عبد الحميد بن باديس والتلاقح الحضاري

بقلم: محمد مراح -

يعد الإمام عبد الحميد بن باديس (1889-1940) إمام النهضة الإسلامية الحديثة بالجزائر من مدرسة التلاقح الحضاري- كما دلت على ذلك كتاباته وخاصة تفسيره الذي حفظت لنا الأيام منه شذرات، وهو مرجعنا فيما نستشهد به من نصوص في مقالنا- ومدرسة التلاقح الحضاري هي التي يرى أصحابها أن تعاقب الحضارات والمدنيات محكوم بخاصية أخذها بعضها عن بعض للعلوم والأفكار المبدعة، لهذا فالعرب والمسلمون- كما يرى ابن باديس- أيام مدينتهم "عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم، ونظروا وصححوا واستدركوا واكتشفوا، فأحيوا عصور علم من كانوا قبلهم، وأناروا بالعلم عصرهم، ومهدوا الطريق ووضعوا الأسس لما جاء بعدهم فأدوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها له أمة في حالها وماضيها ومستقبلها".

لاحظ عبارة "عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم". فهي تدل بوضوح على مفهوم التمثل الحضاري أي هضم الآخرين وأفكارهم ثم إخراجها في ثوب قشيب ضمن حضارتهم التي قامت على أساس الوحي الرباني، باعتبار هذا الوحي مصدرا للمعرفة على خلاف المذاهب المادية التي تستبعده أو تستند إلى عقائد وثنية كالذي عند اليونان، وهذا التمثل الحضاري هو إحدى سمات الاستقلال الحضاري.

ونزداد تأكدا من انتماء ابن باديس- رحمه الله- إلى هذه المدرسة (مدرسة التلاقح الحضاري) حين تقرأ له وهو يجري القانون نفسه على مدنية الغرب، يقول: "وكما نرى الغرب في مدنيته اليوم، ترجم كتب المسلمين فعرف علوم الأمم الخالية التي حفظتها العربية وأدتها بأمانة. وعرف علوم المسلمين ومكتشفاتهم، فجاء هو أيضا بمكتشفاته العجيبة التي هي ثمرة علوم الإنسانية من أيامها الأولى إلى عهده وثمرة تفكيره ونظره فيها".
ويعزو ابن باديس التطور (في كثرة المكتشفات ونوعيتها والمعلومات) عبر القرون إلى تعاونهما (المكتشفات والمعلومات) بعضهما مع بعض- بشرط استمرار التفكير- بالشكل الذي عبر عنه بقوله: "فإن المكتشفات تُضم إلى المعلومات، فتكثر المعلومات فيكثر ما يعقبها من المكتشفات على نسبة كثرتها. وهكذا يكون كل قرن- مادام التفكير عَمّالاً- أكثر معلومات ومكتشفات من الذي قبله فإذا قلت معلوماته قلت اكتشافاته، وهذا كما كان النوع الإنساني في أطواره الأولى".

وهكذا يتضح لنا أن ابن باديس ممن يقولون بالتطور الذي تقول به فكرة البناء الحضاري والتراكم المعرفي الواعي، في الاكتشاف واستغلال المعرفة والعلم فيما يعود على الإنسان بالسعادة والرفاهية.

وتبقى المعلومة هي أساس أي تطور إلا أن الجمود عليها دون نظر فاحص، يفصل أصحابها عن قانون التطور، يقول ابن باديس: "وإذا كثرت معلوماته (أي العصر) وأهمل النظر فيها.. بقي حيث هو جامدا، ثم لا يلبث أن تتلاشى من ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل، لأن المعلومات إذا لم تُتعاهد بالنظر زالت من المحافظة شيئا فشيئا، وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في أيامها الأخيرة عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية- بسنة الله- بسقوطها.

ويتضح لنا من قوله هذا انتماؤه إلى مدرسة السنن الحضارية، أي سنن الله في المجتمعات والحضارات، أي بناء التطور والتخلف على مدى الأخذ بهذه السنن التي لا ترحم بسبب إيمان أو كفر. ولن يكون العلم نافعا محققا للتطور إذا "لم يصح إدراكه للحقائق أو لِنِسَبِها أو لم يستقم تنظيمه لها كان ما يتوصل إليه بنظره خطأ في خطأ وفسادا في فساد ولا ينشأ عن هذين إلا الضرر في المحسوس، والضلال في المعقول، وفي هذين هلاك الفرد والنوع جزئيا وكليا من قريب أو من بعيد".

ولعل فيما أوردنا من نصوص ما يمثل ويجلي لنا الخطاب الباديسيّ ذي الصياغة النموذجية للتلاقح الحضاري الإيجابي الذي يحفظ على الأمة نصوصيتها وذاتيتها دون حرمانها من مكتسبات العصر ومعارفه، نزولا عند قانون (المشترك الإنساني) و(الخصوصية الحضارية).

 

* مجلة الحرس الوطني العدد 270 الصادرة بتاريخ 01/11/2004

آخر التغريدات: