مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي (الإسلام والعروبة: أساساً ومنطلقاً)

بقلم: د.يوسف القرضاوي –

الإمام محمد البشير الإبراهيمي: أحد أئمة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث، ومن عايشه واستمع إليه خطيباً ومحاضراً ومدرساً ومحدثاً، أو قرأ مقالاته وبحوثه كاتباً مبدعاً، وباحثاً متعمقاً، سواء قرأ ذلك في حياته أم بعد مماته: أدرك تمام الإدراك أننا أمام رجل مصلح يعرف ماذا يريد من إصلاح لوطنه وشعبه وأمته ؟ وكيف الطريق إلى تحقيق ما يريد ؟ ويملك من الأدوات والمؤهلات (العقلية والعلمية والنفسية والخلقية والبيانية): ما يُمَكنه من تحقيق هدفه الذي يصبو إليه.

<!--more-->

ولا يستطيع دارس أن يعرف حقيقة الدور الذي قام به الإبراهيمي – العالم المربي المصلح الثائر المجاهد – إلا إذا عرف دور (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) وما قامت به في الجزائر من إحياء لما مات، ومن تجديد لما رث، ومن تجميع لما افترق، ومن بناء لما تهدم، ومن تطهير لما تلوث. وقد كان البشير الإبراهيمي شريكاً مع مؤسس الجمعية، وباني النهضة الجزائرية الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، فقد كان نائبه في حياته، وخليفته بعد وفاته.

وحديث الإبراهيمي عن ابن باديس: حديث الأخ المعجب بأخيه، والمرؤوس المزهو برئيسه، والصديق الوفيّ لصديقه، الذي جعله شيخاً له وإماماً في العلم والعمل والخلق والدعوة والتربية والجهاد.

ومن تأمل في سيرة الإمام الإبراهيمي، وفي تراثه الأدبي والفكري: تبين له بوضوح وجلاء: خطه الإصلاحي، ومنهجه التجديدي.

ونستطيع أن نجمل مقومات الفكر الإصلاحي والتجديدي عند البشير الإبراهيمي في هذه النقاط أو المحاور:

1-  الإسلام والعروبة: أساساً ومنطلقاً.

2-  الوحدة والحرية (أو التوحيد والتحرير): محوراً وهدفاً.

3-  التوعية والتربية: منهاجاً وطريقاً.

4-  العمل الجماعي: ضرورة وشرطاً.

5-  الأمة العربية والإسلامية: ساحة وميداناً.

كان الإسلام هو المرجعية الأولى، بل المرجعية الوحيدة للإبراهيمي وجماعته وهو أمر طبيعي لا غرابة فيه ولا دهشة منه، بل الغريب أن تكون له مرجعية أخرى غير الإسلام.

فالرجل عالم مسلم، حفظ القرآن منذ صباه، وقرأ الحديث، ودرس التوحيد والفقه والأصول، وسائر علوم الإسلام، ونبغ فيها، وأمسى معلما لها، وداعيا إليها، فلا يتصور منه أن يتخذ مرجعا غير الإسلام.

ولكن ما مفهوم الإسلام الذي يؤمن به الشيخ ويدعو إليه، ويزود عنه شبهات المرتابين وأكاذيب المفترين ؟.

إنه ليس الإسلام الذي شابته شوائب الأزمنة والأمكنة، والأعراف المتباينة، فكدرت صفاءه، وغبشت ضياءه. إنه ليس للإسلام مذهب من المذاهب، ولا طائفة من الطوائف، ولا قطر من الأقطار، ولا عصر من الأعصار. إنه (الإسلام الأول) إسلام القرآن الكريم، والسنة الصحيحة. إسلام الرسول الكريم وصحابته الميامين، وتلاميذهم الأخيار من التابعين.

إنه إسلام القوة لا الضعف، وإسلام التجديد لا الجمود، وإسلام الحرية لا القيود، وإسلام القوة والكرامة، لا الذلة والمهانة ! ولقد حرص الإبراهيمي على أن يبين باستمرار رسوخ الإسلام في الجزائر رسوخ الجبال الشم، وأنه أصل أصول حياتها، وأنه منها بمثابة الروح من الجسد. إذا انفصل أحدهما عن الأخر فمعناه الموت.

يقول في مقالة له: (إن الإسلام في الجزائر ثابت ثبوت الرواسي، متين القواعد والأواسي، قد جلا الإصلاح حقائقه فكان له منه كفيل مؤتمن، واستنارت بصائر المصلحين بنوره فكان له منهم حارس يقظ، وعاد كتابه (القرآن) إلى منزلته في الإمامة فكان له منه الحمى الذي لا يطرق، والسياج الذي لا يخرق)(1)

الإسلام الذي يدعو إليه الإبراهيمي:

وطالما شرح الإمام الإبراهيمي هذا الإسلام العظيم بقلمه الفياض، وعباراته المشرقة، فجلى أسراره، وجسد آثاره، وكشف اللثام عن عقيدته الحنيفية، وعن شريعته السمحة، وعن قيمه الملائمة للفطرة، المهذبة للغريزة، التي تسمو بالإنسان حتى يتميز عن الحيوان.

اقرأ له هذه القطعة، التي يتحدث فيها عن الإسلام دين التحرير، فيقول(2):

(إن الإسلام هو " دين التحرير العام "، فنرسل هذا الوصف إرسالاً بدون تحفظ ولا استثناء، لأنه الحق الذى قامت شواهده، وتواترت بيناته، ومن شواهده وشهوده: تلك الأجيال التى صحبت محمداً وآمنت به، واتبعت النور الذي أنزل معه، ثم الذين صحبوهم، ثم الذين اتبعوهم بإحسان.

ونحمد الله على أن العلاقة بين الألفاظ ومعانيها لم تنقطع عند جميع العقلاء من أجناس البشر، والعقلاء هم حجة الله على من سواهم، وما زال الخير يسمى خيراً، والشر يسمى شراً، والفضيلة فضيلة، والرذيلة رذيلة، فالسارق يسرق وهو يعتقد أنه متعد على مال الغير، والمتبع لخطوات الشيطان لا يقول: رضي الله عن إبليس، وإنما يقول: لعنة الله، وأن هذه لمن أسرار فطرة الله التى فطر خلقه عليها، يواقعون الشر ولا يسمونه خيراً، فيسجلون بذلك الشهادة على أنفسهم، إلا المطبوع على قلوبهم، الفاقدين للشعور، كالذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض. قالوا: إنما نحن مصلحون، وكصرعى التقليد للحضارة الغربية الذين استرقتهم الشهوات فاستباحوا المحرمات باسم الحرية. وكالمسيرين للدول الغربية، أسكرتهم القوة فبغوا على الضعفاء وسلبوا أوطانهم، وسموا بغيهم استعماراً.

إن من الظلم والحيف والغش والفساد في الأرض تسمية الأشياء بغير أسمائها، لأنه قطع للأسباب عن مسبباتها وقد قيل في قوله تعالى: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ [البقرة: 27]، أن منه قطع الدوالي عن مدلولاتها، وأن أعظم شرور هذه الحضارة الغربية أنها فتحت الباب لهذا النوع من المسخ وشجعت عليه، فأفسدت الفطرة - والضمير الذي سماه محمد – صلى الله عليه وسلم - (وازع الله في نفس المؤمن) والتحرير الذي جاء به الإسلام شامل لكل ما تقوم به الحياة وتصلح عليه كل المعاني والأشخاص، والدين الإسلامي لا يفهم التحرير بالمعنى الضيق، وإنما يفهمه على أنه كل إطلاق من تقييد، أو تعديل لوضع منحرف، أو إنصاف لضعيف من قوى، أو نقل شئ من غير نصابه إلى نصابه، قالت أسماء بنت أبي بكر حينما بعث لها أبوها بجارية تقوم لها بعلف الفرس: فكأنما أعتقني.

الإسلام دين التحرير العام:

حرر الإسلام العقل وجميع القوى التابعة له في النفوس البشرية، والعقل هو القوة المميزة للمتضادات والمتنافرات التي بنى عليها هذا العالم، كالصلاح والفساد، والخير والشر، والنفع والضر، ولذلك جعل مناطا للتكاليف الدينية والدنيوية، وقد يطرأ عليه ما يطرأ على الموازين المادية من الاختلال فيتعطل أو ينعكس ادراكه، والإسلام يعلو بتقدير العقل والفكر إلى أعلى درجة، ويقرر أن ادراك الحقائق العليا في الدين أو الكون إنما هو حظ العقول الراجحة والأفكار المسددة، وأن العقول المريضة والأفكار العقيمة تنزل بصاحبها إلى الحيوانية بل إلى أحط من الحيوانية، ففي القرآن العظيم لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: 179].

ولهذه المنزلة التي وضع الإسلام العقل فيها حماه من المؤثرات والأمراض والعوائق، وأحط دركة يرتكس فيها العقل هي الوثنية، فهي أكبر معطل له عن أداء وظيفته حين لا يسمو إلى الجولان في العوالم الروحية وحين تفتنه بالماديات بظواهرها من طريق الجوارح الحسية.

أعلن الإسلام من أول يوم حربا شعواء على الوثنية بجميع أنواعها، وهي أشد ما كانت سلطانا على النفوس، وتغللا فيها، وإفسادا لفطرة الخير واطفاء لنورها، حتى اجتثها ومحا آثارها من النفوس والآفاق، وعمر مكانها بالتوحيد، أتدرون السر في تلك الحملات على الوثنية ؟ هو تحرير العقل من نفوذها وسلطانها حتى يواجه أمانة الدين الجديد صحيحا معافى، ويؤدي الوظيفة التي خلق لأدائها، وما هدم أصحاب محمد الأصنام بأيديهم إلا بعد أن هدم محمد الوثنية في نفوسهم، وبعد أن بنى عقولهم من جديد على صخرة التوحيد، ولولا ذلك لما أقدم خالد على هدم طاغية ثقيف.

وحررت الخلطاء بعضهم من بعض بما شرعه الله من أحكام عادلة تقوم بالقسط، وترفع الحيف والظلم، ووقف بكل واحد عند حده، وحفظ له حقوقه.

فحد الحدود بين المرأة والرجل، وبين المحكوم والحاكم، وبين الفقير والغني، وبين العبيد والسادة، وبين العمال وأصحاب المال، وهذه الأنواع من التحرير تناولتها النصوص القطعية من القرآن والأحاديث، واكتنفتها في طلب النصوص مؤثرات من الترغيب والترهيب تزيدها قوة ورسوخا في النفس فأما تحرير المحكومين من الحاكمين فلا مطمع أن يأتي فيه على وجه الدهر ما جاء به الإسلام من شرائع العدل والإحسان والشورى والرفق والرحمة وعدم المحاباة حتى في النظرة والكلمة والمجلس.

وأول ما يسترعي النظر من ذلك سيرة محمد – صلى الله عليه وسلم – وأقضيته في حياته وما أدبه به ربه من مثل قوله: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ [المائدة: 49] قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ [الأنعام: 66] وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ [ق: 45] ثم سيرة الخلفاء الراشدين في الحكم فإنها كانت مثالا من أحكام النبوة التي هي وحي يوحى، وأن الأمثلة التي ضربها عمر في إقامة العدل وقوة الاضطلاع، لأمثلة خالدة على الدهر، فاق بها من قبله، وأعجز من بعده، وما أروع قوله: من رأى منكم إعواجا في فليقومه، وأروع منه قول مجيب من أفراد الرعية: لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناه بسيوفنا، وأبلغ منهما في الروعة أن يحمد عمر ربه على أن يكون في أمة محمد من يقوم عمر بسيفه.

والتشريع الإسلامي متصل الحلقات من العقائد والعبادات إلى الآداب والمعاملات، وكله يرمي إلى غاية واحدة، وهي إنشاء أمة متحدة المبادئ والغايات، متناسقة ما بينها، لتحمل الأمانة كاملة صحيحة إلى الأجيال اللاحقة، وقد تم للإسلام ما أراد عدة قرون، وما زلنا – بحمد الله – نحمل بقايا من ذلك، ولولاها لكنا في الغابرين.

وحرر الإسلام الفقير من الغني، فجعل للفقراء حقا معلوما في أموال الأغنياء، ووجه التحرير هنا أن الفقير كان يسأل الغني فيعطيه أو يحرمه تبعا لخلقه من تسهل أو كزازة، فإذا أعطاه شيئا أخذه على أنه مكرمة ممنونة، تجرح نفسه، وإن أشبعت بطنه، ولكن الإسلام ألزم الغني بدفع الزكاة للفقير وسماها حقا معلوما، وتسمية هذا المال حقا لله تشعر الغني بالرضا والتسليم، والاطمئنان إلى أخلاقه ومضاعفته، وترفع عن الفقير غضاضة الاستجداء ومهانة السؤال، وتطهر نفسه مع ذلك من رذيلة الحقد على الغني، وهذا الحقد هو أساس الشيوعية.

ومن عجائب الإسلام في إدخال التربية النفسية في الأحكام، أنه لا يأمر بشئ ولا ينهى عن شئ من العمليات إلا بعد أن يمهد للنفس ويعمرها بخوف الله وحده، ويقنعها بالآثار التي تترتب على المأمور به أو المنهي عنه، فإذا جاء دور العمل كانت النفس مطمئنة بالعلم وراضية بالعمل مهما شق، ولهذا كانت عقائد الإسلام وعباداته وأحكامه وآدابه كلها مترابطة وكلها متعاونة على تهذيب المسلم، ولهذا السر أيضا صلح شأن المسلمين الأولين، لأنهم أقاموا الدين كله، عينيا في العينيات، وكفائيا في الكفائيات، وكانوا لا يتهاونون في الصغيرة، احتياطا للكبيرة، ومن أوامر القرآن: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13].

وحرر الإسلام المرأة من ظلم الرجال وتحكمهم فقد كانت المرأة في العالم كله في منزلة بين الحيوانية والإنسانية، بل هي إلى الحيوانية أقرب، تتحكم فيها أهواء الرجال وتتصرف فيها الاعتبارات العادية المجردة من العقل، فهي حينا متاع يتخطف، وهي تارة كرة تتلقف، تعتبر أداة للنسل أو مطية للشهوات، وربما كانت حالتها عند العرب أحسن، ومنزلتها أرفع، يرون فيها عاملاً من عوامل ترقيق العواطف وإرهاف النفس، ودواء لكثافة الطبع وبلادة الحس، ويجدون فيها معاني جليلة من السمو الإنساني، وأشعارهم – على كثرتها – عامرة بالاعتراف بسلطان المرأة على قلوبهم وبشرح المعاني العالية التي يجدونها فيها، ولا عبرة بما شاع عنهم من وأد البنات، فإنه لم يكن عاماً فاشياً فيهم، وتعليله عند فاعليه يشعر أنه نتيجة حب طغى حتى انحرف، وأثر عقل أسرف في تقدير العواقب، لا نتيجة كراهية لنوع الأنثى، وعلى كل حال فالوأد خطأ كبير، وجريمة شنيعة، وشذوذ في أحكام الرجال خارج عن نطاق الإنسانية، وحسبه تسفيه قوله تعالى: أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [النحل:59].

وحرر الإسلام الحيوان الأعجم من الإنسان، وحرم عليه أن يحمله مالا يتيح من الأحمال والأعمال، وأن يجيعه أو يعطشه، فإذا فعل فيه شيئا من ذلك بيع عليه جبرا بحكم الحاكم، وأوصي في الرفق بالحيوان وصايا زاجرة، وفي حديث نبوي أن امرأة دخلت النار بسبب هرة أمسكتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشائش الأرض، وأن امرأة عاصية لله دخلت الجنة بسبب كلب وجدته يلهث عطشاً على حف بئر فأدلت خفها وسقته، وما من شيء تفعله جمعيات الرفق بالحيوان في هذا العصر إلا وقد سبق الإسلام إلى أكمل منه.

ربط الإسلام بالعروبة:

والإسلام الذي يدعو إليه الإبراهيمي: مختلط بالعروبة اختلاط اللحم بالدم وكأنما عنده مركب كيماوي امتزج فيه العنصران كما امتزج الأكسوجين والهيدروجين فكونا (الماء) الذي جعل الله به كل شيء حي.

والعروبة التي يدعو إليها ليست عرقية ولا عنصرية، بل هي عروبة لغة وثقافة، وجوهرها اللسان العربي وهو الذي نزل به القرآن الكريم

1. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: 193، 194، 195].

وهو الذي تكلم به الرسول عليه الصلاة والسلام، ورويت به أحاديثه، ودونت به سنته، التي هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن.

والعربية هي لغة الأذان والإقامة، والقراءة في الصلاة، والتلبية في الحج وغيرها.

وقد أوجب الإمام الشافعي على كل مسلم أن يتعلم من العربية ما يؤدي به صلاته وعبادته.

كما أن القرآن عربي، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول الإسلام عربي، وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزله معه: عرب، حتى من لم يكن منهم عربي الأرومة والعرق، فقد تعرب باللسان حين تكلم العربية، وقد روي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما العروبة اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي"[3].

وأرض العرب هي أرض الإسلام ومهده ومنبته، فيها نشأت الدعوة، وإليها كانت الهجرة، وبها كانت الوفاة، وهي التي ضمت رفاته عليه السلام، والمساجد الكبرى المقدسة في الإسلام والتي لا تشد الرحال إلا إليها في أرض العرب: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.

ويعتبر الشيخ الإبراهيمي أهم مكونات (الذات الجزائرية) إنما هي (الإسلام والعروبة) الإسلام الذي لا يرفض العروبة، مثل إسلام الغلاة، الذين زعموا أن الإسلام يرفض كل القوميات، لا فرق بين قومية عربية، وقومية هندية أو طورانية أو فرعونية أو غيرها. ونسوا خصوصية العروبة وما لها من صلة حميمة بالإسلام، أشرنا إليها.

والعروبة التي لا تنفصل عن الإسلام ولا تعتبر نفسها نداً له أو خصماً. مثل عروبة (القوميين) المتعصبين الذين ينصبون حرباً بين العروبة والإسلام، والذين اعتبر بعضهم القومية العربية (ديناً جديداً) أو (نبوة) جديدة والذين قال شاعرهم:

بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر، ومن أجلها صم!

سلام على كفر يوحد بيننا        وأهـلا وسهـلا بعـده بجهـنـم

وطالما أبدأ الشيخ وأعاد، وأفاض وأجاد، حول هذه القضية، ليقنع بها العقول، ويحرك بها العواطف، ويحفز بها العزائم.

حماية الإسلام من المتأكلين باسمه:

وكان من حرص الشيخ على حماية الإسلام من الدجالين، يصب جام غضبه على أولائك الذين يلبسون لبوس العلماء، ثم هم يعملون لخدمة الإستعمار تحت عنوان الوظائف الدينية: كالإمامة والخطابة والتدريس والفتوى، وهذه هي الكارثة: أن يتحدث باسم الإسلام رؤوس جهال، يُسألون فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون أو أسوأ من ذلك: أن يفتوا بما يرضي سادة الاستعمار، وإن أسخط الواحد القهار، وإنما ينتصر الإسلام بالعلماء لا بالعملاء، وبالدعاة لا بالأدعياء.

يقول الشيخ: إن المسجد لا يؤدي وظيفته، ولا يكون مدرسة للقرآن، إلا إذا شاده أهل القرآن، وعمروه على مناهج القرآن، وذادوا عنه كل عادية. وما جعل القرآن المساجد لله، إلا لتكون منبعاً لهدايته، وما وصف الذين يعمرون مساجد الله بأنهم لا يخشون إلا الله [4]، إلا ليقيم الحجة على ضعفاء الإيمان ويعزلهم عن هذه المرتبة.

وصدق الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم الذي وصف القرآن بأنه (لا تنقضي عجائبه)! فو الله لكأن هذه الجملة لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ من هذه الآية بهذا الأسلوب المقيد للحصر بأبلغ صورة نزلت اليوم، وهّاجة بأنوار الرسالة، مطولة بأنداء الوحي، لتكون حجتنا القاطعة على هذا النمط من عمار المساجد الذين يخشون المخلوق ولا يخشون الله [5].

لقد وقفت جمعية العلماء لتذود عن الإسلام في شتى الميادين، كما يذود الأسد عن عرينه، وكما يدافع الحر عن عرضه، وكما يدافع الوالد عن ولده وفلذة كبده.

دافعت عنه في ثلاث ميادين في وقت واحد:

أ‌-       في الميدان الخارجي بما ردت به من شبه الطاعنين، وكفكفت من غلواء المبشرين، وبما أقامت من حصون في وجوه الملحدين.

ب‌-   وفي الميدان الخاص بالحكومة الجزائرية، وخصوصاً في قضية (فصل الدين عن الحكومة) التي تناولها الشيخ في مقالات عدة تحمل النور والنار، تناولتها بالشرح والتحليل، وبالبيان والتذليل، ولم يهن لها عزيمة، ولا خارت لها في المطالبة قوة، لم يخدعها وعد ولا ردها وعيد.

ت‌-    وفي الميدان الداخلي: بينها وبين قومها وأبناء ملتها، حتى تعلم الجاهل، واهتدى الضال، وفاء إلى الرشد الغوي.

عمل جمعية العلماء لخدمة الإسلام:

ويخاطب الشيخ الاستعمار الفرنسي بلغة قوية لا دهن فيها صريحة لا جمجمة فيها، موضحاً ماذا تريده جمعية العلماء وما تعمل من أجل الإسلام والعروبة فيقول: (ياحضرة الاستعمار) إن جمعية العلماء تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، وتفهيم حقائقه، وإحياء آدابه وتاريخه، وتطالبك بتسليم مساجده وأوقافه إلى أهلها.

وتطالبك باستقلال قضائه، وتسمي عدوانك على الإسلام ولسانه ومعابده وقضائه: عدوانا بصريح اللفظ.

وتطالبك بحرية التعليم العربي، وتدافع عن (الذاتية الجزائرية) التي هي عبارة عن (العروبة والإسلام) مجتمعين في وطن.

وتعمل لإحياء اللغة العربية وآدابها وتاريخها، في موطن عربي، وبين قوم من الغرب.

وتعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا. وتعمل لتمكين أخوّة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم.

وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم، وسير أعلامهم، وأمجاد تاريخهم.

وتعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي والعربي ؛ لأن ذلك طريق إلى خدمة اللغة والأدب.

فإذا كانت هذه الأعمال تعد – في فهمك ونظرك – (سياسة)، فنحن سياسيون في العلانية لا في السر، وبالصراحة لا بالجمجمة.

إننا نعد كل هذا (ديناً) على الحقيقة لا على التوسع والتخيل، ونعده من واجبات الإسلام التي لا نخرج من عهدتها إلا بأدائها على وجهها الصحيح الكامل.

ولتعلم أننا نفهم الإسلام على حقيقته ؛ وأننا لا نستنزل عن ذلك الفهم برقية راق، ولا بتهديد مهدد ؛ ولتعلم سلفاً، ولتسلم منطقياً وواقعياً: أننا حين تختلف الأنظار بينك وبين الإسلام، فنحن مع الإسلام، لأننا مسلمون ؛ ولتعلم أن تلك الأعمال تزيدنا مع جلال العلم جلال العمل.

لتعلم ما دام الإسلام عقيدةً وشعائر، وقرآناً وحديثاً، وقبلة واحدة، فالمسلمون كلهم أمة واحدة ؛ وما دامت اللغة العربية لساناً وبياناً وترجماناً فالعرب كلهم أمة واحدة ؛ كل ذلك كلما أراد القدر المقدور، والطبيعة المطبوعة، والأعراق المتواصلة، والأرحام المتاشبكة، (فلا إسلام جزائري) [6] كما تريد ولا عنصرية بربرية كما تشاء.

ولتعلم – آخر ما تعلم – أن زمناً كنت تسلط فيه المسلم على المسلم ليقتله في سبيلك – قد انقضى وأنه لن يعود…

ولكن ما قولك – أيها الإستعمار – في تدخلك في ديننا، وابتلاعك لأوقافنا، واحتكارك للتصرف في وظائف ديننا، وتحكمك في شعائرنا، وتسلطك على قضائنا، وامتهانك للغتنا ؟

ما قولك في كل ذلك – أهو من الدين أم من السياسة ؟

وكيف تبيح لنفسك التدخل فيما لا يعنيك من شئون ديننا، ثم تحرم علينا الدخول فيما يعنينا من شؤون دنيانا ؟

وهبنا وإياك فريقين، فريق أخضع الدين للسياسة ظالماً، وفريق أدخل السياسة في الدين متظلما فهل يستويان ؟ إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، وإذا حكمتنا إلى القوة غلبتنا؛ ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق لا للقوة [7]. انتهى.

الهوامش:

[1] العدد 13 السنة الأولى من السلسة الثانية 1947م.

[2] من بحث ضاف تحت عنوان: الرق في الإسلام. انظر: آثار محمد البشير الإبراهيمي (4 / 356- 360)

[3]- رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (21/407) عن معاذ بن جبل، وقال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: هذا الحديث ضعيف وكأنه مركب على مالك، لكن معناه ليس ببعيد بل هو صحيح من بعض الوجوه صـ169.

[4]- يشير إلى قوله تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18].

[5]- من مقالة نشرت في البصائر العدد 153 سنة 1921م تحت عنوان: كلمتنا عن الأئمة.

[6]- (الإسلام الجزائري) هو غاية كان يعمل لها الاستعمار بجميع الوسائل ليفصل – على مر الزمن – بين مسلمي الجزائر وبين بقية المسلمين، ولكن الله خيبه !

[7]- نشرت في العدد (3) من البصائر سنة 1947.

آخر التغريدات: