مالك بن نبي (9) لغـز ماسنيون

مالك بن نبي (9) لغـز ماسنيون

بقلم: نور الدين بوكروح - ترجمة عبد الحميد بن حسان -

لم يدّخر لويس ماسنيون(Louis Massignon)  أيّ جهد في الفترة ما بين 1931 و 1961، سنة وفاته، لمضايقة بن نبي في حياته ومنع بزوغ فكره، ثمَّ منع تألقه في وقت لاحق من حياته. عندما التقى به بن نبي لأول مرة سنة 1931 كان ماسنيون قد قطع شوطا كبيرا في مجال المخابرات والصراع الفكري. وكثيرا ما كان بن نبي يقصد ماسنيون عند كلامه عن الاستعمار. ذلك ان هذا الشخص كان يمثّل الاستعمار بمفرده في أدقّ تفاصيل أفكاره وأعماله.

فمن بداية حياته إلى نهايتها كان يمثل الاستعمار العنصري والتنصير بالترغيب والترهيب (بالجزرة والعصا)، وفي مسيرته تلك داس بقدميه على حياة كثير من الناس، ومن بين ضحاياه حمودة بن ساعي، رفيق درب مالك بن نبي خلال المرحلة الأولى من حياته. كان ماسنيون بالنسبة لبن نبي كما كان المفتش جافير بالنسبة لجان فالجان في رواية (البؤساء) لفيكتور هيجو.

كان ماسنيون  يحتل مكانة مرموقة في الأوساط المهتمة بالعلوم الإسلامية حتى صار بمثابة رمز أو أيقونة، لأنه كان يؤثر تأثيرا بالغا في اتجاه السياسة الفرنسية في البلدان الإسلامية وفي العالم، ويحظى بسلطات مطلقة في هذا المجال. فمن يكون هذا الرجل؟

وُلِدَ ماسنيون سنة 1883 بالضاحية الباريسية. إشترك في نشرية “لجنة إفريقيا الفرنسية Comité de l’Afrique française) منذ سن الثانية عشرة، وأصبح عضوا فيها إلى سنة 1940. وفي سن السادسة عشرة تعرَّف على أحد أصدقاء أبيه، وهو الكاتب (المنحرف) جورج شارل هويسمان Georges Charles Huysmans (1) الذي أُدخل إلى الدين من طرف القس (الشيطاني)، ج.ب.بولان  J.B Boullan في مدينة ليون.

وبعد إنهاء دراساته في الفلسفة شرع في تعلّم اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية بباريس. شارك سنة 1905، وهي سنة ميلاد بن نبي، في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في الجزائر. وفي السنة نفسها زار مصر التي “وجد فيها ما يتماشى مع نزعته وميوله لأن مصر هي مجال الاحتكاك الروحي بين المسيحية والإسلام” حسن تعبيره.

سافر ماسنيون إلى المغرب الأقصى سنة 1906 في إطار البحث الذي كان بصدد إعداده حول المؤرخ المغربي الوزاني المدعو (ليون الإفريقي Léon l’Africainn) الذي أُدْخِلَ إلى المسيحية عُنْوَةً بعد القبض عليه. وفي المغرب أتيح له أن يكتشف أعمال شارل دوفوكو Charles de Foucauldd ، المُبشِّر المسيحي غريب الأطوار الذي قُتِلَ سنة 1916 في الجنوب الجزائريّ بسبب الدور المزدوج الذي كان يلعبه (2).

وفي سنة 1907 زار العراق في إطار مهمة تتعلق “بـعلم الآثار”. وهناك أُلْقِي عليه القبض من طرف الأتراك بتهمة التجسس. عاد إلى فرنسا وهو يرغب في تولّي مهمة قس، وواصل تبادل الرسائل مع شارل دوفوكو والتقى به مراراً في باريس. عاد إلى مصر سنة 1912 وصار أستاذا مُحاضِراً في جامعة القاهرة. وممن كان يحضر دروسه طه حسين ورشيد رضا ومصطفى عبد الرازق.

ولمّا اندلعت الحرب العالمية الأولى جُنِّدَ ليصبح جنديا في جبهة الدردانيل قبل أن يُوَجَّهَ إلى وفد سايكس بيكو(Sykes-Picot). وصار نائب ضابط في محافظة فرنسا بسوريا وفلسطين بين 1917 و 1919. والتحق بالقدس رفقة “لورانس العرب” Lawrence d’Arabie ، وقد كانا معاً نائبين للأمير فيصل) 1883-1933( أثناء “ثورة العرب” ضد العثمانيين.

عُيِّن أستاذا محاضرا في منبر علم الاجتماع الإسلامي في كوليج دو فرانس خَلَفاً للرائد ألفريد لوشاتوليي Alfred Le Châtelier  الذي يصفه ماسنيون بأنه “مؤسس مدينة ورقلة، وهو الذي افتتح فرع علم الاجتماع الإسلامي في كوليج دوفرانس الذي  خلفتُه فيه مدة ثلاثين سنةً. ومن هذا الموقع كان يقوم بترتيب عملية تسلُّلِنا إلى المغرب الأقصى عَبْرَ تحقيقات كان يُشْرِكُنِي فيها، على شاكلة (قضايا الأهالي “الأنديجانا”) بصورة مُطوّرة ومُعززة” (3).

ويضيف في نصًّ آخر قائلاً “حثّني (ألفريد لوشاتوليي) على القيام بتحاليل نفسية وإحصائيات قَبَلِيَّة، وخرائط عسكرية على نمط (موسوعة بلاد العرب « Handbook of Arabia) الصادر عن المكتب العربي بالقاهرة الذي استفاد منه لورانس، وساعدني على تأليف كتاب (سجلّ العالم الإسلامي) “(4).

لقد لعب لويس ماسنيون دورا مُهِماًّ في سياسة فرنسا في بلاد المسلمين خلال الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى موته، لكنّ هذا الدور اتّسَمَ بالغموض. كان منتميا إلى المخابرات الخاصة، كما كان عضواً في عدة لجان وزارية مشتركة، ومن بينها اللجنة المكلفة بالشؤون الجزائرية خلال الفترة الاستعمارية (كتحضير الاحتفال بالذكرى المئوية للوجود الفرنسي في الجزائر، وإعداد القانون الجزائري سنة 1947)(5). وليس من المستبعد أن يكون وراء “الظهير البربري” سنة 1930 في المغرب(6).

كتب ماسنيون غداة مظاهرات الدار البيضاء التي جرت بسبب اغتيال فرحات حشاد (1953)، يقول: “سيكون لزاما علينا أن نتّخذ اللغة العربية لغةً وطنية ثانية في الجزائر إذا كنَّا نريد أن نبقى هناك وكأننا في بلدنا، مع الذين يتكلمونها، ونبني معهم مستقبلاً مشتركاً“(7). وهذا يُثْبِتُ أنَّ فكرته لم يطرأ عليها تغيير كبير منذ كان يقول سنة 1939:“إذا أردنا أن تبقى فرنسا حيّةً يجب علينا أن نفهم العالم الإسلاميّ برُمَّته… ومشكلة المسلمين أعْقَدُ عندنا مما هي عند الأنجليز، لأنَّ المسألة عندهم لا تعدو أن تكون مشكلة خارجية وذات صلة بالعرش مع ما في ذلك من انعكاسات اقتصادية، أي التحكّم في الهند وطرق الهند. أما بالنسبة لفرنسا فالمشكلة اجتماعية داخلية وذات صلة بالبنية الوطنية، أي كيف يمكن إدماج مواطنينا المسلمين في الجزائر مع بيت الوطن الفرنسي؟ وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الإدماج هو الضمان الوحيد لمستقبل المعمرين من بني جلدتنا في الجزائر، والذين لا يمثلون إلاّ 18% من مجموع عدد السكان” (8).

وبعد اندلاع الثورة الجزائرية بوقت قصير عُيِّن الرائد فانسان مونتاي  Vincent Monteil ، أحد أكثر التلاميذ المقربين من ماسنيون، وهو مستشرق ومعرّب كذلك، رئيسا للديوان العسكري لدى جاك سوستال Jacques Soustelle الحاكم العام للجزائر. وكانت مهمة فانسان منوتاي تتمثل في تقصي الوضع. ففي فيفري 1955 قام بزيارة بن خدة وكيوان، كلاهما عضو في اللجنة المركزية في MTLD، في سجن بربروس (سركاجي)، إذ أُلْقِيَ عليهما القبض بشبهة المشاركة في تفجير الثورة، والحقيقة أنهما لم يلعبا أي دور في ذلك.

قام بإطلاق سراحهما ثمَّ انتقل إلى تونس حيث يوجد مصطفى بن بوالعيد مُعتقَلاً منذ 11 فيفري. وبعد محاورة جرت بينهما تمّ نقل بن بوالعيد إلى سجن قسنطينة الذي فرَّ منه في شهر نوفمبر، قبل أنْ يُقتَل بأشهر قليلة بواسطة علبة مُفخخة نصبتها له المخابرات الفرنسية.

وفانسان مونتاي كذلك هو الذي توسّط لدى الحاكم العام لاستقبال الدكتور فرنسيس، أحد المقربين من فرحات عباس، والشيخ خير الدين عن جمعية العلماء وأحد المقربين من مصالي الحاج، إضافة إلى ممثل لـ (المركزيين، الجناح المعادي لمصالي الحاج، زعيم حزب الشعب). وذلك من أجل حوصلة فكرةٍ حول الوضعية الجديدة التي تواجهها فرنسا الاستعمارية.

كان ماسنيون متعدد الأنماط في حياته، يظهر بعدة وجوه، ولا يثبت على كلام واحد في تصريحاته. كان يحبُّ أنْ يُوصف أنه “مسيحي يفكّر بالعربية ويتنكّر بالزيّ العربيّ“. يقول: “كان يمكن أن أُقتَلَ مراراً كجاسوس غربيّ في أرض الإسلام لولا أنّ المبدأ المقدّس (حسن الضيافة و الأمان) أنقذني” (9).

كان كثير الشبه بالشخص الذي اجتمع فيه الدكتور جكيل والمستر هايد  Dr. Jekyl et Mr. Hyde  في تناقض شخصيته، إذْ كان: منحرفا وملتزما، قُساًّ بلا عباءة، رجلَ دينٍ ولائكيا، جاسوساً وفيلسوفاً، عالماً وعسكرياًّ… كان صديق القدِّسين والأبالسة، وصديق الجلاَّد والضحية، والمُعمِّر والأهلي (الأنديجان). كان يمثل حركة الاستشراق في خدمة الاستعمار، ويجسِّد فرنسا الأمبراطورية، الاستعمارية والمُمسِّحة. وقد هيمن على علوم الإسلام islamologie التي أراد أنْ يجعلها في خدمة الوجود الفرنسي في العالم الإسلاميِّ.

أجرى ماسنيون عددا هائلاً من الأبحاث التي جُمِع معظمها في كتاب Opéra Minora من (2500 صفحة !) وفي كتاب”كلمة العهد” Parole donnée. إن قارىء هذه الكتابات لا يجد فيها روحا ولا وجدانا، ولا أسلوبا غير أسلوب البرقيات المتميّز بالإيجاز والاقتضاب، إنْ لم نَقُلْ إنه أسلوب التقارير اليومية الذي تستعمله المخابرات. لا مكان للبراءة والمجانية، فكل شيء مرتبط بغايات سياسية أو أيديولوجية أو استراتيجية.

جاءت معظم هذه الكتابات في شكل ملاحظات وتقارير وحوصلات، أو مُعالجات تقنية أو مبهمة للقضايا. وجاءت الكتابات الدينية متجاورة مع الكتابات السياسية في هذا العمل الضخم الفيّاض والمتشابك، والذي تظهر فيه معارف ماسنيون بلا حدود و سعة اطلاعه مذهلة. لكن الكُلّ جاء مُشتَّتاً، منفصلاً بعضه عن البعض الآخر، ومنتشراً.

وفي نص مؤرّخ في 1952(10) يشير ماسنيون إلى رأي شخصيتين جزائريتين فيه، وهما: محمد (أو حمودة) بن ساعي والشيخ البشير الإبراهيمي، فيقول:”ذهب رئيس جمعية العلماء في الجزائر ،وفي جريدة “البصائر” ،إلى أنني استغرقتُ خمساً وعشرين سنة لأصنع لنفسي شيئا كالــ”القناع”، وأنني أفظع عامل في الطابور الخامس، وأن قناعي الديني يخفي وراءه الطابور الخامس الذي يعمل متخفياً. لكنّ الانتقاد الذي آلمني كثيرا وأصابني في الأعماق جاءني من مسلم جزائري آخر، وهو محمد بن ساعي من مدينة باتنة، وهو الرئيس الأسبق لطلبة شمال إفريقيا الوطنيين بباريس، وهو رجل يفكّر. يعيش في عزلة تامة، لكنه رأس من الرؤوس المعارضة لِفَرْنَسَةِ الجزائر. في يوم من الأيام، كان مريضا في باريس (حيث أشرفت على إعداده لشهادة الدراسات العليا في السوربون) كتبَ لي قائلا “لن أرض عن نفسي على الحب الذي أكننته لك، لأنك جردتني من وسائل الدفاع عن الذات. إنك كنت أفظع من أولئك الذين أحرقوا ديارنا وتعدَّوا على حرماتنا، وخنقوا شيوخنا بالدخان. لقد جردتني من السلاح طيلة سنوات عديدة من حياتي بإيهامي أن هناك إمكانية للمصالحة والتفاهم بين فرنسي مسيحي وعربي مسلم” (11).

وقد أجاب ماسنيون عن هذه الاتهامات بالتالي: “إنَّ المسلمين الجزائريين لمّا التقوا بنا تجرّدوا من معنى الكرم البطولي الذي يُفترض أن يُلتزم به حتى مع الأعداء“. وفي نص آخر كتبه قبل موته بسنتين يشير إلى أنه “لما دُعِيَ لحضور الدورة السنوية لمعجم مجمع اللغة العربية في القاهرة شهر نوفمبر 1946،  نبّهه السفير إلى وجود أربعة أعمدة تحت عنوان ( أسرار حركة الاستعمار في المغرب: قُسٌّ جاسوس في خدمة حركة الاستعمار)، وذلك في جريدة الدستور الصادرة بتاريخ 16 نوفمبر 1946. وهذا المقال كان تكملة لمقال آخر نُشِر في 31 أكتوبر، وفيه النص الكامل لرسالة القطيعة التي أرسلها طالب جزائري مسلم لأحد أساتذته في باريس ( وهي الرسالة التي وجَّهَهَا لي محمد بن ساعي من باتنة)…(12).

وهكذا يتبيّن لنا أن محمد بن ساعي، وهو أقرب المقربين من بن نبي آنذاك، كان معروفا لدى ماسنيون، وهو مذكور في كتاباته، لكن مالك بن نبي غير مذكور. فهل هذا أمر طبيعي؟ إنّ المُدْهِش في النصوص السابقة ليس حقيقة وجود الصراع الفكري أو جهاز الحرب النفسية، بل كيف أنّ شخصاً بدون وسائل وبدون سند سياسي، مثل بن نبي، تمكّن بمحض قدراته العقلية والفكرية أن يخترق حُجُبَ ألاعيبهم ويكشفها؟ هل هو مُبالغٌ فيما ذهب إليه من اتهامات ؟ هل هو ضحية نوع من الهذيان (البارانويا)؟ هل أصيب بما يُسمى اليوم بالكومبلومانيا أو عقدة نظرية المؤامرة؟

هناك بالفعل مَنْ ذهب إلى هذا الاعتقاد. وأنا شخصيا مرّتْ عليَّ مرحلة من الاضطراب، واستمرّتْ إلى أنْ أتاحتْ لي أبحاثي واطِّلاعي على أرشيف بن نبي التّحرُّرَ مِنْ كلِّ شكٍّ أو تخمين في كون أحكامه حول الشخصيات والأحداث، ذات الصلة بحياته، في أعلى درجة من الموضوعية. إنّ المعلومات وعناصر البحث الموجودة في هذا الأرشيف، والتي تؤكِّد ما ذهب إليه بن نبي نقطةً بنقطة، ليست من بن نبي ذاته، بل مصدرها الغير. صحيح أنه تكلَّم عن (أدلَّة) تُثْبِتُ دور ماسنيون في اتجاه السياسة الاستعمارية وعلاقاتها بـ (المكتب الثاني deuxième bureau)، غير أنه لم يورِدْ تلك الأدلة.

1) يقول ماسنيون في نص مؤرخ في سنة 1930، وهي السنة التي بدأتْ فيها شهرة بن نبي في الأوساط الطُّلاَّبية المغاربية: “توجد في باريس مستعمرة جامعية صغيرة من المسلمين الجزائريين تستحقّ كلَّ الاهتمام. وأكثر من ذلك، ففي باريس توجد بين أيدينا المؤشرات الدالة على مستقبل الجزائر المسلمة في العشرين سنة المُقْبِلة. ففرنسا تؤثر في مجريات الأحداث في الجزائر انطلاقا من باريس نفسها” (13).

2) وحسب المعلومات المُستقاة من ماسنيون نفسه، فإنَّ كلَّ الجزائريين المتواجدين في فرنسا، بدون استثناء رغم عددهم الكبير، مُسجّلون ومُراقبون من طرف عدة أجهزة، ومن بينها الجهاز الذي يستند عليه هو لكي يُعِدَّ خرائط  تدلّ على كيفية توزيعهم على التراب الفرنسي، مع معلومات حول (الدَّوَّار) الأصلي ودائرة الإقامة في فرنسا.

يقول ماسنيون حول تلك الخرائط: “قمنا بإعدادها بفضل تحقيق ميدانيٍّ قمتُ به شخصياًّ بين ديسمبر 1929 وجانفي 1930. ولم يكتفِ السيد أدولف جيرولامي Adolphe Gerolami، مدير مكتب شؤون الأهالي (الأنديجانا) بشمال إفريقيا (6 شارع لوكونت، الدائرة 17 حيث قام بتنظيم الإقامات والمستوصفات ومكاتب شمال إفريقيا)، بالسماح لنا بالاعتماد على مصالح الاستخبارات والمراقبة، بل ساعدنا كذلك بتجربته الشخصية الفريدة في هذا المجال. وكنّا إذا ما تحصلنا على المعلومات قمنا بإدراجها في الإطار المخصص حسب المقاطعات الإدارية المتمثلة في البلديات المختلطة communes mixtes. لكننا زدنا على ذلك ببذل مجهود للوصول إلى الخلايا الأساسية للمجتمع القبائلي، أي إلى (الدّواوير) ومجموعات الدواوير التي تسمى قبائل، وذلك من أجل الكشف عن بقايا روح الصوفية (çoff) القديمة في الملقاة في البوتقة الباريسية. وللتعليق على تلك الخرائط أضفنا لها قائمتين: الأولى تتضمن البلديات الجزائرية التي قَدِمَ منها المهاجرون القبائل المتواجدون في الناحية الباريسية، مع تبيان الفصائل والدواوير. والثانية خاصة بالمصانع الباريسية التي تُشَغِّل العمال القبائل” (14) .

وتأتي بعد ذلك أوصاف مُذهلة وإحصائيات دقيقة حول تشغيل الجزائريين في الناحية الباريسية، والكل بأسلوب يشبه أسلوب البرقيات. ومثال ذلك:  “السيارات: سيتروين، 7000 ( في لافالْوَا، كليشي، سانت وَانْ، جافال): وهم آتون من دواوير مختلفة.رونو (بيانكور) 2760  من ذراع الميزان خاصة. غسَّالو السيارات في (مؤسسة سيارات الأجرة)، 2500 قادمون من فور ناسيونال خاصة. الحديد: ( الشركة الفرنسية للحديد والمسبوكات البيضاء): استبدالهم بـ: الشلوح. الحديد والصلب الفرنسي البلجيكي، 510  قادمون من قرقور، ميشلي .مِهَن أخرى: (الديك الجولي Le coq gaulois في الدائرة 13)، مصفاة لوبودي (الدائرة199)، (مصانع الغاز) (الدوائر 15،19،18)…“

وتأتي التعليقات، مثل: ” 60% منهم عمال بسطاء في مصانع الغاز ( وهم أحسن العمال)، وورشات الفحم، ونفايات المدن، والمرائب. والباقي ينقسمون إلى عمال الموانىء والميترو، 15% منهم فقط متخصصون (وهم أمناء مخزن). أي وافد جديد إمّا أن يكون صديقه هو الذي جلبه، أو صاحب المطعم والفندق الذي يعيش فيه هو الذي يقوم بتوجيهه إلى مهنته. التأثر بأسلوب الحياة الأوروبية في الملبس ( البذلة والقبعة) و(النبيذ) تكون سريعة. في سنة 1928 تمتْ ملاحظة توجهات شيوعية عند العمال القادمين من دوار موقة ودوار بوني (أقبو) في الدائرة13، كما كان الأمر سنة 1924 في جانفيلي. القادمون من منطقة سيباو العليا يقيمون عند أصحاب مطاعم وفنادق من نفس مسقط رأسهم، بينما يرفض القادمون من فور ناسيونال الالتزام بذلك. والعلاقات بين هذين الفريقين سيئة. القادمون من ناحية سيباو العليا منتمون إلى زوايا. الزاوية الرحمانية مُسالِمة. الزاوية العمارية (3 فروع في قالمة) والزاوية العلوية (مستغانم) أكثر ميلاً إلى الشغب (تنظيم رابطة المنتهين عن شرب الخمر)… 120.000 قبائلي جزائري في فرنسا كلها، تمّ إبعادهم تدريجيا من طرف مجموعتين أخريين: الشلوح المغاربة (9000)، وعرب بوسعادة، المسيلة، بسكرة والأغواط (8000)، وهم أكثر جدية في العمل. من بين 120.000 هذه يوجد 60.000 على الأقل في باريس (32.000 فقط تمّ إحصاؤهم ببطاقات شخصية)… 20 منهم فقط أتوا بزوجاتهم القبائليات معهم، 700 تزوجوا بفرنسيات زواجا قانونيا، 5000 يعيشون مع فرنسيات بدون زواج”.

أمّا فيما يخص الصعوبات التي واجهها بن نبي في العثور على عمل، فإننا رأينا كيف أن ماسنيون كانت بحوزته القائمة الكاملة للمصانع بفروعها (سيارات، مصانع الغاز، ورشات الفحم، ميترو، أمناء مخزن، عمال الموانىء…)، والتي تُشغِّلُ عمالا جزائريين. إن العمال المسجلين والمعرفين ليسوا من القبائل فقط (32.000 بطاقة معلومات !)، بل من الجزائريين كلهم. وفي نفس الوثيقة يمكن أن نلاحظ أن شارع دي شابولي (الذي كان بن نبي يلقي فيه دروسا في محو الأمّية سنة 1938) لم يكن في منأى من رقابة ماسنيون الذي سجل هذه الملاحظة:  “عرب مغنية وندرومة في مرسيليا، خلف البريد المركزي، وخاصة في 7، شارع دي شابولي 7, rue des chapeliers “.

وقُبيْلَ وفاته ظهر على ماسنيون ما يدلّ على أنه انقطع عن مهامه السابقة. فقد أعلن في حوار حول العرب مع ج.م دومناك وجاك بيرك J.M. Domenach et Jacques Berque  سنة  1960قائلاً: “لقد تمّ شطبي من قائمة الدعم المالي لأنني لم أعُدْ أوافي المعنيين ببطاقات نفسية حول الأشخاص الذين أُقوم بمتابعتهم” (15). ولا بد من الإشارة إلى أن ماسنيون ذكر الدكتور خالدي في هذا النصِّ ، وأكَّد أنه “يحبُّه كثيرا“.

4) وإذا ما حاول بن نبي أن يتحصل على رخص للسفر إلى البلدان العربية بعد إنهاء دراساته، فإنّ ماسنيون كان بإمكانه أن يعطي تعليمات للحكومات العربية لمنعه من تحقيق رغبته الجامحة في مغادرة فرنسا والجزائر الرازحة تحت نير الاستعمارلأن ماسنيون كان ذا ذراع طويلة لدى كل تلك الحكومات، وهو يعرف كل الممثلين الديبلوماسيين العرب في باريس. ومما يكشف عن هذا الجانب من نشاط ماسنيون مثلاً قوله: “إن العلاقات الثقافية الفرنسية المصرية مُهْتزّة منذ عامٍ لأننا سبق أن التزمنا بالسماح لأستاذين مصريين للمجيء إلى الجزائر من أجل العمل، لكننا أُجْبِرْنا على رفض الترخيص لهما بالدخول…” (16).

أمّا عن تدخله المؤثر في الحياة السياسية بالجزائر، وفي نشاط الزوايا والمشعوذين، فإنّ ماسنيون يقول باستخفاف لا نظير له: “إننا نستعين بفِرَقِ الطُّرُقية من أجل التأثير في جماهير الناخبين الأميين بمناسبة الانتخابات في الجزائر. إنّ سياسة الفساد هذه ليست سرية، بل علنية، وبالتمادي فيها تُصبح مُسيئة لبعض “النجوم” ذوي القيمة العالية. وإذ ذاك تُقدِّر الإدارة الموقف بقولها: هناك وسيلة يمحو بها المسلمون ذنوبهم، وهي القيام بالحج. وسنتكفل بتكاليف نقلهم إلى مكة. سيؤدون فريضتهم ويعودون وقد غُفِرَتْ ذنوبُهم وأصبحوا كالثوب الأبيض. وهنا يكون بإمكانهم أن يعودوا لخدمتنا. وفي هذا فائدتان لنا“.

ويواصل ماسنيون معترفا بانغماسه في هذا النظام قائلاً: “لكنّ أحد المستفيدين الأخيرين من هذا النظام الفذَ قام بإفساد الأمر علينا في الآونة الأخيرة، إذ أجبرَنا ، بعد عودته من الحج،على التكفل بمصاريف الدراسة لأحد أبنائه في الأزهر، وذلك من أجل “االتستر على حقيقته” في نظر الإسلام المُعادي للاستعمار. لقد كلّفنا هذا الرجل الشيء الكثير لنُفْضيَ في النهاية إلى الاحتقار المتبادل والنهائي” (17).

كانت عين ماسنيون على العالم الإسلامي باستمرار، لا يصيبه في ذلك كَلَلٌ، ولا يترك شيئا لتلاعب الأقدار، كان دقيقا وفعّالاً إلى درجة الهَوَس. وهذه ملاحظة سجّلها سنة 1939: “إنّ مجموعة المسلمين الهنود من أهم المجموعات الإسلامية إحصائيا وماليا، وهي في الهند أقلية وطنية قوية لأنها تمثل خُمس تعداد سكان الهند… وتأتي المجموعة الماليزية في المرتبة الثانية، والماليزيون يمثلون أغلبية ساحقة في أندونيسيا (أكثر من 92%). فهي مجموعة مرشحة للنمو وطنياًّ أكثر من المجموعة الهندية. وهم يميلون أكثر فأكثر إلى استعمال اللغة الماليزية المكتوبة بالحرف العربيّ رغم أن الحكومة الهولندية تحاول نشر الأبجدية اللاتينية. وحُكَّامهم الذين كانوا ينتمون إلى أرسطوقراطية (الأسياد) ذوي الأصول العربية صاروا الآن من الماليزيين الأصليين، وهم أكثر إنصاتا من المجموعة الهندية لاقتراحات وعروض الشيوعيين والبلشفيين. أما مجموعة المسلمين المُعربين فتأتي في المرتبة الثالثة إحصائيا، وهي اليوم تشكو من الغياب التام للاتحاد بينها والتفاهم على المصير المشترك…” (18). كان ماسنيون ركيزة العلوم الاستعمارية التي ساهم في تأسيسها، وعلى أية حال، كان مُبشِّرا بالمعنى الحقيقي والمجازيّ للكلمة.(19)

وبمقدار ما هيمن اسم ماسنيون على المرحلة بين 1931 و1955 من سيرة بن نبي الذاتية، غاب هذا الاسم بشكل شبه تام بعد ذلك، إذ لم يذكره إلاَّ بمناسبتين، هما: يوم 20 ديسمبر 1962 عندما يسجل في دفاتره(20): “في هذا المساء أفادنا التلفزيون بنبإ انعقاد اجتماع الأكاديمية العربية لإحياء ذكرى ماسنيون الذي يبدو انه مات في نوفمبر الماضي. تلك هي الطريقة التي اطَّلعْتُ بها على خبر موت هذا الرجل الذي لم يتسامح مع عائلتي بسبب حقده عليَّ”، والمناسبة الثانية جاءت في مقال مؤرخ في 1968 تحت عنوان: “دلالة إضراب الجامعة” (Signification de la grève de l’université) (21).

وفي سنة 2003 نظّم معهد العالم العربي (Paris)  مؤتمرا من أجل تكريم ثماني شخصيات فكرية من فرنسا والجزائر، تمّ اختيارهم باعتبار دورهم في التقارب بين الشعبين الجزائري والفرنسي خلال القرن الماضي. وكان المفكرون الجزائريون الذين اختيروا هم عبد الحميد بن باديس، ومالك بن نبي، ومحمد بن شنب (1869-1929)، ومهدي بوعبد اللي (1907-1992). أما من الجانب الفرنسي فقد اختير لويس ماسنيون، وجاك بيرك Jacques Berque ، والكاردينال دوفال Cardinal Duval (1903-1996) وجيرمان تيون Germaine Tillon. وهكذا التقى اسم بن نبي واسم ماسنيون في تكريم واحد  نظمته ذاكرة العرفان في البلدين.


المراجع:

كتب ماسنيون عنه في أواخر حياته: “أنا مَدينٌ له باني عُدْتُ إلى طريقي، لقد صلى من أجلي، و قد كنت ضائعا…”. عن: « Le témoignage de Huysmans et l’affaire Van Haecke », 1957, Opera Minora T.3 “شهادة هايسمان و قضية فان هايكي”

2) سجل ماسنيون هذه الملاحظة بهذا الشأن: “إذا كان في النهاية قد قَبِلَ بإيداع أسلحة في برجه، وهو الذي التزم إراديا بعدم قبول أي سلاح في خليته، فإنه بهذا يكون قد أعطى لأعدائه الإذن التام بهدر دمه”. عن: « Toute une vie avec un frère parti au désert : Foucauldd »  .”حياة كاملة مع اخ زار في الصحراء:فوكو” ويمكنك أن تقرأ في نص من آواخر النصوص التي خصصها له ما يأتي: “كنا نظن أنه بإمكاننا تبني سياسة (مع البربر) من أجل التغلب على الإسلام، وذلك عن طريق ردهم على أعقابهم. كان تحت وطأة التربية (الاستعمارية) السائدة في زمانه. وأنا شخصيا، وقد كنت استعماري النزعة إلى أبعد حدّ، كتبْتُ له لأُعبِّرَ له عن أملي في احتلال المغرب بقوة السلاح، وأجابني بما يدل على موافقته.. (1906)…إنّ التكوين الاجتماعي الذي خضع له دوفوكو هو ملمح الضابط المتخصص بمكاتب الرعايا العرب وشؤون الأهالي ( الأنديجانا). وهو في ذلك يسعى إلى الهدف الذي يسعى إليه المهندس العسكري عند دراسة المنشآت الدفاعية والهجومية للعدو، هذا الهدف هو: التدمير… كيف أن هذا الناسك المتعبد سمح لضباطنا بنهب  هذه الفترة الطويلة من حياته من أجل مساعدتهم على تهدئة (احتلال استعماري)؟ والحقيقة أن ذلك كان هو الحل الاجتماعي الوحيد والكفيل بضمان السلم في الصحراء، وذلك بجعل (القوة عادلةً)… لقد التزم كتابيا بعدم السماح بإيداع أسلحة في خلية الناسك التي كان فيها. وخلال الأشهر الأخيرة من سنة 1916 قام بتحويل برجه في تامنراست إلى ترسانة كبيرة للأسلحة نزولا عند طلب الجنرال لابيرين général Laperrine . عن: « Foucauld au désert devant le Dieu d’Abraham, Agar et Ismaël » (19600)”فوكو في الصحراء امام اله ابراهيم،هاجرو اسماعيل”, « Opéra Minora », T.3. وكان دوفوكو ولابيرين زميلين من دفعة واحدة. ولا بد من الإشارة إلى أن دوفوكو تمّ تطويبه من طرف الكنيسة في نوفمبر 2005.

3) عن: « Toute une vie avec Foucauld »,.، “حياة كاملة مع فوكو” مرجع سابق.

4) عن: « Foucauld au désert devant le Dieu d’Abraham, Agar et Ismaël »، )”فوكو في الصحراء امام اله ابراهيم،هاجرو اسماعيل”, مرجع سابق.

5) مما كتبه في هذا الشأن يمكن أن نقرأ: “خمسون سنة مرّت منذ أنْ قادتني علاقة التلميذ مع أستاذه إلى ليدن Leyde من أجل استشارة س.ٍسنوك C. Snouck ، المتخصص الشهير في الإسلام، والذي أدين له بنصائح جد ثمينة حول العبادة الإسلامية… لقد جئت إليه من أجل استنصاحه باعتباره (المدير غير الرسمي) لـ (سياسة هولندا في العالم الإسلامي) (في أندونيسيا)، وذلك من أجل تبليغ اقتراحاته الحكيمة إلى المسؤولين عن سياستنا في البلدان الإسلامية بشمال إفريقيا…“ عن: « Parole donnée » : préface aux lettres javanaises de Raden Adjen Kartini) :”كلمة العهد”:مقدمة رسائل اليابانية لرادن اجن كارتيني”.

6) في إطار سياسة محو الإسلام من شمال إفريقيا أصدرت السلطات الاستعمارية بتاريخ 16 مارس 1930 (الظهير البربري) الذي يؤسس المحاكم (العُرْفية) الخاصة بالبربر بهدف الحدّ من سلطات السلطان. وقد اتحدت النُّخَبُ المغربية ضد هذه المبادرة الهادفة إلى بث الفُرْقة في صفوف الشعب المغربيّ. وانطلاقا من هذا الحدث ظهرت الحركة الوطنية التي ستفضي إلى جلاء الفرنسيين.

7) عن: « Parole donnée : l’exemplarité singulière de la vie de Gandhi ».“كلمة العهد:حياة غاندي القدوة الفريدة”

8) عن: Cf. « Opéra Minora » T.1.. يبدو أن ماسنيون تكهّن بما سيحدث بالفعل بعد هذا بعشر سنوات، إذ هو القائل: ” يجب أن نُعِدَّ العُدّة لإجْلاء مليون شخص من بني جلدتنا في ظروف شبيهة جداًّ بالظروف التي فرَّت فيها طوابير الفارين من دمشق سنة 1945.” عن: « La situation sociale en Algérie », 1951, « Opéra Minora », T.3 “الوضع الاجتماعي في الجزائر”.

9) عن: « La situation sociale en Algérie » (1951) in « Opera Minora », T. 3. “الوضع الاجتماعي في الجزائر”.

10) عن: « L’Occident devant l’Orient : primauté d’une solution culturelle » 1952, Opera Minora, T. 1.”الغرب امام الشرق:اسبقية الحل الثقافي”

11) يذكر حمودة بن ساعي في قُصاصة سيرته الذاتية دخوله إلى مستشفى لاشاريتي la Charité في ماي 1935 قائلا: “بعد إجرائي لعملية جراحية جاء الأستاذ العالم لويس ماسنيون إلى المستشفى. لكنه عندما علِم أنني خرجت من المستشفى أرسل ببطاقة مؤثرة إلى صديقي مارسيلان بيل Marcellin Bell . وقد احتفظتُ بهذه البطاقة المكتوبة بخط يده” ويضيف بعد ذلك:  “أرسل لي الشيخ ابن باديس رسالة بخط يده داعيا إياي إلى الانخراط في جمعية العلماء. أجبته أنه ليس بإمكاني أن أنخرط، لكنني سأبقى وفيا وفاءً ثابتا للغاية التي أُسِّسَتْ من أجلها. وكان لموقفي هذا أسبابا وجيهة“.

12) عن: « Foucauld au désert » )”فوكو في الصحراء امام اله ابراهيم،هاجرو اسماعيل”, مرجع سابق.

13) عن: « Les résultats sociaux de notre politique indigène en Algérie » (1930) in « Opera Minora », T. 3. “الشبكات الاجتماعية لسياسة الاهالي في الجزائر“

14) عن: « Cartes de répartition des Kabyles dans la région parisienne » (1930) in « Opera Minora », T. 3.”خرائط  توزيع القبائل في المناطق الباريسية”

15) عن: « Opera Minora », T.3 . ماذا يمكن أنْ تكون مهمة جهاز الحرب النفسية psychological-service غير القيام بـ (تحاليل نفسية) وإعداد (بطاقات نفسية) ؟ وهؤلاء (المعنيون)، أليسوا إشارة إلى (المصلحة) التي يتكلم عنها بن نبي ؟ وفي الوقت الذي أدلى فيه ماسنيون بهذه الاعترافات كان بن نبي بصدد نشر كتاب في القاهرة تحت عنوان “الصراع الفكري في البلدان المستعمرة) الذي مِنْ بين ما جاء فيه: “إنّ الاستعمار يوظف خريطة نفسية للعالم الإسلامي. وهي خريطة تدخل عليها تحيينات مناسبة وتغييرات ضرورية يوميا، ويقوم بها اختصاصيون مهمتهم مراقبة الأفكار. إنّ الاستعمار يضع خططه العسكرية ويُصْدِرُ تعليماته بناءً على معرفة معمَّقة بنفسية البلدان المستعمرة“.

16) عن: « Primauté d’une solution culturelle », Opéra Minora T.1..”اسبقية الحل الثقافي”

17) المرجع نفسه..

18) عن: « Situation de l’Islam » (1939). “وضع الاسلام”

19) يمكن لنا إحصاء عدد المرّات التي استشهد فيها بن نبي بماسنيون في مقالاته. إنه يذكره باسمه وبلهجة إطراءٍ في مقال ( اللغة العربية في الجمعية الوطنية)، عن جريدة la « République algérienne » الصادرة بتاريخ 06 جوان 1948، وكذلك في مقال ( حوار يقتضي ضميرين)، عن جريدة la « République algérienne » الصادرة بتاريخ 10 جويلية 1953، وفي مقال (عشية ظهور حضارة إنسانية “، /3، عن جريدة  la « République algérienne » الصادرة بتاريخ 01 جوان 1951. ويشير بن نبي إلى ماسنيون بلهجة انتقاد في مقال ( حيْص بيْص استعماري  Charivari colonial ، عن جريدة Le jeune musulman الصادرة بتاريخ 26 فيفري 1954، وفي مقال ( جريمة غير عادية)، عن جريدة la « République algérienne » الصادرة بتاريخ 30 أكتوبر 1953. ويذكره بلهجة إطراءٍ ثانيةً في مقال (عشية ظهور حضارة إنسانية “، /2) ، عن جريدة la « République algérienne » الصادرة بتاريخ 13 أفريل 1951.  أمّا كتبه التي أشار فيها إلى ماسنيون فهي: (الظاهرة القرآنية)، و (وجهة العالم الأسلامي). ومن الناحية الفكرية اعترف بن نبي بأن ماسنيون مُصيب في تمييزه بين مفهوم (التجديد) ومفهوم (التجدُّد) . وبإمكاننا إيجاد بعض أوجه الشبه بين فقراتٍ من (وجهه العالم الإسلامي) في الفصل الذي عنوانه ( الاتصال الأول بين أوروبا والإسلام) وبين نص لماسنيون مؤرخ في 1947 وعنوانه (تأويل الحضارة العربية في الثقافة الفرنسية)، عن: « Opéra Minora », T.1، وهذا التشابه يخص الأصول الريفية للحضارة الفرنسية والأصول البدوية للحضارة العربية، وهي الأصول التي سينتج عنها (النمط الآري) و (النمط السامي). وهذه التصنيفات لجأ إليها ابن نبي بأسماء أخرى في نظريته حول الأفكار وتناوب الثقافات.

20) إن القسم غير المنشور من سيرة بن نبي الذاتية تتكون من مخطوطة تحت عنوان: (العفن)، وهي تُغطّي المرحلة بين 1939 و 1954، ومن مجموعة من الدفاتر عددها 19، وهي بمثابة مذكرات شخصية، وتُغطّي المرحلة بين 1958 و 1973.

21) عن مجلة: Révolution africaine  بتاريخ 06 مارس 1968.

آخر التغريدات: