مالك بن نبي (8) الصِّراع الفكري

بقلم نورالدين بوكروح - ترجمة عبدالحميد بن حسان -

شرع مالك بن نبي في تأليف هذا الكتاب شهر جوان 1957، مباشرة بعد صدور (النجدة للجزائر SOS Algérie)، وأنْهاه في سبتمبر 1957، لكنه لم يُنْشَرْ إلاَّ سنة 1960. وكان بن نبي ينوي إعطاءه عنوان”مذكرات مُقاتل في الجبهة الفكرية“. ويتكوّن هذا الكتاب من تمهيد وستة فصول وخاتمة. وجاءت عناوين الفصول كالآتي : عموميات حول الصِّراع الفكري، في حَلَبَةِ الصراع، تركيب آخر لمرآة الكفّ، مظاهر أخرى للصِّراع الفكري، على هامش  كتاب، حياة الأفكار وقيمتها الرياضية.

ويبدو أن مالك بن نبي هو أول من وضع عبارة “الصِّراع الفكري lutte idéologique) (1). وهو يعني استراتيجية للسيطرة بوسائل أخرى غير السلاح. أما هدفه فهو إقحام الخصم وإضعافه بالانتقاص من فعالية أفكاره، وإذا كان هذا الخصم مِنْ مُبْدِعِي الأفكار يُسْعى إلى مُحاصرته وعزله عن وسطه الاجتماعي. وكانت سلسلة المحاضرات التي ألقاها بن نبي في باتنة خلال شهر ماي من سنة 1973 هي آخر محاضراته، وهي تُعالج موضوع الصِّراع الفكري. وهو يصف الأفكار بأنها “أسلحة غير مَرْئية، بل إنها غير مرئية أكثر من الأشعَّة غير المرئية. فبمعالجة قدرٍ مُعَيَّنٍ من الأفكار معالجة خاصة يمكن تحقيق أهداف تعجز عن تحقيقها القوة المادِّية“، ويضيف “إنَّ الاستعمار لا يمكن له أنْ يُبْقِيَ على حالة التأخر في بلداننا إلاّ إذا حَبَسَنا في مجال خالٍ من الأفكار. وعلى نقيض ذلك، لا يمكن لنا التخلص من تأخرنا إلاّ إذا تخلّصنا من الأفكار المتردِّية التي تمثل المجال الفكري الموروث عن قرون الانحطاط“.

إنّ بن نبي الجيوسياسي الذي اكتشفناه في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” يريد في هذا الكتاب أن يزيح الستار عن الدور الذي لعبه الصراع الإيديولوجي في الحرب الباردة ومن أجل الإبقاء على الاستعمار في البلدان العربية الإسلامية. فالاستعمار أو الأمبريالية في نظره يخططان لسياستهما في مراكز دراسات ومدارس وجامعات، وفيما يمكن تسميته بـ خَزَّانات للأفكار (Think tanks) مختصة في هذا الشأن. وهدفهما هو نشر أكبر قدر ممكن من الأفكار الخاطئة وأقل قدر من الأفكار الصحيحة في العالم الإسلامي. وهما يشتغلان بإعداد كيفيات تسمح بقتل الأفكارالصحيحة والترويج للأفكار الخاطئة ( كالماركسية، والنزعة البعثية، ونظام الرّقّ، واللاَّئكية). يقول مالك بن نبي:”توجد مُراقبة دولية لِتَدَاوُلِ الأسلحة والذخائر، لكن ما هو غير معروف في الغالب هو وجود مراقبة لحركة الأفكار. إننا لا نعلم بوجود مراصد مختصّة تُتَابِعُ حركة الأفكار، وذلك بتسجيل ظهورها، وانطلاقتها، وانعكاساتها في مختلف الأوساط. ومِثْلُها في ذلك مثل المراصد الفضائية التي تدرس حركة الأجرام”. (2)!

وبالنظر إلى الدور الحسّاس الذي تلعبه الأفكار في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فمن الطبيعي أن تكون هي موضوع الصراع الفكري في وضعيّةٍ ما: “إذا كُنَّا نجهل قيمة شيءٍ ما، فهذا لا يعني أن جميع الناس تجهله. ومثال ذلك أنّ أجيالاً من إخواننا في الدين عاشتْ في العراق وتحت قدميْها آبار البترول تكاد تطفو فوق سطح الأرض. تلك الأجيال كانت تجهل الخيرات التي كانت في مُتناول يدها إلى أنْ قيَّضَ لها الزمان أحد المغامرين المفلسين من الأرمن، إذ تفطَّنَ لتلك الخيرات وبادر بعقد صفقة مع شركة أنجليزية تنازل لها بموجبها عن أراضٍ لم تكنْ له أصْلاً، لكنه تحصَّل عليها من المسلمين مقابل لقمة عيش لأنهم كانوا يجهلون كل شيء. والوضع نفسه فيما يخصُّ القيمة الاجتماعية للفكرة، إذْ يمكن أن نكون جاهلين لها، ونحن كذلك فعلاً ، لكن الاستعمار لا يجهلها، ذلك أنه وَضَعَ في العالم نظاما شاملاً من المراصد المكلًّفة حصرياًّ بمراقبة حركة الأفكار. وهذا ما يُفسِّرُ اهتمامه بالأفكار المتداولة في العالم الإسلامي بقدر اهتمامه بالبترول، أو ربَّما أكثر… إنَّ المجتمع المسلم فقير من حيث الأفكار عِلْماً بأنَّ هذه الاخيرة هي أغلى ثروة. وستصيرالثروة الحقيقية مستقبلاً  إذ يصبح من الواجب أنْ تُحلَّ مشاكل العالم كلها بالأفكار، لا بالسلاح“.

ومن جهة أخرى يمكن أن نعتبر كتاب “الصراع الفكري في البلدان المستعمرة” امتداداً لسيرة مالك بن نبي الذاتية. إنَّ هذا الكتاب هو تنظير لتجربته الخاصة التي يريد أن يستقي منها قوانين فرع جديد في المعرفة، إنها “الصراع الفكري، ذلك الكفاح المُرُّ، الأصمّ، والذي يجري دوما في الخفاء ولا يجري في العلن إطلاقاً“. وقد صوّر هذه الحرب الصامتة في “مذكراته” مِنْ مُنْطَلَق  وضعيته كضحيَّة. وفي هذا الكتاب يتقمص بن نبي دور “جهاز الحرب النفسية (Psychological service) بهدف فضح طرق العمل التي ينتهجها هذا الجهاز، أي كيف يمكن منع فكرةٍ من الوصول إلى المجتمع، وعرقلة سبيلها بردود أفعال بافلوفية reflexes pavloviens ، وعزل الفكرة عن النشاط السياسي “حتى تصير الفكرة عقيمة والنشاط السياسي أعمى…” وهو يذكر الضغوطات التي مارستْها الشرطة الفرنسية ضده منذ بداية عهده بالدراسات العليا في باريس (1930)، كما يذكر موقف الأحزاب السياسية وجمعية العلماء تُجاهَهُ أثناء العهد الاستعماريّ، والحملة المسعورة التي شُنَّتْ ضدَّ كتابه “شروط النهضة” عند صدوره سنة 1949… وهذه أمثلة عن معاناته:

1 ـ ألقى مالك بن نبي محاضرة سنة 1931 في مقر جمعية الطلبة المسلمين المغاربة بباريس، موضوعها “لماذا نحن مُسلمون”. وبعدها بأيام زاره مفتش شرطة، ثمّ تلقّى دعوةً من لويس ماسنيون Louis Massignon. وكانت المحاورة شائكة مع هذا الأخير. وبعد ذلك بشهر أخبره والده الذي كان يُغطِّي مصاريفه والذي كان موظفا في بلدية تبسة بأنه فُصِلَ من عمله ووُجِّهَتْ له نصيحة للاتصال بلويس ماسنيون. و لم يعد والده إلى عمله طيلة حياته حتى الاستقلال. ومالك بن نبي نفسه لم يجد أية وظيفة أينما توجّه عبر كل القطر الجزائري أو في فرنسا قبل عودته إلى الجزائر سنة 1963.

2 ـ عندما وصل إلى القاهرة سنة 1956، اتّصل بوزارة التوجيه لكي يقترح نشر كتاب “النزعة الأفروآسيوية” (L’Afro-asiatisme). فأخبره الموظف الذي استقبله بأنّ ممثل جريدة Le Monde بالقاهرة قد تقدّم منذ أيَّامٍ بالاقتراح نفسه، أي الإشعار “باستعداد فيلسوف فرنسيّ لنشر كتاب حول نتائج مؤتمر باندونغ” والكتاب فيه دفاع عن فرضية قيام حضارة أفروآسيوية مع إدراج مساهمة الغرب فيها.

3) في نفس السنة تمّتْ ترجمة كتابه “وجهة العالم الإسلامي” (Vocation de l’islam) إلى اللغة العربية، ونُشِرَ في لبنان منسوبا إلى شعبان بركات وهو أستاذ في جامعة صيدا(3).

4) ـ ذُكِر اسم مالك بن نبي في كتابٍ يجمع مقالات منشورة في “العروة الوثقى” التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس، على أنه “كاتب فرنسي اعتنق الإسلام”. وقد ورد ذكره في معرض الحديث عن كُتّاب آخرين مثل ليوبولد ويس Léopold Weiss(4) وجورج ريفوار Georges Rivoire(5). وكان كاتب المقدمة من مشاهير أدباء مصر، وهو يقول مُطْمَئِنَّ النفس: “الكاتب الفرنسي مالك بن نبي الذي عاش في شمال إفريقيا وتمكّن من التكيّف مع أسلوب حياة الناس هناك، وأحبَّهم وأسْلم، ثُمّ نَذَرَ حياته للإسلام حتى تعرّض لمشاكل كثيرة بسبب ذلك”. أمّا بالنسبة لمالك بن نبي، فإنّ المسألة مقصودة، ويُرادُ بها تشويش صورته في الوقت الذي بدأتْ أعمالُه تعرف رواجا في العالم العربي.

ونظراً لكون بن نبي في بؤرة هذا الصراع فقد صار من عادته أن يأخذه بعين الاعتبار في كل شؤونه إلى درجة الهَوَس أحياناً. ذلك أن المعركة الخفية التي خاضها ضد الاستعمار وماسنيون بين 1931 و1956 قد شحذت نوازع الحيطة والحذر عنده : فالعالم، والحياة، والتاريخ، والأحداث، كلُّها ذاتُ وجهين وبُعْدَيْن ودلالتين، إحداهما مرئية ورسمية، والأخرى غير مرئية وغير مادية، ومبهمة.

وهو يرى أنه لا وجود لشيء بلا غاية في حياة الأوطان والناس، وكل شيء محسوب ومقصود، ولكل حدثٍ يدٌ تحرِّكه. وهو لا يؤمن بالمصادفات، إذ يقول: “كل عنصر ينتمي إلى الحياة وإلى حركة الأفكار ينتمي بالضرورة إلى سلسلة أو مجموعة عناصر تُحدد دلالته وبُعدَه بطريقة جدلية، كأنْ يكون العنصر نتيجةً لعنصرٍ سابقٍ له، أو أنْ يكون إرهاصاً لعنصر يأتي بعده. ولا مجال للفصل بين تلك العناصر إلاَّ إذا كان ذلك بفعل التأثر بالنظرة الذّريّة  « atomisme .

وكان بالزاك  (Balzac)يؤمن بنفس الفكرة إذ يقول : “هناك تاريخان: التاريخ الرسميّ الكاذب الذي يتمّ تعليمه مُجاراةً للتقاليد ad usum delphini، والتاريخ السِّرِّيُّ الذي نجد فيه الأسباب الحقيقية للأحداث، وهو تاريخ مليء بوصمات العار” (6).

ومع ذلك فإننا إذا أمعنَّا النظر في مؤلفات بن نبي نجد فيها من الهدوء والمنطق ما يجعلنا نستبعد أن يكون الرجل قد تعرّض لأبسط ضغط أو مُضايقة. والإنسان إذا كان يسير في التيار المُعاكس لزمانه وللعقلية السائدة في وسطه كان ذلك كافيا لتوليد حالة قلق عنده. فكثيرون هم المفكرون الذين مرّوا بصعوبات على الصعيد المعنوي والماديّ، وأمثلة ذلك: الكواكبي الذي قضى معظم حياته في التشرد والمروق عن القانون، ومات مسموما. وماركس الذي كان يمكن أن يموت جوعا لولا إعانة أنجلز له. ونيتشه الذي أنهى حياته متشرِّداً. وابن خلدون الذي تعرّض للسجن مدة عامين. وأفلاطون الذي انحدر إلى حياة العبيد والرقيق. وسقراط الذي حُكِمَ عليه بتناول السّمّ. وكونفوشيوس الذي مات واليأس يستبد بنفسه…

وكم هم أولئك الذين تعرّضوا للسخرية والإهانة والسجن أو القتل ؟ إنّ هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين أعطوا دفعاً للفلسفة والمعرفة والحرية عاشوا جميعاً حياةً ضنكاً. كان محكوماً عليهم بالمعاناة لأنهم سابقون لمعاصريهم وللنخب النمطية وللسلطان. وما القول عن أولئك الذين عاشوا تحت نير الاحتلال، أو أولئك الذين اتُّهِمُوا بالموالاة للجرمان germanophilie أو بإنكار التاريخ المُسلّم به  négationnismeأو بمعاداة اليهود antisémitisme أو بهَوَسِ المؤامرة complomania ؟

كان المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون خلال القرن الماضي أحد أقطاب الصراع الفكري في بلاد المشرق. وقد لَفَتَ نشاطُ مالك بن نبي انتباهَهُ في وقت مُبَكِّر جداًّ عندما كان طالبا في باريس ونشِطاً في الاتحاد العام للطلبة المسلمين المغاربة UGEMNA ، إذ وضع في طريقه كلّ الصعوبات الممكنة لعرقلة مسيرته ومنع تأثيره في بني وطنه.

وكان ماسنيون مُتبنِّياً لهذا الدور علانيةً. ففي إجابته عن هذا السؤال الذي طرحه الدكتور عمر فروخ (أستاذ في الجامعة الأمريكية ببيروت: “لماذا أقحم هذا المستشرق نفسه في السياسة، وهو مؤرخ مختص في تاريخ العقائد؟”، أجاب ماسنيون:”إنه بالفعل موقف عقائديّ أسْقطْتُهُ على ميدان دراسة الظواهر السياسية… قد يقول لي المعارضون: ما هو الجانب الذهني والعَقَدي في مسألةٍ كمسألةِ أزمة البترول في المشرق؟ لقد ساهمتُ بمساعدة الاستعمار على المستوى الفكري… وما دام بلدي متمسكا بأولوية الجانب الثقافي فإنني سأبقى مهتماًّ بما يُطْلَبُ مني فعلُه. وليس هذا بدافع حس وطني مكبوت يسعى إلى تنشيط أثر سياسيٍّ خامد، ولا من أجل إتاحة التوسّع للغرب المتجرد من الأخلاق في مسيرته الاقتصادية، لكنني أفعل ذلك دفاعاً عن شرف آبائنا ضدَّ إخواننا، أي: النزعة الدولية العليا لفرنسا” .

إنَّ النصوص التي يكشف فيها ماسنيون عن توجّهه الفكري الحقيقي نادرة. فهو يعترف مثلاً بأنه “لا يمكن معرفة رأي الخصم ، أو مَنْ يُقدِّمه لنا المُستعمر على أنه الخصم ، لأول وهلة. فظاهرة الاستعمار ليست محصورة في تلك البلدان التي تُسمَّى مستعمرات. إنها ظاهرة مُكمِّلة للصراع الطبقي بل هي تأتي فوق ذلك الصراع. وإننا لا نستطيع حصره في هذا الصراع كما تحاول النظرية الماركسية أن تفعل. فما يُلْفِتُ الانتباه بصفة خاصة في البلدان العربية هوأنه بالإضافة إلى مسألة صراع الطبقات يُطرح مشكل العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر… إن ثقافة المستعمَر موجودة، ونحن مدعوون لفهمها حتى ولو كُنَّا نريد استبدالها…”(8).

وإذا كان ماسنيون يخشى الآثار السلبية التي قد تنتج عن سياسة مصطفى كمال أتاتورك الاقتصادية على المصالح الأجنبية، فإنه يمتدح سياسته الثقافية المتمثلة في إبطال العربية والإسلام في تركيا، وخاصة عندما تبنّى الحروف اللاتينية. وكان يتمنى أن تنحو مصر هذا النحو، ويقول: “إنّ مصر باعتبارها المركز العالمي للكِتاب العربي يمكن أن تكون مركز إشعاع تنطلق منه حركة إصلاح لحروف الكتابة لتنتشر في العالم العربي كله” 9).

وإذا كانت الفكرة وحاملها لا قيمة لهما في البلدان الإسلامية، فإنّ البلدان المتحضرة لا تكتفي بإحاطة رجالات الفكر بالعناية التامة، بل إنّ قادتها يستشيرونهم ويلتمسون خدماتهم، خاصة في الأزمات. ولسنا بحاجة للعودة إلى عهد فرونتون Fronton  الأمازيغي و الذي كان معلم الأمبراطور ماركوس أوريليوس في سيرتا، ولا إلى عهد أرسطو الذي تتلمذ عليه الإسكندر الأكبر لكي نثبت ما سبق. يكفي أن نذكر الفيلسوف توينبي الذي كان في الأصل أستاذا للتاريخ اليوناني والبيزنطي في جامعة لندن. لقد طارت شهرته بفضل كتاباته إلى درجة أن الحكومة البريطانية وظّفته خلال الحربين العالميتين، كما كان عضوا في الوفد البريطاني الحاضر في مؤتمر السلم الذي عُقِد في باريس، كما عُيِّن مديرا للمعهد الملكي للشؤون الدولية.

بعد الهجومات التي حدثت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 قامت أعلى السلطات الأمريكية باستشارة بيرنار لويس، ذي الأصل البريطاني والخبير في شؤون العالم الإسلامي. وكيسنجر وبرزنسكي وهونتينغتون وكوندوليزا رايس، وآخرون غيرهم، أتوا من عالم الأفكار والفكْر، أتوا من الجامعة، ولم يأتوا من المدارس العسكرية أو من جهاز المخابرات. وكان لويس ماسنيون كالذي يمسك العصا من وسطها، إذ كان يتراوح بين المخابرات والفكرة. إنّ الفكرة أعلى رتبةً من القوة، ومن الأسلحة، ومن جهاز المخابرات، إذ رأيْنا بأمّ أعيننا في أحداث الساعة كيف أنّ الفكرة تُفْحِمُ جميع هذه الوسائل، وتُلْجِمُها وتقضي عليها. أمَّا أنْ تكون الفكرة صحيحة أو خاطئة، بَنَّاءة أو هدَّامة، فتلك مسألة أخرى.

وبالنظر للنواميس النفسية التي يتميَّز بها العالم الإسلاميّ، يمكن لنا تشخيص مفهوم الخير والشرّ في شخصيتين: أولاهما موسومة بكل حُلَلِ الخير، وتبعاً لذلك فهي لا تنطق إلاَّ بـ (الحق) حتى ولو كانت على خطإِ. وثانيهما موصومة بكل وصمات الشرّ، وهي مُتَّهمةٌ دوماً بـ (الكذب) حتى ولو قالت صواباً. ومالك بن نبي يرى أنه يمكن أنْ نجد لهاتين الشخصيتين صورتين مُجسَّدتين في كائنين مألوفين لدى المسلمين، وهما: المَلاكُ والشيطان. يقول:

“لنفرض أننا سمعنا الشيطان يؤكد لنا أنَّ حاصل جمع اثنين واثنين هو أربعة. إننا سرعان ما نقول مُعلِّقين: ( هذا خطأ ! ) لأننا مدفوعون بآليتنا الأخلاقية في رد فعلنا هذا. وإذا أتانا مًلاكُ وقال لنا إنّ حاصل اثنين واثنين هو ثلاثة ونصف، قُلْنا بسرعة: (هذا صحيح ! ) لأننا مدفوعون بنفس الآلية“.

ويستنتج بن نبي من هذا “أننا لا نصوغ أحكامنا بناءً على التفكير بكيفية مُعيّنة، بل نتلقاها جاهزة من غيرنا: فنحن نرفض أحكامه إذا كان يبدو لنا موصوما بوصمات الشر، ونقبل بها إذا كان يبدو لنا موسوما بحُلَلِ الخير. وهذا الغير قد يكون زعيما أو شيخا، أو حتى مُشعْوِذا كما كانت الحال في الماضي“.

وهنا يتساءل بن نبي قائلا: “إلى متى سيستمر هذا الوضع؟  ينبغي تفادي المجازفة بإصدار تكهنات تُكذِّبُها الأحداث في الغالب. فما يجب فعله ليس التكهن بالأحداث التي ستؤدي إلى الخروج من هذه الوضعية، بل البحث عن عِلَّتِها النفسية والاجتماعية، وإذا عُرِفَ السبب أمكن الجزم بأن هذه الوضعية ستزول بزوال سببها من العقلية العربية الإسلامية. إذا أقْلَعَ العربُ والمسلمون عن الاستجابة لأفعال الاستعمار بأجسادهم (مثل الحمار)، وصاروا يواجهونه بعقولهم وأذهانهم طارحين عليه، وبشكل مباشر، تلك المشاكل التي تتطلب حلولا، بدلاً من تقبُّل الأحكام الجاهزة حتى ولو كانت تلك الأحكام تدعوهم إلى الرفض إذا كان الاستعمار قد كلّف (شيطانا) بإعلانها، أو إلى القبول إذا كان الاستعمار قد كلّف ملاكا مِنْ صُنْعِه بالكشف عنها. لو حصَلَ ذلك لَحُلتِ المشكلة. لكننا لا زلنا محكوماً علينا بصياغة أحكامنا في مجال مُسطَّح ذي بُعْدَيْن: بُعْدُ الأشياء وبُعْدُ الأشخاص. وبهذه الصورة تفتقر أحكامنا لبُعد الأفكار الذي هو العنصر الوحيد الذي يعطيها عمقا يجعلنا نتلمس أغوار الحقيقة. إننا في أحكامنا جميعا سُجناء الحكم على الأشياء والأشخاص، ونحن نظنّ أننا نستطيع حلّ مشاكلنا دون إرفاقها بالأفكار التي ترتبط بها. ويبلغ الأمر مداه في المجال السياسي، إذ تسيطر الأشياء والأشخاص على شِغَافنا وسلوكنا عندما نعتقد أن نجاتنا تأتي من بعضها (أي الأشياء مثل البندقية او الطائرة) أو من شخصيةٍ ما مثل (الزعيم) الذي هو في الحقيقة سبب انسداد الطريق بيننا وبين الأفكار، لأنه ( أي الزعيم) مسكون بذلك النوع من الغريزة الفطرية التي كشف سقراط عن وجودها لدى اولئك الذين يسمّيهم بـ (الخائفين من الأفكار Idéophobes)).

جاء الفصل الأخير من كتاب “الصراع الفكري” بعنوان “حياة الأفكار وقيمتها الرياضية”. وهذه القيمة بإمكانها أن تعدّل وظيفة الفكرة أو تُلغيها إذا أدخلنا تعديلا على قيمة الفكرة بالمبالغة أو الانتقاص، وذلك تبعا لضرورات تلك المصارعة. يقول بن نبي: ” إن رياضيات الأفكار هذه ترتكز من جهة على القيمة الداخلية للفكرة، وعلى قواعد الارتباط الشرطي البافلوفي. لِتَكُنِ الفكرة (ف) ذات قيمة( ق). هذه الفرضية يمكن كتابتها رياضيا كالآتي: ف = ق. وهذه العلاقة تُعبِّر عن القيمة الرياضية للفكرة. إلاّ أنّ القيمة الرقمية في الرياضيات يمكن أن تزيد بالإضافة أوالجمع، أمّا في الأفكار فإن القيمة الفكرية تتناقص عموما عندما نضيف للفكرة مصطلحا إضافيا حتى ولو كان إيجابيا، ولنرمز له بـ: ع. فإذا أضفنا هذا المصطلح إلى العلاقة السابقة ينتج لنا: ف، =  ق+ع. وقد نتوهم أننا زدنا من قيمة( ف) الرياضية لأننا أضفنا إليها عنصرا إيجابيا.

والحقيقة غير ذلك. فالمصطلح ( ع) مرشح لأن يُنقِصَ من قيمتها لا أن يزيدها باعتبارها فكرة. ولكي نتمثل الموقف نأخذ مثالا حياًّ وبسيطا: إذا كانت الفكرة هي (الماء). لنضف لهذه الفكرةعبارة، ولو إيجابية. الفكرة الجديدة هي : الماء البارد. لنلاحظ أن القيمة الرياضية لفكرة (الماء) أهمّ من (الماء البارد) لأنها أعمّ وأشمل. هذا المثال، حتى لو كان من البساطة بمكان، يبين كيف أن قيمة الفكرة قد تنقص إذا زدنا عليها عبارة ولو إيجابية. وإذا كان هذا البرهان صحيحا في حالة ما إذا كانت العبارة إيجابية، فهو يصبح أصحَّ إذا كانت العبارة سلبية”.

ماذا يمكن أن تعني كلمة (خيانة) على لسان بن نبي؟ إنها تعني أولاً ما يُقْصَدُ بها في كل اللغات، أي الانضواء تحت لواء العدو، أو التعاون معه بنقل الأخبار، أو الرضوخ له… لكن هذا التعريف ليس مما يحتل مكانا في نفسه. فهو يعتمد على مقاييس خاصة به، وهي مقاييس ذات طبيعة فكرية وأخلاقية في الغالب. وإذا طبقها ليحكم على السلوكات والمواقف فهو يفعل ذلك تماما كما يفعل الثوريون الخالصون والمتشددون مثل سان جوست Saint-Just أو روبيسبيار Robespierre الذي صرّح في إحدى خُطَبِه: “إنّ ما أخشاه ليس ثورة مضادّة، بل أخشى استفحال المبادىء الخاطئة وعبادة الأشخاص وغياب روح الجماعة… إنّ الخيانة التي ينبغي أن نخشاها تُفْلِتُ مِنْ يقظة المجتمع، إنها تُمْهِل الشعب حتى يغُطَّ في نوم عميق يُفْضِي به إلى تكبيله” (10).

وبناءً على هذا المفهوم فإنّ كل خرْقٍ للمبادئ والمقدَّسات والمنطق يعتبر خيانة عند بن نبي. وكان عدوّه الأول هو الجهل وانعدام الثقافة لأنهما مصدر كل خيانة وكلّ (عدم)، وهما أكثر ضررا من التعرض لغزو خارجي ومن الخيانة في مجال واسع. يقول: “عندما تكون للسياسة دوافع آتية من الضمير والعقل والقلب، وفي كلمة واحدة من الأفكار، يكون من الصعب تحويل اتجاهها… ولو حللنا الأحداث التي جرت في البلدان الإسلامية خلال العشرية الأخيرة تبيّن لنا بسرعة أنّ الخونة العاديين ليسوا هم الذين يجرّون الأوطان إلى الكوارث الكبرى، بل الرجال المُبَجَّلون ذوو المراتب العليا، رجال نالوا شرف البطولة في معبد وطنهم”. إنه من الصعب علينا، ونحن نقرأ هذه الأسطر، استبعاد أسماء “الزعماء العرب” من تفكيرنا.

غير أنّ هناك تعريفا آخر للخيانة عند بن نبي في كتاب “ميلاد مجتمع” Naissance d’une société)، إذ يقول: “هناك نوعان من الخيانة تُجاه المجتمع، وهما الخيانة التي تُدمِّر روحه، والخيانة التي تحطِّم إمكانياته. الأولى تؤدّي إلى فراغ اجتماعي بتدمير المبادئ و القواسم المشتركة بين الأفراد   l’éthos وموروثهم الذهني  éon، وهي العناصر التي تُحافظ على الترابط الاجتماعي الضروري الذي يسمح للمجتمع بمواصلة نشاطه في التاريخ على طريقة متَّسِقة. أما الثانية فتؤدّي إلى خلق الفراغ  بتوجيه كل الطاقات الإبداعية وكل فضائل المجتمع في اتجاه بعيد عن الحقائق وعن الوقائع. الأولى تتجاهل المقتضيات السماوية، والثانية تتجاهل المقتضيات الأرضية. وهذان النوعان من الخيانة يُفضيان إلى نتيجة واحدة عبر طريقين مُختلفتين، بل متناقضتين أحيانا. وتلك النتيجة هي الفراغ الاجتماعي الذي تغرق فيه روح المجتمع ووسائل حضارةٍ ما“.

بتاريخ 10 فيفري 1973 على الساعة 09.45 شرع بن نبي في كتابة تمهيد لمشروع كتاب تحت عنوان “أنبوب الخيانة أو الرضَّاعة التي تُرضِع الخونة” Le pipe-line de la trahison ou le biberon qui allaite les traîtres)، وهو كتاب لا نعرف ما إذا كان الكاتب قد أنهى تأليفه، أو أنه ضاع واختفى كما جرى لوثائق أخرى. إنّنا نكاد نجنّ أو يصيبنا الهَوَس عندما نقرأ ما جاء في ذلك التمهيد: ” لقد نايفْتُ الثامنة والستين من عمري… فسِنِّي تجاوز الحدود التي تتيحها الإحصائيات حتى في البلدان المتقدمة. إذاً، سيكون عليَّ أن أتوقع الموت من حين لآخر. وهذا لا يُقلقني لولا أني أتذكر بناتي اللواتي لا زلن بحاجة إليَّ، أو أعمالي التي سأتركها غير كاملة بسبب الخونة الذين حرموني من كل وسائل العمل، بما في ذلك النوم، منذ وطِئتْ قَدَمايَ بلاد العالم العربي الإسلامي في القاهرة سنة 1956.  وبطبيعة الحال كنت أعرف الخونة والخونة الاقزامtraîtrillons من الجزائريين والمغاربة منذ أيام دراستي في باريس. لكنني كنت أجهل حجم الخيانة وطبيعتها وطبوغرافيتها ونفسيتها في المجتمع العربي الإسلامي، وخاصة في طبقة المثقفين وبين رجال السياسة..، إنني أتخيّل ما يشبه انبوبا يربط بين العواصم العربية… وهذا الأنبوب هو عبارة عن رضَّاعة يتمّ ملؤها يومياًّ من تل أبيب وباريس وواشنطن… ولقد كان لي شأن مع ماسونية الخيانة هذه على مدى طول الأنبوب كله أو أغلبه، وأنا أعرف أنني مَدينٌ لها بالكثير حتى والآفاق مسدودة في وجهي حاليا، وبناتي قد يجدْنَ أنفسهنَّ بدون سقف يُؤْويهنّ… (11) فليس من العدل أن أترك عملاً غير مُكتمل وألاّ أتمكّن من قول كلمة ولو وجيزة عن هؤلاء الإخوان المتراضعين الذين يقومون بنفس العمل ويؤدون نفس المهام من طنجة إلى جاكرتا من أجل مجد إسرائيل…

واليوم، إذ صار تاريخ المسلمين نسيجا واحدا من الخيانات، لم يفكِّر أحد في تخصيص كتاب للخونة. إنه من الظلم أن نترك ثغرةً بهذا الحجم في أدبياتنا وفي أعمالي أنا، وهي الأعمال التي يعتز صاحبها، وباستحقاق، بأنه الوحيد الذي خصص كتابا للصراع الفكري. لأجل ذلك يبدو لي أنه من الواجب استكمال هذا النقص بلمسة تكون في مستوى تلك الأعمال من جهة، ومن جهة أخرى تكون نبذاً لهؤلاء الأبطال الأشقياء الذين لم تكفِ أيام جوان 1967 الحالكة ولا أحداث بانغلاداش لزعزعة سلطانهم في العالم الإسلامي… إنّ مشروعي هذا يمكن أن يتوقف عند هذا التمهيد البسيط وأنا أعمل في ظروف جد قاسية تحت تهديد النفي من مسكني بأبسط إشارة من إحدى السفارات الأجنبية. وإذا حدث هذا فقد يأتي مَنْ يُواصل المشروع يوماً بالاستعانة بدفاتري ومخطوطاتي“.


المراجع:

صرّح بن نبي في إحدى محاضراته التي ألقاها في باتنة شهر ماي 1973، ونصها موجود في أرشيفه، استنادا إلى هذا الكتاب، بما ياتي: “إنني أعتقد أني أول مَن استعمل مفهوم (الصراع الفكري) منذ خمس عشرة سنة”.

2) إن القانون الأمريكي المعروف بـPatriot Act يقضي بحق قوات الأمن في استقاء أية معلومات من المكتبات بشأن نوع الكتب التي يقرأها أي شخص.

3) يعلِّق بن نبي على هذه القرصنة بقوله: “إنهم لا يريدون أن يتركوا الأفكار تحت اسم مؤلِّفٍ واحد، إذ يجب تفريقها. وهذا العمل طريقة من طرق الانتقاص. وإنّ شعبان بركات هذا قام بفعله بالتنسيق مع دار النشر  Seuil … وهذه الطبعة هي المتداولة في الجزائر إلى يومنا” (ماي 19733).

4) صار يسمّى محمد أسد، مؤلف “الطريق إلى مكة” و “الإسلام على مفترق الطرق”. وقد يكون هو نفسه الذي كتب أن “بن نبي كاتب فرنسي دخل إلى الإسلام ودافع عنه دفاعا مستميتا”.

5) حيدر بامات هو مؤلف كتاب “وجوه من الإسلام” الذي نُشر سنة 1946، وأعيد نشره في الجزائر سنة 1991 لدى Ed. ENA بمقدمةٍ كَتَبَهَا أحمد طالب الإبراهيمي. وبن نبي يقول في شأنه في محاضرة ألقاها في باتنة بتاريخ 14 ماي 1973: “أتيح لي أن أتعرف عليه في المعهد الإسلامي بباريس. وقد أرسل لي بنسخة من كتابه الذي وردت في غلافه عثرة تتمثل في إيراد اسمه الأصلي بين قوسين: جورج ريفوار”، ذلك أن مالك بن نبي كان يرى أن هذا الكاتب كان “يعمل لصالح الأنجليز”.

6) ورد في كتاب:”سر الالهة” Henri Costand : « Le secret des Dieux ».

7) عن كتاب: « L’Occident devant l’Orient », « Opera minora » tome 1, Ed. PUF, Paris-Beyrouth 1962.

8) وهذا بالذات ما يقصده بن نبي بـ “الصراع الفكري”.

9) المرجع السابق.

10) عن كتاب : « Œuvres de Maximilien Robespierre : Discours 1791-1792 », T.8, Ed. PUF, Paris 1953.

11)   لم تتمكن أرملة مالك بن نبي من تسوية وضعية المسكن إلا بعد عشرية من وفاته.

 

المصدر: كتاب "جوهر فكر مالك بن نبي"، منشورة دار النشر سمر سنة 2016

آخر التغريدات: