الإمام الإبراهيمي.. العظمة أصل في طبعه

بقلم: أبو محمد حبيب -

قبل 52 سنة  20 مايو رحل علم من أعلام القطر الجزائري وإمام من أئمة المسلمين في القرن الماضي، إنه العلامة محمد البشير الإبراهيمي (13 يونيو 1889-20 مايو 1965)، ولا تكاد تذكر نهضة هذا القطر إلا مقرونة برجلين أحدهما الإبراهيمي، والثاني هو رفيقه وصفيه الإمام عبد الحميد بن باديس، فمنهما وبهما تدربت جيوش الإصلاح، وأنشبت أسلحتها في مقاتل الاستعمار وأعوانه، ونازلته نزالا طويلا أحال أحلامه سرابا وأوهاما.

نشأ الإمام الإبراهيمي في بيت ورث مجد العلم، وانتهت إليه أمجاد عائلة حفية بتراث عريق، وصادف ذلك عنده نبوغا وحافظة و"عوَّضه الله من القوة في عقله ما ضاع عليه في رجله، وكدنا نغبطه على عرجه"(1) وتولى عمّه الذي "كان حامل لواء الفنون العربية غير مدافع" (2) تنشئته على سيرة الأوائل حتى إذا أتم تسع سنين كان قد حفظ القرآن الكريم مع فهم مفرداته وغريبه، وحفظ عددا من الألفيات منها: ألفية ابن مالك والكافية، وألفية ابن معطي في النحو، وألفية العراقي في السير والأثر، وجمع الجوامع في الأصول، فضلا عن دواوين الشعراء من أمثال المتنبي والطائي، وديوان الحماسة ..ورسائل البلغاء، إلا أن أكثر الكتب اللغوية التي كان لها أبلغ الأثر في ملكته اللغوية هي: (كفاية المتحفظ للأجدابي، والألفاظ الكتابية للهمداني، والفصيح لثعلب، وإصلاح المنطق لابن السكيت) (3).

فلما مات عمه قام مقامه في التدريس وهو ابن أربعة عشر سنة فقط، فلما جاوز العشرين خرج في رحلته الأولى إلى المشرق، وكانت وجهته هي المدينة المنورة، فطاف بحلق العلم في الحرم النبوي "مختبرا" فلم يرق له شيء منها!! ولم يجد علمًا صحيحًا إلا عند رجلين هما شيخاه: الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي. وكانت إقامته بالمدينة "أيام خير وبركة"، وفي عام 1917 خرج مع والده إلى "دمشق" ونال حظوة طالما تطاولت إليها الأعناق، فتولى التدريس تحت "قبة النسر" في الجامع الأموي، وجدد طريقة الأمالي، وخرج على الناس بعلم لم يألفوه (4).

فلما رجع إلى بلده "الجزائر" جمعه القدر، وتدبير الأيام المباركة التي قضاها بالمدينة المنورة، بالرجل الذي وصفه بقوله إنه "أعلم علماء الشمال الافريقي، وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر" الشيخ ابن باديس، وباجتماعهما أسسا للأمة الجزائرية "خير جمعية أخرجت للناس" وهي "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" التي كان شعارها الخالد هو (الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا) وفي خدمة هذا الثلاثي أفنيا عمريهما، واتصل ليلهما ونهارهما، واتسعت فتوحهما، ودانت لهما الأمة طائعة، واستقبلتهما الجهات الأربع للقطر بحفاوة وإخلاص، وانتظم المئات من الطلبة في المدارس الحرة، ونكست أعلام الطرقية الخانعة المتهالكة على الأقوات، وهبت ريح الإصلاح ندية، ووقع غيثها نافعا في كل مكان.

فلما مضى الإمام الرئيس إلى ربه راضيا مرضيا، خلفه الإبراهيمي فاتسع البناء، وتجدد في الأمة تلك الروح التي أوشكت آلة الاستعمار أن تسلخها، وخرج الإبراهيمي إلى المشرق مرة أخرى معرفا داعيا، يصدح بصوت الجزائر التي آذن ليلها الطويل الكئيب أن يسفر عن صبح مشرق .. وأبلى بلاء محمودا في خدمة "ثورتها" والتعريف بقضيتها حتى نالت حريتها واستعادت كرامتها ..

كان الإمام الإبراهيمي صاحب بيان ساحر، وديباجة مشرقة أنيقة، ومعرفة بلسان العرب وملاحمهم، وتاريخهم وأمجادهم، يحفظ أشعارهم، ويميز غريب اللغة ووحشيها، ويقف على آراء المتقدمين غير هياب أن يقول كلمته، ويصدع برأيه، ويسفه بعض مصنوعاتهم كشأن الراسخين، ويرجح بين منقولاتهم رواية ودراية، بصيرا بصرا تاما بالمنظوم والمنثور، أما النظم فقد أتقنه وأسلس له "الرجز" قياده حتى عد نفسه أولا لا يزاحمه إلا صديقه العلامة (نعيم النعيمي) الذي "هو ثاني اثنين من رجاز العرب في عصرنا هذا، ولو شئت لذكرت الأول" ولا يعني إلا نفسه، وقد ألف "ملحمة" ضمنها تاريخ الإسلام، وتقع في نحو ستة وثلاثين ألف بيت، ولكنها -للأسف- ضاعت.. وقد اعتذر عن قلة تآليفه بقوله: "لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلًا، ولكنني أتسلى بأنني ألفت للشعب رجالًا"، كما أن تجرده وإخلاصه لقضية أمته منعه من خلط المصلحة العامة بمصلحته الخاصة، وعبر عن ذلك بقوله: "تركت مسودات مؤلفاتي كلها بالجزائر ولم أصحبها معي لتطبع أو يطبع بعضها هنا (مصر) كما كنت آمل، لأني لم أشأ أن أخلط عملًا عموميًّا للجزائر بعمل شخصي لنفسي".

لم يكن الإبراهيمي عالما شرعيا "تقليديا" يعتني بالمحفوظات والتقريرات والتمحلات التي نشأ عليها أسلافه ومعاصروه، ولكنه تأمل العلوم الإسلامية فوجد "أن جميع علومنا الإسلامية في جميع أدوارها يعوزها الاختبار والنقد، يعوزها الاستقلال في الرأي، تعوزها الشجاعة" فكان الإمام الإبراهيمي هو فارس الاختبار والنقد، وهو سيد الاستقلال في الرأي، وهو فارس الشجاعة لا يهاب أميرا ولا وزيرا، واعتبر أن "العالم الجبان في أمة عضو أشل، يؤود ولا يذود، ولعمري ان في اتحاد صف الصلاة وصف القتال، في الاسم والاتجاه والشرائط، لموقف عبرة للمتوسمين".

لقد كان الإمام الإبراهيمي كما قال رفيقه الشيخ العربي التبسي: "فلتة من فلتات الزمان، والعظمة أصلٌ في طبعه"، وقضى هذا الإمام حياته مجاهدا كأجل ما يكون الجهاد باللسان والقلم، وأسدى لأمته مهجة فؤاده ناصحا محبا مشفقا، وعرك الأيام والليالي ليتعلم أبناء وطنه كيف "يحررون عقولهم تمهيدا لتحرير أجسادهم"، فعاجله القدر وقد بذل -صادقا متجردا-نصيبا وافرا من جلائل الأعمال التي يريدها ورثته الآن حية كما تمناها وعاش لأجلها.

لما قضى الإبراهيمي خرج في جنازته مائتي ألف مشيع (5) بكوه بحرقة وأسى، وكان خروجهم -يومئذ-موقفا شديد الأهوال يعبر عن "مظاهرة سياسية" ترفض المسيرة التي اختطها الحكام الجدد، وشعر الإمام الذي كتب الله له أن يعيش حتى استقلال الجزائر، أنه سيسلم مشعل الجهاد مرتاح الضمير، ولكنه قطع صمته الذي اختاره لنفسه وصاح الإمام أياما قبل رحيله، صيحة تذير مدوية، وتمنى في بيانه الشهير أن أعمال هؤلاء الحكام يجب " أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية، لا من مذاهب أجنبية"(6).

إن تاريخ الإبراهيمي هو حلقة متصلة النسب بذلك الماضي المشرق الذي تترابط حباته منتظمة، تزداد بها الأمة ثقة في دينها وقوميتها ورسالتها، وهو حجة من حجج الزمان التي تقطع جحافل اليأس التي تتباري في إشاعتها محافل سيارة تمدها العقول الجبارة والأموال الكثيرة، ولا يكاد طمعها يهدأ، ولا يزال الزمن يدفع بحججه وبراهينه من مفاخر هذه الأمة واحدا تلو الآخر.. "يموت العظماء فلا يندثر منهم إلا العنصر الترابيّ الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحية في الأرض، قوّة تحرّك، ورابطة تجمع، ونورًا يهدي، وعطرًا ينعش، وهذا هو معنى العظمة، وهذا هو معنى كون العظمة خلودًا"(7) رحم الله الإبراهيمي وطيب الله ثراه.

 

الهوامش:

(1) الإمام عبد الحميد بن باديس. الآثار

(2) (3) (4) الإمام الإبراهيمي . خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية.

(5) رقم قدمه نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في حصة "شاهد على العصر" على قناة الجزيرة.

(6) بيان 16 أفريل 1964.

(7) الإبراهيمي في رثاء ابن باديس.

آخر التغريدات: