ابن باديس يضع أسس الحكم..

ابن باديس يضع أسس الحكم..

بقلم: محمد سعيدي -

في مقال نشره ابن باديس في جانفي1931، تحت عنوان ''أصول الولاية في الإسلام''، تعليقا على الخطبة المختصرة التي ألقاها الخليفة الأول أبو بكر الصديق، حين بويع بالخلافة، يستخرج الإمام الجزائري ثلاثة عشر بندا، يرتكز عليها الحكم في الإسلام، وفي عصرنا الحاضر.

وقد يقول قائل : كيف لابن باديس، رجل الإصلاح الديني، الذي كرس حياته لتطهير الإسلام مما لحق به من التشوّه والخرافة والدجل، من طرف بعض المؤسسات الطرقية، التي كانت تدعي المحافظة على الدين، وهي في الواقع، تعمل على هدم الإسلام، حسب تعبير ابن باديس نفسه. هذه الوثيقة تدفعنا للتفكير في عدة اتجاهات، كل منها أثر ويؤثر في حياتنا السياسية والثقافية والأخلاقية، العامة منها والخاصة بصفة مباشرة· بل إن كل مسار في أي اتجاه من تلك الاتجاهات، أصبح يشكل معضلة وطنية لها انعكاساتها على انسجام المجتمع، وعقبة في طريق تطور البلاد. وفي نفس الوقت، يلزمنا التفكير العملي بصفة جدية في تلك الأسس التي جاءت في الوثيقة، حتى نعرف الوضع  الذي نحن عليه، وحتى نعلم إلى أين نسير؟

من أهم هذه التوجهات العودة إلى تفكير ابن باديس الديني الوطني والسياسي. فقد كان رجل علم غزير، محاورا من الطراز الأول، يحاور بالحجة العلمية المنطقية، عقلاني التفكير والعمل، عصريا يدرك متطلبات بلده ومقتضيات عصره، يلتقي مع الأمير عبد القادر في التدين العميق الخالص، والرؤيا السياسية الوطنية المتقدمة مع العلم والإخلاص· التوجه الأخير، هو هذه القوى الكارثية التي وقعت في ''تفكيرنا'' الديني وتعاملنا مع الإسلام، هذا الدين الحنيف الذي حمانا منذ اعتنقناه من الهزات الداخلية، ومن الغزاة الذين حاولوا ابتلاعنا، وكان الإسمنت لوحدتنا الوطنية في كل الظروف والمحن والأزمات. حمانا من الذوبان في الغير، وشكل شخصيتنا الوطنية المتميزة·وكان دافعا للتضامن بين أفراد مجتمعنا. هذا الإسلام النقي الطاهر حولته سياستنا المتخلّفة، والفوضى الفكرية المدّعية إلى ساحة للعنف والاقتتال والفتنة، من دون إحداث تجديد حقيقي فعال، على غرار ما فعل الرجال من أمثال ابن باديس، ومالك بن نبي، ومن دون إحداث نهضة سياسية، تدفع البلاد نحو التقدم والخروج من التخلف.

إن الوثيقة تدعونا إلى التفكير في تراجع الفكر السياسي الوطني. فقد كان هذا التيار، ومنذ الأمير عبد القادر، محركا لمسارنا التاريخي الحديث، ومصدرا للمبادرات الحاسمة في المشاريع الوطنية الكبرى، مشكلا في تطوره المتصاعد رصيدا ضخما من الأفكار، والوثائق السياسية، والعواطف الإنسانية العالمية. ومن حركة التجديد الديني، والحركات السياسية الوطنية بمختلف اتجاهاتها وتنظيماتها، تتشكل مرجعيتنا الوطنية. وهي مرجعية مترسخة سواء في شكلها الديني أو السياسي الوطني؛ ليست مجرد صدى للحركات التجديدية في العالم العربي الإسلامي، من محمد إقبال في باكستان إلى جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده ورشيد رضا، ولا للأفكار السياسية والتيارات الأيديولوجية المعاصرة· لقد كانت تجربتنا الوطنية، في مرجعيتنا الأصلية والأصيلة، نابعة من معاناة شعبنا ونضاله الشجاع والمستميت في سبيل حريته وكرامته واستقلاله. خروجنا عن هذه المرجعية أو الابتعاد عنها هو أحد الأسباب الرئيسية لأزماتنا المتكررة· وابتعادنا عن المرجعية السياسية الوطنية في اختياراتنا المرحلية في شكلها الاشتراكي أو الليبرالي أو الإسلاموي، جعلنا نتخبط في مشروع بناء الدولة العصرية، والمشروع التنموي الوطني المنسجم، وتفكك التيارات والأحزاب السياسية، وما أصبح يسمى تجاوزا بالمجتمع المدني.

فعلى الجزائر، لاستعادة توازنها الطبيعي المبني على تجربتها التاريخية، أن تعيد تأسيس الركائز التالية المكونة لهويتها، وبناء دولتها العصرية· أن تعيد المبادرة للإسلام العقلاني المستنير والمتحرّر من الخرافة والطرقية الجديدة المؤسسة على البزنسة، والابتزاز، وتشجيع الشعوذة البعيدة عن تقاليدنا الدينية الصافية، وعن الروح العلمية المتفتّحة، تحرير الإسلام من الطرقية السياسية، التي حولت السياسة إلى ساحة للدجل والغوغائية· وعلى التيارات والأحزاب التي جعلت الشعار الإسلامي عنوانا لها، أن تهتم بالإصلاح الضروري، وتعيد للإسلام صفاءه وحيويته الفكرية والعقلية، التي جعلت منه رسالة عالمية قادرة على الحوار، والتجديد، والانتشار. وذلك لتستعيد مصداقيتها التي دمرها الإرهاب وسنوات العنف والفوضى واللامبالاة· كما أنها مسؤولية تتحملها الأقلام التي تهتم بالشأن الإسلامي دينا وفكرا وسياسة· المكون الثاني في إعادة التوازن هو إعادة تأسييس التيار الوطني الذي شكل العمود الفقري لمسيرتنا التاريخية· لقد تقهقر هذا التيار وتحول من  تيار عقلاني حديث يسير نحو العصرنة والتقدم، إلى قوة محافظة يهيمن عليها رجال متنافرون، تجمعهم المصالح المادية الآنية بعيدا عن تلك المبادئ السامية، والالتزام الصارم بالنضال الوطني في سبيل حرية وتقدم وسيادة الجزائر، ورفاهية شعبها.

وهذا التوازن لا يقوم إلا ببناء دولة قوية على أسس عصرية برجالها ومؤسساتها وبرامجها وهويتها الاستراتيجية· دولة محررة من ضغط البازار، بعيدة عن مستنقع الرشوة والفساد، لها هويتها الاستراتيجية المحدّدة لمصالحها الحيوية· هذه الروح المعيدة لتوازننا نستخلص الجزء الأساسي منها، من البنود التي حددها ابن باديس في وثيقته، والتي اقتبسها بدوره من خطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

آخر التغريدات: