مالك بن نبي (12) ميــلاد مجتمع

بقلم: نورالدين بوكروح - ترجمة عبد الحميد بن حسان -

إنّ كتاب “ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية” هو أحد أحسن كتب مالك بن نبي. وقد تمَّ نشره في جوان 1962 باللغة العربية في القاهرة. ويحتوي الكتاب على توطئة مؤرخة في 11 أفريل 1962، و(أوَّليات Préliminaires)، وخمس عشرة فصلاً عناوينها: النوع والمجتمع ـ الأراء المختلفة في تفسير حركة التاريخ ـ التاريخ والعلاقات الاجتماعية ـ أصل العلاقات الاجتماعية ـ طبيعة الروابط الاجتماعية ـ الثروة الاجتماعية ـ المرض الاجتماعي ـ المجتمع والقيمة الأخلاقية ـ الدين والروابط الاجتماعية ـ شبكة العلاقات والجغرافيا ـ العلاقات الاجتماعية وعلم النفس ـ فكرة التربية الاجتماعية ـ شبكة العلاقات الاجتماعية والاستعمار ـ الشروط الاولية للتربية الاجتماعية ـ الدفاع عن شبكة العلاقات الاجتماعية.

وُلِد مالك بن نبي سنة 1905، في وقت كان فيه العالم الإسلامي متدهورا، والجزائر تحت وطأة الاستعمار. ونشأ بن نبي الطفل في مجتمع متشرذم، وسرعان ما تأثر بهذا الديكورالمتكوّن من صورتين متناقضتين: فهو، من جهة، يرى مجتمعه متدهورا من مختلف الأوجه، ومن جهة ثانية يرى حضارة المستعمر الغازية التي لا يعرف عنها أيَّ شيء، لكنه انبهر بها منذ أول احتكاك بها.

وهكذا شاهد بعينيه كيف وُضِعتْ أسس النظام الاستعماري في بلاده طيلة سنوات طفولته، على أنقاض البُنى الاجتماعية التي كان يعيش بها بلده. ومن كلّ ذلك استنبط الإحساس بأنه يعيش مرحلة انتقالية، وأنه سيكون شاهداً على ذلك المرور الذي حدث من عالَمٍ إلى عالم آخرَ. وكان للمقارنة بين مجتمعيْن سائريْن بقيم مختلفة، وللتعليم الذي تلقَّاه بمضمونين مختلفين ومتناقضيْن، في المدرسة الفرنسية ثُمَّ في المدرسة المسجدية، إضافةً إلى قراءاته الأولى التي استقى منها الإجابة عن بعض التساؤلات الكبرى، كل ذلك كان له أثره في تكريس مراكز اهتماماته التي ستُحدد توجُّهه الفكريَّ.

والملاحظ أن بن نبي، طيلة مسيرته الفكرية، كان يعي تمام الوعي أن الثقافة العربية البربرية القديمة آفلة. فهذا المجتمع التقليدي الذي فَقَدَ قدرته على التطور منذ الإمبراطورية الموحدية، أصبح، وفي كلمة واحدةٍ، مجتمعاً قابلاً للاستعمار.

وكان لقراءاته عموما، وقراءته آثار ابن خلدون ومحمد عبده والكواكبي، الفضل في تمكينه من اكتشاف موضوع الإنحطاط. ولم يكن بلده وحده هو الواقع في هوّة التدهور، بل العالم الإسلامي كله، وهو يبحث عن مخرج من هذا الوضع من خلال محاولات الإصلاح الأخلاقي والفكري الأولى التي نادى بها محمد عبده والكواكبي.

وهكذا اتسع أفق نظرته بفضل تلك القراءات ليشمل العالم الإسلامي كله، وصار يعي أن مأساة الجزائر ما هي إلاّ جزء من مأساة أوسع مجالاً، إنها مأساة العالم العربيّ الإسلاميّ، وأنّ المشكلة مشكلة اجتماعية أكثر ممَّا هي مشكلة سياسية. يقول بهذا الشأن: “إنّ مشكلة المسلمين مشكلة واحدة، ليس بالنظر إلى تفرّعاتها ذات الطابع سياسيّ، ولا حتى ذات الطابعٍ القَبَليٍّ، بل بالنظر إلى أهمّ شيء، أي الوضع الاجتماعي…” (عن كتاب “وجهة العالم الإسلامي”)

في الجزائر كان يلاحظ عدم وجود المجتمع و جهود الأفراد التي تذهب هباءً منثوراً. وفي باريس كان يعَايَنَ انسجام المجتمع وفاعلية مسيرته في كل شيىء. ولمَّا  كان يتسائل عن الأسباب، وجدها كامنة في التمفصل بين القيم والسلوكات، بين الأفكار وأساليب العمل، بين الفرد والجماعة، وذلك بفضل التربية الاجتماعية. وهكذا سيقضي أيامه متأرجحا بين مجتمعيْن، أحدهما مجتمع متقدم، والآخر متأخر، ويكون له أنْ يُعايِن ما في مجتمعه المتأخر من انعدام الدقة وانعدام الفاعلية، وإهمال، وإسراف، وما في المجتمع الآخر من دقةٍ وتنظيم، وعملٍ وادِّخار… وراح يسبح في هاتين الثقافتين، ثقافة تُنْتِجُ الاستعدادات للتطور، وثقافة تُنْتِجُ الظروف النفسية الممهدة للتأخر.

وأتيح لبن نبي خلال الثلاثينيات أن يطَّلع، مِنْ بين ما اطّلع عليه من كتب في مكتبة سانت جونيفييف (Sainte-Geneviève)في الحي اللاّتينيّ، على كتاب أوسوالد شبنجلر Oswald Spengler الذي عنوانه “تدهور الحضارة الغربية” (Le déclin de l’Occident ) والذي تسبب عند ظهوره في تأثُّرٍ عميق في الأوساط الفكرية الأوروبية، وهو الكِتاب الذي تكفَّل الكاتب الجزائري محند تازروت(1) بترجمته من الألمانية إلى الفرنسية.

كما اكتشف في نفس الفترة أعمال المفكرالبريطاني توينبي Toynbee الذي انطلق من مقاربة شبنجلر التي كانت حديثة آنذاك، وشيّد بعمله العظيم الذي عنوَنَه “دراسة التاريخ” لوحةً مُدْهِشةً  تُمثِّلُ “الوحدات التاريخية” التي تشير إلى الحضارات في صورة تشبه الأجسام الحيَّة. وقد اندمج بن نبي في هذه الدراسات الفكرية، وأخضعها لعملية إسقاط على أوضاع المسلمين، لكي يخرج في نهاية المطاف بتصوّره الخاص للحضارة.

لقد تمكن بن نبي من ابتداع مفهوم “القابلية للاستعمار” بفضل محاولته ترجمة فكرة التدهور إلى لغة السياسة. وهو يرى أن القابلية للاستعمار هي صلة وصل بين الانحطاط والاستعمار. كما يرى أن الإنسان الذي تجتمع فيه الأوصاف الذهنية والاجتماعية التي أتى بها عهد الانحطاط والاستعمار هو “إنسان ما بعد الموحدين”  (l’homme post-almohadien)الذي جاء بعد إنسان الحضارة الإسلامية، والذي يحمل في ذاته كل البذور التي ستنفلق منها بشكل متتالي ومتنافر كل المشاكل التي ستُطرح في العالم الإسلامي…

كتب بن نبي : “ومهما كان الملمح الذي يعيش به هذا الإنسان ـ فسواء كان باشا أو عالِماً مزيَّفاً، أو مثقفا مزيَّفا، أو مُتسوِّلاً ـ فإنَّ هذا الإنسان هو المُعطى الأساسيّ في كل مشاكل العالم الإسلاميّ منذ أفول حضارته… إنه تجسيد للقابلية للاستعمار، وهو الوجه النموذجي للعهد الاستعماريّ، وهو المُهرِّج الذي أسْنَدَ له المُستعمِرُ دورالأهليّ (الأنديجان) عِلْماً بأنه يمكن أن يقبل بكل الأدوار، بما في ذلك دور “أمبراطور” إذا اقتضت الحال ذلك“. (عن كتاب “وجهة العالم الاسلامي”.)

إنّ “القابلية للاستعمار” هي حالة المجتمع العاجز عن تسيير شؤونه جماعياًّ، وهي الحالة التي تتجسد في تدهور كل الأوضاع، وفي حالة نفسية يطبعها الاستسلام، وفي تراخي شبكة العلاقات الاجتماعية. إنّ الأفراد الذين فقدوا الإحساس بضرورة وجود أهداف مشتركة وغايات جماعية، يعيش كلٌّ منهم حياته على انفراد. وإذا كانت السلطة موجودة، فإن همّها أنْ تدوم، أما الأفراد فإنهم يُسلمون أمرهم لها، ويعيشون غير آبهين بالمستقبل، إلى أن يداهمهم غزو خارجيّ أو صراع داخلي يُمْعِنُ في تصغير شأن هذه الجماعة العاجزة عن الارتقاء إلى مرتبة مجتمع.

وهكذا يتبيّن أنَّ “القابلية للاستعمار” ليست نتيجة للاستعمار، بل هي سبب وجوده. إنها ليست نتيجة سلبية لمعركة بين قوتين، لكنها نهاية مسار انحلال سابق. صحيح أنَّ الحضارة أو الوطن يمكن أن يتعرّضا لهزيمة عسكريّة على يد من هو أقوى، لكن ما دام الشعور بالوحدة بين أفرادههما موجودا، وما دامت هناك “رغبة في العيش معاً”، فإنّ تلك الحضارة لن تستسلم بأية حال للأمرالواقع. والعامل العسكري بدوره ما هو إلاّ نتيجة للحركية الاقتصادية والنشاط العلميّ الذي يؤدّي إلى الاختراعات والتجديد.

ويرى بن نبي أن المجتمع ليس مجرّد تجمّع أفراد تجمعهم عادات واحدة، وتُطبَّق عليهم نفس القوانين، وبينهم مصالح مشتركة. يقول: “إنّ مستعمرة النمل التي لا تتنوع أنماط حياتها بشكل محسوس، حتى عبر آلاف السنين، لا تستجيب للتعريف الذي نريد إعطاءه لهذه الكلمة لأنّ المجتمع يتحدد مفهومه في إطار الزمن… فكل تجمُّعٍ بشريٍّ مُكوِّن لمجتمع يسعى إلى تحقيق هدف هو إحداث تغيير في ذاته سعياً إلى بناء حضارة” (عن كتاب “ميلاد مجتمع” .

وهو يميِّز “المجتمع الطبيعي” أو (السُّكونيّ) عن “المجتمع التاريخي” أو (الحَرَكِيِّ) فالأول “لم يُجْرِ تعديلا محسوسا على مميزات هويته منذ أصوله الأولى”، أما الثاني “فقد وُلِدَ في ظروف ابتدائية مُعَيَّنة، لكنه اجرى بعد ذلك تعديلا على مميِّزاته الأصلية“. فالطبيعة عنده تتكفل بصنع الفصيلة، والتاريخ يتكفل بصنع المجتمع. يقول: “الأولى (الفصيلة) لا غاية لها إلاّ البقاء بذاتها، أما الثاني (المجتمع) فهو يحدد غايته في اتجاه التقدّم وفي اتجاه شكل أعلى للوجود نُطلق عليه اسم حضارة”. والتجمع البشري يكتسي طابع (المجتمع) عندما يشرع في الحركة، أي عندما يشرع في تغيير نفسه سعياً إلى تحقيق غاية. وهذه اللحظة تعتبر من الناحية التاريخية هي ميلاد مجتمع أو حضارة.

إذا كان المؤرّخ البريطاني توينبي (Toynbee) يذهب إلى أن تفسير حركة التاريخ يكمن في”الوسط الفيزيائي”، وإذا كان الفكر الماركسي يفسرها بلعبة العوامل الاقتصادية، فإنّ مالك بن نبي يرى أنّ حركة التاريخ تعود في أصلها إلى سيرورة نفسية ناتجة عن ضغط نفسي. إن الحركية الاجتماعية هي المحرِّك الرئيسي للتاريخ البشريّ. فالوسط الإنساني مُزوَّد بمركز كمون، مثله في ذلك مثل الوسط المادّيّ. وعندما يشرع ذلك الوسط في الحركة “فهذا يعني أنّ هناك سبباً ابتدائيا قد تغلّبَ على الكمون الأصلي بتحويل كل معطيات الكمون في الوسط إلى قيم حركية” ( عن كتاب “ميلاد مجتمع)”.

ويرى بن نبي أنَّه “في جميع الحالات تكون نقطة انطلاق الحضارة من الوحي الباهر المُنزّل من عند إله، أو بظهور خرافة (mythe) . فيبدو أن الإنسان محكوم عليه بالنظر من خارج أفُقِهِ الأرضيِّ لكي يكتشف في نفسه عبقرية الأرض وسُمُوَّ المعاني في الأشياء في آنٍ واحدٍ “. عن كتاب “شروط النهضة” , 1949. وبالفعل، فإنَّ الديانات كانت، في معظم الحالات، سابقة للحضارات الكبرى. وقد ظهرت هذه الأخيرة حيث ظهر اقتصاد زراعيّ متطوربالقدر الكافي كي يوفَّر الاستقرار، ومع تبنّي شكلٍ ما من العبادات يصبح من السهل إحداث تجمّع بشريٍّ معْتبر بعد إذْ كان الناس ينقسمون إلى أُسَرٍ أو بطونٍ أو قبائلَ.

وتلك العبادة أوالخرافة أو الفكرة، تلك الثقافة الاجتماعية هي التي تخلق فيهم وبينهم روح الجماعة والإحساس بأهمية المصلحة المشتركة. وهنا تظهر قرى، ثُمَّ مدن تخضع لقوانين ومؤسسات، وتظهرالفنون، وتتسع الدائرة تدريجياًّ لتشمل أصقاعا أخرى حتى تٌغطِّيَ هذه الحضارة الناشئة أراضي شاسعة وقبائل مختلفة تجمعهم معتقدات واحدة. وعلى تلك الأراضي تتشكل كيانات سياسية واقتصادية وعسكرية ستُسَمَّى فيما بعدُ: سومر، مصر الفرعونية، اليونان، الهند القديمة، الصين، المايا، الأزتيك، الإينكا، العالم الإسلامي، أو الغرب…

إنّ هذه الحضارات لم تنشأْ بطريقة “طبيعية”، فلا بدّ أنَّ هناك شيئا ما طرأَ فجأةً ليوقظ النفوس ويستثيرها ويُحرِّكها ويدفع بها صوبَ أهدافٍ محدّدة. والسبب الأول في وجود الحضارة لا علاقة له بنوعية التربة أو الوسائل المادّيّة. إنّ القدرة الخلاَّقة عند بن نبي تأتي بالضرورة من مصدر ذهنيّ، وهي ظاهرة طاقويّة. وأوّل فعل تاريخيّ يقوم به المجتمع عند ميلاده هو إرساء شبكة علاقاته الاجتماعية.

ويضرب بن نبي مثالا ليُجسّد هذه الفكرة بالمجتمع الإسلاميِّ: “إنّ أول فعل قام به المجتمع الإسلاميّ هو المآخاة بين الأنصار والمهاجرين. وكانت الهجرة هي أول موعد في التاريخ الإسلاميّ، لا لأنها صادفتْ الفعل الفردي الذي اضطلع به الرسول، بل لأنها صادفت أول فعل قام به المجتمع الإسلامي. ويتمثل ذلك في تشكيل شبكة اتصالاته قبل تشكُّل زُمَرِهِ الاجتماعية، أي عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء… إذن، فأصل شبكة الاتصالات التي تتيح للمجتمع أن يقوم بعمله المنسق في التاريخ، هذا الأصل يقع في خلق تركيبه البيوتاريخي“. (عن كتاب “ميلاد مجتمع)“.

كما يرى “أنه لو تحرّك الناس وتحركت الأفكار والأشياء بشكل متناسق في مكان ما وزمن ما، فذلك هو الدليل على أن الحضارة قد بدأتْ، وأنّ تركيبها قد تمَّ أوّلاً في عالم الأشخاص. إنّ أول فعل في عملية التحوّل الاجتماعي هو الفعل الذي يتمّ فيه تغيير الفرد كشخص بتحويل المميزات الحيوية التي تربطه بالفصيلة إلى مميزات اجتماعية تربطه بالمجتمع. إنّ الروابط الخاصة بعالم الأشخاص هي التي تتيح إيجاد العلاقات الضرورية بين الأفكار والأشياء في حركة المجتمع المنسَّقة. والروابط بين الأشخاص هي روابط ثقافية، أي أنها روابط خاضعة لمعايير ثقافة معينة بالمفهوم الذي سبق تحديده، وهو أنها، في نفس الوقت، جوٌّ عامٌّ ومجموعة من القواعد الأخلاقية والجمالية، إلخ“. عن كتاب”ميلاد مجتمع”.

لا بد من حفظ ذلك المفهوم المتمثل في “النشاط المنسق في المجتمع“، والذي يعتبره بن نبي هو جوهر التاريخ: “إنّ الوحدة الأساسية في المجتمع ليست هي الفرد، بل هي الفرد المُكَيَّف… وإدماج الفرد في شبكة اجتماعية هي عملية حذف وعملية انتقاء في آنٍ واحد. وهذه العملية المزدوجة تجري في شروطٍ عادية، أي عندما يكون المجتمع قد تشكَّل بواسطة المدرسة… وهذا ما يُسمَّى بالتربية… فعندما يتطور المجتمع بطريقةٍ ما، نجد أنّ هذا التطور يتأثر كمِّياًّ وكيفياًّ في شبكة علاقاته الاجتماعية. وعندما تتهلهل هذه الشبكة وتصبح غير مناسبة لاحتواء عمل مُنَسَّق بشكل فعال، فتلك هي العلامة الدالة على أنّ المجتمع مريض ومتجه إلى نهايته. وإذا أصاب الشبكةَ تشتُّتٌ تام ، فإنّ المجتمع يُلغى ويمَّحي ويصبح مجرّد ذكرى مخبَّأة في بطون كتب التاريخ. وقد يُصادف اندثار مجتمع ما ظهور جمهور من الأشخاص وشيوع الخيرات، كما كانت الحال في المجتمع الإسلامي في المشرق في نهاية العصر العباسي وفي المغرب في نهاية فترة الموحدين. عندما انهارت إمبراطورية آشورAssur  في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، لم يكن ذلك بسبب الحروب، بل بسبب تشتت المجتمع المكوِّن لتلك الإمبراطورية والذي أصبح فجأة غير قادر على القيام بعمل منسَّق. فشبكة روابطه الاجتماعية لم تُمكّنْه من الحفاظ على إمبراطورية آشوربانيبال Assurbanipal العظيمة“.

ويقدّم بن نبي وصفاً عجيبا لظاهرة تفكك العلاقات الاجتماعية، وهي سبب الانحطاط والقابلية للاستعمار: “إنّ المُركّبات التي ضبطتْها الثقافة والتقاليد العريقة تصير غير صالحة لضمان استمرار الحركة الاجتماعية العادية، وهذا يؤدّي إلى نوع من الشلل الذي لا تظهر آثاره إلاّ على محك الأحداث التي تمر على المجتمع والتغيّرات المتتابعة التي تمس مؤسساته”.

و الانحطاط وراثي، مثله مثل بعض الأمراض. فهو ينتقل من جيل إلى آخر عن طريق جراثيم تتمثل في التصورات الذهنية والعادات والتقاليد: “كُلَّما طرأ تعديل على مُركّب نفسيّ نتج عنه تعديل اجتماعي مُعادل له، سواء أكان ذلك التعديل إيجابياًّ أم سلبياًّ(2)… الأفكار ميكروبات تنقل الأمراض الاجتماعية عبر الزمن وتكفل لها الدوام… عندما ندرس أمراض مجتمع ما مِنْ جميع النواحي ـ الاقتصادية والسياسية والتقنية ـ فإننا في الواقع ندرس أمراض (الأنا) في ذاك المجتمع، وهي أمراض تتخذ صورة عجز في الشبكة الاجتماعية. وإذا نسينا هذا الاعتبار ذا الطابع النفسي أو أهملناه، فإننا نكون كالذي يُصدر أحكامه على ظاهر الأشياء بدلا من جوهرها. ومثال ذلك أن نستورد حلولا اقتصادية تقنية من أوروبا، لكنها حلول غير مُجدية أحيانا لأنها لا تُناسب معطيات (الأنا) في تلك البلدان“.

إذا كان بن نبي لا يجد إلاَّ سببا واحداً لنشأة الحضارات وظهور “الفكرة/القوة”، فإن توينبي يجد لذلك عدة أسباب كفيلة بإحداث “الانتقال من حالة الجمود إلى نشاط حَرَكِيٍّ”، مثل  “التحدِّي/ردّ الفعل”. وبن نبي يريد أن يبيِّن أن هذا المفهوم غير كافٍ لتفسير مثل هذه الظاهرة: “لقد أُوِّلَتْ ظروف ظهورها مِنْ قِبَلِ مؤرخ مثل توينبي على أنها الظروف التي يكون فيها لزاماً على جماعة بشرية أنْ تُجيب على التحدّي بعمل مُنَسَّقٍ. ومع ذلك فإن هذا التأويل لا يفَسِّر نشأة المجتمعات التاريخية الحالية التي لا يتجاوز عددها الثلاثة. إننا لا نفهم كيف أن المجتمع البوذيَّ لم يستجب، في بداية التاريخ المسيحي، لتحدّي نهضة الفكر الهندي الذي حكم على ذلك المجتمع بالعيش منفيا في الصين. وإننا لا نفهم كذلك لماذا لم يكن لهذا المجتمع أي رد فعل في القرن العشرين، وهو في وطنه الجديد، تجاه الفكر الماركسيّ الذي استورده ماو تسي تونغ(Mao Tse Toung) ، وهو الذي مَحَا المجتمع البوذي من خريطة العالم الإيديولوجية “( عن”مشكل الأفكار في الجتمع الاسلامي”1971.).

كان المؤرخون قبل توينبي يفسّرون نشأة الحضارات بـ (الجنس) و (الوسط). وعندما عالج توينبي موضوع الانتقال من الحالة الساكنة إلى النشاط الحركيِّ لم يكتفِ بهذين العاملين، و يقول: “إنَّ سبب نشأة الحضارات ليس بالبسيط، بل هو أمر مُعَقَّد. إنه ليس كيانا مستقلاًّ، بل هو علاقة… هذا السبب يمكن البحث عنه في نموذجٍ تشارُكِيٍّ أطلقنا عليه اسم: تحدِّي ـ رد فعل défi-riposte )).

وقد استوحى توينبي فكرة (تحدِّي ـ رد فعل)، وحسب تصريحه هو، من كتاب (توطئة في السماء) للفيلسوف جوته (Goethe)، حيث نرى الله يتقبّلُ التحدي الذي واجهه به ميفيستوفيليس Méphistophélès . وكأنه يجيب عن ملاحظات بن نبي عندما يعترف بأنه “على عكس تأثير السبب، فإنّ الاستجابة لتحدٍّ ما ليست ثابتة، وبالتالي لا يمكن التكهن بها. إنّ التحدي الواحد يمكن أن يؤدي إلى استجابة خلاّقة  في حالات معيَّنَة ولا يؤدي إلى ذلك في حالات أخرى” . وهو يبيِّن، فيما يخصُّ الصين، أنَّ “إدخال إيديولوجيا غربية أجنبية لم يُؤَدِّ إلى قطيعة في تاريخ الصين، ولا إلى تغيير في وضعيتها السياسية… صحيحٌ أنه حَدَثَ في الماضي أنِ استولتْ فلسفة أو دين ـ وهي البوذية ـ على الصين” 3).

إنّ يونغ (C. G. Jung)  وجوته (Goethe)  هما اللَّذان دلاَّ توينبي على الطريق. يقول يونغ: “كلُّ الظواهر ذاتُ طبيعة طاقوية. والحال أنَّه بدون تضاد لا يمكن أن توجَدَ الطاقة. فلا بدّ من وجود مسبق للضغط بين الأعلى والأسفل، وبين الحرارة والبرودة، لكي يولد ويسري مسار البديل الذي يمثل الطاقة تحديداً. كل ما هو حيّ طاقة، وبالتالي فهو يستند إلى ضغط الأضداد”.

وحيث يجد بن نبي دفعاً روحياًّ يدفع بحضارة إلى الأمام (وهي مرحلة الروح)، يجد توينبي دفعا بروميثياً (نسبة إلى بروميثي Prométhée، الشخصية الأسطورية اليونانية)، وهو يُنشِّطُ (مرحلة النموِّ). إنّ الدفع الروحي أو البروميثي يؤثر في أفراد الجماعة التي أخذت طريقها في مسار الحضارة، لكن النخبة (أي: الأقلية الخلاَّقة) هي التي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية على التحرّك إلى الأمام. ولذلك يجب على تلك النخبة أن تبقى في تأثير متبادل  osmose مع الجماعة، وإلاّ فإنها تفقد صفة التمثيل ولن يتبعها أحد. وإذا حدث أنْ نَضَبَ إبداع النخبة، وصارت لا تُنْتِجُ (ردود الأفعال) على التحدِّيات المستمرة التي تطرحها الحياة والتطور والوسط، فإنّ ذلك أذانٌ بنهاية الحضارة(4).

إنّ توينبي يطلق اسم ( مَلَكة المُحاكاة) على قدرة الأقلية على قيادة التاريخ، ويقول: “لكي تتمكّن الشخصيات المُبدعة من رفع التحديات الجديدة، لا بد من توفر التلاحم الفكري الشديد والرابط الشخصي الداخليّ الذي ينقل النور الإلهي من نفس إلى أخرى” (5). إنَّ (الأقليات المبدعة) تعمل من خلال مؤسسات من خلقها هي، مثل: الأنظمة السياسية، والتنظيم القضائي، والاكتشافات العلمية، والإبداعات الفنية، والقيم الثقافية… وعندما يتشبّع الجميع بتلك القيم تنتج عن ذلك سلوكات اجتماعية عفوية، ونمط معيشي عام، وطابع نفسي مشترك، وثقافة، وتاريخ… ويواصل هذا المفكر الأنجليزي قائلاً: “إنّ أحسن مناعة ضد خطرالخَوَرِ في ممارسة مَلَكة (المحاكاة) تتمثل في بلْوَرَةِ العمل في شكل عادات وتقاليد… وأعتقد أنَّ مستقبل الحضارة موجود بين أيدي أقلية من الأفراد المُبْدِعين”.

إنَّ كُلاًّ من شبنجلر(Spengler) وتوينبي وبن نبي يُصَنِّفُ المجتمعات إلى ثلاثة أصناف، هي: مجتمعات ما قبل التحضر، مجتمعات متحضرة، ومجتمعات ما بعد التحضر (وهذا المصطلح الأخير لبن نبي)، أما توينبي فيعتمد على مصطلح آخر هو (civilisations postérieures ). وبن نبي يتميز عن توينبي في تعريفه للصنف الثالث عندما يقول: “إنّ مجتمع ما بعد التحضر لا يرقى حتى إلى رتبة مجتمع متوقف، لكنه مجتمع يسير في الاتجاه المُعاكس، فهو آخذٌ في المشي إلى الخلف بعد أن غادر سكّة حضارته وانقطع عنها” (عن “مشكلة الأفكار”).

وبن نبي متفق حول هذه النقطة مع شبنجلر الذي يقول: “إن الإنسان لا يكون بدون تاريخ قبل ميلاد الثقافة فحسب، بل كذلك عندما تتخذ الحضارة شكلها النهائي، وتكون قد استهلكت الرُّقيَّ الثقافي الحي، واستنفدت آخر الفضائل ذات الدلالة لدى الكائن” (6). وهو يرى أن هناك شعبَ ثقافةٍ، وهم الألمان، وشعبَ حضارةٍ، وهم الفرنسيون، والأنجليز والأمريكان(7)، وشعبَ طبيعةٍ، وهم الآسيويون، وهناك شعوب “فلاّحين”.

ويُلْقِي محند تازروت، مترجم كتاب شبنجلر، الضوء على مقصدية المفكر الألماني من هذه العبارة التي يكون قد كاشفه بها، والتي يُحتمل أن يكون قد أخذها عن ابن خلدون: “الإنسان الفلاّح هو الإنسان إطلاقاً، وهو ليس بالمثقف ولا بالمتحضر ولا بالبدائي. وبالتالي فهذا إنسان يستحيل التعرف عليه بنظرية علمية للتاريخ أو بواسطة فلسفة التاريخ… إنه إنسان بدون تاريخ a-historique ، بمعنى أنه أبديّ” (8). ويضيف شبنجلر أنّ (شعب الفلاّحين) ـ وهو المفهوم الذي ينطبق على مرحلة ما بعد الموحدين عند بن نبي ـ هو شعب “مستقل عن كل ثقافة تقبع في المدن. إنه يسبقها ويعيش بعدها. وهو يتكاثر من جيل إلى جيل بشكل مُريب” (9).

لقد استقى كلّ من شبنجلر وتوينبي وبن نبي إلهامهم الأول من ابن خلدون. وتوينبي يقف موقفا مُشرِّفا إذ يعترف بأن ابن خلدون “أسّس وصاغ فلسفة للتاريخ، وهو بدون شك أعظم عمل أُنْجِز على يد إنسان في أي زمان أو مكان… إنه أحسن مترجم لمورفولوجية التاريخ في العالم بأسره إلى يومنا…” (10). وعلى مشارف القرن الواحد والعشرين كان توينبي وبن نبي قد تخلّيا عن نموذج الحضارات وبدآ يفكران في “النزعة العالمية” (mondialisme).


المراجع

1) وُلِد في أغريب، في منطقة القبائل الشمالية سنة 1893، من عائلة فقيرة، حصّل على شهادة من المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة. مارس التعليم لبعض السنوات في ثنية الحد قبل أن يُجنّد في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى. أصيب في الحرب وسُجن في ألمانيا حيث اكتشف الثقافة الألمانية. أطلق سراحه في إطار تبادل المساجين. ومنذ ذلك الوقت أقام في سويسرا وبدأ يُحضِّر لنيل شهادة في اللغتين (الألمانية واللاتينية). تحوَّل إلى فرنسا سنة 1919 واشتغل بتدريس الألمانية في أشهر الثانويات. وفي الثلاثينيات قام بزيارة لألمانيا لأغراض تتعلق بالبحث العلمي. قام بترجمة أوسوالد شبنجلر وكارل بروكلمان من الألمانية إلى الفرنسية. درّس الألمانية في ثانوية لويس الأكبر Louis- le- Grand في باريس، ثمّ صار أستاذا شرفياًّ في جامعة السوربون وعضوا في المعهد. زار عدة بلدان آسيوية وشبه القارة الهندية. كان مساندا للثورة الجزائرية ومنددا بالقمع الاستعماري. توفي سنة 1973 في طنجة. ومن آثاره:

– دولة الغد. « L’Etat de demain », Ed. PUF, Paris..

– بيان ضدّ العنصرية. « Manifeste contre le racisme », Ed. Subervie.

– في مؤتمر المتحضرين. « Au Congrès des civilisés » (5 volumes), Ed. Subervie.

– ثلاثية العالم الحديث. « La trilogie du monde moderne ».

– تناقض أو تعاكس. « Contradiction ou contrariété » (Promotions et Editions).

– التاريخ السياسي لإفريقيا الشمالية. « Histoire politique de l’Afrique du Nord ».

– رواية في السيرة الذاتية بدون اسم. Un roman autobiographique anonyme.

– تراجيديا في خمسة أحداث وأبيات حول الجزائر وتحريرها. Une tragédie en cinq actes et vers sur l’Algérie et sa libération

– كتابان حول الجزائر، صادران في موناكو تحت اسم مستعار: المتوكل. Deux ouvrages sur l’Algérie parus à Monaco sous le pseudonyme de Moutawakkil..

– ترجمة للقرآن. Une traduction du Coran..

2) إنّ يونغ Jung هو الذي اكتشف (المُركَّبات) وعرّفها بأنها: “صُوَرٌ وجدانية مزوَّدة باتِّساق داخليٍّ قويِّ”. أما بن نبي فله تعريف خاص به لـ (المُركَّب النفسيّ)، فهو عنده بمثابة رسوخ للعادات والتقاليد والأذواق في البُنى الذهنية والسلوكات. وهو تعبير عن كل ما هو موروث عن المجتمع، يقول: “الدافع هو الذي يغيِّر العادة في الحين، سواء أكانت العادة حسنة أم سيئة، ويغيّر العرف السائد والفعل المتجسّد، سواء أكان ذلك الفعل حسناً أم سيِّئاً. والمُركّب النفسي هو النموذج، والفكرة التي تندمج في أخلاقياتنا الشخصية في شكل خلاصة ذهنية لسلوكنا الاجتماعي” عن : “مشكل الأفكار”، مسودة  1960.

3) جاءت البوذية، التي أسسها بوذا حوالى سنة 525 ق م في الهند، لكي تُصْلِح الديانة الهندية القديمة La religion védique التي سبقتها ببضعة قرون. فلسفتها مُلْحِدة، وهي لا تعترف بأية سلطة ولا تقبل بتقسيم المجتمع إلى طبقات. كما أنها تُعارض الزهد والطقوس البراهمانية، وتكفر بالكتب الدينية الهندية القديمة Les Védas  ، وتندد بالطبقات الاجتماعية، كما أنها لا تؤمن بوجود الروح.

4) وشبنجلر يقول من جهته: “إنّها الأقلية من تلك الأذهان المتفوقة التي قد تكون أسماؤها مغمورة، وهي التي تقرر كل شيء، أما الجمهور الأكبر من ساسة الدرجة الثانية، كالخطباء المفوّهين، والنواب والصحفيين، ومنتخبي المناطق الداخلية، فهُمْ يُدوِّخون الجماهير بإيهامها أنها حُرَّة في تصرفاتها”، عن: « Le déclin de l’Occident », T.1..

5) تروي الأسطورة أن بروميثي، وهو أول من أوجد الحضارة الإنسانية حسب أساطير اليونان، سرق قبس النار من الآلهة وسلّمه للناس. أما بروميثي الذي اتخذه توينبي مرجعاً فهو غير تلك الشخصية الأسطورية التي تظهر في تراجيديا أشيل، إنه يقصد بروميثي الذي قام بتعديله جوته في عمله على إعادة الصلة بين الله والإنسان كما فعل نبي الإسلام محمد (ص).

6) المرجع السابق. المجلّد 2.

7) قد يكون هذا الحدس نفسه هو الذي جرّ روني جينون René Guénon إلى وصف الولايات المتحدة بـ ( أقصى الغرب)، وهو يقصد أنها تمثل عُصارة المظاهر السلبية في الحضارة الغربية والمرحلة الأخيرة من أوروبا الحديثة.

8) المرجع السابق. المجلّد 2.

10) عن: « L’Histoire »  مرجع سابق.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: