دفاع عن الشيخ الإمام الإبراهيمي رحمه الله

بقلم: أ.يوسف بوغابة -

لمّا قرأتُ ما قاله السيِّد بلعيد عبد السّلام رئيس الحكومة الأسبق ومناضل الحركة الوطنية في حزب الشعب عن الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي في حواره بجريدة الشروق اليومي يوم 16 ماي 2017، أصابني الذهول وهو ينسب إليه موقفاً غريباً، إذْ عزا إلى الإمام الإبراهيمي أنّه قال: (العمل الثوري فعل شيطاني) وأنّ القيام بالثورة يؤدِّي إلى هلاك الشّعب، كما أنّه اعتبر الكفاح المسلّح (الجهاد) انتهى مع المقراني والحدّاد وأولاد سيدي الشيخ، ورأى الإبراهيمي على حسب شهادة السيِّد بلعيد عبد السّلام أنّ المجال المُتَبَقَى هو النضال السياسي للحصول على بعض الحقوق في إطار القانون الفرنسي.

إنّ المنهج العلمي يقتضي أنْ نسأل السيِّد بلعيد عبد السّلام: هل سمعتَ الشيخ الإبراهيمي قال هذا الكلام؟ وهل قرأتَ له فيما كتبَ مثل هذا الكلام أو ما يدلّ عليه ولو تلميحاً؟ أم أنّك سمعتَ هذا الكلام عمّن سمعه أو قرأه؟ وفي كلّ الأحوال منهجنا العلمي يقول: إنْ كنتَ ناقلاً فالصحّة أو مدّعياً فالدّليل.

ولقد ذكّرني هذا بموقف المرحوم أحمد بن بلة الذي ادّعى أنّ جمعية العلماء كانت ضدّ الثورة في عامها الأوّل، وتلقّفها الكُتّاب وجعلوها كلمةً باقية، وقف مرّة يعلن في ثورة ثائرة أنّه كان قد عرض في بداية الثورة في القاهرة على الشيخ "الإبراهيمي" أنْ يُصدر فتوى تعتبر الثورة جهاداً يجب على الجزائريين الانخراط فيه، ببذل ما يملكون من نفس ونفيس، فامتنع من ذلك.!(1)

ثمّ رجع رحمه الله وغفر له في آخر عمره ليقول في شهادته على العصر: إنّ جمعية العلماء قد شاركت في الثورة في أيامها الأولى. (2)

والتُّهم التي وجّهها السيِّد بلعيد عبد السّلام، إلى الإمام البشير الإبراهيمي، هي:

1- الكفاح والجهاد انتهى بانتهاء المقراني والحدّاد وأولاد سيدي الشيخ.

2- النضال السّياسي هو المجال المُتَبَقَى للحصول على الحقوق.

3- العمل الثّوري فعل شيطاني.

4- اتهم حزب الشعب بأنه دبّر أحداث 8 ماي 1945.

الشيخ الإبراهيمي مع إخوانه العلماء يرى أنّ الاستعمار نوعان: استعمار روحي فكري، واستعمار مادي عسكري، والاستعمار الرّوحي عنده أخطر بكثير من الاستعمار العسكري؛ لأنّه هو أصله وأساسه، وهو ثمرته وغايته، فقال: «وَلَعَمْرِي إنّ هذا لهو الاستعمار الرّوحي الذي لا يُعدّ الاستعمار المادي معه شيئًا مذكورًا!». (3)

ويرى رحمه الله أنّ «جمعية العلماء حرّرت العقول، فاسْتَشْرَفَت إلى تحرير الأجساد».(4) إذْ لا يُعقل عنده رحمه الله: «أنْ يتحرّر بدن يحمل عقلاً عبداً».(5)

فكلمة استشرفت معناها: رفع بصره لينظر إلى الغاية، التي يتطلّعُ إليها ويشعر بها.

هذه الغاية هي التحرير، أي تحرير الشّعب وتخليصه من الاحتلال الأجنبي، هذا ما دلّت عليه قواميس اللّغة العربة.

فعن التّهمة الأولى أقول:

نعم إنّ الإبراهيمي اعتبر ثورة المقراني آخر ثورة جماعية كبيرة من النّاحية الواقعية والعملية، حيث لم تندلع بعدها ثورات بحجمها وقوّتها، ولكنّه لم يقل كما يفهم من كلام السيِّد بلعيد عبد السّلام أنّها انتهت بمعنى أنّه لا يجوز إعلان الثورة مرّة أخرى، وأنّ العمل السّياسي نسخ الكفاح والجهاد، وإليك ما قاله الشيخ الإبراهيمي: «من يوم فشل ثورة المقراني تحطّمت المقاومة الجماعية بالجزائر، وكان لذلك الفشل أثر بليغ في نفوس الأمّة كلّها، من الملل واليأس وسوء الظنّ بالزعماء، وتبارى الطامعون وأصحاب الدخائل السيّئة في الزلفى إلى فرنسا واكتساب رضاها وجرّ المغانم الزائفة إلى ذويهم والظهور على خصومهم، يريدون بذلك كسب المال والجاه وخلق زعامة لأنفسهم ما كانوا لينالوها لو نجحت الثورة وتخلصت الجزائر من فرنسا..

ولم تقع بعد ثورة المقراني ثورة ذات بال، وإنّما وقعت انتفاضات محلية مرتجلة من بعض الرؤساء وقبائلهم المحدودة العدّ، ولم تكلّف فرنسا في القضاء عليها إلا أسابيع أو أشهرًا..». (6)

وهو نفسه قد ردّ على من ادّعى أنّ الجهاد انتهى وأنّ طاعة فرنسا واجبة وهم أصحاب الطُرُق الصوفية، فقال رحمه الله: «فأمّا الجزائريون فإنّ فشل الثورة أثّر في معنوياتهم أسوأ الآثار، وجاء احتلال فرنسا لتونس في تلك الظروف جرحًا على جرح، وقرحًا على قرح، وساءت ظنونهم بكلّ شيء، حتى أوشكوا أنْ يقنطوا.

واستغلّ الدجّالون من المتصوفة والدراويش، الذين اصطنعتهم فرنسا لغاية التخدير، هذه الحالة النفسية في الشعب، فتعاهدوه بمنوّمات ينسبونها إلى الدِّين وما هي من الدِّين، وفحوى تلك المنوِّمات أنّ الرضا بالاستعمار إيمان بالقدر. {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}».(7)

وعن التهمة الثّانية أقول:

كيف يقول السيِّد بلعيد: إنّ العمل السياسي هو الطّريق لنيل الحقوق؛ والإمام الإبراهيمي رحمه الله لا يرى ذلك ولا يؤمن به، فالسياسة عنده تأتي في درجة متأخِّرة بعد العلم ونشره، فهي تابعة له ومنقادة به، فقال رحمه الله: «نحن سياسيون منذ خُلِقنا، لأنّنا مسلمون منذ نشأنا، وما الإسلام الصحيح بجميع مظاهره إلاّ السياسة في أشرف مظاهرها، وما المسلم الصّحيح إلاّ المرشّح الإلهي لتسيير دفّتها أو لترجيح كفّتها، فإذا نام النائمون منّا حتى سلبت منهم القيادة ثمّ نُزعت منهم السيادة، فنحن -إن شاء الله- كفّارة الذنب، وحبل الطُّنْب».(8)

ولم يكن دخوله إلى عالم السياسة وانتقاده للحكومة نتيجة إيمان بأولويتها أو رغبة في ممارستها، إنّما أُلْجِؤوا إليه إلجاءً واضطرّوا إليه اضطراراً وفق فقه الواقع والمرحلة، قال رحمه الله: «فأما إذا أَبَت إلاّ أن تجعل دينناً جزءًا من سياستها، فسننتقل معها إلى الميدان الذي أرادته واختارته لنفسها ولنا، وسنقود كتائب السياسة في أضيق موالجها جالبة علينا ما جلبت، وسوف تجدنا -إن شاء الله- عند سوء ظنّها، وسوف تجدنا -كما عرفتنا- حيث تكره لا حيث تحبّ، وسوف نعلّمها فقهًا جديدًا وهو أنّ أرض الجزائر حتّى سجونها مساجد لإقامة الصلوات، وأنّ كل عود فيها حتّى المشانق منابر خطبة ومطيّة خطيب، وأنّ كل صخرة فيها مئذنة ينبعث منها "الله أكبر"، وسوف يُريه بنا أنّ عاقبة المعتدي على الإسلام وخيمة».(9)

فنشر الدِّين عند الإبراهيمي واللّغة والتعليم وافتكاك الأوقاف والإفتاء والخَطابة والقضاء من يد فرنسا هو الميدان «الذي لا نبرح منازلين الحكومة فيه، ومواقفنا هي التي أثارت -وما زالت تثير- سخط الحكومة وغضبها علينا؛ وعناد الحكومة فيها هو الذي يُلجئنا إلى التوسّل بكلّ وسيلة في الوصول إلى غايتنا فيهما، حتى خُيِّل إلى هذه الحكومة أنّنا جمعية سياسية متستِّرة بثوب الدِّين، وأشاعت ذلك على ألْسِنة سماسرتها ودعاتها حتى ملأت به الدنيا، وهي مخطئة في هذا الفهم، أو متعمّدة له، لتستبيح به كل ما تعاملنا به من عسف وإرهاق، فلتعلم هذه الحكومة أنّنا في سبيل مبدئنا احتككنا بالسياسة وشاركنا في مؤتمرها، واتصلنا برجالها، واصْطَليْنا بنارها، وفي سبيل مبدئنا نأخذ بجميع الأسباب إلاّ سببًا يُحرّمه ديننا، أو يَأْباه علينا شرفنا؛ ومن ابتُليَ بمثل هذه الحكومة في عنادها للحق، وتصلّبها على الباطل، أدركه الإعياء فملّ، أو اشتبهت عليه السبلُ فضلّ، أو خانه الصبر فزلّ، أمّا نحن فوالله ما زلّت لنا قدم، ولا زاغ لنا بصر، ولا ضعُفت لنا عقيدة، ولا غامت لنا بصيرة، وإنّنا نأتي ما نأتي وعقولنا في مستقرّها... وطالما صارحنا هذه الحكومة -في غير خلابة- بأنّها هي التي خرجت من وضعها فأدخلت الدين في السياسة، فاضطرتنا إلى أن نقابلها بالمثل فندخل السياسة في الدين؛ والبادئ أظلم، على أن تدخلنا في السياسة أدنى إلى الشرف، وأبعدُ عن الاستهجان من تدخلها في الدين».(10)

فالإمام الإبراهيمي ينتقد من توجّه إلى السياسة وحدها مُؤْثِراً لها على تكوين الشخصية الوطنية الجزائرية وإحياء مقوّماتها: الدِّين واللغة والتاريخ.

ثمّ بيّن رحمه الله أنّ اختيار العمل السياسي إنّما كان على يد الأمير خالد رحمه الله، فقال: «كان من آثار هذه الرّوح الجديدة أنْ ارتفعت أصوات فردية تطالب بحق الجزائري في الحياة السياسية، وتسويته بالأوربيين في الحقوق، بعد أن سوّت بينهما الحرب في الواجبات..

ارتفعت أصوات المطالبة بالحقوق السياسية، وتردّدت أصداؤها حتّى في الأوساط العامّة، وأصبح كل صاحب صوت سياسي يجد له أنصارًا يلتفّون حوله ويتعصّبون له ويتفنّنون في الدعاية لمذهبه السياسي، ولانتخابه نائبًا إذا رشّح نفسه لذلك..

اشتهر من الأفراد الذين رفعوا أصواتهم بالمطالبة بحق الجزائري في السنوات الأولى لما بعد الحرب، الأمير خالد بن الهاشمي بن الأمير عبد القادر الكبير..

فقد ترعرعت الوطنية بعده وقطعت المطالبة السياسية مراحل فغطت على اسمه وسمعته ومذهبه، وأي ذكر يبقى لمثل خالد مع ضحايا الوطنية وشهدائها؟..

ولعلّه لو طالت حياته السياسية، ولم تفسدها عليه التطورات الوطنية الجارفة، وانتهت به إلى المساومة والمفاوضة، لرضي بلقب ملك ولو تحت حماية فرنسا، فإنّ أصحاب النزعات الملكية، المفتونين بالألقاب الموروثة، أقرب النّاس إلى الزلل..». (11)

وأحبُّ أنْ أُلْفِتَ الانتباه لأكشف القناع عن هذه الدّعوى الباطلة فأقول: إذا كان الإمام الإبراهيمي ومن ورائه جمعية العلماء يؤمن بالعمل السياسي وحده سبيلاً لنيل الحقوق، ويَكْفُر بالثورة والجهاد، فلماذا تُعاديه فرنسا وتعتبرهُ خطراً يُهدِّد وجودها، فقد جاء في أحد التقارير السريّة التي كتبها المسؤولون الفرنسيون في أوائل الخمسينات قبل الثورة: «إنّ العلماء كانوا يُمثِّلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر، فَشُعَب مدارسها عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يُمارسونه مدرسة حقيقية للوطنية».(12)

وعن التّهمة الثّالثة أقول: هل قال الإمام الإبراهيمي: الثورة من عمل الشيطان؟

قبل الحديث عن الثورة والجهاد والعمل العسكري، يجب أنْ نعرف موقف الشيخ الإبراهيمي من الاستعمار؛ إذ لا يُعْقل أن يثور أحد على دولة يراها شرعية، كما أنّه لا يُعقل أنْ لا يثور على دولة يراها مغتصبة ومحتلّة لبلده، سواء بسواء.

قال الشيخ الإبراهيمي رحمه الله وصف الاستعمار الفرنسي في مقال له بعنوان: (موقفنا من السياسة والسّاسة) كتبها في البصائر عام 1947 بقوله: «الاستعمار رجس كلّه من عمل الشيطان».(13)

وكتب بعدها بعام يقول: «الاستعمار كلّه رِجسٌ من عمل الشيطان، يلتقي القائمون به على سجايا خبيثة، وغرائز شرِهة، ونظرات عميقة إلى وسائل الافتراس، وإخضاع الفرائس، وأهمّ تلك الوسائل قتلُ المعنويات وتخدير الإحساسات الروحية.. ولولا ما بلوناه من شرّ الاستعمار الفرنسي على ديننا ولغتنا، وما تجرّعناه في سبيل إحيائهما من غصص، وما كابدنا في إنقاذهما منه من بلاء، لما ذكرنا الاستعمار بخير، ولما أجريناه على ألسنتنا إلاّ مقرونًا باللّعنة مصحوبًا بالسخط، ولكن في الشر خيارًا لا يقدره قدره إلاّ المُبتلى بالأشدّ من أنواعه».(14)

وفي سنة 1951 كَتَبَ يقول: «ولكنّه [الاستعمار] في مُبتدإ أمره ومُنتهاه رجسٌ من عمل الشيطان، وهل في عمل الشيطان خير أو حق؟ إنّما هو عناد للحق، وتزيينٌ للباطل، ونقضٌ للخير، وبناءٌ للشرّ، وما شاء الشيطان من النقائص».(15)

فلم أجده رحمه الله يتكلّم فيما بين يدي من آثاره كلمة واحدة نابية عن الثورة أو الثوّار، ولا عن السياسة والسياسيين، فهو ينتقد العمل الخاطئ والتصرّف غير المسؤول والاتّجاه المنحرِف، فخصومته مع الأفكار لا مع المفكِّرين، وانتقاده للأعمال والمواقف لا للعاملين، أمّا خصوم الإمام الإبراهيمي فهي عندهم خصومة شخصية.

لقد سُجِن الإمام الإبراهيمي في السِّجن الحربي في أحداث 08 ماي 1945 في محاكمة عسكرية بتهمة الثورة.(16)

كتب الشيخ الإبراهيمي عام 1953 مذكِّرة لوزارة المعارف المصرية ومَشْيَخَة الأزهر وجامعة الدول العربية عرض فيها أعمال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، جاء فيها: «وصفوة رأي الجمعية في السياسة الجزائرية تحرير الجزائر على أساس العروبة الكاملة والإسلام الصحيح والعلم الحي، وعلى ذلك فهذه الجهود الجبّارة التي تبذلها جمعية العلماء في سبيل العربية والإسلام والتعليم كلها استعداد للاستقلال، وتقريب لأجله، ولكن كثيرًا من قومنا لا يفقهون، أو لا يريدون أن يفهموا، ولو أرادوا أن يفهموا لحكموا المحسوس الذي لا يرتابون فيه، وهو أنّ جمعية العلماء حرّرت العقول وصقلت الأفكار وأيقظت المشاعر. والنتيجة الطبيعية لذلك كلّه هي تحرير الأبدان، لأنّ الأوّل مدرجة إلى الثّاني».(17)

والتّهمة الرابعة: تحميله لحزب الشعب كارثة 8 ماي.

لعلّ السيِّد بلعيد عبد السّلام قد خانته الذاكرة واشتبه عليه الأمر ونسب هذا الكلام للإمام رحمه الله، فلو نسبها إلى السيِّد فرحات عبّاس لكان أقرب إلى الصواب؛ لأنّه هو الذي قال في المؤتمر الأوّل لحزب الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري بعد مجزرة 8 ماي: «لا ندعوا للجهاد، ولا ندعو لتكوين حكومة إسلاميّة، ولا ندعو لانسحاب فرنسا والفرنسيين من الجزائر، فنحن ضدّ المغامرة، ولا نبيع بالمزاد العلني مزارع المعمّرين».(18)

أمّا الشيخ الإبراهيمي فقد دعا الشّعب الجزائري بعد أحداث 08 ماي 1945م إلى مواصلة التّنديد وعدم النكوص وقال:

«إنّ القوم -الفرنسيين- لا يدينون إلّا بالقوّة، فاطلُبها بأسبابها، وَأْتها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوْسع أبوابها العمل، فخُذْهُما بقوّة تَعِشْ حميدًا وتمُتْ شهيدًا».(19)

واعتبر مجزرة 08 ماي حادثة وقعت عن عمد ترصد وسبق إصرار، وهي «مُحكمة التدبير، مُبيَّتة، مجمع عليها، من جامعة المعمّرين بإملاء رجال الحكومة أو مُمَالأتهم، ولم يبلغ بنا الجنون ولا الغفلة أنْ نعتقد أنّ الحكومة لم تكن على علم بكلّ مكيدة قبل أن ترجف راجفتها، لأنّها تتمتّع بحاسة في (الشّمّ) لم يهبها الله لمخلوق».(20)

وفي ذكرى ماي 1948 قال الإمام متسائلا: «ومن يكون البادئ يا ترى؟ آلضَّعيف الأعزل، أم القوي المسلّح؟».(21)

وراح يحمل فرنسا المسؤولية كاملة.

ولقد تتبّعتُ ما كتبه الإمام عن حوادث 08 ماي لَعلِّي أجِد أثراً ممّا رُميَ به من ادّعاء وهو تحميله هذا الفعل لحزب الشعب وأنصاره، فما وجدتُ لذلك سبيلا، لا تصريحاً ولا تلميحاً؛ بل وجدته يُحمِّل المسؤولية كاملة غير منقوصة للاستعمار الغاشم الظّلوم، ولولا خوف الإطالة، لسردتُ منه شيئاً كثيراً.

ولو فرضنا أن الإمام الإبراهيمي حمّل بعض الشباب الذين حملوا الأعلام الوطنية –وهو لم يفعل- واعتبر الأمر مغامرة وخطوة غير مدروسة، ألا يحق له أن يعتب على أبنائه، وهو يمثل روح الأبوة الشفوق للحركة الوطنية.

ومع هذا فالشيخ تأبى عليه رجولته كما يأبى عليه مركزه العلمي وسلطته الرّوحية أن يكون مع الظالم المستبدّ ضدّ المظلوم المضطهد.

وفي الختام أقول: لم أشأ أنْ أنقل ما كتبه الشيخ الإبراهيمي عن الثورة بعد سنة 1954، لأنّ هذا قد لا يكون دليلاً كافياً ولا كلاماً مقنعاً لمن يُريد أن يُروِّج الأباطيل أولا يُريد أنْ يرى الحقائق، فسُقتُ من كلام الإمام ومواقفه ما كان قبل الثورة بسنوات، لتكون حَكَماً بين الخصوم.

رحم الله الشيخ الإبراهيمي، فقد أدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الغمّة، وأقام الحُجّة، وأبرأ الذمّة، وجاهد في الله حق جهاده، فلقي ربه مقبلا غير مدبر، وبقوله رحمه الله نختم المقال: «أردنا أنْ لا يُسجّل التاريخ علينا ما سجّله على الأقدمين من سلفنا من مهانة السّكوت بعد الإضاعة أو السّكوت الذي سبب الإضاعة..

جمعية العلماء لم يجدّ عليها جديد وما رأت من نتائج جهادها إلاّ أنّها كشفت السِّتر عن حقيقة الاستعمار للمغرورين فيه، وجرّأت المكافحين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان على الأخذ بتلابيبه حتى لا يستريح ولا يهدأ له بال، وعلى زعزعة أركانه إنْ لم يقدروا على إتيانها من القواعد».(22)

 

الهوامش:

(1)حقائق وأباطيل، 1.الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والثورة (1).

(2)شاهد على العصر أسرار ثورة الجزائر، أحمد منصور، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2007م، ص: 127.

(3)آثاره، 5/17.

(4)المرجع نفسه، 2/290.

(5)المرجع نفسه، 3/56.

(6)المرجع نفسه، 5/121.

(7)المرجع نفسه، 5/123.

(8)آثاره، 4/257.

(9)المرجع نفسه، 4/ 260.

(10)المرجع نفسه، 3/171.

(11)آثاره، 5/130.

(12)الحركة الوطنية الجزائرية، أبو القاسم سعد الله، 3/101.

(13)آثاره، 3/59.

(14)آثاره، 3/105.

(15)آثاره، 3/431.

(16)انظر: آثاره، 4/175.

(17)آثاره، 4/171.

(18)موضوعات وقضايا من تاريخ الجزائر والعرب، يحي بوعزيز، 2/55.

(19)آثاره، 1/332.

(20)آثاره، 3/377

(21)آثاره، 3/ 333.

(22)آثاره، 4/259.

الأستاذ يُوسُف بُوغَابَة : مدير معهد الإمام البيضاوي للعلوم الشرعية - قسنطينة

آخر التغريدات: