مالك بن نبي (11) مشكلــة الثقــافــة

مالك بن نبي (11) مشكلــة الثقــافــة

بقلم: نورالدين بوكروح - ترجمة عبدالحميد بن حسان -

إنّ هذا الكتاب الذي ظهر بنسخة عربية في القاهرة شهر جوان 1959، يتكون من مقدّمة وأربعة أجزاء، هي: تحليل نفسي للثقافة، تركيب نفسي للثقافة، تعايش الثقافات، الثقافة في اتجاه العالمية. وبمناسبة إعادة نشر الكتاب في دمشق سنة 1972 أضاف له بن نبي جزءاً مُلْحقا بعنوان “ما ضدّ الثقافة L’anti-culture” وهو في الحقيقة نفس الملحق الذي حرره سنة 1969 كتكملة لـ “الرسالة” التي وجهها إلى مؤتمر الكُتاب الأفارقة المنعقد في مارس 1959 بروما.

 

أما النسخة الفرنسية فهي تضمُّ، إضافةً إلى هذا، ملحقا آخر جَمَعَ فيه بعض مقالاته التي تعود إلى الستينيات، وهي: “السياسة والثقافة” عن مجلة Révolution africaine  الصادرة في 16/10/1965،و“نداء قسنطينة” عن مجلة Révolution africaine  الصادرة في 10/04/1968، و “اللغة والثقافة” عن مجلة Révolution africaine  الصادرة في 19/05/1968 والرسالة المشار إليها مع تكملتها، إضافة إلى “أفكار معزولة حول الثقافة”.

وفي الوقت الذي كان فيه فكر بن نبي في مرحلة التكوين خلال الثلاثينيات والأربعينيات، كانت الثقافة تحتل مركز اهتمام خاص في الكتابات الأدبية والجامعات في البلدان الغربية. فقد كانت الإثنوغرافيا والإثنولوجيا تتغذيان من اكتشاف شعوب البلدان المستعمرة أو المُهَمَّشة، وتتحمسان لدراسة أساليب الحياة  في المجتمعات الموصوفة بأنها (بدائية). إنّ الغرب صار يريد أن يتحلى بالروح الإنسانية وينظر إلى المجتمعات التقليدية من زاوية نظر بعيدة عن العنصرية. وبذلك أتيح للأنثروبولوجيا الاجتماعية أن تزدهر في فرنسا والولايات المتحدة بفضل أعلام مثل ليفي بروهل Lévy-Bruhl ، وليفي ستراوس Lévi-Strauss ، وكاردينار Kardiner ، ورالف لنتن Ralph Linton ، ومارجاريت ميد Margaret Mead ، وبول رادين Paul Radin ، وروث بنديكت Ruth Bendict… إلخ. والأنثروبولوجيا في الجملة تَعْتَبِر أنّ “كل مجتمع، مهما كانت أبعاده وحالته التاريخية، يمثِّل ثقافة مُعَيَّنة” (1).

وقد عارض مالك بن نبي منذ البداية هذه النظريات التي يرى أنها لا تناسب موضوع بحثه. ونظراً لكونه هو شخصيا يعيش في إطار حضارة متدهورة، وينتمي إلى بلد مستعمَر، فقد كان يجد صعوبة في تسويغ نعت مجتمع متأخر بأنه مجتمع ذو ثقافة. إنه يتقزّز من أن تُنسب كلمة الثقافة إلى وضع أخلاقي، وماديّ واجتماعي موصوف بالتأخر، وينتقد موقف علماء الإناسة (الإثنولوجيين) الذين يُلْحِقون هذه الكلمة إلى كل أشكال الحياة الاجتماعية بدون تمييز.

فالثقافة عنده لا يمكن أن تكون “كلّ ما يقع فوق مستوى الحياة الحيوانية” حسب ما يذهب إليه روهيم Roheim(2)، وهو يرفض هذا الخلط. إنه يتخذ موقفا مُضاداًّ لهذه المقاربة، ويُقَدِّم الدليل على خطئها قائلاً: “إنه ممَّا يَطعَنُ طعنا كبيرا في سلامة مفهومٍ يحتلّ مرتبة عظيمة في التاريخ، أنْ يُعطى له وجهان: وجه يمثِّل التطوّر من جهة، ووجه يمثل التخلف من جهة أخرى. فلا وجود لثقافة التأخر… والثقافة التي تعجز عن رفع المستوى الاجتماعي للفرد، وتفشل حتى في مجال المهام اليومية، فذلك هو المعيار الحاسم الذي يكشف عن أنها ليست ثقافة، بل هي (اللاثقافة) في درجةٍ ما من الروعة، وفي درجة ما من الطابع المَحَلِّيِّ، مع شيء من السحر الفولكلوري. فلا بدّ من الدقة إزاء الوظيفة الاجتماعية للثقافة، خاصة في السياق السياسي للبلدان حديثة العهد بالاستقلال والتي هي في بداية مرحلة التشييد“.

وكان بن نبي قد اقترح لأول مرة تعريفا للثقافة في كتاب “شروط النهضة” الصادر سنة 1949. وهو تعريف مزدوج: تعريف تاريخي من أجل فهم الثقافة، وتعريف بيداغوجي من أجل تحقيقها. التعريف الأول يشير إلى وسط كيماويّ: “إنّ الثقافة، بما فيها الفكرة الدينية التي هي أساس الملحمة البشرية كلها، ليست عِلْماً، لكنها جوُّ ambiance يتحرّك فيه الإنسان الذي يحمل في داخله حضارةً. إنها وَسَطُ milieu يكون فيه كلّ شيء مؤشِّراً على المجتمع السائر باتجاه مصير واحد بتظافر جهود الراعي والحدَّاد والفنّان والعالم ورجل الدين. وعملية التركيب الحادثة بين العادات والمواهب والتقاليد والأذواق والأعراف والسلوكات والعواطف، تلك العملية هي التي تعطي وجهاً للحضارة، وتعطيها قُطْبيها المُمَيِّزَيْن، مثل عبقريةٍ كعبقرية ديكارت ونفسٍ كنفس جين دارك”. إنّ هذا التعريف أشبه ما يكون بصورة فوتوغرافية التقطها بن نبي التقاطا يكاد يكون لاشعوريا لحظة اكتشافه لفرنسا خلال الثلاثينيات. وهو تعريف يُذكِّرُنا بتعريف نيتشه (Nietzschee)الذي يجد في الثقافة من جهته “وحدة الأسلوب التي تظهر في جميع نشاطات وطنٍ ما” (3).

أمّا التعريف الثاني الذي تبنّاه بن نبي يُبْرِزُ موضوع الثقافة ووسائلها، فهي “ليست علماً خصوصيا حكراً على طبقة أو شريحة من الناس، لكنها نظرية للسلوك العام لدى شعبٍ ما برُمّته… فيجب أن تكون الثقافة عامة لكي تُلْهِم كُلاًّ من الراعي والعالِم وتُخْضِعَهما لإطارِ حياةٍ واحدٍ. أما وظيفتها في الحضارة فهي نظيرة وظيفة الدم ،حيث الكريات البيضاء والحمراء يجرفهما نفس التيار، أي البلازما. إنها العنصر المُغذِّي للحضارة وهي دمها الذي تتحد به أفكار الإطارات التقنية وأفكار الشعب التطبيقية في كنهها المتكوّن من الاستعدادات والأفكار والميول المشتركة… وهكذا، فإنّ كل إنجاز اجتماعي، وكل منتوج حضاريٍّ ما هو في حقيقته إلاّ مركّب متكون من العناصر الأساسية المُشكِّلة للثقافة، وهي: (أخلاقيات)  من شأنها تحديد السلوك الجماعي، و (عنصر جمالي) من شأنه تحديد الذوق العام، و(منطق براجماتي) من شأنه تحديد أساليب عمل مشتركة، و(تقنية) خاصة بكل زمرة من الأنشطة”.

أمّا الأخلاقيات (l’éthique)  فهي تعني المعتقدات والمعايير الأخلاقية والإيديولوجيا. وينبغي ألاَّ يُنْظَرَ إليها من زاوية النظر الفلسفية، بل من زاوية النظر الاجتماعية: “لا يتعلق الأمر بتشريح مبادىء الأخلاق، بل بتبيين قوى الإلتحام الضرورية بين الأفراد في مجتمع يكوِّنُ، أو يمكن أنْ يُكوِّن، وحدة تاريخية. وهذه القوى تعود في أصلها إلى الغريزة الحيوانية لدى الفرد الذي يتقاسم الحياة مع مجموعته… إنّ المجتمع عندما يولد أو يستيقظ يلتزم بقانونه الخاص بالتبلوُر والتماسك في إطار منظومة القواسم المشتركة بين أفراد الجماعة Ethos. وبالمقابل، فحين يغيب معنى الأخلاقيات في مجتمع ما، فإنّ هذا المجتمع يتشتت و يتشرذم ويتفتّت. وهذا التشتت يجد تفسيره في عودة الغرائز غير الاجتماعية لدى الفرد. وتزداد هذه الظاهرة حِدّةً عندما يتوقف المبدأ الأخلاقي الديني ،و من بعده بقاياه المتمثلة في المبدإ اللائكي -القيد الاجتماعي ـ عن محاسبة كل فرد على أفعاله“. إنّ الأخلاقيات تحقق الوحدة الذاتية بين الأفراد، وتُزوّدهم بنفس المرجعيات الأخلاقية وتؤسس نظاما للقيم بينهم.

أما العنصر الجمالي (l’esthétique) فهو يعكس أسلوب حياة مجتمع ما. إنه يُلْقي بظله على المحيط الاجتماعي وأساليب الحياة لدى أفراد المجتمع ( ما يُطلق عليه مصطلح  le savoir vivre آداب العيش). إنّ الألوان والأشكال والأصوات والحركات هي التي تكشف عن العنصر الجمالي وتُشكِّل جواًّ عاماًّ. ونظرا إلى أنّ بن نبي كان يكتب لغايات عملية فإنه يشير إلى أن معنى الشيء الجميل يجب أن يبرز وجوده في الشارع وفي الملبس وفي الأمكنة العمومية. وقد كتب يقول في الأربعينيات:  “ينبغي أن نجد في شوارعنا وفي مقاهينا تلك النوتة الجمالية التي على المُخرِج السينمائي أن يُضْفِيَها على اللوحة السينمائية أو المسرحية. فَحَرِيٌّ بِنا أنْ نحسَّ بالصدمة إزاء أبسط نشاز يحدث في الصوت أو الرائحة أو اللون، تماما كما نشمئزّ من مشهد مسرحي ذي إخراج رديء”.

فالخيرُ لا يمكن أنْ يُتصَوَّر بدون الجمال. وبن نبي يترجم هذه الفرضية بلغة علم الاجتماع قائلا: “إنَّ الأفكار هي بمثابة النسيج الذاتي للأفعال. وهي مرتبطة بمولدات ملموسة وبجوّ تكتنفه ألوان وأشكال وحركات وأصوات ووجوه. والحقيقة أن الأمر يتعلق بالجمال عندما ننظر إلى مصدر الأفكارـ أي الأفعال. إنّ أبسطَ نشاطٍ يمكن أن يتسم بشيء من الجمالية، ذلك أن هناك طريقة جميلة في التفكير وفي العمل، وحتى في ممارسة السياسة أو حمل شيءٍ ما بأيدينا… إنّ العنصر الجمالي هو المشكل الجوهري في الفن وفي موضة الملبس، وفي أعرافنا. إنه طريقة لإضفاء الوسامة والسحر على أعمالنا، والكنس أمام باب بيتنا، وتمشيط رؤوس أبنائنا، ومسح أحذيتنا إذا كانت عندنا أحذية، وألاَّ نمشي مَرَحاً في الأرض كما يوصينا القرآن… إنَّ العامل الجمالي هو وجه البلد في أعين العالم. فيجب أن نحفظ ماء وجوهنا كي نحافظ على كرامتنا ونفرض على الغير أن يحترمنا كما يجب علينا أن نحترمه“. وجوناس سالك Jonas Salk يطلق مصطلح “الحس الجمالي” على تلك القدرة التي تميِّز الإنسان، وهي البحث عن الجمال والنظام بديهيا(4).

أمَّا التقنية (la technique)فهي تُمثِّل وسائلَ العمل في مجتمعٍ ما، وأساليبَ إنتاجِه، وإبداعيتَه.  وهي تشمل العلوم والحِرَف والمهارات، وكل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي تكفل للمجتمع تطوراً وحياة اقتصادية سليمة.

أمَّ المنطق البراجماتي  (la logique pragmatique)فهو يُعبِّر عن قدرة المجتمع على مواجهة المشاكل المطروحة، أي ما يُطلق عليه مصطلح (le savoir fairee المهارة). إنه منطق العمل، والفعل المناسب للهدف، والرابطة المنطقية بين السياسة ووسائلها، وبين الفكرة وتحقيقها، وبين الثقافة ومَثَلِها الأعلى. وهذا هو العنصر الذي يبدو لبن نبي أنه غائب عند المسلمين أكثر من غيره من العناصر، وغيابه هو الذي يفسِّر انعدام الفاعلية لديهم.

يقول بن نبي: “إذا كان الناس جميعا يستطيعون بحدسهم، ولو بالتقريب، إقامة رابط منطقي، فقِلَّةٌ منهم فقط تمتلك منطق العمل. وهذا هو المنطق الذي ينقص المسلمين، وليس منطق الفكر… يُقال أن المجتمع المسلم يعيش وفقا لتعاليم القرآن. والأصحّ أن يُقال إنه يتكلم بتعاليم القرآن لأنّ هناك غيابا للمنطق في سلوكه الإسلاميّ. ولنضرب مثالاً حياًّ عن ذلك: لننظر إلى كيفية سير إمام أو قاضٍ مسلم من جهة، وسير قٌسٍّ كاثوليكيٍّ من جهةٍ أخرى. على من تبدو الحيوية والحزْم وسرعة الحركة؟ ليس على المسلم رغم أن تعاليم القرآن التي يعرفها حق المعرفة تأمر بـ (واقصد في مشيك)، وكذلك بـ ( ولا تمشِ في الأرض مَرَحاً)… إننا لا نُفكّر تمهيداً للفعل، بل نفكر لكي نقول كلاما لا يعدو أنْ يكون كلاما. والأدهى من ذلك أننا نمقُتُ مَنْ يفكّر بفاعلية ويقول كلاما منطقيا، أي كلاماً يتحوّل في الحين إلى أفعال. مِنْ هُنا تأتي كل مظاهر قصورنا من الناحية الاجتماعية…”

إنّ كل مرحلة من التطور الاجتماعي بالنسبة لبن نبي تتميز بغلبة أحد هذه العناصر. وهكذا فإن عنصر الأخلاقيات يغلب على المجتمع الناشىء، بينما ينغمس المجتمع الآفل في “جمالية  تبتعد، على أية حال، شيئا فشيئا عن معايير الجمال الحقيقي“(عن كتاب “ميلاد مجتمع”، (1962).

إنّ مفهوم الثقافة في البلدان العربية خلال الخمسينيات (والحقّ أن الوضع لا يزال على حاله إلى يومنا هذا) كان يُتَنَاولُ على أنها (ترفيه)، أو (ثقافة الجماهير)، وإلى حدٍّ ما بمعنى (العلم) و (المعرفة). ويعبِّر مالك بن نبي عن رفضه لِما يعتبره انحرافا دلاليا زاده الصراع الفكري خطورةً، لأنّ هذا الصراع يصبو إلى توجيه الضمير العربي إلى التفاهات والمظاهر.

ولمّا عاد إلى هذا الموضوع الهام بعد استقلال الجزائر، أراد أن يُنَقِّيَه من الحُثالات التي أُلْحِقَتْ به على أيدي مُثقَّفين سطحيين. فكما أن الثقافة ليست ترفيها، فإنها ليست نتاج التربية والتكوين والمدرسة: “إنّ المدرسة لا تعطي للتلميذ تلك الصفات المحددة التي تُعِدُّ صاحبها ليُصبح مُنْتِجاً فعالاً في المجتمع إلاَ إذا توفرت شروط معيَّنة تتجاوز إطار المدرسة… إنّ الفرد لا يدين بصفاته الاجتماعية لتكوينه المدرسي، بل لظروف خاصة في وسطه“.

ولما أراد أن يفسر ظاهرة التأخر من هذه النافذة، راح يُبيِّنُ أن هذا الأخير ليس ذا طبيعة اقتصادية، بل ثقافية: “إنّ التأخر هو نتيجة أو حصيلة النقائص الفردية، إنه نقيصةٌ بِبُعْدٍ اجتماعيّ. والنقيصة لا تكون نتيجة لتكوين في إطار المدرسة. إن مشكلة السلوك من اختصاص الثقافة، لكن تلك الثقافة التي صُممت و تطوّرت في إطار اجتماعي يشمل المجتمع كله، وليس شريحة اجتماعية معينة… إنّ الفرد لا يدين بصفاته الاجتماعية لتكوينه المدرسي، بل لظروف خاصة في وسطه. عندما نُصْدِر سلوكاً سلبيا إزاء مشكلة ما، فإنّ كل الأسباب المتعلقة بالنقائص الخاصة في وسطنا هي التي تجعل مِنَّا أفرادا غير فعَّالين” (عن كتاب     . ( Perspectives algériennes, 1964

وبإمكاننا اليوم، أي بعد نصف قرن من كتابة هذه الأسطر، أن نُدْرِك مدى صحة تلك الرؤى بالنظر إلى أزمة المدرسة الجزائرية بما فيها من تسرّب مدرسيّ، وعدم تكيُّفها مع احتياجات النشاط الاقتصادي، وعجزها عن تربية المجتمع.

ويرى بن نبي أنّ “مِنْ دور الثقافة أن تخلق ذلك الرابط الاجتماعي. ويبدو أن الثقافات تنتظم في زمرتين بناء على هذا الدور بالذات، وهذا الانتظام يُحيل على نزعتين اثنتين… فالشعوب السَّامية (sémites) أسست ثقافتها على احترام القاعدة، أي على القيم الأخلاقية. أمَّا الشعوب الآرية (aryens) فقد أسستها على القيم الجمالية، وعلى الشكل الذي بلغ درجة الإتقان في أثينا التي انتقلت من طقوس الشكل إلى نهضة أوروبا… إن هذا التمييز الجوهريّ يمتد إلى أصول هاتين الثقافتين: فقد ورثت الثقافة الغربية من العبقرية اليونانية الرومانية تذوق الجمال، أما الثقافة الإسلامية فقد ورثت من العبقرية السامية معنى الحق“.

وهكذا فإن بن نبي يعزو مسار انقسام الثقافات وتميّز بعضها عن الآخر إلى عملية تخزين الأفكار الأولية في اللاَّوعي. يقول: “لمّا وجد الإنسان نفسه وحيداً انتابه شعور بفراغ كوني (sentiment de vide cosmique). فكانت طريقة مَلْئه لهذا الفراغ هي التي ستحدد نمط ثقافته وحضارته، أي كل المميزات الداخلية والخارجية لنزعته التاريخية. وهناك بالأساس طريقتان لملء هذا الفراغ: بالنظر بين القدمين، باتجاه الأرض، أو رفع العينين صوب السماء. فالأول يَعْمُرُ وحدته بالأشياء: فنظره المُسيطر يريد أن يمتلك. أما الثاني فيَعْمُرُ وحدته بالأفكار: فنظره المتسائل يبحث عن الحقيقة. وهكذا يولد نمطان من الثقافة: ثقافة الأمبراطورية ذات الجذور التقنية، وثقافة الحضارة ذات الجذور الأخلاقية والميتافيزيقية. والظاهرة الدينية تظهر حيث يوجّه الإنسان نظره صوب السماء. هناك يظهر النبيّ: رَجُلُ المهمة والرسالة، الرجل الذي بحوزته أفكار يريد تبليغها مثل إرميا والمسيح ومحمد. إن أوروبا، مع انها مهدٌ لكثير من الأعلام الكبار، يبدو أنها مُقصاة من الظاهرة الدينية على مستوى رُسُلِها، وكأنَّ طبيعة الإنسان الأوروبي الشغوف ببشريته، لا تترك مكانا لما هو إلهيّ. وعلى نقيض ذلك، فإن الإنسان السامي يبدو أنه متجه إلى الميتافيزيقا. فالأمور الإلهية لا تترك إلاَّ حيِّزاً ضيِّقاً للانشغالات الأرضية ” (عن كتاب مشكلة الافكار في العالم الاسلامي  1971.

وإذا نظرنا إلى حال المسلمين اليوم فإن آراء بن نبي تزداد صوابا. فالعرب معروفون بكرم طبعهم وبسخائهم وتعفُّفهم، لكن الروح الاجتماعية والحزم غائبان عندهم. وقد سجل لورانس العرب(Lawrence d’Arabie)  الذي عاش بينهم في زمن العمليات الكبرى التي كانت تستهدف تفتيت الأمبراطورية العثمانية، سجل في كتاب “أركان الحكمة السبعة” ما يأتي:”يمكن ان نربط العرب إلى فكرة كما لو ربطناهم بحبل… نفترض أننا جُلْنا بهم في أصقاع الأرض كلها لا لشيء إلاَّ لكي نُطْلِعهم على خيرات الأرض وملذاتها. لكنهم لو التقوا في طريقهم بالنبي الذي يحمل فكرة، وهو لا يملك مأوى يحميه، ولا يملك وسيلة لسد رمقه سوى الصيد والصدقة، لتبعوه في الحين وتخلّوا عن خيراتهم… إن هذا الشعب تنتابه تشنّجات وانتفاضات باستمرار. إنه سلالة الأفكار والعبقرية الفردية… قناعاتهم هي نتاج الغريزة… صناعتهم المفضلة هي صناعة المعتقدات” (5).

ويضرب بن نبي مثالا عن هذا التباين الثقافي الأساسي بردود أفعال جماهير المشارقة والجماهير الغربية أمام نفس المشهد: فالمتفرج الأوروبي ينطق بالوتر الجمالي، أما المتفرج المسلم فينطق بالوتر الأخلاقي. ولا يمكن أن تكون ردود أفعالهم إلاّ متباينة. وهو يذكر فيلم “عُطيل” (Othello) المستوحى من مسرحية شكسبير، الفيلم الذي بُثَّ في قاعة كان متفرجوها من كلا الثقافتين، ثُمَّ يسجِّل :”عندما يقتل عُطيل دسدمون وينتحر يبلغ تأثُّر المتفرج الأوروبي مداه لأن نزعته جمالية:لأنه يرى نهاية كائنين رائعين، في حين يقف المشرقي متصلبا نظرا لميله الاخلاقي :فهو يرى جريمة قتل وانتحارا “ عن “مشكلة الثقافة”.

ثُمَّ يضيف: “إنّ الفرد يتعوّد على الأشياء والأفكار الموجودة في وسطه الاجتماعي عن طريق نوع من الذوبان الذي يُدْمِجها مع كيانه الأخلاقي مثلما أنّه يلتقط عناصرالوسط البيولوجي المحيطة به  ويدمجها مع كيانه الفيزيائي بواسطة التنفس والتعوّد. فالفرد منذ ولادته يجد نفسه سابحا في عالم أفكار وأشياء يتحاور معها باستمرار“.

إنَّ الثقافة التي تطغى عليها الأخلاقيات تُوَلِّدُ مجتمعا تكون فيه العوامل الأخلاقية والميتافيزيقية غالبة على باقي العوامل. امّا الثقافة التي يعلو فيها شأن البُعْدِ الجمالي فتُنتجُ مجتمعا يكون فيه الجميل في مرتبة الحقيقي. والثقافة التي يغلب عليها المنطق البراجماتي والتقنية تفضي إلى مجتمع تصير فيه المردودية وحسن الأداء هدفين في حدّ ذاتهما، مثلما كانت الحال في عهد الستاخانوفية stakhanovisme في الاتحاد السوفياتي.

ويقول بن نبي في نفس الكتاب :”إنّ المجتمع يكون تحت تأثير أخلاقياته وجماليته، وتحديدا تحت تأثير علاقتهما المحددة لدوافعه وتوجهاته ونزعته في التاريخ، وذلك قبل أن يأتي تأثير التقنية والمنطق البراجماتي المحدديْن لقواعده المادية في الحياة. والمجتمع يتشكل حسب الميل الناجم عن العلاقة بين الجمال والأخلاقيات. وعموما، بإمكاننا القول إن هناك نوعان من المجتمع: الأول هو المجتمع الذي تكون الدوافع فيه جمالية، والثاني تكون الدوافع فيه أخلاقية… وهذان المجتمعان، بتباينهما الثقافي، لا يسيران في نفس الاتجاه، بل إنهما يتعاكسان أحيانا وفي ظروف محددة: فالفعل الذي لا يحب مجتمعٌ ما فعلَهُ، ولا يستطيع ذلك لأسباب أخلاقية، يكون عند مجتمع آخر فعلاً عاديا يقوم به طوعاً لدوافع جمالية. ولنضرب عن ذلك مثالين:

أ ـ إن المجتمع الغربي مارس الرسم كنشاط فني، وتحديداً ذلك النوع من الرسم الذي يعتمد على العريle nu لأسباب جمالية. أما المجتمع المسلم فقد أخرج الرسم من حظيرة فنونه، وخاصة منه رسم العري لأسباب اخلاقية.

ب ـ إنّ تطوُّر الملبس في المجتمع الغربي قد انطلق من نقطة محدّدة تتمثل في السعي إلى إبراز جمال المرأة على مرأى الناس قدر المستطاع. أمّا تطوره في المجتمع المسلم فقد انطلق من نقطة مُغايرة لهذا تماما: السعي إلى إخفاء مفاتن المرأة ما أمكن أمام الناس.

ولهذا التباين مستلزماته: فعندما تنهار ثقافة الحضارة فإنّ الأفراد يتحوّلون إلى نُسّاك عابدين ومتعصبين (ودليل ذلك عند المسلمين ظهور الشعوذة في الماضي القريب والإسلاموية في الحاضر). أمّا ثقافة الإمبراطورية فإنها إذا انهارت نتجت عنها حالة الهيجان المادّيّ والنزعة الإمبريالية وغياب الأخلاق. يكتب بن نبي: “إن بعض الثقافات يمكن أن تُفْضي إلى دغمائية مُظْلِمة يستغلها المُشَعْوِذ، وبعضها الآخر تتحول إلى عربدة جنونية تقودها امرأة مثل الأمبراطورة مسالينا Messaline ، أو إلى كارثةِ حربٍ نووية”.

وبإمكاننا أن نطبق هذه القاعدة على الإمبراطورية الرومانية التي آلتْ إلى العربدة، كما يمكن أنْ نطبقها على بلاد الغرب التي شرّعتْ قوانين للزواج المِثْليِّ. وهذا ما قصده شبنجلر Spengler لمّا قال : “كلّ ثقافة تنطفىء ذهنياًّ بطريقتها الخاصة، وليس لها إلاّ تلك الطريقة الناتجة بالضرورة عن حياتها كلها… وإذا كان الدين هو جوهر كل ثقافة، فإنّ الإلحاد هو جوهر كل حضارة” (6)

لقد اهتمّ الجامعيّ الأمريكي آلان كريستلاو Allan Christelow بأفكار بن نبي منذ سنوات عديدة. وما أعجبه بشكل خاص هو فكرة “الحدود الثقافية” عند مفكرنا، وكذلك بحثه عن مركب ثقافي تعددي في إطار النزعة العالمية. ويرى كريستلاو أن بن نبي يمكن أن يُنْظَرَ إليه على أنه “مفكِّر الحدود الشاملة”. ويعقد مقارنة بين أطروحات بن نبي حول القابلية للاستعمار وأطروحات بيرنار لويس Bernard Lewis حول أسباب إفلاس الحضارة العربية الإسلامية، ويستنتج أنه إذا كانت المقاربتان متشابهتين فإنّ النتائج التي وصل إليها كل منهما تختلفان. ولم يتردد الأستاذ الأمريكي في أن يتخذ اتجاها معاكسا للأطروحات التي طرحها هوتينغتون Huntington الذي هو باحث أمريكي مثله، إذ يقول : “يمكن أنْ نقترح أنّ المجتمعات الرئيسية في المرحلة الجديدة لن تكون هي مراكز الحضارات الكلاسيكية مثل فرنسا أو العراق أو الصين، بل ستكون من المجتمعات الهامشية. ذلك أن تلك المجتمعات الهامشية تمثل أرضية مناسبة لإنتاج أفكار أو رموز أو شخصيات، أو شبكات قادرة على تسهيل التواصل بين الثقافات والحضارات… يمكن أن نتصور مالك بن نبي كمفكر لحدود شاملة. وكيف تَحَصَّلَ على هذا الدور؟ بدايةً، قضى شبابه في تبسة، وهي مدينة بعيدة عن قوى الاستعمار العنيفة، كما أنها المدينة التي كانت تربط الجزائر بالعالم الإسلاميّ ومراكز التعليم فيه بتونس والقاهرة… ثُمّ مرَّ بن نبي بفرنسا، في باريس، إبّان الفترة التي بدأ إعادة النظر في كل شيء من وجهة النظر السياسية والفكرية. وبعد ذلك مرّ بالقاهرة التي كانت نقطة تقاطع العالم العربي و الإسلامي، وكذلك العالم الثالث”.

إنّ كريستلاو يرى أن الجزائر تقع في الحدود بين أوروبا والعالم الإسلامي، وماليزيا تقع في الحدود بين العالم الإسلامي والصين، والمكسيك في الحدود بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية. وقد أصاب الأستاذ الأمريكي في آرائه، ذلك أن بن نبي كان على تمام الوعي بالعمل التوفيقي الذي يقدمه للتقريب بين الثقافات، حيث نجد في كتابه “مشكلة الثقافة” فصلا عنوانه (تعايش الثقافات) ويقول فيه: ” لقد تكفلتْ طبيعة الأشياء أحيانا بعمليات تركيب هامة في منطقة التماس بين ثقافتين من دون سعي أو قصد من الناس. فهناك مؤرخون يرون أن النهضة الأوروبية في ق16 لم تكن إلاّ مُركّباً تكفل بصنعه الزمن والأحداث في منطقة تماسّ بين الثقافة الإسلامية والعالم المسيحيّ. وعلى أي حال، فإنّ الحروب الصليبية ـ التي كانت نوعا من التركيب المعكوس ـ قد ظهرت في الحدود بين هذين العالمين. أما الثقافات فكانت آمنةً في الحواضر الكبرى، لكن أهمّ الأحداث التي تُفجِّرها الثقافات يكون مسرحها غالبا في مناطق التماس الحدودية… فعملية التركيب التي حدثت بين الثقافتين العريقتين، الصينية والهندية، جرت في منطقة التماس المتمثلة في التبت“.

إنّ بن نبي يتأسف على أنّ دور الرجال يكون في الغالب أصغر من دور الأحداث في صناعة التاريخ، ويقول عن نفسه أنه “يعمل في منطقة تماسّ بين الثقافات“، وهو يفكر“في إمكانية إحداث تركيب بين ثقافتين متجاورتين جغرافيا أو أكثر، أو السعي، على الأقل، إلى إحداث الاحتكاك بينها في إطارِ مشروعٍ على مستوى جيوسياسي“. ويضيف في الفصل نفسه: “إنّ الوعي الإنساني غير المتعوِّد على العمل في الحدود بين الثقافات سيجد نفسه، وبدافع عادات انطوائية قديمة، مدعُواًّ إلى النظر إلى الأشياء من زاوية نظر خاصة“.

وهو يؤكد هذه الرؤية في فصل آخر عنوانه “الثقافة في اتجاه العالمية “بقوله:  “على المسلم أن ينظر إلى الأشياء من أوسع زاوية نظر إنسانية ممكنة لكي يبني تصوّره حول مستقبله في الإطار العالمي… إنّ العالم مكتظٌّ بالعلم والثقافة المتشبعين بالنزعة الإمبراطورية. وهو مليء بروح الحرب والتسلّح. لكن يبقى هناك فراغ رهيب في الضمير، ويجب ملؤه“.


المراجع

1) عن كتاب:”الشخصية الاساسية: التصور الاجتماعي” Mikel Dufrenne, « La personnalité de  base : un concept sociologique », Ed. PUF, Paris 1969

2) عن كتاب:”اصل و دور الثقافة” « Origine et fonction de la culture », Ed. Gallimard, Paris 19722.

3) عن كتاب:”اعتبارات في غير اوانها” « Considérations inactuelles », Ed. Aubier, Paris.

4) عن كتاب:”من سيحيا؟” « Qui survivra? », Ed. Fayard, Paris 1978.

5) منشورات : Payot, Paris 1992

6) المرجع نفسه، المجلد1.

آخر التغريدات: