مالك بن نبي (15) وفـاتــــــه

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة عبد الحميد بن حسان -

اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية مجدّداً يوم 06 أكتوبر 1973. وقد حققت القوات المصرية خلال الأيام الأولى من الحرب انتصارات باهرة، وذلك بتمكّنها من اجتياز قناة السويس وتحطيم “خط بارليف” الذي كان يُعْتقَدُ أنه خط دفاعي في غاية المناعة. وفي الأيام الموالية قدّمتْ الولايات المتّحدة يد العون لإسرائيل، وذلك بتزويدها بالصور الفضائية والأسلحة بدون انقطاع. وكردّ فعل عن ذلك، تضامنتِ الدول العربية مع مصر وسوريا بإعلانها عن “حرب البترول”. ونتج عن ذلك ارتفاع أسعار هذه المادة التي كانت أقل من دولار واحد إلى أربعة أضعاف. ساد الهلع في البلدان الغربية وبدأت التهديدات تنهال على الدول العربية المنتجة للبترول، وبلغ الأمرُ حدّ التهديد باستعمال السلاح النووي.

أمّا مالك بن نبي فكان في مستشفى بباريس منذ شهر سبتمبر، وكان في حالة غيبوبة في أغلب الأوقات. لقد كشف الفحص الطّبيّ عن معاناته من انبثاث البروستاتا(prostate métastasée). ولم يُسْمَحْ له بالخروج من الجزائر إلاَّ بصعوبة رغم أنّ ذويه عبّروا عن رغبتهم في نقله إلى فرنسا منذ شهر جويلية. ولمّا يئس الأطباء من إمكانية تحسّن حالته الصحّيّة نصحوا عائلته بإعادته إلى وطنه. وقد توفِّي في منزله بتاريخ 31 أكتوبر 1973، ونُقِل جثمانه إلى مسجد جامعة الجزائر في اليوم الموالي، حيث صُليت عليه صلاة الجنازة التي حضرها كاتب هذه السطور. وبعد ذلك شُيّعت جنازته في موكب ضخم باتجاه مقبرة سيدي محمد ببلكور، حيث دُفِن بجوار علي الحمَّامي والدكتور خالدي. وليس بعيدا من قبره يوجد قبر الشيخ البشير الإبراهيمي المتوفَّى في ماي 1965. وغداة وفاته لم تَرِدْ في الصحافة الوطنية الرسمية حول هذا الحدث إلاّ فقرة قصيرة  من بضعة أسطر في أسفل الصفحة.

ونظراً إلى أن بن نبي أيقن في وقت مبكِّر أن حياته ستكون صعبة، وأن وزرها سيكون عليه ثقيلاً، فقد اهتمَّ بالموت منذ فجر حياته: تمنّاه وهو يغادر الجزائر سنة 1934 بعد وفاة أمه، وذلك عندما داهمت العاصفة البحرية تلك السفينة التي كان على ظهرها. كما تمنّى أن يخرج القطار عن سكته وهو على متنه عائداً من إيطاليا سنة 1936. وقد دعا الله أن يموت برصاصة طائشة أو بقذيفة أثناء قصف ألمانيا سنة 1943، عندما كان عاملا في أحد المصانع. والمعلومات تدلّ على أنه تحصّل على سلاح ناري سنة 1947، ولا ندري ما كانت الغاية من ذلك. كما أنه كان بحوزته مخزون من الأدوية بِنِيَّةِ تسميم نفسه. أما في سنة 1951  فقد نصب مشنقة لينتحر بها. ورغم كل هذا، لم يتمكّن أبداً من خرق القاعدة الدينية التي تُحَرِّمُ الانتحار، ولا استجابت السماء لدعائه على نفسه بالموت. وفي آخر المطاف مات موتا بطيئاً، فقد أودت “القابلية للاستعمار” والصراع الفكري و”البوليتيك” والمرض، بحياته بعد معاناة شديدة وطويلة.

كان بن نبي الضحية التي دفعت ثمن وطن جاهل وعصر ميّزته الصراعات الكبرى ،مات مقاتلا وحيدا في جبهة لا تراها الأعين وصليلُ أسلحتِها لا تسمعها الآذان. مات وقلبه يخفق خوفا على أعماله ومخطوطاته ودفاتره أكثر من خوفه على حياته. فلقد سجل في ملاحظة مؤرخة في 1969 قائلا: ” أنا على يقين بأن الحقد الحيواني المحيط بي لن يخبو حتى بعد موتي. إنني أشعر بأن السيد (س) سيبحث عن أبسط آثار كتاباتي (خاصة دفاتري التي هو على علمٍ بوجودها)، سيبحث عنها حتى في أحشاء أولادي كي يمحو كلّ آثار فكري“.

ولقد قاوم كل هذا بواسطة ثقافته وقوة تفكيره، وبنزعته العقلية وإيمانه وقلمه، حتى نقله المولى الرحيم إلى جواره… كان شديد الاقتناع بأن حياته رسالة وبأن قدره أنْ يؤدِّي الواجب الذي خُلِق من أجله. ووعيُه بذلك كان وعياً عميقاً، وهو الذي سجل هذه الملاحظة في دفاتره سنة 1956: “أنا ذرّة سابحة في عرض بحر من القوى الهائلة، لكنها ذرّة ضرورية لحركة عجلة التاريخ“.

وبديهيّ أن حياة بن نبي لم تكن عبثا أو امتدادا زمنيا بسيطا، بل كانت متجهة بالضرورة إلى غاية محددة وذات دلالة، ومما لا شك فيه أنها حياةٌ لم توجد إلاَّ لخدمة قضية. وإنْ لم يُتَحْ له أنْ يؤلِّف “الكتاب المُحرَّم” (Le livre proscrit) الذي استلهمه في العشرين من عمره، فإنه قد عاش حياة المُحَرَّمين. وكانت أقسى السنوات في حياته – وهو الذي تعوَّدَ على تهوية رئتيه بنسيم الكتابة – هي سنوات الاستقلال التي وجد نفسه فيها ممنوعا من التفكير، أو على الأقل ممنوعا من نشر كتاباته، من طرف بلده وحكومة بلده.

والدليل على ذلك أنه باستثناء الجزء الأول من مذكراته (الطفل) وثلاثة كُتيِّبات(2)، لم يُنْشر أي كتاب من كتبه الأخرى في الجزائر بين سنة 1962 و 1989، وهي السنة التي أُلْغِيَ فيها احتكار الدولة للنشر. وابتداءً من سنة 1968 مُنِع من نشر أي مقال في الصحافة باستثناء مقال يُعرّف فيه بأحد كتب بيار روسي Pierre Rossi، وهو تحت عنوان ( مفاتيح الحرب)، في جريدة المجاهد. ولذلك اكتفى بمساحات نشر بسيطة مثل “ماذا أعرف عن الإسلام؟”، وهي إضبارة مطبوعة بوسيلة الرونيو(ronéo)، وتُطبع وتُوَزَّع في بضع عشرات من النسخ. ولم يكن بن نبي يستخف بتلك الإضبارات، شأنه في ذلك شأن الإنسان الأول الذي كان يكتب على عظام الكتف أو على جلود الحيوانات.

كتب الفيلسوف الألماني نيتشه في “المعرفة المَرِيحَة” (Le gai savoir) (3) يقول: “إنّنا، نحن رجال ما بعد الموت، لا نصل إلى حياتنا، ولا نصير أحياءً، وجِدُّ أحياء، إلاّ بعد الموت”. وممّا لا شكّ فيه أنّ نيتشه لا يزال في عداد الأحياء، وهو حيّ في الجامعات كلها وفي آداب العالم بأسره، أكثر من أي وقت مضى. فهل بإمكاننا أن نقول ذلك عن بن نبي؟ الفرق بينهما أن الأول عقل وهَّاج ظهر في القرن التاسع عشر في أوروبا التي كانت في عزّ مسيرة نهضتها، وظهر في ألمانيا الموحّدة، والمعمول به هناك هو تكريم النُّخب ووضع المفكرين في أعلى قمم التمجيد. أما بن نبي فقد وُلِدَ في بلدٍ يرزح تحت نير الاستعمار، وسُرْعان ما صُنِّف على أنه خطر، سواء من طرف خصومه أو من بني جلدته حتى ولو اختلف الطرفان في الدوافع. وكان بن نبي كثيرا ما يقول في ندواته بنبرة غريبة: ” سأعود بعد ثلاثين سنة“.

وبعد وفاة بن نبي بثلاث سنوات شرعت الجزائر في تأسيس إطار مؤسساتي اعتمادا على الحزب الواحد، ذلك أن البلاد كانت سائرة من دون دستور ولا تمثيل برلماني منذ انقلاب سنة 1965 ضد أحمد بن بلة. وهكذا فُسِحَ المجال لنقاش وطني على مدى بضعة أسابيع لمعالجة الإطار القانوني الجديد المتكوّن من مشروع (ميثاق وطني)، ومن مشروع دستور، وانتخابات رئاسية. وقد اغْتنمْتُ هذا الظرف الذي أُتيحتْ فيه حرية التعبير لمدة وجيزة، وقمتُ رفقة زميلين بجمع خمسة نصوص لبن نبي مرفوقة بتمهيد ولوح توضيحي لتسهيل القراءة(4)، ونشرتُه تحت عنوان: (المواضيع الكبرى Les grands thèmes) .

وقد اخترْنا من المواضيع ما له علاقة بالنقاش الوطني الجاري آنذاك. وهكذا أتيح لـ ديفيد جونستونDavid Johnston، وهو أمريكي عامل بالجزائر العاصمة، أن يكتشف مالك بن نبي عندما اشترى هذا الكتاب من إحدى المكتبات. وسيكون لي أن أتعرّف عليه سنة 2003 وأنْ أُعرِّفه بابن وطنه آلن كريستلاو Allan Christelow. وقد قام المثقف اللبناني و الوزير الأسبق عمر كمال مسقاوي، الذي لم أكن أعرفه إلاّ بالاسم، بترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره في دمشق بعد ذلك بفترة وجيزة. أما بومدين، فقد توفي بعد سنتين بمرض غامض.

وقد شهدتْ بداية الثمانينيات ارتفاعا كبيراً في أسعار البترول، وهذا ما أدّى إلى إغراق السوق الجزائرية بالمواد المستوردة كالأجهزة الإلكترومنزلية والمواد الغذائية. وكل ذلك بأسعار مدعومة من طرف دولة العناية l’Etat-providence . وفي هذا الظرف بدأ منشِّطو الإسلاموية يحتلون حقل الأنشطة العمومية بطريقة سرِّيَّة، مثل الجامعات والمساجد. وكانت مجموعة بويعلي تُعِدُّ العُدَّة للعمل المسلَّح، وهي المجموعة التي تخرَّج منها أولئك الذين اعتلوا سدّة الإمارة في زمن الإرهاب.

أمّا السلطة فكانت منشغلة بإعداد المؤتمر المقبل للحزب الواحد. وفي هذا الخضمِّ اختفى اسم مالك بن نبي تماما… ومع ذلك فقد منحه الرئيس الشاذلي بن جديد وسام الاستحقاق الوطني بعد الوفاة، وهو من بين المائة الذين استفادوا من هذا التكريم، وهي شخصيات جزائرية من مختلف التخصصات، بعضهم على قيد الحياة وبعضهم في عداد الأموات، وكان فرحات عباس من بينهم.

وهكذا كانت سفينة الجزائر مُبْحِرةً في بحرٍ هادئ من البترول. إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، إذ انهارت أسعار البترول فجأةً إلى مستوى لم يعُدْ يسمح للجزائر بتمويل البحبوحة التي تعوّدت عليها البلاد. وجرَّاء ذلك انهار النظام السياسي والاقتصادي المستوحى من النموذج السوفياتي وسط أجواء الشغب والمظاهرات. وقد حاول الرئيس الشاذلي بن جديد إصلاح هذا النظام لإنقاذه في لحظات الانهيار الأخيرة، لكنْ، وبالنظر إلى أنه لم يعقد عزمه على ذلك فعلاً، فقدْ أودى به التيار الشعبي الغاضب وصعود نجم التيارات الإسلامية بشكل مدهِش. وكانت حصيلة الأحداث التي عاشتها البلاد بعد ذلك سقوط قتلى يُعَدُّون بمئات الآلاف من الجزائريين، وخسائر مادّيَّة قُدِّرَتْ بعشرات الملايير من الدولارات. وهذا ما تسبب في الرجوع بالبلاد إلى الخلف بعدة عشرات من السنين.

وبظهور التعددية الحزبية وتبنِّي حرّيّة التعبير في بداية التسعينيات عاد اسم مالك بن نبي إلى الظهور في الصحافة، وارتبط ذلك خاصة بتأسيس حزب التجديد الجزائري PRA من طرف كاتب هذه السطور. فكان بعض الصحافيين الجزائريين والأجانب يأتون إلى مقرّ الحزب للاستفسار عن الرَّجُلِ الذي استوحى منه الحزب مشروعه. وهكذا استقبلْتُ الباحثة الألمانية سيغريد فاتSiegridFaath وحدّثتُها عن مالك بن نبي طيلة ساعات عديدة. وبعد ذلك بأشهر قليلة نشرت هذه الباحثة دراسة تحت عنوان “مالك بن نبي، كاتب سياسي، ناقد اجتماعي، وصاحب نظرة مستقبلية لحضارة إسلامية في الجزائر المستعمرة والمستقلّة”، وذلك في إحدى المجلاّت الصادرة في هامبورغ(5).

وبعد ذلك حاول البعض ربط اسم مالك بن نبي بأحد التيارات التي ظهرت داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ونتج عن ذلك أن المعارضين للإسلاموية وجدوا في هذا دليلاً على أنّ بن نبي هو “مؤسس الإسلاموية الجزائرية”. إنّ ما سُمِّيَ بـ (الجزأرة) في داخل الجبهة الإسلامية لم يكن إلاّ وهماً وتخريفاً، ذلك أن بن نبي لم يكُنْ، ولا يٌعْقَل أن يكون مصدراً لخطاب شعبوي مثل ( البوليتيك)، أو أن يؤدِّي خطابُه إلى أعمال العنف، أو أن يؤيّد فكرة دولة تيوقراطية. والحركة الإسلاموية الجزائرية بمختلف أَوْجُهِهَا لم تُعبِّرْ يوماً عن انتمائها إلى فكر مالك بن نبي رغم أن بعض الإسلاميين كانوا يترددون أحيانا على بيته بين 1964 و1973، أي قبل ظهور التعصب الإسلاموي في الجزائر بعدّة سنوات.

غير أنّ هناك واقعاً ينبغي الاعتراف به، وهو أن شعبوية “الإخوان المسلمين” وديماغوجية الخطباء الإسلامويين المصريين وغيرهم، كل ذلك كان أقوى من نخبوية بن نبي. ذلك أن الإسلاموية التي ظهرت في الجزائر يجوز وصفها بأنها مصرية أو إيرنية أو أفغانية أو سلفية، لكنها لا تمُتُّ بِصِلةٍ إلى أفكار بن نبي التي كانت كلها اتِّزانا وروحاً إنسانية وعقلانية.

وأمَّا العداء الذي كان يُكِنُّه له الماركسيون والشعبويون، فيمكن تعليله بذلك الحاجز الذي قضى بن نبي حياته كلها لبنائه في وجه أفكارهم جميعاً. فأتْبَاعُ هذه الإيديولوجيا سبق لهم أنْ حاولوا التشكيك في وطنيته بتشويه مفهوم “القابلية للاستعمار” (colonisabilité) الذي وضعه هو للتعبيرعن فكرة موجودة منذ العصور القديمة. ولم يَسْلَم بن نبي من عداء المستشرقين الفرنسيين بسبب سيرته العامة، وبسبب كتابيه “الصراع الفكري في البلدان المستعمرة” و “إنتاج المستشرقين وأثره في في الفكر الإسلامي الحديث”. وهما الكتابان اللَّذان خصّصهما بن نبي لمواجهة أولئك المستشرقين.

ويمكننا الجزم بأن تحاليل بن نبي واقتراحاته وإنذاراته وتحذيراته لم يُسْتَفَدْ منها، لا في الجزائر ولا في بقية البلدان الإسلامية. فالحركة الوطنية في الجزائر لم تكن تأبه بالنهضة، لكن شغلها الشاغل كانت المطالب السياسية. وفي آخر المطاف كانت رؤية بن نبي هي الصواب، وكل المشاكل التي تتخبط فيها البلاد سببها عدم الاستفادة من رأيه. إنّه لم يكن يدعُو إلى مبادىء وشعارات تُلْهِبُ الحماس، بل كان يُعَلِّمُ منهجية التفكير.

كان طول حياته مُعادياً للاستعمار، وللقابلية للاستعمار، ولسياسة الإدماج(politique d’assimilation)، ولـ (البوليتيك)، ولـ (الزعامة)، وللشعبوية، وللتفسير الاقتصادي لكل مناحي الحياة (économisme) … كان يسبح ضد اتجاه التيارات التي سادت في العالم الإسلامي خلال القرن الماضي. فكيف نطمع أن يُكَرَّم عند ذويه؟ إنّ حاله تشبه حال ذلك الرجل الذي تقَدَّم قومه ليستطلع الطريق باحثا عن سبيل الخلاص، لكنه عندما استدارلم يجد قومه وراءه، بل إنهم اتّجهوا إلى الاتجاه المعاكس له. وهذا يُذكِّر بقصة النبي موسى عليه السلام عندما صعد إلى طور سيناء ليأتي بالتوراة للشعب العبري، لكنه عند عودته وجده مُنْكَباًّ على عبادة العجل الذهبي.

كثيرة هي شهادات التاريخ التي تدلُّ على أنَّ رجُلاً واحداً يمكن أنْ يُنْقِذَ وطناً بأكمله، كما أنّ وطناً بأكمله يعجز عن إنجاب رجل واحد من العظماء. وتلك هي حال العالم الإسلامي الذي يرتطم بحائطٍ كلّما تحرَّك، فهو عاجز عن إنجاب رجل مستشرف يستطيع إنارة الطريق أمامه في متاهات العالم المعاصر. إنّ الشعوب الإسلامية هي ضحية الحركات السياسية المطالبة بالتغيير، وهي ضحية الخطب الإيديولوجية المُغالِطة، وهي في هذا تقتفي آثار رجال الدين المزيّفين و (الزعماء) و (الشيوخ) الذين كانوا سببا في انهزام المسلمين في كل المعارك والرِّهانات التي خاضوها، وكانوا سببا في ضياع كل الفرص التي أتيحت لهم خلال القرنين الأخيرين. ويجد العالَم الإسلامي اليوم نفسه في ظلام دامس، ولا يدري إلى أيَّ سبيل يتجه، ولا إلى أين يذهب. وفي هذا يقول الفيلسوف الرّواقي سينيكا Sénèque :”لا سلامةَ في طريقِ مَنْ لا يعرف إلى أين يذهب”.

وكانت صبيحة يوم 11 سبتمبر 2001 وحدها كافية لإحلال الإسلام مكان العدو اللدود رقم واحد عالمياًّ. ومنذ هذا التاريخ شرع أكبر قادة الدول العظمى في وضع استراتيجيات جديدة لإعادة توزيع الخرائط الجيوسياسية، ولم يَعُد فيها العالم الإسلامي طرفا فاعلا، بل صار موضوعا رهن التصرّف. وهكذا وجدت النُّخَبُ المزعومة في البلدان الإسلامية نفسها مشلولة من جديد، وعاجزة عن تجديد أبسط فكرٍ أو فرض أبسط فكرة من أجل التغيير. وكان رجال الدين، كما جرت العادة، هم المطلوبون في قنوات التلفزيون لكي يتشدَّقوا بخطبهم المعهودة التي تُندد بمحاصرة الإسلام، وتعتزّ بأنَّ المسلمين هم “خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس”.

تلك هي صورة جماهير المسلمين، وتلك كانت التيارات المعارضة التي التقى بها بن نبي في حلبةٍ ثقافية لم يكن يبدو فيها مفكرنا ذلك “العالِم” النموذجي، ولا تلك السلطة المؤهّلة للكلام عن الدين، ولا الخطيب الذي تتوق إليه الجماهير، ولا المدّاح المفوَّض من قِبَلِ السلطة والخاضع لها. ذلك هو المصير الذي آل إليه هذا المفكر الحريص على استقلال فكره، والواعي بثقل المهمَّة المُلْقاة على عاتقه، بصفته شاهداً في ميزان الحق الإلهي، وبصفته عدواًّ في حلبة “الصراع الفكري”.

والمفارقة في هذا أنّ ذلك الوضع المتردّي هو الذي يمكن أن يجد فيه فكر بن نبي صلاحيته. صحيحٌ أنَّ الإيمانَ بخطابٍ أسهلُ من فهمِ الفكرِ، ذلك أنَّ التأثر بخطبة دينية حماسية يكون أسهل من تتبّع حبل التفكير الجاف. والسبب هو أن الاستماع لا يقتضي نفس القدر من المجهود الذي تتطلبه القراءة والفهم. ولقد شهدت الساحة الفكرية في بقاع مختلفة من العالم إشراقة جديدة لفكر مالك بن نبي خلال العشرية الأخيرة. فكُتُبُهُ التي تُرْجِمَ بعضُها إلى الأنجليزية والإسبانية والأوردية والتركية والفارسية والماليزية أُعِيَد نشرُها في حالات عديدة. هذا بالإضافة إلى أن كثيرا من أطروحات الماجستير والدكتوراه خُصِّص لدراسة فكره في مختلف جامعات إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا. كما خَصَّصَتْ جامعة كوالا لامبور بماليزيا ملتقيات حول مالك بن نبي سنة 1991، وكذلك جامعة وهران سنة 1992، والمجلس الإسلامي الأعلى سنة 2003 في الجزائر العاصمة، والجامعة الإسلامية بقسنطينة سنة 2005، وجامعة بجاية سنة 2014.

لكنَّ ما يجلب الانتباه أكثر هو الاهتمام الذي بدأ يوليه له جامعيون من خارج الدائرة الإسلامية، مثل الأمريكييْن آلانكريستلاوAllan Christelow وديفيد جونستونDavid Johnston، والألمانية سيغريد فات SiegridFaath التي تصفه بأنه “مُحارب وحيد، ومُحرِّض لا يتراجع أمام أي انتقاد مؤلِم، وعلى استعداد لِتَحَمُّلِ نتائج أنشطته بصفة شخصية”. أمّا كريستلاو فهو يرى من جهته أن بن نبي هو “أحد أكثر المفكرين إنتاجا في جزائر القرن العشرين. أعماله معروفة في الشرق الأوسط وأوروبا كما في بلاد المغرب. ومع ذلك يبقى بن نبي كاتبا يُرْجعُ إليه ويُسْتشْهَدُ به عَرَضاً، لكنه لا يُدرس دراسة شاملة… والملاحظ أنَّ القارىء الأوروبي والأمريكي يفهمان كتاباته أحسن من بعض المفكرين المسلمين المشهورين جداًّ، مِنْ أمثال علي شريعتي وسيد قطب… لقد حاول بن نبي أن يفهم الحضارة الإسلامية كجزء من الحضارة العالمية الشاسعة… وقد تؤدِّيَ جهود المفكرين المسلمين في بحثهم عن سبل تحقيق المصالحة بين الإسلام والحداثة، إلى إثارة الاهتمام بأفكار مالك بن نبي”.

إنّ هذا الباحث الأمريكي هو مِنْ بين أولئك الذين أعادوا قراءة مالك بن نبي على ضوء معطيات العالم الحالية، فأدركوا أن فكره صار اليوم أحدث من أيِّ وقت مضى. وهو يقول:  “اليومَ وقد أَخَذَتِ الصراعات في الشرق الأوسط منعرجاً جديداً، وبلغت من الحِدَّة درجةً عالية، وصار الحلّ مستعصيا، فنحن بحاجة إلى أصوات وأفكار جديدة مثل صوت وفكر بن نبي… إنّ أفكار بن نبي ذات أهمية ساطعة ونحن في بداية القرن21… فمن المفيد أن نبذل مجهوداً في نشر أفكاره ونموذج حياته، وأن نثير النقاش والبحث حوله”.

وقد وجد صعوبة في تصنيف بن نبي ضمن صنف من الأصناف التي جرى اعتمادها عند الحديث عن المثقفين المسلمين، وذلك في دراسته الأولى حوله(6)، إذ يقول: “إنَّ التصنيف السياسيَّ المُتَداوَل في الغرب مثل ليبرالي، راديكالي، وطنيّ، ماركسيّ أو أُصولي إسلاميّ، هذا التصنيف لا يناسبنا فيما يتعلّق ببن نبي. إنه ليس بالمفكر السياسي البحت، بل هو أقرب إلى كونه مفكراً اجتماعيا، وثقافياًّ على وجه الخصوص”. ولهذا لقّبه بهذا اللقب: “مفكّر مسكوني جامع” penseur œcuméniste.

أمَّا في دراسته الثانية(7) فيبدو أنه بلغ مرحلة جديدة في سبر أغوار فكر مالك بن نبي، إذ يقول:   “لقد عمل مالك بن نبي طيلة ثلاثين سنة، ليس من أجل وضع أسس التجديد الإسلامي، بل كذلك من أجل وضع قواعد التفاهم بين الحضارة والعقيدة… لقد حاول فهم الحضارة الإسلامية باعتبارها جزءاً من حضارة عالمية أوسع”. إنّ كريستلاو يحاول في هذا النَّصِّ الأخير أنْ يفحص السُّبُلَ التي مِنْ شأنها أنْ تربط فكر بن نبي بآفاق الفكر الأمريكي فيما يخصُّ الروابط بين الحضارت والعولمة.

وقال الأستاذ ميشال باربو (أمين عبد الكريم) عن بن نبي في ملتقى الجزائر المنعقد في أكتوبر 2003: “لقد قضى مالك بن نبي ثلاثة أرباع القرن العشرين مُشاركاً شعبه مصيرَه، في السَّرَّاء وفي الضّرَّاء. وعانى في شبابه، كالكثير من الجزائريين، مِن الحرمان. وهو الأمر لذي ستلاحظه بعثة تيون–ريفيارTillon-Rivière للدراسات الإثنوغرافية في الثلاثينيات. كما عانى من انعدام العدالة الاجتماعية، وهذا ما سجّله ألبير كامو Albert Camus في ( أحداث الحاضر Actuelles). وقد تمكّن، بنهجه الإنساني الذي لا يخلو من الصرامة في التعبير، من وضع الرسوم الأوَّلية للهوية الجزائرية الحديثة. ولم يقُمْ بذلك عن طريق استبدال الواقع الحاضر المُرّ ومقابلته بماضِ وهميّ، كما لم يقُمْ بذلك بالدعوة العنيفة إلى العودة العقيمة لماضٍ جَرَتِ المُبالغة في تحسين صورته، وهو ماضٍ لا وجود له في الواقع إطلاقاً، وعلى أيٍّ فالماضي ماض. لقد أنجز بن نبي ذلك الرسم الأولي للهوية الجزائرية بتحليل علاقات الصراع بين ما يُسمّيه هو بمحور واشنطن ـ موسكو ومحور طنجة ـ جاكرتا، تحليلا متأنِّياً، واعيا، ومن دون تسوية مشبوهة أو ديماغوجيا.

ولا بدّ من التأكيد هنا على أنَّ تلك الأفكار تنطبق تماماً على البشرية التي صار دَلْوُها اليوم يطفح بالمعاناة والظلم. وبقدر ما كان الزمن الذي عاش فيهبن نبي مُثْخَناً بالآلام والمظالم، كان الخطاب الذي تبنَّاه مُفكرنا مُتّسِماً بالتخلُّق في أسمى معاني النُّبْلِ وأعمقها. فلقد دافع عن جميع الأطراف، لكنّه لم ينْس أنْ يُذكِّر بواجبات كلّ طرف. وعند إعادة قراءتنا لبعضٍ من أعماله التي تُراوح العشرين، يشدّ انتباهَنا تجرُّدُه التَّام من المانوية (manichéisme)المتحيِّزة، وإعْراضُه عن الإطراء على طرف على حساب الطعن العشوائي في طرفٍ آخر. وتبلغ رتبة بن نبي وشجاعته أقصى مدى عندما نتذكر أنه نشر أفكاره التي تنطوي على الأمل والكرامة واستعادة الروح الوطنية، وهي بالتالي تحمل حظوظ مُصالحات مستقبلية، نشرها في الفترة بين 1945 و 1962. لقد تمكّن من تخطِّي كل العوائق والصِّعاب ورَفَعَ صوته مناديا بضرورة الحوار بين الحضارات… إنَّ قِيَمَ التَّفاهم والتكامل التي دافع عنها ابن نبي لا تزال صالحة للحوار بين الإسلام والغرب إلى يومنا(8).

كان بن نبي يريد أن يكون فيلسوفا رائدا في العالم الإسلاميّ مثلما كان فلاسفة الأنوارPhilosophes des lumières في أوروبا خلال القرن 188 ، كان يريد أن يكون مُؤسِّساً لنهضة ذلك العالم، ويأمل أنْ يُعْتَرَفَ به كمُنَظِّرٍ للنزعة الأفروآسيوية. جعل نفسه في خدمة تأريخ الثورة التحريرية، وتطوّع لوضع الأسس الإيديولوجية لإعادة بناء الجزائر بعد الاستقلال، لكن اختيار القيادة وقع على البعثية والماركسية والشعبوية والإسلاموية، وضربَتْ عرض الحائط بأفكار بن نبي… وهكذا أُتيح لأسماء أخرى أن يعلو نجمها، بحسب موضة تلك الفترة، فهيمنت هذه الأسماء على ساحتنا الثقافية: فرانتز فانون، ميشال عفلق، المودوديّ، سيد قطب. لكنّ الإيديولوجيات الخانقة التي اعتنقوها جميعا آلَتْ إلى الزوال والاندثار كما تندثر الأحلام، أمّا أفكار بن نبي فلا تزال تُثْبِتُ صلاحيتها وفائدتها واستمراريتها ـ ليس للماضي فحسب ـ بل لوقتنا الحاضر، وللمستقبل كذلك.

كان بن نبي أقرب إلى يونغ Jung و (طاقته الحيوية) منه إلى فرويد و(شهوانيته) التي كانت شعاره، وكان مُتوافقا مع روحانية كيسرلينغ Keyserlingأكثر من توافقه مع حتميَّة شبنجلرSpengler. ونزعته أشبه بنزعة كونفوشيوس منها بنزعة لاو تسو Lao Tseu، وهي أشبه بنزعة سوقراط منها بنزعة بوذا. وإذا كان مسلما من أحسن طراز روحياًّ، فإنه بعقله المتميِّز يُعَدُّ صاحب أقوى توجّه عقلانيّ عرفه العالم الإسلاميّ بعد فترة الموحِّدين. وهو شخصياًّ لم يكن يرضى لنفسه بديلاً عن وصفه بـ “الرجل النزيه”(l’honnête homme) بالمعنى الذي كان يقصده الفرنسيون في عهد فلاسفة الأنوار خلال القرن 18.وتكتسي أعماله أصالتها بما تميّزتْ به من منهجية، وبأسلوبها الواضح والمُنقَّى من كلِّ الأدران، والذي يعطيها حيوية شفافة. هذا بالإضافة إلى ميله الشديد إلى الإيضاح والنهج البيداغوجيّ، وإلى نظرته الاستشرافية لخط التطوُّر العالمي، والفضل كله لنزعته الإنسانية.

لقد أثرى بن نبي العلوم الاجتماعية بأحسن فهم للنفسية الإسلامية وَبَانُورَامَاهَا الاجتماعية، كما زوّدنا بتأويل أصيل لتاريخ الإسلام. ولو كان مفكرنا يونانيا لَصُنِّف ضمن التراجيديين، ولو كان ألمانيا لصُنِّف ضمن المفكرين الحيويين مع فيخته  FichteونيتشهNietzscheوشبنجلرSpengler، أمَّا لو كان فرنسياًّ لكان في مصافّ إميل دوركايمDurkheim وأوجست كونت A. Comte. وهو في تاريخ الفكر الإسلامي نظير ابن خلدون. أمّا كجزائري، فهو بحق أول رقم من سلسلة ما زالت لم تظهر بَعْدُ، إنه رائد حركة فكرية لم تولد بعد، والتي ستكون مهمتها هي إعداد تركيبة متكونة من “قيم الإسلام والروح العالمية” التي كان يحلم بها بن نبي كثيراً. كان أكْفأ مسلم. وبكونه وسيطاً بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب، وبين الإسلام والهندوسية، فهو، مِنْ بين كلّ المفكرين المسلمين خلال القرنين الماضيين، صاحب أحسن نظرة إلى الإسلام من حيث تطابقها مع مسيرة التاريخ ومعناه.

كان بن نبي مطمئن البال إلى أنَّ أفكاره تحتلّ مكانة عالية في مدارج الفكر. وقد سجّل ذلك في ملاحظة مؤرخة في 25 أكتوبر 1959 بقوله:”إنّ أفكاري تُمثِّل محاولة لتكييف الفكر الإسلاميّ مع العالم الحديث. وأعتقد أني أول مَنْ قام بعمل في هذا الشأن“. وشأنه شأن مُربِّيي البشرية الكبار، فهو يدعو إلى الخير في بيته وخارج بيته وخارج وطنه، وفي كل مكان فُسِح له فيه المجال ليتكلم. وكان وحيداً في زخم زمانه، متفرِّداً ومتميِّزاً عن نُظَرَائِهِ في الساحة الثقافية، متعفِّفا أمام المكافآت المُغرية التي تدعوه إلى التنازل عن مبادئه، فعاش متحمِّلاً مقتضيات حياته الفكرية إلى النهاية. وللفيلسوف الألماني نيتشه أبيات شعرية تنطبق على بن نبي، وهي:”نعم، لا حسد في نظراته، و لا تشريفاتكم في قائمة اهتماماته، عينه الى بعيد تنظر، لأنها كعيني الصقر،فهو لا يراكم بل الى النجوم يرفع البصر”(9)


المراجع :

1) جاءت تلك الإشارة في شكل فقرة صغيرة بهذه الصيغة: ” توفي المفكر المسلم الجزائري مالك بن نبي أمس في منزله بعد داء عُضال. وستُشيَّع جنازته يوم 02 نوفمبر في الساعة الثانية زوالاً بعد صلاة الجمعة انطلاقا من 50، شارع روزفلت بالجزائر. ومالك بن نبي شخصية معروفة بفضل مؤلفاته العديدة التي يجب أن نذكر من بينها: (شروط النهضة)، (وجهة العالم الإسلامي)، و( مشكلة الأفكار في العالم الإسلاميّ)”.

2) تلك الكتيِّبات هي: “آفاق جزائرية”، “الإسلام والديمقراطية” و”إنتاج المستشرقين”.

3) منشورات Ed. Gallimard, Paris 1950.

4) الأمر يتعلّق بالنصوص المُكوِّنة لـ ( آفاق جزائرية Perspectives algériennes ) و ( الإسلام والديمقرطيةIslam et démocratie) و (إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلاميّ الحديثl’œuvre des orientalistes et son influence sur la pensée musulmane moderne).

5) مجلة  Wukuf

6) الدراسة تحت عنوان “مالك بن نبي: مفكر ذو نزعة إنسانية من القرن العشرين “Un humaniste du XX° siècle : Malek Bennabi).

7) الدراسة تحت عنوان “مالك بن نبي والحدود الثقافية في عصر الشمولية ” Malek Bennabi et les frontières culturelles de l’ère globale

8) عن: “الغرب و وجهة الإسلام عند مالك بن نبي”  Occident et vocation de l’islam chez Malek)Bennabi).

* هامش بقلم المترجم: كلمة (مُسْتَغْرِب Occidentaliste) يُقصَد بها المثقف المسلم الذي انكبَّ على دراسة الفكر الغربي، قياساً على تسمية المثقف الغربي المهتم بالفكر الإسلامي بـ ( المستشرقOrientaliste ).

9) عن: ( المعرفة المَرِحة Le gai savoir ).

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: