما: ( الكاتب ) و( الدّفاتر). فَبَيْنَ يَدَيِ القارىء بالفرنسية ثلاثة أجزاء غير منشورة مِنْ أصل أربعة في هذا الكتاب، زِيادة على أنَّ الجزء الأول (الطفل) الذي ظهر منذ أربعين سنة لم يُعَدْ نشره بعد ذلك، وهو مفقود في المكتبات. ولا ينقص هذه السيرة الذاتية إلاَّ الفترة الممتدّة من جوان 1954 إلى جانفي 1958، والفترة الممتدة من جانفي إلى جوان 1963، والفترة من فيفري 1964 إلى ماي 1965. ونحن نعتقد أن هذه الفترات مفقودة بشكل نهائي من سيرة بن نبي.

إنّ هذين الأثَرَيْن: (العفن) و (الدفاتر) يدلاّن على أنَّ التعرّف على بن نبي ذو درجة من الأهمية لا تقلُّ على التعرّف على أعماله. فَهُمَاأَثَرَانِ يتضمَّنان أفكاره وحالاته النفسية وتعاليقه وحالات غضبه جرَّاء بعض الأحداث السياسية والثقافية أو العلمية. إنهما الأثران اللَّذان سجّل فيهما كلَّ ما خطر على باله، بما في ذلك أحلامه التي عَمَد إلى تحليلها على طريقة يونغ، وتقارير حول الكتب التي قرأها أو الأفلام السينمائية التي شاهدها، فقد كان يهوى السينما. إنَّ بن نبي في هذين الأثريْن يختلف عن ذلك الذي نعرفه، فهو هنا يبدو أكثرَ سلاطةً بلسانه، وأكثر حُرِّيةً، وأكثر صدْقاً… فالفكرة المُبَطَّنَة تُغطِّي الفكر الظاهر مثل الظِّلِّ العملاق، وتُعْطيه بُعْداً غير متوقع إطلاقاً، وخاصة على مستوى المذهب الفكري الذي يكشف لنا عن الوجه الخفيِّ من فكر مالك بن نبي.

لماذا كتب بن نبي تلك الدفاتر؟ لقد كتبها لنفسه أوَّلاً لإرضاء حاجته إلى الكتابة والملاحظة، وكتبها لأجيال المستقبل التي يعقد عليها أمله في تبليغ رسالته حتى ولو كان هو في عداد الأموات. الدفاتر تحتوي على رُكامٍ من الأفكار التي خطرتْ على باله خلال حياته كلها. إنها يوميات حياته السائرة إلى مصيرها، وهي يوميات تاريخ الجزائر وأحداث العالم… وكلّ الملاحظات جاءت مُعَنْوَنَة، وهي تشبه أعمدة الصحافة. والغالب على أسلوبها هو ما يسميه نيتشه بـ ( الاعتبارات غير الملائمة considérations intempestives)، أي أنها موجزة لكنها شديدة التأثير. وتُعدُّ الملاحظات المسجلة في آخر مرحلة من حياته في القاهرة بين سبتمبر 1960 وجانفي 1963 هي أصعب جزء للقراءة لأنها تعكس حالة بن نبي النفسية الموشكة على الانهيار.

وقد وَصَفَتْ السيدة رحمة بن نبي في تمهيدها للكتاب الذي ألَّفْتُهُ(2) ما عانته العائلة جرَّاء تشبث مالك بن نبي بمسؤولياته الأخلاقية التي تطوّرَتْ مع الزمن لتصير نوعا من الإحساس الدائم بالذَّنب، وذلك طيلة المُدَّة التي كان الجزء غير المنشور من أعماله (المخطوطات والدفاتر) بين يديها وتحت مسؤوليتها، ذلك أنها لم تكنْ تدري ما تفعل بتلك الآثار لأنها أولا تعالج مسائل حسَّاسة، وثانيا لأنها تتعلق بالشؤون الشخصية. وبالفعل، فهل من سبيل لإطْلاعِ الجمهور عليها مع المحافظة على الطابع الشخصي لحياة هذا الرجل ؟

وكيف يمكن الفصل بين مظاهر الحياة الشخصية والعائلية من جهة، وبين الفكر الخالص من جهة أخرى؟ ولم تجد العائلة في محيطها مَنْ يستطيع أنْ يتحمل هذه المسؤولية الصعبة، كما كانت تخشى أنْ تُسْتَعْمَلَ تلك الآثار في غير ما ترجوه. مِنْ جهتي، لم أكنْ أبحث عن أيِّ شيء. لقد بلغني كما بلغ كثيرين أنَّ بن نبي ترك مخطوطات ، لكن لا أحَدَ كان يستطيع تأكيد ذلك أو إنكاره. بل إنّ البعض قال إن تلك الآثار ضاعتْ في حياة كاتبها. وبناءً على هذا فلم يكن بإمكاني أنْ أصبو إلى الحصول عليها أو أن أطلب الاطِّلاع عليها.

ومع ذلك فقد قُدِّر لي غيرُ ذلك. وكانت البداية سنة 1990 عندما وضع السيد حبيب مقداد بين يديّ مخطوطة (العفن) وأوكَل إليّ أمر التصرّف فيها. عندما قرأتُ المخطوطة انتابتني هزّة عنيفة وأجبْتُ بأنه لا يُنْصَحُ نشرُها كما هي. وهكذا مرّتْ ثلاث عشرة سنة وأنا أفكر في أمْرِ هذا العمل الموضوع في دهاليز الإهمال. وكنتُ أتابع كلَّ ما يُكْتَبُ عن بن نبي في الجزائر وفي الخارج، لكنني خرجْتُ بخلاصةٍ وهي أن ما كُتِب لا يمسّ الأشياء الأساسية بخصوص هذا المفكِّر. لكن و في سنة 2003، وهي السنة التي اتصل فيها بي السيد الوزير مصطفى شريف وحدَّثني عن النشاط الذي كلّفه به منظمو (سنة الجزائر بفرنسا)، وهو النشاط الذي كان يُحضرعلى قدم وساق في فرنسا، ويتمثل في: تكريم مجموعة من أعلام الحياة الثقافية التي لعبت دوراً في الحفاظ على حظوظ الحوار البنّاء بين الشعبين الجزائري والفرنسي في منأى عن الصراعات والأحقاد، وذلك في مقر معهد العالم العربي بباريس. وكان بن نبي في قائمة تلك الشخصيات. كان مصطفى شريف يرجو أنْ أحضر إلى الملتقى لكي أقدِّم بن نبي، وأن أعمل في انتظار ذلك على جمع ما أمكن من كتب المفكر لاستعمالها في المعرض.

وكانت هذه المناسبة سببا دفعني إلى التفكير في توجيه دعوة إلى الوزير اللّبناني الأسبق عمر كمال مسقاوي كي يحضر إلى باريس ويلقي كلمة حول بن نبي الذي تربطه به علاقة منذ 1956. لكنني شعرْتُ بالامتعاض عندما عاينْتُ النقص الفادح فيما كُتِب عن مفكرنا باللغة الفرنسية، اللغة التي كان يكتب بها، إذ أنني لم أجد ما يستحق تقديمه للمعرض باستثناء كتبه هو. وهذا هو السبب الذي دفعني إلى تأليف كتابٍ أكمل به ذلك النقص. وعندما أنهيْتُ تحريره دعاني الواجب الأخلاقي إلى إطْلاع السيد حبيب مقداد عليه لأمنحه فرصة التعبير عن رأيه فيما يخص طريقة استعمالي للمعلومات التي أخذتُها من سيرة بن نبي الذاتية التي عنوانها (العفن). ولمّا مَنَحَنِي موافقته تشجَّعْتُ وتجرَّأْتُ للإشارة إلى انعدام الدِّقَّة فيما يخصُّ الفترة الممتدَّة من 1954 إلى 1963 بسبب غياب معطيات موثوق بها. وشرحْتُ له أن الفرصة سانحة لاقتراح سيرة كاملة وذات مصداقية حول بن نبي، وهو العمل الذي يستعصي القيام به في غياب الوثائق التي تركها المرحوم إذا ثبت أنه تركها فعلاً.

ولمّا اقتنع السيد مقداد بِحُجَجِي شرع في ترتيب لقاءات مع والدته ( أرملة مالك بن نبي) التي كنتُ أعرفها جيِّداً، ومع أخته، السيدة رحمة، التي لم يُتَحْ لي لقاؤها إلاَّ مرتين أو ثلاثاً. وقد أَخَذَتْ مني هذه الأخيرة نسخة من المسودة التي كُنْتُ أنْهيتُ تحرير الجزء الثاني منها تحت عنوان (الفكر)، لأنه جزء مستقل عن سيرة بن نبي، واطّلَعَتْ عليها بتأنٍّ، كما أطْلَعتْ عليها أختُها إيمان. وبعد ذلك جرتْ نقاشات عديدة  بيننا في الجزائر وفي الولايات المتَّحدة، وإثْر ذلك اتَّخذت العائلة قراراً بوضع الآثار التي خلّفها بن نبي تحت تصرُّفي. فكان هذا المجلس العائلي هو الذي منحني ثقته، كما كان نشرُ كتابي حول بن نبي وكذا (المذكرات) تحت رعايته ومراقبته.

وفور اطِّلاعي على الوثائق انتابتني تخوُّفات كثيرة. فقد لاحظْتُ من جهة أنَّ بن نبي يُعبِّر بوضوح عن رغبته في أنْ تطَّلع الأجيال اللاحقة على سيرته وفكره معاً باعتبارهما متكاملين. ولو أنه لم يكن يرغب في ذلك لما نشر الجزأين الأول والثاني من (مذكرات شاهد على القرن)، ولَمَا حافظ على مخطوطتَيْ (العفن) و (الدفاتر) طيلة أكثر من عشرين سنة. كان يرى أنَّ مذكراته وعاءٌ صُبَّتْ فيه أهمّ أفكاره، وهي تلك التي لم يتمكّن من صياغتها في العلن والتي كان يخشى عليها الضياع. ويبدو ذلك جلياًّ في هذه الملاحظة التي سجّلها بتاريخ 09 ماي 1969، حيث يقول: ” أنا متأكِّد من أنَّ الحقد الحيواني المحيط بي لن يخبو حتى بعد موتي. إنني أحسّ أن السيد (س) سيبحث بعد موتي عن أبسط آثار كتاباتي (خاصة الدفاتر التي يعرف أنها موجودة)، سيبحث عنها حتى في أحشاء أولادي لكي يمحو كل أثر لفكري“. وقبل وفاته بثمانية أشهر كشف عن أمله في أن يبقى فكره وتبقى أعماله بعد موته، وذلك في تمهيده لنص غير منشور(3)، يقول: ” إنّ عملي يمكنأن يتوقف عند حدود هذا التمهيد البسيط لأنني أعمل في ظروف جدّ قاسية. وإذا وقع ذلك فقد يأتي بعدي مَنْ يتمِّمه مستعيناً بدفاتري ومخطوطاتي“.

ممَّا سبق يتضح أنَّ بن نبي لم يكن يرغب في وصول دفاتره ومخطوطاته إلى علم الجميع فحسب، بل كان يتمنى أن يُسْتَفاد منها لاستكمال فكره. وبما أنه لم يجد من يتوسّم فيه القدرة على أداء هذه الخدمة، فبنتاه كانتا صغيرتين، فقد أسْلم أمره للقدر. ولو بقي أدنى شك حول نواياه، فإنه سيزول عند قراءة ما سجله في 06 فيفري 1970 حول ردود الفعل المحتملة لدى القارىء الذي يطّلع على دفاتره: “القارىء الذي سيقرأ الملاحظات التي سجلتها في دفاتري“، كما يقول في ملاحظة سجلها في 18 أوت 1970: “لا حيلة لي إذا ما وجد قارىء هذه الدفاتر بعض التناقضات…” وفي 13 جانفي 1972: “أولئك الذين سيقرؤون هذه الملاحظات بعد هذا…”.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لاحظْتُ، عند مقارنة الجزء المقتبس من (العفن) تحت عنوان (الطالب) وبين مخطوطة بن نبي، أنَّ هذا الأخير قام بتكييف هذا الجزءِ مع (مقتضيات) الطباعة والنشر. وبالفعل فقد قام بحذف بعض الفقرات والتخفيف من حدّة بعض الأحكام حول الأشخاص الذين وردتْ أسماؤهم في النص. والمؤكد أنه لم يفعل ذلك إلاَّ تحت وطأة (الواقعية). ذلك هو الوجه الذي قُدِّم عن سيرة بن نبي في هذا الكتاب، وهو يختلف عمَّا ورد في الكتاب الذي ألَّفْتُهُ والذي استقيتُ في ديباجته الافتتاحية تلك العناصر التي ارتأيت أنها كفيلة بإثْراء النص.

لكن، ما العمل فيما يخصَّ الأجزاء المتبقية غير المنشورة، أي: (الدفاتر) بشكل خاص، و(الكاتب) ؟ وكانت التساؤلات التي تطرحها عائلة بن نبي تجد صداها عندي. فما هي المقاييس والحدود التي أختارها؟  ما هي القواعد التي يحسُن الاعتماد عليها في التمييز بين ما هو قابل للنشر وما هو غير قابل ؟ ألَنْ أتعرَّض للنقد من طرف الأشخاص الواردة أسماؤهمفي النص لأنني كنت انتقائيا ألنْ تُوجَّه لي تهمة الاحتكار المشبوه من طرف أولئك الذين حاولوا أنْ يحصلوا على هذا الإرث الفكري خلال العشريات الأخيرة، ألن أُتَّهمَ بالتلاعب من طرف بعض مرضى النفوس؟ ومهما يكن من أمر، فقد كان عليَّ أنْ أتحمَّلَ مسؤولياتي.

وتحمّلْتُها واضعاً في الحساب أمراً بديهيا يتمثل في أنّ بن نبي عاش وكتب في زمن وفي بلد كانت فيهما حرية التعبير والنشر محدودة جداًّ. ففي العهد الاستعماريّ خُنِقت تلك الحرية على يد الإدارة الفرنسية، وفي القاهرة على يد رقابة الدولة الرسمية التي لم يكن فيها بن نبي يتمتع حتى بصفة الرعية. أمَّا بعد الاستقلال فكان نظام الحزب الواحد متبنيا قانون احتكار الدولة للطباعة والنشر، مما حرم بن نبي من نشر مؤلفاته منذ عودته إلى الجزائر سنة 1963 إلى وفاته سنة 1973 باستثناء الجزء الأقل إشكالية من مذكراته (الطفل) وثلاث إضبارات(4). ولم يُعَدْ نشْر أيٍّ من كتبه التي نشرها في العهد الاستعماريّ ولا في الفترة التي قضاها في مصر بين 1956 و 1963 (6). وكانت الجزائر تستورد كتباً من الخارج بالتأكيد، لكن ليست تلك الكتب الموقَّعة بيد بن نبي.

ولأسباب يسهل على الجميع فهمُها، كان عليّ أن أعتمد على نفسي في إعادة كتابة المخطوطات و( الدفاتر) بالرَّقن، إضافة إلى المجلد الذي ظهر سنة 1965 باللغة الفرنسية . وقد اتَّفقتُ مع عائلة بن نبي على أن أنهج المنهج الذي اتَّبعه بن نبي نفسه، وهو أنْ أكتفي فيما أقتبسه من (العفن) و (الدفاتر) بما له علاقة بفكره وبالظروف المحيطة به وهو ينجز أعماله، وأنْ أتخلَّى عمَّا لا فائدة من الاطِّلاع عليه. فكلّ الملاحظات التي لم ترتبط بفكرةٍ أو بفكرٍ أو بوضعيةٍ، أو بمساره الثقافي والمهني، وُضِعَتْ جانباً باعتبارها “خارجة عن الموضوع”.

وبالمقابل لمْ يُحْذَفْ أي نص له أهميته في التعرّف على حياة بن نبي وفكره، بما في ذلك بعض النصوص التي يمكن أنْ تسيء إليه. ولم يحدث لي في هذا العمل أبداً أنْ قُمْتُ بتعديل أية صياغة، أو بتغيير معنى، أو قَصَدْتُ المساس بشرف او ذكرى أي شخص. بل على عكس ذلك تماماً. فالأشخاص المذكورون هم شخصيات عامّة، أو أطراف في الصراعات، أو معالم  في تاريخ العالم العربي في العصر الحديث أو في تاريخ الجزائر أو سيرة بن نبي نفسه. فلم يُذْكرْ من الشخصيات إلاّ تلك التي كانت له بها علاقة.

كان في تقديري أنَّ أفكار بن نبي أهمّ من آرائه حول الأشخاص الذين التقى بهم وكانوا من الوجوه الفاعلة في الأحداث، سواء أكانت تلك الآراء مؤسسة أم غير مؤسسة. ولم يكن يهمّني أنْ يكون تقييمه للأشخاص أو تأويله للأحداث ممَّا يعكس الحقيقة التاريخية والأخلاقية، أمْ أنَّها مجرّد وجهات نظر ذاتية. ومهما كان من أمرٍ فقد بذلْتُ ما بوسعي لتحكيم ضميري في كل ما يتعلّق بهذا العمل، معتمداً في ذلك على أكبر قدر من الصرامة والموضوعية، دون أنْ أمسَّ بالناحية الشخصية لبن نبي نزولاً عند رغبة عائلته.

وما ينبغي أنْ يعرفه القارىء هو أنَّ كتابي يتضمّن من المعلومات حول حياة بن نبي أكثر ممّا تتضمنه (المذكرات)، لأنَّني بالإضافة إلى ما استقيته من سيرته الذاتية أو غيرها من الوثائق التي يتحدّث فيها عن نفسه، فقد استقيْتُ معطيات أخرى من مصادر أجنبية عن مصادره هو، مما أدلى به أصدقاؤه من شهادات وما كان بينه وبينهم من مراسلات. ومِنْ بين مراحل حياته كلِّها بقيتْ مرحلة واحدة تطرح إشكالاً، وهي تلك التي تمتدّ من جويلية 1954 إلى جانفي 1958.

وقد أعْلَمَنَا بن نبي نفسه عن مصير دفاتره المرتبطة بهذه المرحلة. فنظراً إلى الظروف الاستعجالية التي أحاطت بمغادرته القاهرة سنة 1963 ارتأى أن يستودعها عند عمر كمال مسقاوي. ولمّا أرجعها له هذا الأخير في جويلية 1969 انتبهَ إلى أنَّ بعض أجزائها ليست موجودة، وسجّل ذلك في ملاحظة مؤرخة في 23 جوان 1963، يقول فيها: “ أعاد لي عمر مسقاوي بواسطة المهندس نذير النَّجَّار تلك الوثائقالتي استودعتُها عنده سنة 1962 أو 19633 في القاهرة في وقْتٍ كُنْتُ أحِسُّ بأني مُطاردٌ من كلِّ الجهات. فقد كنتُ أرغب في إنقاذ وثائقي الشخصية على الأقل، وهي الدفاتر والمخطوطات“.

وبعد ذلك بيوم واحد يعود بن نبي ليعطي إضاءات أخرى بقوله: “ تَرَكَ لي النذير رزمة الأوراق التي أرسلها لي عمر مسقاوي وفوقها كلمة كتبها هذا الأخير، وكُنْتُ آنذاك في باتنة. وبطبيعة الحال لم يفكر مسقاوي في تقييد قائمة الوثائق المرسلة لي في الورقة التي كتب عليها كلمته. والحال أنني لا حظْتُ غياب 3 أو 4 دفاتر ملاحظات. فالدفاتر التي بلغتْني كان عددها 33 من أصل ستة أو سبعة دفاتر استودعْتُها عنده. فمذكراتي أصبحت منقوصة من جزء منها. ويبدو لي أن اليد التي امتدّت إليها كان اختيارها مدروساً. ومع ذلك فأنا متأكِّد من أنَّ هذا القَصْمَ لم يحدث عند مسقاوي، بل أثناء سفر نذير النَّجَّار، والغالب أنّه حدث في الجزائر لأنني لم أطلب منه أنْ يأتي بالوثائق إلى منزلي مباشرة عند وصوله. فلا شكَّ أنه وضعها في بيته الذي لم يكن فيه أحد، قبل أن يُوافيني بها. والبقية جرتْ بسهولة، فأنا أتصوّرها بوضوح لأنَّ السيد (س) قد دسّ الجزء 4 من (العفن) في الرزمة، وهو الجزء الذي اختفى مِنْ منزلي، هنا، منذ أزْيَد من عامين“.

اجتهدْتُ قدر طاقتي في رأب هذا الصَّدع مستعينا بالأرشيف و بومضات الإرتجاع (flash back)التي تخلَّلَتْ كتابات بن نبي. ومثال ذلك أننا نجده عائداً إلى دفتر مؤرخ في سبتمبر 19544، والذي سجَّل فيه شيئا حول (تفاحة نيوتن)، وكذلك الملاحظة التي سجّلها في 31 مارس 1970 حيث يقول: ” عادت إلى ذهني فكرةٌ كُنْتُ سجَّلْتُها في دفتري المؤرخ في 22 جوان 1956، وهي تترجم شعوري في بداية عهدي بالقاهرة، وهي: أنا ذرّة سابحة في عرض بحر من القوى الهائلة، لكنها ذرّة ضرورية لحركة عجلة التاريخ… وستكون الأعجوبة لو أنّ تلك الذَّرَّة لم تَتَفَتَّتْ ولم تتحول إلى غُبارٍ للغُبار. لقد كُتِبَتْ لي السلامة والنجاة في القاهرة. فهل سأنجو هذه المرَّة كذلك من القوى الجبارة التي تسحقني الآن؟ ذلك هو موضوع حواري مع السماء في الآونة الرَّاهنة “.

وقد عَمَدْتُ إلى تقديم (الدفاتر) في شكلٍ مستقلّ لأنها في مادَّتها لا تُشكّل جزءاً من (العفن). فالدفاتر ينبغي أنْ يُنْظَر إليها على أنها تكملة منطقية للجزء الثاني من المذكرات، أي (الطالب). وكان بن نبي يريد أنْ تُنْشر مذكراته في ثلاثة أجزاء على النحو الذي سطَّره في مارس 1951، وهو: (الطالب) من 1931 إلى 1936، (المنبوذ) من 1936 إلى 1945، و (الكاتب) من 1945 (إلى أيامنا هذه). ذلك أنه لمّا وضع هذا التقسيم لم يكنْ يفكر في كتابة الجزء الخاص بطفولته (الطفل)، ولم يكن الجزء الخاص بـ (الدفاتر) وارداً على الإطلاق. فعدد تلك الدفاتر تسعة عشر (19)، أبعادها هي 11 سم x 16 سم، أحجامها مختلفة إذ تتراوح بين 74 و 360 صفحة، وهي تُغطِّي المرحلة الممتدة من فيفري 1958 إلى جويلية 1973، ومجموع عدد الملاحظات المسجلة فيها هو 2211 ملاحظة، والملاحظات تتراوح بين سطر واحد وعدّة صفحات. ومن كلّ هذا لم آخذ إلاّ قدراً لا يصل إلى نصف تلك الدفاتر.

يتجلَّى من كلّ ما سبق أن بن نبي لم تُتِحْ له الظروف التي عاش فيها نشر كل أعماله. وحتى في تلك الأعمال التي نشرها لم يعبّر عن فكره إلاَّ في الحدود التي كان يسمح بها نظام الحزب الواحد والصراع الفكري. ولمْ يُنْشر من سيرته الذاتية إلاّ الجزآن الأول والثاني اللذان يغطِّيان الفترة الممتدة من 1905 إلى 1939، إذْ نُشِر الأول بالفرنسية سنة 1965 وبالعربية سنة 1970، ونُشِر الثاني بالعربية وحدها سنة 1970 رغم وجود النسخة بالفرنسية. أمّا ما يتعلق بسيرته الذاتية غير المنشورة فهي تتكوّن من (العفن)، وهو الأثر الذي يغطِّي الفترة الممتدة من 1939 إلى جوان 1954، بالإضافة إلى الدفاتر التسعة عشر، وهي مرقمة ومؤرخة وريقة بوريقة، ومكتوبة على الوجهين. وفي الدفاتر نكتشف الرجل في صراع مع أحداث الساعة مُسجّلاً ردود فعله في حينها، ويجد القارىء الذي يطلع عليها بعد أربعين سنة أنها كانت بحقٍّ تحاليل طريفة وانتقادات لاذعة وتحذيرات تَحَقَّقَ معظمها.

وبتقدُّمِنا في قراءة (الدفاتر) يتّضح لنا أنها كانت بمثابة المنجم الذي استقى منه بن نبي المواد الأولية المكوِّنة لبعض كتبه أو مقالاته الصحفية، وأنها كانت بمثابة الورشة التي كُدِّستْ فيها المادّة الخام قبل معالجتها، وبمثابة الحقل الذي بُذِرتْ فيه البذور التي أينعتْ وأنتجتْ ذلك التصوُّرَ المتناسق الذي نخرج به من قراءة أعمال بن نبي. وحتما فإننا نصادف في هذه الدفاتر كل أنواع ردود الفعل الإنسانية: فمن الفرح إلى الغضب، ومن الخيبة والسوداوية إلى الانشراح. عبّر الكاتب عن كل ذلك بصدق وبدون أي تنميق لأن الدفاتر هي الموضع الذي كان يستودع فيه كؤوسه الطافحة بالمشاعر، ويُفْرِغُ فيه ما زاد عن طاقة تحمّله، ويطلق العنان لجموحه، في تلك الدفاتر كان يرمي بِزَبَدِ الزمان ويصفّي حساباته في تيار وجدانيّ مُطهِّر ومستمر.

تلك الدفاتر هي بمثابة (كتاب الأيام)، أُعِدَّ في تسلسلٍ، بحيث لا يمكن تصحيح أية ملاحظة بعد تسجيلها، ولا التراجع عنها. إنها مسودة تحوّلت إلى طبعة نهائية. وقد نجد في اليوم الواحد عدّة ملاحظات حُرِّرَتْ حول مواضيع مختلفة مُقيَّدة تقييدا محكما بالتاريخ، بل بالدقيقة، والقارىء لا يجد مناصاً من التهامها بشهية. إنها تسبيحة عجيبة نصوصُها موجزة، مواضيعها كأنها مُحدَّدة بيد طبيب جراَّح، وعناوينها مختارة اختيارا عبقرياًّ. ومن تلك النصوص ما يشبه حبات اللوز في مرارتها، غضبها يشبه غضب العاصفة الهوجاء، وقد تصل أحيانا إلى حدود الجنون. ومع كل ذلك جاءت تلك النصوص مشحونة بالمعاني، ومعانيها تُفْحِم الخصم بقوة الحجَّة، كما جاءت في صورة شُهُبٍ تضيء الآفاق. إنها كواليس فكر مالك بن نبي.


المراجع :

1) بالفعل، فإننا نجد في الصفحة التي قُيِّدَ فيها العنوان (العفن) ما يأتي: ” بُدِىءَ في لُوَا Luat بتاريخ 01 مارس 1951 في الساعة 11 صباحاً”. وفي أعلى الصفحة التي كُتِبَتْ فيها التوطئة يمكن أنْ نقرأ: (( 01/03/51 الساعة 5))، وفي أسفل الصفحة: (( 01/03/51 الساعة 5 و 55 د)). وفي آخر هذه التوطئة نجد: (( لُوَا Luat ، 01/03/51 الساعة 5 مساءً)). وقد بُدِىءَ في تحرير الفصل الأول (الطالب) في 02/03/51 في الساعة 11.30، وفُرِغ منه في 19/04/1951 في الساعة 15.00. أما الفصل الثاني (المنبوذ) فقد شُرِع في تأليفه يوم 19 في الساعة 15.45 وفُرِغ منه في 13/05/51 الساعة 15.45. هذان هما الفصلان اللّذان يُغطِّيان الفترة الممتدة من سبتمبر 1930 إلى سبتمبر 1939، و يُشكّلان الكتاب الثاني الصادر بالعربية. أما الفصل الثالث (الكاتب) فقد شُرِع فيه بتاريخ 02/02/1952 الساعة 12.25 في لُوَا كليري درو (Luat-Clairet Dreux)، وفُرِغ منه بتاريخ 24/02/52. والفصل الرابع والأخير (المهاجر) بُدِىءَ فيه بتاريخ 22/09/1953 دون تحديد التوقيت. وهذا هو الفصل الذي ينتهي فجأة بتاريخ 20 جوان 1954. وقد تمّ إدماج (المنبوذ) في (الطالب)، وإدماج (المهاجر) في (الكاتب) بمناسبة نشرنا لكتاب: ( مذكرات شاهد على القرن: الطفل، الطالب، الكاتب، والدفاتر)) سنة 2007.

2) عن:”الاسلام بدون اسلاموية: حياة و فكر مالك بن نبي””L’Islam sans l’islamisme : vie et pensée de Malek Bennabi“، منشورات Samar, Alger 2006..

3) أنبوب بترول الخيانة ، أو رضَّاعة الخَوَنَة ، فيفري 1973

4) (آفاق جزائرية Perspectives algériennes)و (الإسلام والديمقراطية Islam et démocratie). و ( إنتاج المستشرقين L’œuvredes orientalistes).

5) (النزعة الأفروآسيوية  L’Afro-Asiatisme) ، (مشكلة الثقافة  Le problème de la culture) ، (فكرة كومنويلث إسلاميّ Idée d’un Commonwealth islamique) ، ( الصراع الفكري في البلدان المستعمرة  La lutte idéologique en pays colonisés) ، (ميلاد مجتمع  Naissance d’une société).

6) (مشكلة الأفكار  Le problème des idées) ، ( المسلم في عالم الاقتصاد  Le musulman dans le monde de l’économie).

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: