الشيخ عبد الحميد بن باديس وجوهر الإصلاح الديني

بقلم: رجاء الناصر -

أولاً : الرجل

- ولد عبد الحميد بن باديس في كانون الأول من عام 1889 ميلادي في مدينة قسنطينة إحدى أهم المدن الجزائرية، لعائلة عريقة النسب والثراء تمتد جذورها إلى الأسرة الصنهاجية المالكة. وهي من أعرق الأسر "الأمازيغية- القبائلية" (1).

- والده محمد مصطفى بن باديس عضو المجلس للجزائر وهو هيئة إدارية عليا أنشأتها السلطات الفرنسية المستعمرة لمساعدتها في إدارة شؤون البلاد. وجده مكي بن بادير كان قد حصل على وسام من يد الأمبراطور الفرنسي نابليون الثالث عام 1864 نظرا لخدماته الكبيرة (2).

لكن أسرة ابن باديس رغم غناها وتعاونها مع السلطات الفرنسية، إلا أنها كانت أسرة متدينة وتشجع العلم.

- كان عبد الحميد منذ صغره متميزاً عن أقرانه من أبناء الأثرياء الذين يميلون إلى الترف ويخلدون للراحة والدعة، ووجد من والده ، ومن فطرته المتحفزة للعلو، المعرضة عن سفاسف الشباب اللاهي، باعثا على الرغبة في حفظ القرآن الكريم واغتراف ما أخذه من معلومات دينية عن بعض فقهاء قسطنطينية.

- أتم ابن باديس حفظ القرآن في السنة الثالثة عشر من عمره، وأخذ مبادئ العربية ومبادئ الإسلام عن الشيخ حمدان الوينسي (3) الذي أخذ عليه عهدا ألا يعمل موظفا في الحكومة، حتى يتفرغ لخدمة دينه وأمته بعيدا عن كل تأثير خارجي قد يفسد عليه حكمه، أو يبعده عن غايته فيميل به عن جانب الحق، ونفذ عبد الحميد هذا العهد وطبقه - فيما بعد- مع من كان يتوسم فيه الخير من تلاميذه(4).

- تطلع عبد الحميد إلى مزيد من المعرفة لم تعد قسنطينة بقادرة على منحه إياها. فشد رحاله إلى جامعة الزيتونة في تونس، وتلقى الدروس على أيدي مشاهير مشايخها. وحصل على شهادة "التطويع " وأتم دراسته سنة 1908 م.

- إلا أن الشرق كان يجذبه فشد الرحال إليه سنة 1912 م بقصد زيارة الأماكن المقدسة وتأدية "فريضة الحج". وهناك التقى بعلماء الأزهر فأجيز "بالعالمية" - وهي شهادة عليا - من طرف الشيخ "بخيت مطيعي "وفي الحجاز التقى بالشيخ بشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي. وكان هذان العالمان الجزائريان يدرسان في الشرق . الأول في سورية والثاني في المدينة المنورة. واجتمع الشيخ عبد الحميد بهما وتدارس معهما ما آلت إليه البلاد الجزائرية من سوء الحالة في معنوياتها واعتقاداتها، وتذاكروا بالمسؤولية المفروضة على العارفين أمثالهم. وتعاهد الجميع على بناء خطة لإنقاذ الجزائر من هذا الكابوس المحضر لها وعلى بث الروح الإسلامية في أوساطها(5). وعن تلك اللقاءات يتحدث الشيخ البشير الإبراهيمي قائلاً : "أشهد على أن تلك الليالي من عام 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز في الوجود إلا في عام 1931 " (6).

- عاد الشيخ عبد الحميد إلى الجزائر، وكان الجامع الأخضر بقسنطينة ميدانه ، وكانت أجواء هذا المسجد المبارك تتجاوب بنغمات الشيخ ابن باديس وهو قابع في حلقات التدريس، وتظل تحمل صوته إلى طلابه ساعات وساعات قد تبلغ الست يوميا أو تزيد . وأحاط به مجموعة من تلاميذه فكون منهم مجموعة صالحة. وإلى جانب تدريس الطلبة كان يقضي شطراً من ليله في وعظ وإرشاد العامة، يفسر لهم القرآن الكريم والحديث الشريف ويبث في نفوسهم روح السلف الصالح .

- تأثر الشيخ عبد الحميد بالفكر الإصلاحي الديني القادم من الشرق خلال دراسته في تونس . وتعمق هذا التوجه لديه في بلاد الحجاز حين اتصل بالحركة الوهابية وبالمصلحين الشرقيين أمثال محمد عبده ورشيد رضا وشكيب أرسلان.

- لم يلبث ابن باديس أن شعر بعد تفرغه للتدريس- تحقيقاً لحلمه- بأن حلقات الدرس في الجامع الأخضر لا تكفي لتحقيق ما يطمح إليه من تغيير وما يصبو إليه من تجديد (7) فأصدر صحيفة المنتقد عام 1925. وعندما أمرت السلطات الفرنسية بإغلاقها أصدر صحيفة جديدة "الشهاب " وساهم بتأسيس نادي الترقي في العاصمة الجزائرية . الذي أصبح مركزاً لتدعيم الثقافة العربية والدين الإسلامي . وكتب مقالات في مجلة " بلاد العرب " التي كان يصدرها الأمير شكيب أرسلان .

- في سنة 1935 دعا لتشكيل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كتجاوب عملي مع المناخ الشعبي السائد، إثر الاحتفالات الصاخبة التي أقامها المستعمرون في الذكرى المئوية لاحتلالهم البلاد الجزائرية. تلك الاحتفالات التي فجرت مخزون المقاومة الشعبية في أعماق الشعب الجزائري المسلم والذي رأى- فيها سحقاً لوجوده وطعناً لكرامته وعقيدته وقيمه.

- في عام 1931 تأسست الجمعية بشكل رسمي وانتخب الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيسا لها، وقاد من خلالها معركته المتصاعدة من أجل عروبة الجزائر. ومن أجل النهوض الدينى والثقافى لشعب الجزائر العربي المسلم. وحارب بجلادة التبشير والفرنسة والدمج . فاضطهد وتشرد واعتقل . ودفع مأجورون لقتله. لكنه لم يهن وإنما كان يخرج أصلب عودا مع كل معركة واستمر في كفاحه إلى أن انتقل إلى جوار ربه عام 1945 م عن عمر يناهز الخمسين سنة واستمرت من بعده مسيرة الإصلاح والدعوة وبقيت أرجاء الجزائر ومعها أنحاء المشرق تردد قصيدته التي جاء فيها (8) :

شعب الجزائر مسلم  --- وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله --- أو قال مات فقد كذب

هذا نظام حياتنا --- بالنور خط وباللهب

هذا لكم عهدي به  --- حتى أوسد في الترب

فإذا هلكنا فصحيتي --- تحيا الجزائر والعرب

ثانيا- الحركة والتنظيم:

من المفيد جداً أن نلقي الضوء على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسسها وترأسها الشيخ عبد الحميد، لأن هذه الجمعية كانت الوعاء الذي احتوى قسما كبيرا من نشاطه وحركته في العقد الأخير من حياته. وكانت التعبير الدقيق عن الممارسة المنظمة للأفكار التي اعتنقها في صراعها على أرض الواقع. "والجمعية/ المنظمة" لم تكن مجرد استمرار لابن باديس الرجل، وإنما هي أيضاً الشكل الأرقى والمنظم لصراع شعبي إسلامي إصلاحي عربي ، بدأ منذ فترة ليست بالقصيرة فوق أرض الجزائر، فهي امتداد ووليد شرعي " لنادي الترقي " وللجامعة الإسلامية والحركة السلفية الإصلاحية. لذا كان لزاما علينا أن نبدأ من البدايات الأولى في حركة تصاعدها عبر الإرهاصات المتوالية وصولاً إلى شكلها الأرقى في جمعية العلماء .

يقول د.محمد عمارة في كتابه العرب يستيقظون : " في مواجهة الحرب الصليبية المعلنة وغير المعلنة ضد مقومات حياة العرب في الشمال الأفريقي، نشأت حركة المقاومة التي عرفت بالحركة السلفية"(9). والحرب الصليبية التي تحدث عنها الدكتور عمارة هي تلك الفصول من الحرب التي بدأت مع استعمار فرنسا للجزائر عام1830 م. ونطلق عليها تسمية حرب صليبية - رغم أن فرنسا المستعمرة كانت قد تخلت عن الصفة الدينية لسلطتها السياسية. وتبنت مفاهيم العلمانية وعلى رأسها عزل الدين عن الدولة- نظرا لكون فرنسا العلمانية تلك مارست في مستعمراتها سياسة صليبية مكشوفة حين ترافقت جيوشها مع الحملات التبشيرية رافعة راية الصليب المنكسة في بلد المنشأ "فرنسة". كان هدف المستعمرين العلمانيين مطابقاً تماماً لأهداف المستعمرين الصليبيين "المبشرين". هدف غايته الأساسية طمس هوية الجزائر وإلغاء وجودها المتميز، ليس ككيان فحسب، وإنما الأهم من ذلك، إلغاء وجودها كشعب. ولعل ظلال حروب الأندلس كانت لا تزال مرتسمة في أذهان المستعمرين الجدد.

في المقابل كانت حركة المقاومة الوطنية التي انطلقت من الزوايا والطرق الدينية، وهي مقاومة سلبية في معظم الأحيان لكنها، مكنت من خلق جدار نفسي صلب في مواجهة الطارئ الخارجي. لكن ومع استمرار الضغط "الخارجي" وفشل الانتفاضات الثورية أخذت مؤسسات تلك المقاومة السلبية تفرز ذاتها ضمن اتجاهين، وتعمق توجهاتها فيهما.

الأول: تمثل بتعميق حال التخلف والتراجع وانتشار البدع والشعوذة وصنميات المزارات.

الثاني: تمثل بالاقتراب من السلطة وظهور طبقة تجار الدين الذين تهافتوا على المناصب الرسمية "الشرعية" وعلى الألقاب التي تمنح من تلك السلطات.

أمام تلك الحالة، كان لا بد للمقاومة من أن تفرز ذاتها بصيغ ومفاهيم جديدة عمادها الدعوة [ للرجوع إلى منابع الإسلام الأولى وأصول تعليمه الأولى، والتي تلفظ الدجل والشعوذة وتجار الدين الذين باعوا مقومات حياتهم وحضارتهم في سبيل منصب " المفتي " و"الإمام "... كما استهدفت الحركة السلفية هذه إحياء التراث العربي والحفاظ على اللغة العربية ](10) . وكانت انطلاقة تلك الحركة السلفية من تونس المتصلة بقوة مع حركة التجديد والإصلاح الديني المنبعثة من المشرق على أيدي الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلامذته عبد الرحمن الكواكبي في سورية ومحمد عبده في مصر، ومتأثرة أيضا بالحركة الوهابية في بلاد الحجاز. كان الشيخ الطيب العقيبي أحد رواد تلك الحركة السلفية والمتأثرين بحركة محمد عبد الوهاب بقوة، فأنشأ بعد رجوعه من الحجاز حركة إصلاحية دينية لمقاومة الخرافات، أولاً في مسقط رأسه "سيدي عقبة" ثم انتقل بها إلى الجزائر العاصمة وأصدر جريدة "الإصلاح " كمنبر يدعو فيه لأفكاره (11).

أما الشيخ ابن باديس العائد من الحجاز أيضاً فقد جعل من منبر الجامع الأخضر منطلقاً لدعوته. وأصدر جريدة "المنتقد" ليخرج بها من نطاق التلاميذ والمريدين إلى رحاب الجزائر كلها. وعندما أغلقت بعد صدور ثمانية عشر عدداً فقط أصدر شقيقتها " الشهاب ". وكان يتحين الفرصة للقيام بعمل أكبر وأرقى من حركته الفردية.

في عام 1926 تأسس نادي الترقي في العاصمة الجزائرية، وضم النادي نخبة علماء الجزائر ومثقفيها. وسعى هؤلاء لمنع تمادي السلطات الفرنسية بالتدخل في كل أمور الدين ومحاولة السيطرة على الشؤون الدينية كافة.. وجعلوا ناديهم مركزاً للثقافة العربية والدين الإسلامي (12) .

صحيح أن نادي الترقي لم يكن يضم مجموعة متجانسة من رجال العلم والثقافة إلا أن دور المصلحين كان بارزاً في أروقة هذا النادي. وعن تلك المرحلة يتحدث الأستاذ أحمد توفيق المدني [ كنا نسير بالنادي رغم القوانين الصارمة - في طريق الدعوة الملية الوطنية من جهة، وفي طريق الدعوة الإسلامية والعروبة الشاملة من جهة أخرى . وقاوم النادي نزعات الاندماج، كما قاوم طلب الجنسية الفرنسية ](13).

وفي أروقة النادي وكواليسه أخذت تنضج الفكرة التي تناقش حولها ابن باديس وإخوانه عندما كانوا في أرض الحجاز، فكرة تشكيل جمعية للعلماء المسلمين المصلحين. كان كل شيء جاهزاً عند هؤلاء الرجال، لكنه ينتظر فقط التوقيت المناسب.

في عام 1930 هاج المستوطنون الأوروبيون وسكروا في الشوارع فرحاً ونشوة ، في الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر التي أخذ يطلق عليها تسمية "جنوب فرنسا" و"الجزائر الإفرانسية" . مما ولد إحساساً عميقأ بالنقمة لدى عموم الجزائريين . في هذه الأجواء وفي ظل تصاعد حملة التجنيس والتنصير ومحاولة طمس الهوية الوطنية والشخصية الإسلامية أعلن الشيخ عبد الحميد وكوكبة من زملائه على رأسهم البشير الإبراهيمي والطيب العقيبي وأحمد توفيق المدني وعشرات غيرهم عن تشكيل "جمعية للعلماء المسلمين الجزائريين " وفي عام 1931 تألفت هذه الجمعية رسمياً وأخذت ترخيصاً رسمياً بذلك، وقد حاولت الجمعية أن تتجنب الصدام المبكر مع الإدارة فنصت في قانونها الأساسي على عدم الاشتغال في السياسة. وصبت جهودها أول الأمر على برامج شبيهة ببرامج السلفية الهادفة إلى تنقية الدين من البدع والخرافات (14). وطرحت هذه الجمعية برنامجها الذي يتلخص بـ "حرية إقامة شعائر الدين الإسلامي وجعل اللغة العربية رسمية وتعليم الجزائريين (العربية والفرنسية)- بعد أن كانت مقتصرة على الفرنسية- وحرية الحج إلى مكة. وأطلقت شعارا يختصر جميع تطلعاتها الإسلام ديننا- الجزائر وطننا- العربية لغتنا (15). وتحت هذا الشعار، وخلف هذا البرنامج فتحت المئات من المدارس العربية وانتشرت فروع الجمعية على طول البلاد وسخرت منابر المساجد وأوراق الصحف لدعاتها ليشنوا حرباً قاسية ضد قلاع التخلف ومراكز الطرق وضد البدع والجهالات. ودخلت أتون حرب سياسية ضد الدمج والتجنيس والتنصير رغم أن غايتها الظاهرية كانت العمل على الإصلاح الديني ... والدفاع عن حقوق المسلمين المهضومة (16). واستطاعت أن تؤدي دوراً بالغ الأهمية في مقاومة الاستعمار الفرنسي وتدعيم البنية التحتية لمقاومة صلبة متينة حين اعتمدت العلم مدخلاً للتحرر. حيث يقول الأستاذ الفضيل الورتلاني أحد قادة الجمعية المتأخرين ".. مبدأ الجمعية هو العلم والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها قسمان. تحرير العقول والأرواح، وتحرير الأبدان والأوطان، والأول أصل للثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح من الأوهام في الدين وفي الدنيا وفي الحياة، كان تحرير الأبدان من العبودية والأوطان من الاحتلال متعذراً أو متعسراً حتى إذا تم منه شيء اليوم ضاع غدا لأنه بناء على غير أساس (17) .

ثالثاً : جوهر الدعوة الإسلامية

إن جوهر الدعوة عند الشيخ ابن باديس تتمثل بتنقية الدين الإسلامي. من الشوائب التي علقت به والعودة به إلى ينبوعه الأصلي الذين أتى به الله وأنزله على سيدنا محمد فطبقه ومارسه السلف الصالح من بعده.

إنه دين المساواة والعدل والإحسان. دين العقل الذي يدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير وينشر دعوته بالحجة والإقناع ... والتوحيد أساس الدين (18).

التوحيد في الإسلام هو جوهر الدين. والتوحيد هو الإيمان بالله وحده لا شريك له وخلوص العبودية له. ويدخل في الشرك الذي هو عكس التوحيد كل التصرفات والقناعات والممارسات التي تنصب على أن هناك من يشترك مع الخالق في بعض صفاته وأعماله . من قدرة على النفع أو الضرر. والتوحيد يحرر الإنسان من عبودية أخيه الإنسان ويحرر عقله وذهنه وفكره فيدفعه للتقدم والتطور. أما الشرك وعبودية غير الله فهي تدفع نحو التخلف والتحجر لأنها تقوم على قسر العقل عن تأدية واجباته في التفكير.

إن العمل الصالح المبني على التوحيد وحده النجاة والسعادة. أما التماس السعادة في العيش بالأوهام والاستسلام للأحلام فهي ضلالة وشقاوة وأن مصادر التشريع الإسلامي هي القرآن والسنة الصحيحة وسلوك السلف الصالح من صحابة وتابعين واتباع التابعين (19) . أما ما تدعو إليه الدعوات الطرقية من تقديس للمشايخ وبناء القباب على قبورهم والاستغاثة بهم واعتقاد الشفاعة بواسطتهم فهي بدع . لم يدعو لها الرسول أو أصحابه. بدع ضالة وعملية استغلال للدين وتشويه لمقاصده وتجميد لعقول المسلمين وإماتة لهممهم . فسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الذي أخبر فاطمة ابنته وأحب الناس إلى قلبه أنه لا يشفع لها عند الله كونها ابنة محمد لا يشفع لها إلا عملها وحده . فهل هؤلاء يعتقدون أنهم يملكون غير ما ملكه سيدنا محمد.

ووضع ابن باديس مقياسين يقيس عليهما حركة التجديد.

الأول: مقياس للتجديد في الدين... حيث إن كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت على النبي فعله فهو بدعة وضلالة (20). وكل ضلالة تؤدي بمتبعها إلى النار.

الثاني: مقياس للتجديد في الحياة : "حيث إن الإسلام يجيز كل ما فيه مصلحة" والمصلحة هي كل ما اقتضته حاجة الناس في أمر دينهم " ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم وتقدم عمرانهم مما تقره أصول الشريعة... "(21) .

من خلال هذين المقياسين سقط معه كل أصحاب الطرق وتجار الدين . وسقط معه كل ما يدعون إليه على مستوى ما يقولون إنه دين ودنيا.

فشفاعة المشايخ مرفوضة، والتزهد في الدنيا مرفوض. والانشغال عن السعي في الدنيا غير مقبول وبناء القباب وتزيين المساجد وعدم أشغال العقل في العبادة وفي شؤون الدنيا، خروج عن سنة محمد (صلى الله عليه وسلم).

كذلك عدم التجديد بما فيه مصلحة العباد من أمور الدنيا وشؤون معيشتهم وعدم مواكبة تطورات العلوم هي أيضا ضلالة.

والمذهبية هي أيضا بدعة وضلالة فالدين واحد هو الذي أنزل على سيدنا محمد أما الصراعات المذهبية فهذا خروج عن غاية الإسلام ووضع لاجتهادات الرجال فوق أصل الشرع.

ومن أجل المصلحة العامة.. " يجب تناسي كل خلاف يفرق وحدة الكلمة ويصدّع الوحدة ويوجد لله ثغرة ويتحتم التآزر والتكاتف حتى تنفرج الأزمة وتزول الشدة " (22) .

هذا هو الإسلام الذي يدعو إليه الشيخ ابن باديس. إسلام يحرر العقل ويتسلح بالعلم. ومن هنا كانت دعوته للعلم وللتعليم حيث رأى في التربية والتعليم أصل الإصلاح. وتعليم الدين يحتاج إلى التفقه بلغة الدين ولسانه .

"لن يصلح الدين المسلمون حتى يصلح علماؤهم " و" لن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم ". و" لن يصلح التعليم إلا إذا رجعنا إلى التعليم النبوي " (23) وسنمضي بعون الله في تعليم ديننا ولغتنا رغم كل ما يصيبنا (24).

إذن الدين عند الله هو الإسلام. وجوهر الإسلام التوحيد. وجوهر الإصلاح هو التعليم. والعربية هي لغة القرآن. والعرب هم القوم الذين حملوا رسالته.

رابعاً : مفهوم العروبة عند الشيخ ابن باديس

حتى نستطيع أن نكوّن صورة واضحة عن مفهوم الشيخ عبد الحميد بن باديس عن العروبة، لا بد لنا من استعراض أفكاره حول كل من:

1- مفهوم الأمة.

2- القومية- والقومية العربية.

3- الوحدة العربية والاتحاد الإسلامي.

4- مسائل تتعلق بقضية العروبة.

أ- الوحدة الوطنية.

ب- قضية فلسطين.

وهذه المسائل باجتماعها تعطينا صورة واضحة لا لبس فيها عن فكر الشيخ عبد الحميد حول هذه القضية.

1- مفهوم الأمة عند ابن باديس

لقد استخدم الشيخ ابن باديس مصطلح الأمة في كتاباته وخطاباته في مواقع متعددة مختلفة. فقد تحدث عن المسلمين بأنهم أمة. حيث وردت عبارة "الأمة الإسلامية" (25) وقال عن العرب بأنهم أمة. فقال عن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) إنه : "رجل الأمة العربي "(26). وكثيراً ما تحدث عن الجزائر قائلاَ عنها " أمة جزائرية" (27) . وكثيراً ما توج بياناته وخطاباته بهذه الصيغة " نداء إلى الأمة الجزائرية" (28). وكما قال عن العرب بأنهم أمة إلآ أن هذا لم يمنعه من القول بعبارة "أمم عربية" (29) وكذلك "أمم إسلامية" (30) .

إن هذه الاستخدامات المتباينة لمصطلح أمة توقع الباحث بحيرة وارتباك شديدين . وستخرجه عن إمكانية الحكم الصحيح على فهم ابن باديس لمسألتي الأمة والقومية ما لم يعتمد وسائل أخرى لفهم هذه الاستخدامات.

وسبب هذا الارتباك يعود إلى الاستخدام المتباين لهذا المصطلح . فبينما يستخدم المفكرون القوميون الجدد. مصطلح أمة للدلالة على " مجموعة من البشر تكونت تاريخياً وتميزت عن سواها من الأمم بخصائص مميزة تتمثل في عاداتها وتقاليدها وتراثها الروحي والفكري وبمقومات منها اللغة والتاريخ المشترك (31) . نرى أن العلماء الدينيين وبعض العروبيين الأوائل استخدموا اصطلاح الأمة بمعنى أكثر شمولية. حيث الأمة هي جماعة من البشر مطلق الجماعة، وهو مصطلح يظهر بوضوح في القرآن الكريم : حيث وردت كلمة أمة في أربع وستين آية، ستون منها في معرض الدلالة على مطلق الجماعة. منها قوله تعالى في الآية 104 من سورة آل عمران : [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ] وقوله تعالى في الآية 159 من سورة الأعراف : [ قوم موسى أمة يهدون بالحق ] (32).

لذا يصبح مبكراً استنتاج موقف الشيخ ابن باديس من الأمة بمفهومها الحديث ما لم نتعمق أكثر في مضمون تلك الاستخدامات. فقد طرح مقولة الأمة الجزائرية باستمرار بمعرض التمايز عن فرنسا.. "الأمة الجزائرية الإسلامية هي ليست فرنسا.. بل هي بعيدة عن فرنسا في لغتها وفي أخلاقها ، وفي عنصرها . وفي دينها... " (33) . أي أنها أمة مختلفة عن فرنسا لاختلاف العقيدة واللغة والعنصر وتلك العناصر التي ذكرها تشكل عناصر أساسية في استقلال الأمم أما إذا عدنا إلى مفهوم الأمة الإسلامية فإن ما يميزها عن غيرها من الأمم هو الدين وحده .

والأمة العربية بتعريف ابن باديس هي "هذه الأمة الممتدة من المحيط الهندي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غربا والتي فاقت سبعين مليوناً عداً تنطق بالعربية وتفكر بها وتتغذى من تاريخها وتحمل مقداراً عظيماً من دمها" (34) أي أن مضمون هذه الجماعة التي هي الأمة العربية اللغة والتاريخ والجنس بشكل ما والآمال والآلام .

ومصطلح أمم إسلامية ورد عن جماعات يرتبط بعضها بالبعض الآخر من خلال وحدة الدين. أما مصطلح "أمم عربية" فلم يرد أي مضمون له ولكن استخدامه الملحوظ جاء في معرض الحديث عن قصص الأمم التي بادت كما وردت في القرآن .

إن هذه  القراءة لمضمون الاستخدامات ترى أن ما يميز الجماعات "الأمم عن بعضها هي عوامل متعددة: اللغة والتاريخ والدين والجنس والمشيئة. وهي ذاتها المميزات التي تعطي خصائص الأمم بالمصطلحات الحديثة. ومن هنا نرى أن الأمة الجزائرية مستقلة بهذه الخصائص عن فرنسا ولكنها متحدة مع الأمة العربية. وتتفق في بعضها وتختلف في بعضها الآخر مع "الأمة الإسلامية. وذات الشيء عن العلاقة بين اصطلاحي أمة عربية وأمة إسلامية. أي أن الجماعة الجزائرية جزء لا يتجزأ من الجماعة العربية التي تتفق مع الجماعة الإسلامية بالدين وتختلف معها بالخصائص الأخرى".

وكذلك الأمة العربية تجتمع على خصائص رئيسية كافية لتميزها عن كل ما عداها من الأمم.

أما الأمة الإسلامية فهي جماعة يوحدها الدين ولكن لكل من شعوبها خصائص تكفي لتمييزها عن بعضها.

وإذا كانت الخصائص التي تميز الجماعات عن بعضها بحيث تظهرها كوحدة تجمع المنتمين إليها وتستقل بها عن الآخرين هي التي تشكل مصطلح الأمة باستخدامه الحديث . فإن هذه الخصائص تنطبق على "الأمة العربية" فقط من بين الاستخدامات التي استعملها الشيخ ابن باديس .

2- القومية والقومية العربية

إذا كانت القومية في أية أمة هي مرحلة عليا من مراحل الوعي التاريخي، وهي وعي الأمة لوحدة وجودها ولمكانها في هذا الوجود . ولعمق الروابط التي تشد جميع خلايا الأمة بعضها إلى بعض(35). كما هو ثابت لدى المتحدثين القوميين. فإن إطار هذا الوعي القومي لطبيعة العلاقات التي تشدّ الأمة العربية إلى بعضها ، يبدو واضحاً عند الشيخ ابن باديس الذي كتب في حزيران 1936 بمناسبة ذكرى المولد النبوي مقالاً بعنوان " محمد رجل القومية العربية" وهو يفسر هذه التسمية ويعللها تعليلاً دقيقاً حين يقول : " لا يستطيع أن ينفع الناس من أهمل أمر نفسه فعناية المرء بنفسه عقلاً وروحاً وبدناً لازمة له ليكون ذا أثر نافع في الناس... ومثل هذا كل شعب من شعوب البشر".

ويتابع قوله : "وإنما ينفع المجتمع الإنساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر إلى ماضيه وحاله ومستقبله ". ويكمل مقالته شارحاً كيف توجه سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بدعوته إلى بني قومه ثم وجهها إلى باقي العرب . وكيف أن القرآن نزل بلهجات العرب الأساسية كلها حتى يشعر العرب كل العرب أنه لهم ثم يقول : "على أن العرب رشحوا لهداية الأمم ".. ويختم مقالته قائلاً : " هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية... هذا هو رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه ونخدم القومية العربية" (36).

إن قراءة هذا النص يوضح لنا مسألة الوعي التاريخي المبكر بوجود الأمة العربية عند ابن باديس . وهو وعي واضح عند العرب وقد أدركه الإسلام فتوجه سيدنا محمد برسالة الله إلى قومه وإلى العرب وصاغ وحدتهم كمدخل لنشر الإسلام . ومن هذا الوعي المبكر تعامل الإسلام مع العرب فلم يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال بينما طرح الجزية كحل ثالث على باقي الشعوب .

ولا يقف استخدام مصطلح القومية العربية على هذا النص وإنما يطرحه بثقل ووضوح ويعلن اعتزازه بالانتماء للقومية العربية قائلاً : " ولنا من هذه القومية العربية الخالدة من هذا التاريخ الممتد البعيد مجد وملك " (37) . مثال ما لغيرها من العرب.

وعندما يتحدث عن مفهوم الوطن يعود ليثبت منظوراً يتطابق مع المنظور القومي فالوطن الأصغر هو الجزائر أما الوطن الأكبر فهو الوطن العربي الإسلامي. وهو الوطن القومي وبعد ذلك وطن الإنسانية العام . في هذه الزاوية لا نرى لدى الشيخ ابن باديس وطناً آخر بين الوطن العربي الإسلامي وبين وطن الإنسانية. ويعلق الأستاذ محمد الميلي على هذه المقولة بقوله : " إن ابن باديس هنا واضح في إيمانه بالقومية العربية، إذ يجعل التصنيف يتميز عن ما لدى سائر علماء الدين الذين اشتغلوا بالفكر السياسي فهو يتحدث عن وطن عربي إسلامي، أي عن وطن عربي يعتمد أساساً على التراث الإسلامي . أي أن ابن باديس بهذا التحليل قد أعطى للقومية العربية منذ سنة 1936 نفس المحتوى الذي يتجه نحو الفكر العربي التقدمي الحديث (38).

- مقومات القومية العربية عند ابن باديس:

يتحدث الشيخ ابن باديس عن مقومات القومية العربية في أكثر من مقال وخطاب. فهو حيناً يتحدث عن اللغة والجنس والتاريخ والألم والأمل كمقومات للقومية العربية (39). وحينا يتحدث عن اللغة والقيم والعنصر والدين (40). ومرة ثالثة يتحدث عن اللغة والعقيدة والآداب والأخلاق والتاريخ(41).

وفي مقالته الجنسية القومية والجنسية السياسية يعدد أربعة مقومات هي اللغة والعقيدة والتاريخ والآمال والآلام (42).

ولكنه في كل مرة يركز على مقومين رئيسين هما اللغة والتاريخ ونحن بدورنا سنتوقف عند هذين المقومين ليس باعتبارهما مقومان وحيدان وإنما باعتبار الدين نسغ يدخل في كل المقومات القومية للأمة العربية ولا يمكن النظر إليه كمقوم مستقل . وهذا ما نجده عند الشيخ ابن باديس أيضاً .

أما الجنس فالشيخ يعترف إنه ليس هناك جنساً صافياً والعرب ليسوا هم ذو أصل واحد فقد كانت الكثير من الشعوب تتعرب عبر التاريخ وتصبح عربية باللسان والتاريخ المشترك .

ويحذر من العصبية للجنس ويقول: " أحذر من التعصب الجنسي الممقوت فإنه أكبر علامات الهمجية والانحطاط " (43) .

أ- اللغة

كثيرا ما يطرح من قبل بعض المفكرين الإسلاميين أن الدعوة القومية هي دعوة غريبة عن الإسلام. ومتعارضة مع أحكامه باعتبارها دعوة لعصبية جاهلية. وأن الإسلام قد ساوى بين الأجناس حيث لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى .

ولكن الشيخ ابن باديس الذي طرح الفكرة القومية من موقعه الإسلامي يرى أن القومية العربية- مع تقديره لدور العرب كجنس- تقوم على قاعدة اللسان أساساً. ويرى في اللغة المقوّم الأول لهذه القومية. فهو يقول " تكاد لا تخلّص أمة من الأمم لعرق واحد. وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يربط الأمة، ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غاياتها هو هبوطها من سلالة واحدة وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد "(44).

إن هذا التحليل الذي اعتمده الشيخ عبد الحميد لم يقتصر الوصول إليه على مجرد المحاكمة العقلية والمنطقية وإنما ارتكز فيه على قراءة التاريخ الإسلامي وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فقد اعتمد في رؤيته هذه على الحديث النبوي الذي رواه ابن عساكر في تاريخ بغداد بسنده عن مالك الزهري عن ابن أبي سلمة ابن عبد الرحمن قال : جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال : هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل- يعني النبي (صلى الله عليه وسلم) - فما بال هذا- يعني الفارسي أو الرومي والحبشي ما يدعوهم إلى نصره وهم ليسوا عرباً مثل قومه- فقام إليه معاذ ابن جبل- رضي الله عنه- فأخذ بتلبيسه- ما على نحره من الثياب - ثم أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بمقالته . فقام النبي (صلى الله عليه وسلم) مغضباً يجر ردائه- لما أعجله من الغضب- حتى أتى المسجد. ثم نادى الصلاة الجامعة " ليجتمع الناس " وقال : أيها الناس الرب واحد والأب واحد والدين واحد وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي .

إن اعتبار اللسان وليس الدم عمود بناء الأمة وأهم مقوماتها هي حقيقة علمية وتاريخية وهذا ما اضطرت أن تعترف به كل الشعوب بعد أن تراجعت واندحرت تلك النظريات التي اعتمدت العرق كمقوم رئيسي للرابطة القومية واللغة تخلق الشعور بالإلفة وتخلق إمكانية التفاهم الذي يشكل الدعامة الأساسية للتعايش المشترك إضافة إلى أنها تدخل بتكوين المجموعة البشرية التي تتحدث بها حيث تؤثر على أفرادها حتى أعمق تفكيرهم ومن المؤكد أن استعمال لغة واحدة يعمل على تشكيل تراث مشترك من المفاهيم .

ولنعد إلى ابن باديس الذي يثبت أهمية اللغة باعتبارها أداة ربط الماضي بالحاضر.. ".. فلا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد إلا هذا الحبل المتين، اللغة العربية، لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية "(45).

ب- التاريخ

إن تاريخ الأمم يمثل سلسلة طويلة من التفاعلات. وهو السجل الذي يحوي الحقائق والأحداث التي تعيشها الأمم ويسجل مراحل تطورها ودرجات نموها وتقدمها ويتميز تاريخ الأمم المكتملة النمو بأنه وحدة مترابطة ويصنع وحدة مجتمعية بين أبناء الأمة ويتألف من سلسلة متصلة الحلقات تهيئ كل مرحلة لمجيء حلقات أخرى .

إن التاريخ المشترك يوجد وحدة التراث الفكري والحضاري وهو الذي يخلق القرابة المعنوية بين الأجداد والأحفاد. ولكن من المهم جداً معرفة قراءة التاريخ بعد أن يدرك أهمية هذه  المعرفة.

والشيخ ابن باديس وقف بدقة عند هذه المسألة فهو يدعو لمهذه المعرفة ويربط المستقبل بها "من عرف تاريخه جدير أن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود" (46).

واعتمد في قراءته للتاريخ على فكره الثاقب وعلى منهج تحليلي علمي نقدي وهو يرى أن " التاريخ لا يجب أن ينظر إليه من جهة واحدة ، بل من جهات متعددة " (47).

ومن هذا المنظور التحليلي الشمولي نظر لتاريخ العرب قبل الإسلام فرأى فيه صورة تتناقض كثيراً مع الصورة التي يطرحها العديد من المفكرين الإسلاميين الآخرين والتي تقدم العرب في صورة همج لم يطورهم إلا الإسلام .

وفي قراءته اعتمد على القرآن ورأى أن الاهتمام بتاريخ العرب حق على كل من يدين بالإسلام. حيث إن هناك ارتباطا وثيقاً بين العرب وبين الإسلام . فقد اختارهم الله لتبليغ دين الإسلام.

في قراءته للقرآن لاحظ " أن القرآن هو الذي أنصف العرب الذي ذكر قبائح المجتمع الجاهلي ولكنه بالمقابل عدد الكثير من الصفات الإيجابية، والكثير من المظاهر الحضارية عند العرب"(48). ويضرب أمثلة عديدة على الطرح القرآني لصورة العرب وتاريخهم من خلال الآيات التي تتحدث عن أمم عربية بائدة . عاد وثمود وارم ذات العماد ومملكة سبأ. حيث كانت أمماً عظيمة ذات حضارة وقوة. وهي تملك مؤهلات جنسية طبيعية للملك وتعمير الأرض وأن تلك المؤهلات فيها وفي غيرها من شعوب العرب هي التي أعدتهم للنهوض بالرسالة الإلهية (49). وهي بعض خصائص هذه الأمة التي هيأها الله للنهوض بالعالم (50) .

هذه هي المنظومة التاريخية التي رآها ابن باديس في تاريخ العرب الذي اعتبره مقوماً رئيسياً من مقومات القومية العربية التي دعا إليها.

3- الوحدة العربية والاتحاد الإسلامي .

قد لا تكون الصورة قد اكتملت بعد ، وخاصة أن معظم أحاديث الشيخ كانت عن الجزائر العربية المسلمة. الجزائر التي تناضل من أجل هويتها "القومية" هوية الأمة الجزائرية المسلمة. وكل نضالاته صبّت في هذا الاتجاه، اتجاه يكرس الهوية الوطنية في مواجهة الفرنسية ، ويواجه التبشير بالإسلام ، ويواجه الثقافة الفرنسية بالتعريب. حتى أن الاستقلال السياسي الذي كانت تطالب به بعض القوى الجزائرية لم يكن من طموحات الشيخ وجمعية العلماء فقد رأوا في هذا الطلب- في المراحل الأولى من دعوتهم- مطلباً صعب التحقيق، ورأوا في كفاحهم من أجل الهوية القومية الإسلامية الجزائرية المدخل إليه . ولكن كانت هنالك محطات أساسية أعلن فيها الشيخ بوضوح رؤيته القومية بكل ما تعنيه وترمز إليه من نزوع إلى تأسيس دولة واحدة تضم أبناء القومية العربية.

أبرز تلك المحطات موقف الشيخ ابن باديس من الأزمة التي أثارها سليمان باشا الباروني في مواجهته للأمير شكيب إرسلان الذي يعتبر صديقاً حميماً للشيخ عبد الحميد . تلك الأزمة تتعلق بالوحدة السياسية للأمة العربية ، فقد نسب لشكيب إرسلان قوله إن هناك أسباباً جغرافية تمنع اتحاد بلاد شمال أفريقيا "المغرب العربي " وإن الحديث عن الوحدة مع هذه المناطق يوجد أعداء أقوياء للوحدة. وقد أثار يومها هذا الحديث شخصيات جزائرية ومغربية وتونسية وتصدى له سليمان باشا الباروني فقد اعتبر هذا الموقف تخلياً من الأمير شكيب عن مسلمي شمال أفريقيا لفرنسة . لكن الشيخ عبد الحميد انبرى للدفاع عن صديقه والذي يهمنا من هذه الحادثة أنها كشفت عن رؤية الشيخ ابن باديس لمسألة الوحدة . إذ كتب مقالة بعنوان " الوحدة العربية وهل بين العرب وحدة سياسية " وجاء فيها .. " إذا نظرنا إلى الأمة العربية على ضوء هذه الحقيقة فإننا نجد منها شعوباً مستقلة استقلالاً حقيقياً فهذه تمكن بينها الوحدة السياسية وتجب . ثم نجد شعوباً أخرى وهي شعوب الشمال الأفريقي المصابة بالاستعمار فهذه لا وحدة سياسية بينها ولا بين غيرها ولا يتصور أن تكون"(51). ومن الواضح في هذا النص أن الشيخ ابن باديس يرى في الوحدة العربية طريقاً لا بد منه أمام العرب ويدعو لوحدة الأمة العربية التي تمتد بلدانها من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي ولكنه ينظر إلى هذه الوحدة بمنظور السياسي المجرب والمفكر الخبير، حيث يعتقد أن مسألة الوحدة تقررها شعوب حرة تملك سلطة قرارها السياسي وهذا لا يتوفر في الشعوب المستعمرة المغلوبة على أمرها. ويطالب بأن تترك لهذه الشعوب تقرير شكل نضالاتها وأسلوب عملها في تحقيق أهدافها، ولكن هذه الحرية يجب أن لا تتعارض مع هويتها وهي هوية عربية إسلامية.

هذه هي رؤيته للوحدة العربية، أما عن العلاقة بين الشعوب والأمم الإسلامية فهو يتحدث عن "اتحاد إسلامي " دون أن يحدد لنا طبيعة هذا الاتحاد. فهو يقول إن [ الاتحاد الإسلامي والوحدة العربية بالمعنى الروحي والمعنى الأدبي الأخوي هما موجودان ] (52).

هـ- مسائل تطبيقية تتعلق بقضية العروبة

حتى ندرك أصالة نهج الشيخ عبد الحميد بن باديس، وانطباق رؤيته النظرية العامة حول المفهوم القومي. سننظر في مسألتين رئيسيتين لنتبين مدى دقة تطبيق منهجه على الأحداث والوقائع التي عايشها.

وهاتان المسألتان هما:

أ- عروبة الجزائر ووحدتها الوطنية.

ب- القضية الفلسطينية والصراع مع الصهيونية.

أ- عروبة الجزائر ووحدتها الوطنية :

لقد كان من أهداف الاستعمار الفرنسي تخريب البنية الداخلية للشعب الجزائري . فعمد إلى تمزيق اللحمة الوطنية بشتى الوسائل ، ولعل أهم تلك الوسائل إثارة النعرات بين " الأمازيغ " وبين العرب. والتشكيك بعروبة الشعب الجزائري ، وفي سبيل هذا الهدف عمل على نشر دعاية مضللة عن تمايز الأمازيغ عن العرب، وشجع بالفعل مثل هذا التمايز.

لكن ابن باديس ذا الأصول الأمازيغية كان من ضمن الذين وعوا هذه المخططات وأعلنوا حربهم عليها. وكانت حربه الوطنية تقوم على ذات القواعد القومية التي آمن بها، فأعلن بكل وضوح "عروبة الأمازيغ "- البربر. وهي عروبة تقوم على قاعدة اللسان. وقدم تحليلاً وافياً لعروبة الجزائر جاء فيه.. ما من نكير أنه من الأمة الجزائرية كانت أمازيغية من قديم عهدها وأن أمة من الأمم التي اتصلت بها ما استطاعت أن تقلبها عن كيانها. ولا أن تخرج بها عن أمازيغيتها أو تدمجها في عنصرها ، بل كانت هي تبتلع الفاتحين فينقلبون إليها ويصبحون كسائر أبنائها فلما جاء العرب ، وفتحوا الجزائر فتحاً إسلامياً لنشر الهداية... دخل الأمازيغ من أبناء الوطن الإسلام وتعلموا لغة الإسلام العربية طائعين .. فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة وناقشوهم في مجالس العلم ... فأقام الجميع صرح الحضارة الإسلامية يعربون عنها وينشدون لواءها، لغة واحدة هي اللغة العربية الخالدة. فاتحدوا في العقيدة كما اتحدوا في الأدب واللغة فأصبحوا شعبأ واحدأ عربياً متحداً (53) . إن هذه الرؤية تعتبر تطبيقاً حرفياً للنظرية حيث العروبة هي عروبة اللسان لا الأصل وحيث العقيدة والتاريخ هي المقومات الحقيقية للأمة.

ب- المسألة الفلسطينية وقضية الصراع مع الصهيونية :

من الطبيعي أن تأخذ قضية مثل القضية الفلسطينية حيزاً من اهتمامات الشيخ عبد الحميد وكتاباته. فالأزمة الفلسطينية التي تمثلت بالهجرة المكثفة المنظمة لليهود الصهاينة إلى ما أسموه "أرض الميعاد" في ظل وعد بلفور بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، وما تبعه من مشاريع وقوانين صدرت تباعاً من قبل حكومة الانتداب البريطاني بهدف التمكين لهذا المخطط، وما نجم عنها من اضطرابات وثورات هزت كل الشعوب العربية والإسلامية وجميع القادة والمفكرين المسلمين .

ولكن المهم أن نتلمس طبيعة الرؤية التي نظر إليها ابن باديس للمسألة الفلسطينية وهي رؤية تدلل على تحليل عميق ومنهجية متسقة مع منظومة الأفكار التي آمن بها ودعا إليها . فقد رأى أن جوهر القضية ليست صراعاً دينياً بين مسلمين وبين يهود. وإنما هي سعي الصهيونية بالتنسيق مع الغرب الاستعماري. وهو هنا- الاستعمار الإنكليزي- على إقامة كيان صهيوني وزرعه داخل الوطن العربي من أجل تقسيمه وتمزيقه.

حيث يقول " ليست الخصومة بين كل عرب فلسطين ويهودها، ولا بين كل مسلم ويهودي على وجه الأرض. بل الخصومة بين الصهيونية والاستعمار من جهة ، والإسلام والعرب من جهة... يريد الاستعمار الإنكليزي الغاشم أن يستعمل الصهيونية الشرهة لقسم الجسم العربي وحط قدس الإسلام فلسطين " (54).

هذه الرؤية تستند- كما قلنا- إلى تحليل يقوم على الطبيعة القومية للمسألة الفلسطينية. وعلى رؤية أن المشكلة تتجاوز مجرد إقامة دولة يهودية على جزء من الأرض العربية. وإنما هي أعمق من ذلك حيث تستهدف منع الأمة العربية من التوحد.

ومن ذات السياق نظر إلى الصدامات التي حدثت بين الجالية اليهودية- في الجزائر- وبين المواطنين العرب المسلمين فرفض اعتبارها صراعاً بين ديانتين وأسف لها ودعى لتجاوزها (55).

 

هوامش :

(1) محمد الميلي عروبة الجزائر، ص 7.

(2! محمد الميلي المرجع نفسه، ص 9.

(3) محمد الميلي المرجع نفسه، ص 11.

(4) محمد قاسم الإمام عبد الحميد الزعيم الروحي ص 16.

(5) مجموعة مؤلفين ابن باديس في ذكراه الخامسة عشرة ، عن جمعية الطلبة الجزائريين

(6) د. أسعد سحمراني : الاستبداد والاستعمار ص 92

(7) محمد الميلى : عروبة الجزائر ص 12.

(8) عبد الحميد بن باديس . الآثار الكاملة، ج 4 ص 334- 335.

(9) محمد عمارة العرب يستيقظون ج 2 ص 147.

(10) محمد عمارة، المرجع السابق، ص 251.

(11) محمد لبجاوي حقائق عن الثورة الجزائرية ص 14.

(12) زاهية قدورة تاريخ العرب الحديث ص 512

(13) أحمد توفيق المدني هذه هي الجزائر ص 165.

(14) زاهية قدورة م. س. ص 513.

(15) محمد لبجاوي حقائق عن الثورة الجزائرية ص 15.

(16) إحسان حقي الجزائر عرببة ص 233

(17) فصيل الورتلاني الجزائر الثاثرة ص 200- 201

(18) عبد الحميد بن باديس الاثار الكاملة ج 3 ص 131.

(19) عبد الحميد بن باديس المرجع السابق ، ص 132

(20) عبد الحميد بن باديس الآثار الكاملة، ج 3 ص 132

(21) م. س. الآثار الكاملة، ح 3 ص 132.

(22) م. س. الآثار الكاملة، ج 3 ص 134.

(23) عبد الحميد بن باديس الاثار الكاملة - ج 2 ص 217.

(24) م. س. الاثار الكاملة- ص 245.

(25) عبد الحميد بن باديس الآثار الكاملة ج 3 ص 307.

(26) م. س. الآثار الكاملة ج 4 ص 21.

(27) م. س. الآثار الكاملة ج 3 ص 324.

(28) م س. الآثار الكامله ج 3 ص 383

(29) م. س . الآثار الكاملة ج 3 ص 20.

(30) م. س. الاثار الكاملة ج 3 ص 240

(31) طلال خالدي عبد الناصر والنظريات القومية ص 16

(32) عصمت سيف الدولة عن العروبة والإسلام ص 26.

(33) عبد الحميد بن باديس الآثار الكاملة ج 3 ص 283.

(34) عبد الحميد بن باديس ومجموعة مؤلفين- حصار الفكر العربي الحديث- في القومية العربية ص 71.

(35) محمد عمارة الإسلام والعروبة والعلمانية ، ص 149- 150.

(36) محمد عمارة الإسلام والعروبة والعلمانية، ص 149- 150.

(37) عبد الحميد بن باديس الاثار الكاملة ج 4 ص 19

(38) محمد الميلي ابن باديس وعروبة الجزائر ص 56- 57

(39) عبد الحميد بن باديس الاثار الكاملة ج 3 ص 399

(40) م . س . ج 3 ص 383.

(41) محمد الميلي ابن باديس وعروبة الجزائر ص 56- 57.

(42) عبد الحميد بن باديس الآثار الكاملة ج 3 ص 179.

(43) مرجع سابق ، م. س.

(44) محمد عمارة الإسلام والعروبة والعلمانية ص 150 - 151

(45) عبد الحميد بن باديس الآثار الكاملة ج 3 ص 11.

(46) عبد الحميد بن باديس الآثار الكاملة ج 3 ص 265

(47) عمار أوزيغان الجهاد الأفضل ص 35.

(48) محمد عمارة الإسلام والعروبة والعلمانية ص 156.

(49) محمد عمارة م. س. ص 156.

(50) محمد عمارة م . س . ص 162.

(51) ابن باديس وآخرون حصاد الفكر العربي ص 73

(52) عبد الحميد بن باديس الآثار الكاملة ج 3 ص 379.

(53) ابن باديس / الآثار الكاملة ج 3 ص 241.

(54) ابن باديس / الآثار الكاملة ج 3 ص 414.

(55) م . س. ج 4 ص 56.

آخر التغريدات: