ابن باديس بشير "الحكم الراشد"

بشَّر المفكر الجزائري عبد الحميد بن باديس بـ"الحكم الراشد" منهجا وأسلوبا في تولي وتسيير "شؤون الأمة" منذ سنة 1938 م, متقدما على معاصريه من المفكرين السياسيين الإسلاميين وغير الإسلاميين, في رسم معالم نظام حكم, هو اليوم في قلب الإصلاحات والنقاشات الجارية عبر أنحاء المعمورة.

استلهم رائد الحركة الإصلاحية الوطنية خطبة البيعة التي ألقها أبو بكر الصديق رضي الله عنه, بعد تزكيته على رأس الدولة الإسلامية, واستخلص منها 13 بندا, في دراسة تحت عنوان "أصول الولاية في الإسلام" تعرض فيها لمختلف الجوانب ذات الصلة بالحكم في أول خلافة راشدية, وقدم من خلالها حلولا أصيلة ومبتكرة لقضايا ومعضلات الفكر السياسي الأكثر حساسية والأشد تعقيدا, ليس في العقد الرابع من القرن الماضي (جانفي 1938) فحسب, بل إن أفكاره وطروحاته مازالت تحتفظ بجدتها وصلاحيتها لمعالجة المشكلات القائمة في مطلع القرن الواحد والعشرين, بما في ذلك "دولة القانون والمساواة بين الأفراد والجماعات والعلاقة الشائكة والمعقدة بين الأغلبية والأقليات".

ومع أن الشيخ قد تناول هذه القضايا والمسائل من وجهة نظر إسلامية شرعية, أساسها الكتاب والسنة, فإن آراءه وطروحاته تطفح استشرافا مستقبليا وعصرنة وحداثة, تجعلها إسهاما وإضافة أساسية ونوعية في الفكر السياسي المعاصر, بما تقدمه من حلول متفردة ناضجة "متوازنة" متحررة إلى حد بعيد من الضغوط الظرفية.

ويثبت ابن باديس من البداية أن الأمة هي وحدها ودون غيرها من الأفراد والجماعات أو القوى الأجنبية, "صاحبة الحق والسيادة" في أمور الولاية, تعين وتراقب وتحاسب وتنحي, رافضا كل ما عدا ذلك من أسباب الوصول إلى الحكم من اغتصاب ووراثة أو استعمار, فلا ولاية إلا "بالاعتبار الشخصي ورضى الأمة, تماما مثلما أنها صاحبة الحق في "سن القوانين" التي تسير بها نفسها, دون ضغط أو إكراه من أية قوة كانت.

وبالنسبة للشروط الواجب توفرها في الحاكم, وهو موضوع أساسي في الفكر السياسي المعاصر, يضع ابن باديس "الكفاءة" في المقدمة, ويرى أن "خيرية" الشخص تبقى اقل أهمية من "الكفاءة" إذا ما تعلق الأمر بإدارة الشأن العام, مستبعدا (قي سنة 1938) الروابط الأخرى من قرابة الدم, الولاء الشخصي أو حتى رابطة الجغرافيا, التي تشكل جميعها عوامل فساد ووهن في الأنظمة السياسية المعاصرة.

ولا يترك مؤسس جمعية العلماء المسلمين يد "الوالي" مطلوقة دون ضابط في شؤون الرعية, بل يُلْزِمه بـ"تبيان الخطة (البرنامج) التي يسير عليها" لأنه من حق الأمة أن "تكون على بصيرة" بمدى تقيد الحاكم بالخطة التي تمت تزكيته على أساسها, إذ "ليس له (الحاكم) أن يسير بهم على ما يرضيه, وإنما عليه أن يسير بهم فيما يرضيهم".

من القضايا الجوهرية التي وقف عندها ابن باديس في المقال الصادر بجريدة "الشهاب" عدد جانفي 1938 ما يصطلح عليه في الفكر السياسي المعاصر بـ"دولة القانون" و"مساواة المواطنين أمام القانون" حيث يؤكد الشيخ الرئيس دون مواربة في (الأصل العاشر من مقاله) بأن "الناس كلهم أمام القانون سواء" لكن ما تفرد به هذا المفكر الفذ هو قدرته على تجنب مساوئ كل من "الشعبوية الغوغائية" من جهة, و"النخبوية الأرستقراطية" من الجهة الأخرى, حيث يطالب بتطبيق القانون, على القوي دون رهبة لقوته, وعلى الضعيف دون رقة لضعفه", ويضيف فيما يتعلق بـ"صون حقوق الأفراد والجماعات" عدم جواز إضاعة "حق ضعيف لضعفه" أو ذهاب "قوي بحق أحد لقوته عليه".

ويرتقي ابن باديس إلى الذروة حين يتصدى لمعالجة العلاقة بين الأغلبية والأقليات تحت عنوان "حفظ التوازن بين طبقات الأمة". فهو يؤكد أن صون الحقوق يتطلب أخذ الحق من القوي "دون أن يقسى عليه" لقوته حتى يضعف وينكسر, ويعطى الضعيف حقه دون أن "يدلل لضعفه" فيطغى وينقلب معتديا على غيره.

ويختم ابن باديس دعوته للديمقراطية والحكم الراشد, بالتأسيس لعلاقة بناءة إيجابية بين "الراعي والرعية" أساسها "الشراكة في الشعور بالمسؤولية" تجاه المجتمع, على خلاف ما هو موجود في الفكر السياسي الغربي المعاصر القائم على "الصراع والصدام" بين الحكام والمحكومين, ويذهب الشيخ الإمام إلى حد منح "الوالي" الحق في الحصول على النصح والإرشاد متى كان في خدمة الأمة.

مضى على دعوة ابن باديس إلى انتهاج الحكم الراشد والديمقراطية حوالي 79 سنة, ومع ذلك فإن آراء هذا المفكر المبدع مازالت تحتفظ بكامل حيويتها وجدتها, وقد علم مؤخرا أن الأمريكيين مهتمون بآراء ومواقف رائد النهضة الإصلاحية في قضايا الحكم والديمقراطية, حيث سلمت لهم بعض كتاباته في هذا المجال, ومنها موضوع "أصول الولاية في الإسلام" مما يؤكد مكانة وأهمية آرائه في فهم جوانب مختلفة من الفكر السياسي الإسلامي والعالمي, الذي يثير نقاشا واسعا بالتزامن مع التحولات العميقة التي تعرفها البشرية.

آخر التغريدات: